#+FILETAGS: @personal --- title: "التقنية و الحرية و القانون: 1. معاداة التقنية" date: 2018-07-09T08:57:02-04:00 draft: true --- أواخر العام 2008، نشرت شركة أبل للتقنية على موقعها ما يفيد أن أحدث هواتفها آنذاك، آيفون 3جي، لن يباع بالمواصفات الكاملة في مصر [لأنه يحوي ضمن مكوناته مستقبلا لتحديد الموقع الجغرافي GPS و استخدام أجهزة من هذا النوع في مصر يحتاج إلى ترخيص](https://www.theguardian.com/world/2008/dec/09/egypt-iphone-mobile-gps). في ذات الوقت، وصلت مفاوضات شركة نوكيا، و التي كانت وقتها تحظى بالنصيب الأكبر من مبيعات الهواتف المحمولة حول العالم، مع الحكومة المصرية إلى نقطة حرجة، فهواتف نوكيا الأحدث مثل N95 و N97 صارت هي أيضا تحمل مستقبلات نظام تحديد الموقع الجغرافي و لا تنوي في أغلب إصداراتها القادمة إنتاج أي هواتف تخلو من تلك الإمكانية، بينما لا تزال مصر تتخوف من انتشار أجهزة بتلك الإمكانيات في أيدي الناس، الأمر الذي قد يؤدي إلى توقف أكبر منتجي الهواتف المحمولة في العالم من التصدير إلى مصر مؤثرا بلا شك على حالة الاتصالات في البلد كلها. نحن الآن في العام 2018، و أغلب الظن أن قارئ هذا المقال يقرأه (من موقع محجوب في مصر، و سنأتي لهذا لاحقا) مستخدما هاتفا أو جهازا لوحيا محمولا (و ليس حاسوبا) يدخل فيه مستقبل لنظام تحديد الموقع الجغرافي، أي أن عشرة سنوات كاملة مرت منذ أن وضع التقدم التقني متخذي القرار في هذه الشؤون في مصر، و هم نظريا الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات و عمليا أجهزة الأمن القومي الأربعة التي ينص عليها قانون الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، أمام الأمر الواقع. و بالطبع نحن الآن نعرف أن أي تخوفات أو أسباب كانت موجودة وقتها لم تصمد أمام مسيرة الزمن و أمام المصالح الاقتصادية للبلد التي تتطلب وجود هواتف حديثة. لكن السؤال يبقى: ماذا كانت تلك التخوفات بالضبط؟ و كيف حافظت الدولة على مدار الأعوام العشرة تلك، و ستحافظ مستقبلا، على المصلحة العامة و كل من يرغب أن يستعمل نظام تحديد المواقع الجغرافية في مصر يستطيع ذلك دون منع؟ الحقيقة أن المنع لا يزال موجودا، فمستقبلات نظام تحديد المواقع الجغرافية، التي هي ببساطة أجهزة راديو تستقبل--ولا ترسل--على تردد محدد مخصص في العالم كله لذلك النظام، ممنوعة اليوم في مصر، و ما حدث هو أن كل هاتف محمول (و كل جهاز استقبال أو إرسال من أي نوع و بغض النظر عن قدرته أو الترددات التي يعمل فيها) حصل على استثناء من المنع المبدئي المفروض بقوة القانون، فلا يزال حتى اليوم على موقع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات نموذجا رقمه [CS13](http://www.tra.gov.eg/ar/industry/licenses-for-wireless-equipments/DocLib/CS12.pdf)يتعين على كل من يرغب في استخدام مستقبلات أنظمة تحديد المواقع الجغرافية الأخرى، كالتي تأتي في الأجهزة الملاحية للقوارب و الطائرات أو السيارات أو المحمولة يدويا و التي يحتاجها ممارسي رياضة التنزه في الخلاء، تسجيل جهازه و تحديد الإحداثيات الجغرافية و منطقة العمل التي يطلب وجود الجهاز فيها. كل ما في الأمر أن جهاز تنظيم الاتصالات قد رفع المنع عن استيراد تلك الهواتف و بيعها و استخدامها و حيازتها، بينما لم يرفع المنع عن كل مستقبلات نظم تحديد المواقع الجغرافية. اليوم تماما كما هو الحال منذ عشرين عاما مثلا، إذا ضبطتك السلطات و في حيازتك جهازا مخصصا لتحديد المواقع الجغرافية، حتى إن لم تكن تستخدمه وقتها، ستحاسبك على تلك الجريمة. فكر قليلا في