Files
memex/gharbeia.net/content/posts/green-papers/1. ثلاثة ملامح ضد الحرية في تحرير المرافق المصرية.md

11 KiB
Raw Permalink Blame History

title, date, draft
title date draft
ثلاثة ملامح ضد الحرية في تحرير المرافق المصرية 2019-01-01T00:00:00-00:00 true

بينما تسعى الحكومة المصرية نحو خصخصة أجزاء من قطاع الكهرباء لمواجهة فشل إدارة مرفق الكهرباء و الذي أنتج فجوة بين الإنتاج و الاستهلاك تظهر في الانقطاعات المتكررة و ضعف الخدمة، يبدو من الملائم النظر إلى تصور الدولة لقطاع الكهرباء الجديد كحلقة في سلسلة قطاعات يتلاحق "تحريرها"، بدأت بقطاع الاتصالات، ثم قطاع الإعلام، و حاليا قطاع الكهرباء. نعرض هنا لثلاثة ملامح أساسية تشترك فيها التجربة المصرية في إعادة هيكلة القطاعات الثلاثة. يجدر بالذكر أن تعليقنا هنا لا يقف موقفا مبدئيا ضد خصخصة هذه القطاعات أو أي قطاعات أخرى، بل و ينطلق من أن بيئة مفتوحة أمام جميع المشاركين هي أفضل لتلبية احتياجات الناس، و لكنه يختبر إن كانت هذه الخصخصة "تحريرا" فعليا للقطاعات يضع المصلحة العامة غاية لإعادة تنظيم تلك القطاعات كما نسمع.

الحكومة تتحكم في جهاز رقابي غير مستقل

يفترض نموذج الخصخصة المطروح أن ينتقل دور الدولة من تقديم الخدمة مباشرة إلى تنظيم القطاع الجديد بما يضمن حقوق المستهلكين الذين يدفعون ثمن الخدمة، بالإضافة إلى إلزام مقدمي الخدمة بتوفير حد أدنى من الخدمات إلى جميع الناس تحقيقا لقدر معقول من العدالة الاجتماعية. و يقوم بهذا الدورS في القطاعات الثلاثة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، و المجلس الوطني لتنظيم الإعلام المزمع إنشاؤه، ثم أخيرا جهاز تنظيم مرفق الكهرباء و حماية المستهلك.

و على اختلاف أشكال هذه المؤسسات و طرق إنشائها، إلا أنها جميعها تشترك في أن استقلالها المزعوم استقلال اسمي يظهر لفظا على الورق، أو حتى لا يظهر أحيانا، و يغيب واقعا في علاقات السلطة بين الجهاز و بين الحكومة. فجهاز تنظيم الاتصالات "يتبع الوزير المختص" كما يخبرنا قانون الاتصالات، و الذي تغلب على عضوية مجلس إدارته ممثلين لإدارات حكومية و أمنية.

حهاز نظيم مرفق الكهرباء، كما يظهر من آخر مسودة منشورة لمشروع قانون الكهرباء الجديد، هو "هيئة عامة مستقلة" اسما، إلا أن من يرأس مجلس إدارة الجهاز هو الوزير المختص نفسه، و هو نفسه من يختار ثلاثة أعضاء "يمثلون مرفق الكهرباء" و يرشح الرئيس التنفيذي للجهاز الذي يعينه رئيس مجلس الوزراء، الذي يعين بدوره "أربعة من ذوي الخبرة في المجالات الفنية و المالية و القانونية و مؤسسات المجتمع المدني". فمن يمثل المستهلكين هنا؟ يمثلهم، كما يخبرنا مشروع القانون، أربعة أعضاء أولهم رئيس جهاز حماية المنافسة و منع الممارسات الاحتكارية، و الذي يحتكر تعيينه رئيس الوزراء، أما العضو الثاني و هو رئيس جهاز حماية المستهلك فمن يعينه هو وزير الصناعة الذي يعينه بدوره رئيس الوزراء. أما العضوين الباقيين ممن يمثلون المستهلكين فهم رئيس اتحاد الصناعات المصرية، و رئيس اتحاد الغرف التجارية، و هذه مؤسسات، بغض النظر عن عدالة تمثيلها لأصحاب الصناعات و للتجار، إلا أنها لا تدعي تمثيل إلا فئة محدودة من المستهلكين هم الأكبر و الأقوى و الأكثر حظوة لدى الحكومة. لا يحظى بفدر من الديمقراطية في اختيار من يمثلهم في جهاز تنظيم مرفق الكهرباء إلا كبار الصناع و التجار. المحصلة هي أن أحد عشر عضوا من إجمالي ثلاثة عشر في مجلس إدارة جهاز تنظيم مرفق الكهرباء يعينهم إما رئيس الوزراء مباشرة أو أحد وزرائه. فأي استقلال هذا؟

