182 KiB
روجرز
لمُمَارسة هذه اللعبة بشكل مُمتع يرجى الاستمَاع لألبوم"The Wall" لفريق""Pink Floyd و ذلك أثنَاء عملية القراءة أخذتني من يدي، صَعدت سلمه ونَاولتني مقدَار زيتون وقَالت ((احمل عنى))، انعطفت يميناً ونَاولتني تُفَاحاً شَامياً وسَفرجلاً عُثمَانياً وخوخاً عمَانياً وياسميناً حلبياً وبنو فراده شَقياً وخياراً نيلياً وليموناً مصرياً وتمر حنا وشقَائق النعمان وبنفسجاً. وخَاطبتني فقَالت ((تَحامل، و احمل))، سَارت خَمْساً وتَبعتها بسبع وشَبت لأعلي فطلبت عشرة أرطَال لحمة فقُطعَ لها، ولُفتَ اللحم في ورق موز وقَالت ((احمله، واتبعني))، ثم هَبطتنا درجتين وأحضرت طَبقاً وملأته بالْمَشبكِ وقطَايفِ وميمُونةِ وأمشَاطِ وأصَابعِ ولُقَيمات القَاضي ووضعت جميع أنواع الحلاوة في الطبقِ ونَاولته للولد وقَالت له مثلما حَادثته من قبل، عبر الاثنين ممر قصير وانعطفا يميناً ومدت كفها فتناولت عشرة مقَادير من مياه ماء الورد ومَاء زهر وخلافه وأخذت قدراً من السكر وأخذت ماء ورد مُمسك وحصى لبان ذكر وعود عنبر ومسكاً وأخذت شمعاً اسكندرانياً واستدَارت فنَاولته للفتى. ومثل الأحلام كانت حركة قَدمي ثَقيلة، وما أحمله كان خفيف الوزن، بينما البَهجة تُطرب قلبي فقط لقُربي منها حيث كنت مَأخُوذاً بفتنتها، قلقاً من الاستيقَاظِ قبل اللحظة الْمُنَاسبة، وحين دفعت البَاب برفقِ، ثَبتُ نَظري على غُصنِها الرهيف وهي تلجُ للدَاخل؛ وقفت على العتبةِ، استدَارت بوجهِ بشوش نحوى وقَالت: -ادخل.
شَارعُ التنين الذي أكلته الشمسُ
"….we came in?" So ya Thought ya Might like to go to the show. To feel the warm thrill of confusion
كنتُ واقفاً على السجَادةِ الحمراءِ الصغيرةِ في غُرفتي، مُغمضاً عيني واضعاً سواكاً طرياً في فمي ورأسي تَتحرك مع كل ضربة على وتر الجيتار في اتجَاه. صوت الموسيقي عالي، ومن جفوني الْمُغلقة أري الظلام أسود، لكن رغم ذلك كنت أري وجهه مُهرج يَتحرك بشكلِ هذلي كأنما يقود أوركسترا. ثم كانت السجَادة الصغيرة ترتفع ببطيء كمن يطير. أحضرت مسطرة أخي 20سم، شبة مَمسُوحة الأرقَام انحنيتُ على السجَادةِ، العرض يساوى ثلاث أضعَاف ونصف طول المسطرة، العرض يساوى 70سم تقريباً، الطول يساوى ثماني مرات ضعف طول المسطرة، الطول يساوى 160سم، أنا على سجادة من 70 سم في 160 سم على وشك الطيران. في سن السَادسة من عمري، عرض فيلم سوبرمان في أحد أيام الجمعة، وقتها كانت ابنة خالي الكبيرة تعيشُ معناً، جَلسنا نحن الاثنين في تلك الظهيرة التي أذكر حرَارتها ورطوبة الجو فيها نُشَاهد الفيلمَ مُخدرين، وحين انتهى الفيلم، ظللت اقفز من على الكرَاسي في كل مكَان وأنا اردد ((سوبرمان.. سوبرمان))، فتحت درجَ أمي وتنَاولت إيشارب أحمر، موشي بخطوطِ بيضَاء ربطته حول رقبتي ونزلت على السلالمِ نحو بيت جدي في الدور الْسُفلي ((سوبر مان.. سوبرمان)). الإيشارب الأحمر الذي رَبطته حول رقبتي بطريقةِ تُشبه طريقة