الضرر المتخيل الذي يمكن أن يحدثه مثل هذا الجهاز و لا يحدثه الهاتف المحمول، و إن وجدت سببا وجيها يبرر السماح بهذا و منع ذاك، اترك لي تعليقا في الصندوق أدناه. هذا الحال من المنع المبدئي للأدوات و تطبيق نظام ترخيص صارم استخدام الأداة فيه بل و مجرد حيازتها مجرم حتى يصدر الاستثناء بوضعه على قائمة سماح whitelist أو الترخيص لكل جهاز و كل مستخدم على حدة في نظام مراقبة دقيق ليس وضعا خاصا لأجهزة استقبال نظام تحديد المواقع الجغرافية، بل هو حال كل معدات الاتصالات أيا كانت، حتى أنني كنت أزعم أن القانون المصري يجرم مجرد الحيازة لثلاثة أنواع من الأشياء يراها من الخطورة بمكان: المفرقعات، و المخدرات، و معدات الاتصالات، إلا أنني كنت مخطئا. فالفاكس (هل تذكره؟) و مُسَيِّرُ router الإنترنت و مقوي إشارة الواي فاي و لاسلكي الهواة كلها من معدات الاتصالات التي تحتاج إلى ترخيص، لكن يضاف إليها كما صرنا نقرأ مؤخرا كل الكاميرات الصغيرة و التلسكوبات التي تنشر مصلحة الجمارك أخبارا عن "ضبطها" باعتبارها أجهزة للتجسس، و الطائرات المُسَيََّرَة لاسلكيا التي صدر قانون مؤخرا يمنعها، و الحواسيب الفائقة super computers إن أردت بناء واحد من عشرات من الحواسيب الأصغر و معدنات miners بتكوين و هذه الأخيرة لم يصدر لها قانون بعد و إن كانت تصادر في الجمارك هي الأخرى، و مواقع الوب بل و حتى حسابات تويتر و فايسبوك إن كانت تحظى بقدر من الشهرة كما صار الحال بعد تمرير قوانين الإعلام و الصحافة الأخيرة، بل و حتى مطابع الحبر و الورق و حتى طلمبات ضخ المياه الجوفية--و أنا لا أمزح هنا--هي كلها أشياء ممنوع استخدامها بل و مجرد حيازتها دون ترخيص. تتنوع عقوبات استخدام أو حيازة هذه الأشياء لكنها تشترك جميعها في أن 1) العقوبة هنا جنائية أساسها الحبس، و أن 2) ما يعاقب عليه القانون ليس إحداث ضرر ما باستخدام هذه الأشياء لكن مجرد استخدامها و إن كان استخداما مشروعا أو حتى حيازتها دون استخدام. هذا القدر المبالغ فيه من "التنظيم" كما قد يصفه البعض يفوق تجريم أنواع من السكاكين مثلا التي تظل حيازتها و استخدامها لا يحتاجان إلى ترخيص و غير مجرمين حتى ترفع السكين في فعل غير مشروع كالقتل أو الجرح أو تشرع فيه أو تهدد بإتيانه. يضاف إلى هذا المنع و التجريم أن الأشياء نفسها المجرم استخدامها أو حيازتها و الأفعال المفعولة أو الحريات المقيدة ليست بالضرورة محددة بوضوح في القانون. أتابع منذ دستة من الأعوام عن قرب تفاعلات التقنية و القانون و الحرية في مصر، و أزعم أن هذه الضبابية في لغة القانون هي نتيجة عاملين اثنين: أولها هو أن القانون يبدو أنه يستحي بعض الأحيان أن يسمي الأشياء بأسمائها، فلا يوجد مثلا في القانون المصري على حد ما قرأت إشارة واحدة "للتنصت المشروع" على الاتصالات الذي يفترض أن تمارسه السلطات في بعض الحالات لأغراض إنفاذ القانون، و إنما يشير القانون إلى ما يسميه "ممارسة السلطات اختصاصاتها" دون أن تحدد على سبيل الحصر هذه الاختصاصات في أي مكان آخر. سنأتي لاحقا على أمثلة عديدة لهذا الغموض في الصياغة الذي أظنه مقصودا. ثاني العوامل التي تنتج نصوصا قانونية ضبابية هي ضبابية المفاهيم، لا سيما تلك المتعلقة بتقنيات المعلوماتية، في ذهن من يكتبون القوانين، ما يؤدي إلى تعريفات مختلطة و متداخلة أو لا تدل على شيء أو فعل محدد بعينه، أو تدل على شيء أو فعل محدد لكنه أوسع بكثير مما يدعي القانون تنظيمه فينتهي به مجرما أشياء و أفعالا مشروعة تماما فنصبح كلنا في نظر القانون المصري من معتادي الإجرام حتى و إن اختارت السلطات فعليا أن