المجلس الوطني لتنظيم الإعلام المزمع إنشاؤه هو أفضل تلك المؤسسات تظاهرا بالاستقلال. فبغض النظر عن أنه يشترك في إدارة فضاء الإعلام مع أشياء أخرى لا أعرف سبب إنشاؤها منفصلة هي الهيئة الوطنية للبث المرئي و المسموع و الهيئة الوطنية للصحافة (بل لا أعرف سبب انفصال جهاز تنظيم الاتصالات عن أجهزة تنظيم الإعلام في عصر الشبكات الذي لا يمكنك فيه أن تميز بين ما هو إعلام و ما هو اتصال)، فإن تشكيل مجلس إدارة المجلس الوطني لتنظيم الإعلام يبدو و كأنه أكثر استقلالا. صحيح أن رئيس الجمهورية يعين رئيس المجلس الوطني للإعلام و عضوا آخرا لا غير من بين خمسة عشر عضوا، إلا أن أغلب العضوية تأتي من ممثلين لمؤسسات لا تدعي تمثيل متلقي الخدمة بل تمثل أصحاب الأعمال، بل أن بعضها، كنقابات الصحفيين و الإعلاميين تلك المنشأة بقوانين خاصة، لا تستطيع ادعاء تمثيل أغلبية من يعمل بمهنة الخبر و الرأي. ناهيك عن أن الإعلام و فضاءه لم يعد حكرا على محترفي العمل به، و لا ينبغي له أن يكون لاتصاله بواحدة من أهم الحريات و هي حرية التعبير. فكما أن الحرب أخطر من أن تترك للجنرالات، فتنظيم الإعلام أخطر من أن يترك للإعلاميين و ملاك صناعة الإعلام.

هذه المؤسسات، و غيرها الكثير مما يفترض به أن يراقب قطاعا إنتاجيا ما و ينظمه، أو يراقب على الحكومة نفسها يعينها إما وزراء أو رئيس الوزراء، و في أحيان رئيس الجمهورية مباشرة، إذا صدقنا خرافة استقلال الحكومة عن رئيس الجمهورية، أو خرافة أن أعضاء هذه الأجهزة الرقابية لن يدينون بالولاء لمن وضعهم في مواقعهم. أمثلة أخرى لمثل هذه المؤسسات هي المجلس القومي لحقوق الإنسان، و اللجنة العليا للانتخابات، و الرقابة الإدارية، و الهيئة العامة للرقابة المالية، و غيرها الكثير.

ما المخرج إذا؟ كيف يمكن تشكيل أجهزة رقابية مستقلة عن الحكومة دون أن يسيطر عليها أصحاب الصناعة و المشتغلين بها؟ ما هي الجهة التي يمكن أن تعبر عن المصلحة العامة للمستخدمين الذين يدفعون ثمن خدمات الاتصالات و الكهرباء و بشكل ما الإعلام، و لا تتجاهل كذلك توفير حد أدنى من الخدمة للجميع لارتباط هذه المرافق بالحقوق الأساسية للناس؟ الإجابة قد تبدو مضحكة في السياق السياسي المصري حاليا. فالجهة الوحيدة التي تستطيع اختيار و تعيين أعضاء مفوضيات مستقلة و تمنحهم صلاحيات كافية لممارسة مهامهم هي البرلمان.

بالإضافة للتشريع، فالبرلمان له السلطة الأساسية للرقابة، و بالتالي فمن المناسب بل و المطلوب أن تحصل الأجهزة الرقابية المستقلة عن الحكومة على سلطاتها تفويضا من البرلمان، كما يحصل عليها الجهاز المركزي للمحاسبات. طبعا يتطلب هذا نظاما سياسيا ينتج برلمانا يعبر فعلا عن توازن القوى في المجتمع، و هو أمر غير متوقع حدوثه قريبا دون تغير في المشهد السياسي و الاجتماعي بأكمله، إلا أن هذا يحيلنا إلى المشكلة الأساسية في الإدارة الحكومية المصرية، و هي أنه لا سبيل إلى البدء في إصلاح إداري و تنظيمي يحقق نتائج اقتصادية حقيقية إلا في نظام سياسي يشرك الجميع. على مستوى السياسة الإصلاحية لا يصير البرلمان و سلطاته أمام الحكومة نكتة، و لكنه المدخل الوحيد للإصلاح.

الدولة تخلق سوقا غير حرة تفضل اللاعبين الكبار

تشترط مسودة مشروع قانون الكهرباء الجديد "على من يزاول أي من أنشطة إنتاج أو توزيع أو بيع الكهرباء أن يتخذ شكل شركة مساهمة مصرية"، و هذا تقليد صار مستقرا للبيروقراطية المصرية، فهي أولا: تتجاهل وجود كائنات قانونية أخرى في القانون المصري يفترض بها تلبية احتياجات التنمية كالتعاونيات على بؤس حالها نتيجة سيطرة الدولة المفرطة عليها هي الأخرى، أو الجمعيات و حالها ليس بأفضل كثيرا من التعاونيات. يعد هذا تسعى الحكومة، ثانيا: إلى رفع متطلبات دخول هذه "السوق" الحرة الجديدة بما يثبط من قدرة الأفراد و المؤسسات بالغة الصغر و الصغيرة بل و المتوسطة على دخول السوق، ف

الدولة تمنع الاستقلال

سيبوه ياخد فرصته.