سوبرمان لا يزال موجوداً إلى الآن أحضرته وبمسطرةِ أخي أخذت أقيسه كان أربعين في أربعين، إيشارب أحمر من 40سم في 40سم كان قادراً على منحي القدرة على الطيران بل وتحويلي لسوبرمان. وفي الرحلات الطويلة كنتُ أخرج رأسي من النَافذةِ و أمد ذرَاعي إلى المُنتهى، افتح عيني فتسيل إفرَازاتها المَائية دون إرَادتي، أغمضها للحظةِ ثم افتحها ثَانياً أري نفسي في الأعَالي بعيداً عن كل الْمجَالات ومخَالب الجَاذبيةِ وأغصَان العَاطفةِ فقط الهواء بكَاملِ خشُونته ها أنا ملكُ في الأعَالي.
"Lights! Turn on the sound effects! Action!" "Drop it, drop it on 'em! Drop it on them!!!!!"
the sea may look warm to you babe And the sky may look blue But ooooh Baby
لدى صُورة فوتوغرافيه كَشف التحليل الكربُوني لها أنها تعود لأكثر من عقدين للخلفِ. في الصورةِ أقف طفلاً أتوسط أبي وأمي واقفين على الشَاطئ، ارتدى شورت أخضر اللون بينما المياه لونها رمَادي مثل كل الشواطئ العَامة الشعبية. لا أذكر أين الشورت الأخضر، لكنه بالتأكيد مثل الكثير من ملابس طفولتي موزع في أرجاء الأرض سواء في هيئة ملابس بَاهته، أو قطع قمَاش مُهترئه، لكن الصدق يقول أن الشورت الأخضر على جسدي الهزيل يبدو سَاحراً والصورة كلها تبدو فَاتنة، وقتها كنت أتمتع بحب أبي وأمي وحدي دون أخوة، كنت طفلاً غَالباً سعيداً يرتدى شورت أخضر فَاتن ويتمتع بمياهَ البحرِ بصحبةِ والديه. لكن يعقوب القناوي يسخر من ذلك ويقول ((ما أشد فتنة الذكريات على قلب من هو ليس بغر ولا فتى)) صُورة فوتوغرافية أخري تَعود لعقدِ ونصف للخلفِ، فيها أجلسُ على حَافةِ حمَام سبَاحة مُرتدياً شورت أزرق هذه المرة، أقدَامى في المياهِ، عن يميني أختي وعن يساري أخي وفي الخلفية يبدو أبي. لا أذكر مُنَاسبة التقَاط تلك الصورة، لكن أذكر حمام السبَاحة ذلك الذي كنا نذهب إليه في الصيف بمعدلِ ثلاث مرات في الأسبوعِ، نفس حمَام السبَاحة الذي كنت واحداً من القلائل الذين شَاهدوا فيه الصبي الأسمر حين انزلقت قدمه من على مَحفةِ القفزِ فهوى لترتطم معدته بحَافةِ الحمَام ولتنفجر في المياهِ؛ كنت في المياه وقت سقوط الفتى، وشَاهدت كيف انتشر الدم بسرعة في أرجَاءِ الحوض… الدم يقترب منى وأحاول الفرار منه، قدمي لا تطول الأرض فاضطر للسبَاحةِ، تبدو الحَافة بعيدة وحركة ذرَاعي واهنة، انظر خلفي أري الدم يقترب أكثر، وكما الكَابوس كانت حركتي تزداد بُطئاً والدم يقتربُ أسرع وأنا في قمةِ الرعبِ، وحين دنت الحَافة وضعت يدي عليها ورفعت جسمي للأعلى للخروجِ، التفتُ للخلفِ، كانت أقدَامى في المياه الممزُوجة بالدم. خرجت من حوض السبَاحة وأنا أجري والمياه الحمرَاء الممزُوجة بدمِ الفتى تُغَطى سَاقي. وتقطرُ من سروالي. الآن اكتشفت أنه ليس لدى شورت للسبَاحةِ لا أخضر، و لا أزرق، بل أنى لم أذهب للسبَاحةِ منذ ما يقارب الخمس سنوات. فما أشد فتنة الذكريات على قلبِ من هو ليس بغر ولا فتي.
