Files
memex/gharbeia.net/content/posts/drafts/القبضة الحديدية.org

10 KiB

— title: "القبضة الحديدية" date: 2004-01-01T00:00:00-00:00 draft: true —

ما العلاقة بين الخصوصية و الحرية و التظاهر و مراقبة الإنترنت؟ عمرو غربية*

## لا بد مما ليس منه بد

قبل أن أشرع في توضيح ما أراه في موضوع النظام المدعو "القبضة الإلكترونية" لمراقبة سلوك الناس على إنترنت، و نتيجة للأحوال القاهرة التي نمر بها في مصر، أود أن أوضح أولا أن ما أسوقه هنا مبني على افتراض أساسي، و هو أن هناك سلطة رشيدة ترى في سيادة القانون الطريق الأقل تكلفة لحل المنازعات في مجتمع حديث. يختلف المراقبون في تشخيص مدى صحة أو خطأ هذا الافتراض، حيث أن من القراء من يرى أن العدالة و القانون بعافية و في يوم من الأيام سينصلح الحال؛ بينما يرى آخرون أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. يوجد كذلك فريق ثالث يرى أن لا جدوى من محاولة النقاش في خرافات كسيادة القانون، فحالنا نطق بلسانه ما نسب إلى جيتوليو فارجاس، دكتاتور البرازيل لفترات رئاسية عديدة، حين قال "لأصدقائي كل شيء، و لأعدائي القانون". القانون، عند بعض الضعفاء، لن ينصف إلا الأقوياء. باستثناء الجزء الأخير من هذا المقال، فإن ما فيه موجه للفريقين الأول و الثاني.

## ضمانات المحاكمة العادلة

في العام 1958، نظرت المحكمة العليا الأمريكية في [قضية الجمعية الوطنية لتقدم الملونين ضد ولاية ألاباما](https://en.wikipedia.org/wiki/National_Association_for_the_Advancement_of_Colored_People_v._Alabama). كانت ولاية ألاباما، و هي من ولايات الجنوب الأمريكي الأكثر محافظة، و التي اشتعلت فيها حركة إحراز الحقوق المدنية للأمريكيين من أصل أفريقي، قد حاولت إغلاق الجمعية الوطنية لتقدم الملونين. الجمعية الوطنية هي منظمة حقوقية رائدة دافعت في المحاكم عن كثيرين من أصل أفريقي، و منهم روزا باركس، مواطنة ألاباما التي رفضت أن تجلس في المقاعد الخلفية للحافلة لأنها مقاعد مخصصة للسود.

كانت ولاية ألاباما قد تحفظت، بإذن قضائي، على سجلات عديدة للجمعية الوطنية، و منها سجلات العضوية في المنظمة المؤسسة في ولاية نيويورك، بتهمة أنها غير مسجلة في ألاباما، و بالتالي لن يسمح لها بممارسة النشاط داخل حدود ألاباما. و بالفعل، أدانت المحكمة في ألاباما الجمعية الوطنية، و أيدتها في ذلك محكمة استئناف ألاباما، ما دعا الجمعية الوطنية للجوء إلى المحكمة العليا الأمريكية، أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة بعد مهاترات قضائية بين قضاء الولاية و القضاء الفدرالي دامت خمس سنوات.

[“وأنا مالي و مال الجماعة السود دول يا أستاذ؟ يعني هم الجماعة السود دول هيمشّوا كلامهم علينا؟"](http://hunasotak.com/article/11276)--قاض مصري في 2014

حكمت المحكمة العليا الأمريكية لصالح الجمعية الوطنية، و في حيثات حكمه،كتب القاضي جون مارشال هارلان الثاني رأيه المؤيد لأغلبية أعضاء المحكمة، و قال فيه: “إن حصانة الشاكي من تدقيق [حكومة] الولاية في قوائم عضويته ترتبط هنا بحق أعضاء الشاكي أن يمارسوا أنشطتهم الخاصة في خصوصية، و أن يجتمعوا بحرية لهذا الغرض مع آخرين بما يتفق مع التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي"، ثم أضاف أن حرية التنظيم في منظمات تهدف إلى "تقدم المعتقدات و الأفكار" هي جزء لا يتجزأ من فقرة ضمانات المحاكمة العادلة في التعديل الرابع عشر للدستور. التعديل الرابع عشر في الدستور الأمريكي هو جزء من وثيقة الحريات، و هو يمنع، ضمن ما يمنع، مصادرة حق أي إنسان في الحياة أو الحرية أو الرخاء دون محاكمة عادلة.

