Files
memex/gharbeia.net/content/posts/drafts/مقترحات لهواة الإصلاح من أعلى.md

21 KiB

مقترحات لهواة الإصلاح من أعلى

نعيش الآن في خضم ثورة شعبية يكاد الجيش أن يجهضها، إلا أننا أيضا نعيش لأول مرة منذ ستين عاما فرصة تسمح ببناء مجتمع لا يتذبذب بين خيارين لا ثالث لهما: السلطويين العسكريين، أو السلطويين الإسلاميين. و على الرغم من أني لا أفضل الكتابة و لا إبداء الرأي علانية في الشأن الإصلاحي لإيماني بأن استغراقنا في الإصلاح (من أعلى) مضر للهدم الذي ينبغي أن تستكمله الثورة، إلا أنه لا بد أحيانا مما ليس منه بد. أقدم هنا لمن يمارسون السياسة من أعلى مقترحاتي تحاول تجاوز المشاكل التي ظهرت في 2011، و بدأت بالفعل في الظهور على الطريق في 2013.

الدستور ليه؟ الدستور كمان و كمان

تعود للساحة مزاعم أن من السهل صياغة دستور رائع للبلاد بالاستعانة بكل هؤلاء الخبراء الدستوريين، و في ستة أشهر لا أكثر. تعود أيضا مزاعم من يحسبون على الثورة بأن الأسلم هو الخروج من المرحلة الانتقالية بأسرع ما يمكن، و بافتراض (يفترضه حتى اليساريون الراديكاليون) أننا أقدر على مواجهة السلطات المنتخبة من مواجهة مباشرة مع العسكر.

المجتمع لا يزال منقسما بالرغم من المشهد الحالي من إقصاء للإسلاميين و تخوين للثوار، و قوى الثورة المضادة لا تزال هي الأقوى في الجيش و القضاء و المخابرات و الشرطة و الجهاز الإداري للدولة. إن مهمة صياغة دستور الآن تواجه مشكلتين أساسيتين: 1) الاستقطاب الثلاثي بين الدولة-الإسلاميين-الثورة الذي لا يزال قائما حتى بعد إضعاف الإسلاميين الواجب و تغول الدولة الخطير، و الأخطر من هذا 2) مساهمة أجهزة الدولة كالجيش و المخابرات و الشرطة و القضاء و البيروقراطية، و طوائف أخرى كالنقابات و الأزهر و الكنائس باعتبارهم لاعبين في المعلب السياسي. و هذا أمر لا ينبغي له أن يكون. الضباط و القضاة (ناهيك عن من يسمون أنفسهم "الهيئات القضائية") لا ينبغي أن يكون لهم أي رأي على الإطلاق في صياغة الدولة، فهم ملتزمون بما يمليه المصريون عليهم. الأمر ذاته يسري على زعماء الطوائف الذين يدعون تمثيل طوائفهم كالكنائس و الأزهر و النقابات المهنية و الاتحادات العمالية و الفلاحية التي أنشئت بقوة القانون، و ليس بقوة أعضائها في تنظيم حر.

في ظل هذه المعطيات، يصير من الأنسب أن يصاغ الدستور صغيرا و إجرائيا قدر الإمكان، يحيل في كثير منه إلى تشريعات لاحقة يتطلب الدستور نفسه أن تصدر من البرلمان بأغلبية الثلثين. لن يهدف "دستور الجد الأدنى" هذا إلا إلى هدفين اثنين: 1) حماية حقوق و حريات الناس من سلطة الدولة، و بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان إن لم يكن بالإحالة إليها مباشرة، ثم 2) موازنة سلطات الدولة الثلاث، و تأسيس أجهزة رقابية مستقلة فعلا و ليس نصا.

هذه وظائف الدستور الأساسية، و لا ينبغي له، و لا يستطيع، أن يحدد للناس أخلاقهم أو واجباتهم، و لا يحدد قيما أساسية في المجتمع، و لا حتى حدود الدولة، التي لن يصونها أهالينا من الأقليات على الهامش الجغرافي إلا إن وجدوا لهم مصلحة في ذلك، و عن حق. ناهيك عن رطانة لا مكان لها في القانون من قبيل أن العمل شرف. باب مقومات الدولة في الدستور أسوأ بالفعل من دستور كوريا الشمالية في بعض مواده، و لا أمل أن ينصلح حال السياسة إلا باختفاءه كله. ما يسمونه مقومات للدولة هي في الواقع سياسات للحكومات المنتخبة، و الإصرار على وضعها في أعلى جسم القانون استخفاف بالناس و إفشال للسياسة و الحكومات المتعاقبة.