—
في زمنِ الحربِ، طوال خمسة أيَام من الأسبوع من السبت حتى الأربعَاء، في نفس الميعَاد من السَاعةِ الخَامسة إلى السَادسة والنصف، يرتفع صوت البيانو. بنت صغيرة كل يوم تدق على البيانو وتَدرسُ بصبرِ، تُخطيء كثيراً، و تُكرر نفس الألحَان حتى تُصيبك بالمللِ، وفي أيام لا يمكن أبداً أن تسمعها ليس لأنها فيها تتوقف عن العزفِ، بل لأنك أنت من تكون أذنك مَشغُولة بتعقب آثار الرصَاص وضربات المدَافع، وتتبع حركة البوارجِ الرَابضة في الخليج على مشَارف فم ميناء المدينةِ. كل هذه الفوضى تحدث، والفتَاة لا تتوقف عن الضرب والدق بصبرٍ على البيانو،شيء غريب، مُحير، مُعقد. لكن إذا حدث مرة –فما الحياة إلا مرة واحدة- وعشت حتى انتهت الحرب مثلي، ستري كيف أنك لا تذكر بدقةِ شيئاً عن سنوات الحرب ورُصَاصها ودمَائها ورَائحة الترَاب والبارود والفحم في الجو والعثرات الكثيرة في الطريق. كل هذا ستجده في شيخوختك قد تواري إلى خلف الذَاكرة، بالمقابل ستذكر بوضوح صوت أصَابع الفتَاة على البيانو والمقطُوعات التي كانت تتدرب عليها، بل سَيمكنك بقدرٍ من التَّركيز التميز بين تلك الْمقطوعات التي كانت تَعزفها يوم الأحد وتلك التي تَعزفها يوم الثلاثَاء، أو تلك التى لعبتها في بدَايةِ الحربِ، والتجَارب والكونشيرتوهات الكَاملة التي أخرجتها في نهَايةِ الحرب وإذا كان لديك الخلفية الْمُوسيقية اللائقة ستُميز تَقدمها من هيندل وباخ إلى العصر الكلاسيكي ووصولاً للرومانتيكى. وإذا كان ذهنك بكَامل طَاقته، سوف تمر كل المقطوعات التى لعبتها الفتاةُ أمامك مَكتُوبة ومَسمُوعة، وحينها سوف تَسمع بوضوح تلك النغمة التى صدرت من ضربة أصبعين فأشعلت الحربَ، وتلك النغمة التي صدرت من ثلاث أصَابع بترتيبٍ خفي فهبطت برداً وسلاماً على المُنصتين ومن بقي منهم من الأولين والأخريين بإيمان ليوم الدين.