تطبق هذه القوانين على من تريد و تترك من تريد. و هذا أيضا ما سنقرأه بالتفصيل في حلقات لاحقة في هذه السلسلة. إذا نحينا جانبا الحيرة الإضافية التي تصيب من يكتبون القانون عندما يتعلق الأمر بتفاصيل تقنيات المعلوماتية الحديثة، نجد أن هذا التقليد في تجريم الأشياء و الأفعال--في مقابل تجريم التعدي عن الحقوق--أصيل على ما يبدو في التراث القانوني المصري. فمثلا، استقر القانون في مصر منذ مطلع القرن الماضي على الأقل على تقسيم الأشياء إلى عقارات، و هي الأشياء التي لا يمكن تحريكها كالأرض و المباني، و منقولات، و هي الأشياء التي يمكن نقلها. على هذا الأساس، عرف القانون السرقة على أنها الأخذ غير المشروع للمنقولات، و هذا تعريف و منطق لا بأس به على الإطلاق، حتى يبدأ البعض في الدفع بأن بعض الأشياء ليست عقارات و لا منقولات، و هو بالضبط ما حدث عندما دخلت الكهرباء التي هي ليست منقولا كبقية المنقولات، و بالتالي فعوضا عن إعادة تعريف السرقة كي تشمل ما لا تشمله الصياغة الحالية، استحدثت في القانون مادة خاصة تعاقب على سرقة التيار الكهربي. ماذا عن المواشي و حيوانات أخرى؟ هذه أيضا ليست "أشياء" بالضبط، و بدورها أصبحت لها هي الأخرى مادة تخصها في القانون. بنفس المنطق، نسمع اليوم عن أن أنواعا جديدة من الجرائم ظهرت نتيجة تقدم التقنية و أن هناك الآن جريمة جديدة اسمها سرقة البيانات تستدعي تشريعا جديدا--صدر بالفعل--لشيء لا أفهم ما هو بالضبط يسمونه "الجريمة الإلكترونية" فصلا عن بقية الجريمة، أو أن انتشار مواقع الإنترنت و خدماتها الاجتماعية خلقت مجالا جديدا--و بالتالي خطرا جديدا--يستدعي التدخل بالتنظيم و الترخيص و العقاب و الحجب، و كأن الإنترنت شيء منفصل عن بقية المجال العام (أو الخاص) في حياتنا، و كأن الكلام على الإنترنت ليس كبقية الكلام. سبب هذا كله، في رأيي، هو أن القانون المصري اعتاد أن يجرم الأشياء، و هو لا ينبغي أن يكون إلا في أضيق الحدود لأشياء كالمفرقعات مثلا و على سبيل الحصر و التحديد، أي أن يكون التجريم في قائمة منع blacklist كل ما ليس فيها مباح و ليس كما في الوضع الحالي الذي يمنع كل شيء إلا ما تضعه الحكومة في قائمة سماح whitelist. يجرم القانون أيضا استخدام الأشياء دون ترخيص، فلا تحتاج النيابة العامة إلى سوق الدلائل عن ضرر بعينه وقع على أشخاص بعينهم، بل يكفي أن تثبت أنك امتلكت موقع إنترنت مثلا، و تدعي أنك تمتلكه أو تستخدمه بغرض إرهابي (و هذا تعريف ضبابي آخر)، و هذا يكفي لسجنك حتى خمس سنوات بنص المادة 29 من قانون مكافحة الإرهاب الجديد رقم 94 لسنة 2015، حتى إن لم تتسبب في حدوث ضرر بآخرين على الإطلاق، و لذلك تنظر الآن المحكمة الدستورية العليا في مدى اتفاق هذه المادة مع الدستور و مبادئ العدالة). هنا يكمن جوهر الخلل في السياسة العقابية المصرية، فهي في مجملها لا تُعَرِّف الجريمة بأنها اعتداء على حق (فتصبح السرقة في مثالنا أعلاه هي الاعتداء على الحق في الملكية الخاصة) بل تعرفها بأنها أفعال ترتبط عادة باستخدام أشياء، و يتوه الناس في ألوف مواد القانون الجنائي لا يعرفون ما هي الأفعال التي تعد جرائم في البلد، في حين أن شرطا أساسيا للقاعدة القانونية هي أن تكون بسيطة واضحة مفهومة معروفة لأواسط الناس. و لأن القانون الذي لا نفهمه نحن أواسط الناس و نلم به ليس قانونا ينطبق على الناس، أدعوكم على مدار الأسابيع القادمة لقراءة في مجموعة القوانين التي تُمَرَّر حاليا في مصر و تؤثر على المجال العام و على حياة كل الناس، و منها قوانين كاميرات المراقبة و الجريمة الإلكترونية و الصحافة و غيرها.