إن جزءا معتبرا من فشل السياسة من أعلى في مصر يعود إلى تقليد دستوري محافظ عاف عليه الزمن و حضر وقت مفارقته و استبداله، لا فرق في هذا بين الدساتير المصرية المتعاقبة و بعضها، بما فيها دستوري 1923 و 1954. و على الرغم من أن القانون بأكمله مجال محافظ بطبعه، فإن تطورات العقود الأخيرة في الفقه الدستوري تجعل الحياة السياسية المؤسسة على التراث الدستوري المصري في وضع صعب من البداية.

دولة برلمانية

الدرس المستفاد من مبارك بالأساس هو أنه لا يمكن حكم مصر في ظل دولة تتركز أغلب السلطات فيها في يد رئيس الدولة، إلا باللجوء للقمع و الإفقار و التعذيب. السلطة مفسدة، و السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، و الحل إنهاء تركيز السلطة قدر الإمكان.

الدرس المستفاد من مرسي و الانتخابات بينه و بين شفيق هو أن أي اختيار ينتهي باستبعاد ما يقل عن نصف الأصوات بقليل (و مرسي انتهى باستبعاد من انتخبوه من عاصري الليمون بالإضافة) هو دعوة لعدم الاستقرار. الثورة في الشارع، أو في السجون، إلى أن تحقق صيغة لتمثيل مصالح الأغلبية العظمى من الناس، أو تهلك دون ذلك.

المشكلة الأكبر أيضا، و التي تتجاهلها القوى السياسية على اختلافها هي أن منصب الرئيس في منطقتنا العربية مرتبط فعليا بتراث من تركيز السلطة و الفساد و القمع بما يجاوز صياغة أي دستور. و إن كانت هناك أية سلطة ينبغي أن تكسرها الثورة بداية، فهي عين سلطة استبداد الرئيس و بطانته.

حل مشكلة الرئيس يكمن في نظام برلماني، لا تكون فيه لرأس الدولة فيه أي سلطة بخلاف اعتماد السفراء و تلقي القسم من الحكومة و القضاة، و توقيع القوانين و افتتاح الحدائق العامة. ينبغي مفارقة الوضع القائم بحيث يترسخ في وعي أغلب المصريين أن أعلى سلطة في هذا البلد هي للمواطنين الأفراد و لجماعاتهم الحرة، و أن رأس الدولة المصرية أيا كان هو ليس رئيسا للمصريين، بل هو رئيس للجهاز الذي يعمل في خدمة المصريين و الذي اسمه "الدولة". الدولة ليست هي الوطن. الدولة يزعمون أنها تخدم الوطن، و الوطن ليس هو ذلك المربع على الخريطة. الوطن هو الناس. إحنا.

سمعنا كثيرا من طبقة السياسيين أن مصر غير جاهزة للنظام البرلماني، و أنه من الأنسب لمصر وجود رئيس قوي، و هو عين الخطأ. فالدولة البرلمانية التي يشكل فيها الأغلبية الرابحة في الانتخابات أو الائتلاف الرابح في الانتخابات الحكومة هي التي ستساعد القوى السياسية المختلفة على التفاهم للوصول لائتلاف حاكم، و طبقة السياسيين الفاسدة هذه لن تتفاهم إلا عندما تضطر إلى ذلك، خصوصا أنه من المستبعد أن يحوز تيار بعينه على أغلبية مطلقة قريبا. بالإضافة إلى أن النظام البرلماني يعطي الأحزاب الأصغر قوة تفاوضية أكبر في تشكيل الائتلافات، و هو ما تحتاجه أحزاب الثورة الأصغر من أجل أهداف أكل "العيش" و العدالة الاجتماعية التي لم نبدأ في تناولها بعد. المستفيد من عدم وجود دولة برلمانية هم الأقوى الآن: الجيش و نظامه القديم/الجديد من هنا، و الإسلاميين من هناك.

إذا استقر الدستور على دولة برلمانية، فلن يصير من الضروري الإجابة على سؤال "الرئيس أولا أم البرلمان؟"، فرأس الدولة منصب مظهري تماما كما هو عدلي منصور الآن.

فردي أم قائمة؟

نظام القائمة بلا تردد. دون أي مقاعد بالنظام الفردي، على أن: 1) يكون للجميع حق تكوين القوائم بغض النظر عن الانتمائات الحزبية من عدمه--انظر: "ماذا عن الأحزاب؟" لاحقا. 2) لا يجب أن تكمل القوائم عدد الكراسي المطلوب في كل دائرة، فقائمة من فرد أو اثنين حتى ينبغي السماح لها بالمنافسة، حتى و إن لم تكن لها فرصة عمليا.