Leaving just a memory Snapshot in the family album
كثرت أعدَاد الصور الفوتوغرافية حتى لم تعد هناك ألبومات تتسع لاحتوائها، فاستقر عدد ضخم من صور أسرتنا في أظرف صفراء بَاهته مركُوناً دَاخل دولاب ملابس أمي، ما هي أهمية دولاب ملابس الأم إذا لم يحتوى المصدر الأول والمقدس للتَاريخ الملكي والعائلي. غَالبية تَاريخ طفولتي الْموجود بذَاكرتي يقبعُ في وعى مشوش مُختلط بالحقيقةِ والتخيلات، مثلاً كان لدى مَجمُوعة من القطع البلاستيكية لعدد من الحيوانات تُشكل معاً حديقة صغيرة، وكانت أمي غالباً ما تضع تلك القطع في شنطة بلاستيكية عليها صورة لأحد مبَاني عمرو أفندي وهكذا تصير حديقة الحيوان في ذَاكرتي عمر أفندي، ويصير عمرو أفندي في ذَاكرتي حديقة حيوان. لذا أمَام هذه الفوضى، لا أجد مصدراً موثقاً منه لقرَاءة التَاريخ غير دولاب أمي، هذا إذا تعذر العثور على أمي شخصياً. — تعَالى يا حلوة واسمعي مني.. بيتُ البنت مُتدربة البيانو كان مُقَابل بيتنا بمقدَار انحرَاف بسيط، وفي نهَايةِ شَارعنا كنا نري شَارع الكورنيش الذي يعج بالسيَارات وبعده يرتمي البحر الأزرق جثة مَالحة مُتعفنة لا تتوقف عن إفرَاز رَائحة اليود، ومن النَاحية المقابلة للبحر يمتدُ شَارعنا طويلاً حتى يضيق في النهَايةِ مثل ذيل تنين لينتهي بجدَار مُرتفع، وعلى طول الشَارع اللانهَائي تَتفرع مُنه عشرات الشوارع الصغيرة لكن جميعها مثل خطوط الكف ينتهي بحَارةِ سد. قبل زمن الحرب، وزمن مُتدربة البيانو كان الشارع يبدو بالنسبة لنا أوسع مما يمكن لعقلنا إدرَاكه، يشبه الشَارع إله دَاهية لا يمكن تخيل مدى ربوبيته، نخافُ كثيراً من التوهَان في الشَارع نتحسس الجدرَان ونترك العلامات ونعودُ للمنزلِ قبل مَغيب الشمسِ خوفاً من الضيَاع أو الكلاب أو العفريت. مُدركين جيداً أن هذا الشَارع ما هو إلا جثة تنين مُحترق. أه شارعناً الإله الجبَار، بدايته حَارة سد ونهَايته جُثة بحر وبينهما كمثل أثر جثة تنين، وفي زمنِ الحربِ منه ترتفع أصوات خفيضة لأصَابع تلميذهِ مُجتهدة تدق البيانو. أي إله كان هذا ليبث كل هذه الحياة في جثةِ تنين. — خرجنا في يوم وقت العصَاري، الشمس مكسُورة العين، والريح طريه باردة، أخذنا نسير معاً، هو مُمسكاً بيدي ولم يكن قد بدأ في حمل عصاه الخشبية بعد، سرنا طويلا في شوارع و ممرات لم أعرفها لكنى لم أتعب أو اشعر بالوهنِ، جلبابه كان أبيض وصندلي جليداً بني اللون أتذكر ذلك جيدا كأنه الأمس. تخطينا العمَار وأمَام عيني لأول مرة في حيَاتي كان يمتد الخضَار حتى زرقة السمَاء، حقول واسعة تشقها ترع وقنوات، وهنا أو هناك دَابة أو بهيمة ما. ومن بعيد رأيت عم أحمد صديقه المقرب والأثير لقلبه يأتي بجسده الْغليظِ الأسمر الضخم وملامح وجه الصلبة الطينية وابتسَامته البيضَاء كل هذا ملفوفاً بالجلبابِ البني الفلاحي تُحيطه هَالة كأنما هو فيلم لتارانتينو. وها أنا أعود للضيَاعِ، والجدَار الفَاصل بين الحقيقة والخيَال يسقطُ منى ثَانية، وأخلط بين فيلم لتارانتينو وعم أحمد وجلباب جدي الأبيض… نفس عميق.. مرة ثانية لنركب الكاميرا ها هو عم أحمد يحملني ويده الخشنة الْمُتشققة تقرصني في خدي. الشمس في طريقها للغروبِ جدي يركبُ الفرسَ ويُجلسني أمَامه، يمشي الفرسُ وبجواره فرس أحمد، كل شيء الآن يقترب من اللون البرتقَالي وعيني تصير أضعف، الذكري تضيع وتتشوش، وليس هناك من صور ولا خزَانة ملابس يمكن أن استعيد بها الغَائب.