تشير هذه القضية إلى أن الفقه الدستوري الأمريكي يؤصل للحق في الخصوصية من الحق السياسي في التنظيم و مخاطبة السلطات و التعبير عن معتقداتك و آراءك دون أن تضطر للإعلان عن اسمك أو هويتك. الخصوصية هنا ليست فقط حقا في المجال الخاص، أي في البيوت و المراسلات الشخصية التي لها "حرمة" بنص الدساتير المصرية المتعاقبة، بل هو حق في الخصوصية في المجال العام أيضا. عندما نفكر في ضمانات الديمقراطية، عادة ما يخطر في بالنا نظام عدالة جنائية (بوليس و نيابة و محاكم و سجون) عادل، و انتخابات حرة و نزيهة، و حكومة شفافة، و إعلام حر، و لا نفكر في الحق في الخصوصية إلا عندما نسمع عن قصص التنصت على الاتصالات أو كحق من حقوق المستهلكين.

"عندك بطاقة؟" "لأ، بس عندي شخصية"–نجاح الموجي، المتزوجون

توجد علاقة وطيدة بين أن تعرف الحكومة هويتك و بين حقك في الممارسة السياسية. من حقك أن تعبر عن أفكارك و معتقداتك و انتماءاتك كتابة أو في الشارع دون أن تسعى الدولة لمعرفة أكثر مما ترغب أنت أن تظهره من هويتك. لهذا، فتصوير المظاهرات للتعرف على المشاركين فيها، و مراقبة الآراء و علاقات الناس على الشبكات الاجتماعية الإلكترونية و في الشارع، و كمين البوليس الذي تطلب فيه هوية العابرين، و قواعد البيانات التي تجمع لغرض واحد و تستخدم لأغراض عديدة؛ هذه كلها ضارة بقدرة الناس على تنظيم مجتمعاتهم. و لهذا، ليست بدعة أو مبالغة عندما تستمر الحملات الشعبية لعقود و تنجح في إيقاف محاولات الحكومات فرض بطاقة شخصية موحدة على الجميع.

## الخصوصية

“أنت لا تحتاج الحجب إذا كانت عندك مراقبة شاملة"–المبرمج السويدي[أولا بيني](https://en.wikipedia.org/wiki/Ola_Bini)

يظهر من المواصفات التقنية لمناقصة توريد نظام مراقبة الناس على إنترنت أنه يقوم أساسا بوظائف ثلاث: الأولى هي اختراق مراسلات الناس الشخصية و مكالماتهم، و هو الأمر الذي يحذر منه الجمهور و المهتمين بالخصوصية من ناحية، و الذي تطمئن الداخلية و من يدافع عنها أن أي تفتيش في خصوصية الناس بعد الحصول على إذن قضائي يحدد فيه الشخص المستهدف، و المراسلات أو المكالمات المطلوب التفتيش فيها، و مدة إذن التفتيش، و الغرض من التفتيش بكون الشخص مشتبها فيه بارتكاب جريمة بعينها وقعت بالفعل.

الوظيفة الثانية التي لم تلق ذات القدر من اهتمام الرأي العام أخطر كثير في رأيي، ليس فقط لأن الداخلية قادرة بالفعل على اختراق المراسلات الخاصة باستهداف عدد محدود من الناس، لكن لأنها تستهدف عددا أكبر كثيرا من الناس، و لأن تأثيرها على المجتمع أخطر بمراحل.

الوظيفة الثانية هي مراقبة نشاط المجتمع و نقاشاته في المجال العام، مراقبة المحتوى الذي يشرك الناس أصدقائهم و معارفهم فيه. النظام المطلوب هو من الذكاء بحيث يقدر على قراءة و فهم النصوص المكتوبة و تصنيفها، و على رسم ال

هذا الإشراف القضائي المزعوم مستحيل من الناحية التقنية، فالنظام المطلوب يستعمل تقنيات فحص الحزم في العمق Deep Packet Inspection، و هي تعمل كالمصفاة التي تمر فيها الكابلات الرئيسية لإنترنت

## حرية التعبير

بينما اعتادت الحكومات في الدول المحيطة، مثل تونس و ليبيا و سوريا و السعودية و الإمارات و إيران، على حجب إنترنت، سلكت مصر مسلكا أذكى و أخطر. فالسلطات المصرية نادرا ما تستهدف المحتوى المنشور بالحجب، لكنها عادة ما تستهدف مؤلف المحتوى نفسه.

تعمد الحكومات بعد كل هجوم إرهابي على تعزيز قوتها

الخطر الأكبر من الرقابة هي أنك لا تعرف متي يراقبونك، كما أنك لا تعرف متى لا يراقبونك.