الثورة مبتلاة حتى اليوم بإحباطها من الثقة في الأشخاص، و هي تخسر لأنها لم تطور حتى اليوم طروحات تليق بحجم الأزمة البيئية و الاقتصادية و الاجتماعية التي فيها مصر و العالم، و التي ستزيد حدة بمرور الأعوام (و إن كنت تظن صدقا أن الكارثة هي الإسلاميين فقط، فأنت ساذج). القائمة تدفع للتركيز على الموضوعات، و تدفع القوائم للتنافس على وضع الحلول، و تبعدنا أكثر عن سيرك مشاهير السياسة و التليفزيون.

التقسيم الإداري و الدوائر الانتخابية

المشكلة الأكبر التي تواجه الدولة في مصر هي الدولة نفسها: جهازها الإداري (بما فيه الأمني) الطاغي و المترهل و ذا التصميم السيء، تماما كما أن أجهزة الأمن القومي هي أكبر خطر على ذلك الأمن القومي.

يدرك الكثير أن إصلاحا للبلد لن تكون له فرصة دون إصلاح للجهاز الإداري فلسفته اللامركزية، و يدرك القليل أن نقل السلطة للمحليات بحالها هذا لا يعني تغييرا بالضرورة، فالمحافظات كثيرة و مواردها متباينة، و لا منطق واضح في أن يستمر تقسيمها بهذا الشكل بعد أن تغير عبر العقود نشاط الاقتصاد و تركيبة السكان، و تمايزت المشاكل. الحضر لم يكن أبدا حضرا كما هو مأمول، و الريف أغلبه لم يعد ريفا كما هو محسوب، و الصحراء لا ينظر إليها إلا كمنجم للنفط و مصدر للمشاكل و ملعب للأمن.

و بما أننا نخطط من أعلى، يكون من المناسب تجميع المستوى الأعلى في التقسيم الإداري في مصر (ما تسمى المحافظات) في ثمان وحدات كبيرة: بيئتها أقرب إلى التجانس، و بالتالي اقتصادها و اجتماعها و مشاكلها: سيناء؛ القناة؛ الدلتا؛ الساحل؛ الصحراء؛ القاهرة؛ الصعيد؛ و أخيرا الشرق.

أقدم هذا التقسيم الذي يبدو اعتباطيا دون تفاصيل عن السكان و المشاكل البيئية و النشاط الاقتصادي و أي حلول ممكنة، لاقتراح أن سلسلة من الأفكار:

  1. البيئة، التي يؤثر عليها الإنسان، تحدد المشكلات و الحلول
  2. السبب المفترض من وجود الحكومة هو حل المشكلات
  3. المشكلات متباينة في بلد واسع كمصر 4.لا ينبغي حل مشكلة على مستو واسع إلا إن استحال حلها على مستو أضيق
  4. التقسيم الإداري المبني على منطق بيئي يساعد على تنسيق جهود الحكومة (و الحكومات المحلية) في حل المشكلات
  5. الحكومة المركزية و البرلمان غرضها السياسة العليا للدولة قدر الإمكان
  6. اختيار أعضاء البرلمان ينبغي أن يعكس المشكلات التي لا يمكن حلها إلا على مستو أوسع
  7. في ظل وجود حكومات محلية و مجالس نيابية محلية قوية، لا منطق من تقسيم الدوائر الانتخابية إلا على نفس مستوى التقسيم الإداري الأعلى، خصوصا أن النظام القائمة لا يضيع أية أصوات تقريبا، على عكس النظام الفردي الذي يضيع حتى نصف الأصوات (و نادرا أكثر من النصف).

هناك الكثير من التفاصيل تتعلق بالمستويين الثاني (الأقسام/المراكز) و الثالث (الشياخات/القرى)، و تعريف ما هو الحضر و الريف و الصحراء، تؤثر جميعها على حدود التقسيم الإدارى الأكبر، إلا أن هذه هي الصيغة العريضة التي تنفي الحاجة إلى التعقيد الإضافي الذي يدخله قانون تقسيم الدوائر الانتخابية و كل ما يرتبط به من تلاعب.

ماذا عن الأحزاب و حرية التنظيم؟

وجود دوائر انتخابية بهذا الحجم الواسع يجعل من الضروري بناء أحزاب قوية، أليس كذلك؟ كلا على الإطلاق. نسأل أنفسنا الأسئلة الخطأ عندما نحاول تحديد ماهية الأحزاب، و التي تستتبع الإجابة عن أسئلة وهمية من نوع: ما هو النشاط السياسي فصلا عن النشاط الأهلي؟ و ما هي المشروعات السياسية التي لا ينبغي السماح بها أو بأحزابها؟ نتيجة هذه الأسئلة هو قصور في تعريف العمل السياسي، الذي لا يقتصر على الانتخابات و لا يتبنى الديمقراطية النيابية نموذجا بالضرورة، و إدخال للدين في السياسة بزعم أن الإسلاميين يستخدمون الدين، بينما يستخدم الفريق الآخر نوعا آخرا من الدين يتمثل في احتكار الكنيسة و الأزهر للدين في المجتمع.

في ظل وجود حرية تنظيم حقيقة يضمنها الدستور، و إدراكا أن كل المنظمات الأهلية تعمل لمشروع سياسي بعينه، حتى الخيرية منها، لا يصير هناك مبرر لاستمرار كيان قانوني للأحزاب فصلا عن باقي المنظمات الأهلية، فلكل المنظمات الأهلية حرية التعبير عن مشروع سياسي و اجتماعي و اقتصادي بعينه، و تنمية الموارد من أجل تحقيق هذا المشروع، و تمويل الحملات الانتخابية للقوائم الانتخابية التي تتبنى ذلك المشروع. يكمل عمل هذه المنظمات الأهلية قوائم الانتخابات في نظام انتخاب بالقائمة، و تحالفات داخل البرلمان تشكل الحكومة و تراقب عليها و تشرع القوانين.

ما نحتاجه ليس تعريفا دستوريا لما هو الحزب و ما هي الأحزاب المقبولة. ما نحتاجه هو 1) منظمات اهلية حرة، و 2) قوائم انتخابية و تحالفات في برلمان كله بنظام القائمة، ثم 3) قانون و نظام صارم للرقابة على تمويل الحملات الانتخابية يحدد قدرة الأغنى و الأقوى على التأثير في البرلمان على حساب الأفقر و الأضعف.

المفوضيات

كما ينص الدستور على أن القضاء مستقل و الواقع غير ذلك، يحاول العديدون في الطبقة السياسية مؤخرا إنشاء مجالس مستقلة إسما لتقوم بتنظيم قطاعات بعينها كالانتخابات، و نظام العدالة الجنائية (مجلس حقوق الإنسان)، و الإعلام (الذي من الخطأ في هذا العصر فصله عن الاتصالات)، و المساواة، و غيرها

الأصل في الدولة أن للبرلمان سلطتي التشريع و الرقابة، و بالتالي يكون من الأنسب تفاديا لتنازع سلطة الرقابة بين البرلمان و الأجهزة الرقابية أن يفوض البرلمان بعضا من سلطته في الرقابة إلى مفوضيات تمتلك من القدرة و الاختصاص ما يجعلها تقوم بدورها أسرع و أكفأ من محاولة البرلمان القيام بهذا الدور مباشرة. هذا هو الترتيب بين البرلمان في مصر و الجهاز المركزي للمحاسبات (مفوضية المحاسبة) مثلا.

القضاء و النيابة

زرعت المعارضة المصرية بذرة فشلها من 2005 عندما تمسكت بالقضاء باعتباره مخلصا من أزمة الاستبداد، و رسخت لأساطير يروجها أي نظام حاكم أن قضاءه بخير و أنه شامخ و نزيه. واقع قضائنا على الخصوص أنه بعيد عن الاستقلال و أنه حتى لا يتمتع في الأغلب بأقل قدر من الكفاءة تسمح بالحفاظ على الوضع الحالي دون تكلفة باهظة يدفعها الأهالي أساسا بتحملهم الظلم الذي لا يقدرون على رده. و واقع القضاء و القانون في العموم أنه جهاز محافظ إن لم يكن رجعيا. القضاة و القانون لا يحرزون حقوقا للناس، بل يعلنون أن معارك خاضها الناس و كسبوا في فيها أرضا صارت كبيرة بحيث من الصعب أن تستمر الدولة في تجاهلها أكثر من هذا. من يأمل أن يؤسس له القضاء مجتمع العدل و الحرية، يضع أمله في من يعمل في الأصل على الحفاظ على الوضع القائم.

و ما نسميه اليوم بالقضاء ليس متساويا و ليس كله قضاء. فمن الأسباب الرئيسية بين إصرار قضاء القضاء الإداري على تميزهم عن باقي القضاء هي المزايا المادية، و من تلك "الهيئات القضائية" من هم ليسوا إلا محامين عن الدولة و لا ينبغي تمييزهم بأي شكل عن باقي المحامين لأنهم، كباقي المحامين، لا يستطيعون ادعاء الحياد. و النيابة أيضا، العامة و الإدارية، تعيش على أسطورة حيادها و تجمع في نفس الوقت سلطة التحقيق مع الأشخاص و سلطة اتهامهم. ينبغي فصل سلطتي التحقيق عن الاتهام، و دمج النيابة التي تحوز سلطة الاتهام في وزارة العدل (التي ليس لها دور في دولة رشيدة قضاؤها مستقل عن الحكومة إلا أن تقيم الاتهام)، على أن يحال للقضاة أنفسهم سلطة التحقيق، بعد تنقية لهم و تحسين مستواهم و مستوى معاونيهم من الطب الشرعي و حتى الكتبة.

هذا عن الحرية. ماذا عن العيش؟