But in the town, it was well known When they got home at night, their fat and Psychopathic wives would thrash them Within inches of their lives
الفرُوق بين البشر قَائمة على تَاريخهم، والتَاريخ قَائم على الجُغرافيا، أنا تربيت في أكثر من مدينةِ، صغيراً جربت المشي على الرمَالِ والمشي على الترَاب، والجري على الإسفلت، وحتى الآن لم يحدث أن أنشرخ أسفلت المدينة تحتي لأهوى للقَاعِ. وفي كل تلك البيئات والقفز على خرَائطِ الجُغرافيا حَافظت على جُموحي، شككت دَائماً في كل من حولي، وأمنتُ أنى مُرَاقب طوال الوقت وكل من حولي يؤدون أدوَار كُتبت لهم. فَتحتُ عيني كل صباح وأنا أتوقع أن أجد نفسي في مكان أخر غير غرفتي، مَخطُوفاً من سفينةِ فضَائية، ضَائعاً في متَاهةِ زمنية، مُحَارباً مُقنعاً في الشوارع وفي كل مرة كنتُ انطق دعَاء النوم وأستلقي على جَانبي الأيمن ومع ذلك لم تَتوقف الْعفَاريت عن الْقفز حولي، و لم يهدأ جمُوح خيالي أبداًُ. في يوم قَارص البرودة وقفنا طَابور الصبَاحِ في المدرسةِ، مُثقلين بحقَائبناً تسحبنا لأسفل جَاذبية النوم المُتدلية من أعيننا، مُدرس ما أصابته اللوثة وانطلق يضرب في كل الواقفين مُعتقداً أنه بذلك سوف يقوم بتسوية الصفوف، كان منظره مثل عسكري هَائج يرتكب مذبحة في لوثةِ الحرب، يتحرك في سرواله البني الذى أذكره جيداً، وصلعته الخفيفة التي تشبُ على استحيَاء و ملامح وجه المُقزز، دون أن أدري انحنيت على من بجواري و همست ((تَخيل الأستَاذ في مايوه حريمي بمبي من قطعة واحدة)). مَارست طوال الدرَاسة هذا الفعل بمُنَتهى الاستمتَاع، أري الأستَاذَ يبولُ على نَفسِه في مكَانِ عَام، أو يرقصُ على الشَاطيء في مَايوه أحمر من قطعتين، أو يلعق فرج مُغطى بالشعر لأنثى مُكَتزة كخنزير، أو يرقصُ مُرتدياً بدلة رقص شرقي. فعلت ما هو أكثر من ذلك، نَظمتُ خلية سرية صغيرة، واستولينا على المدرسةَ، قدتُ أول ثورة طُلابية،احتجزنا المُدرسين وقمنا بمُحَاكمةِ مَجمُوعة بتهمةِ إسَاءة مُعَاملة زملاء لنا، رفضنا فتح البوابات، وهددنا بتفجيرِ المكَان باستخدام أنَابيب الغَاز، وبعض المواد الكيمَائية في المعَاملِ، تكررت الثورات في عدد أكبر من المدَارس، في خلال ثلاثة أيام فقد الأمن كَامل سيطرته، خرجنا من المدَارس وكنت فَاتحاً ومُنظراً ونبياً عظيماً.
All in all it's just another brick in the wall. All in all you're just another brick in the wall.
مهما حَدثتك عينك، فلا يوجد ما يُضَاهى نشوة ارتطام الهواء بالوجه من خلال سيارة مفتوحة الشباك، تنطلق بأقصى سرعتها على طريق بلا سيارات ومن الناحيتين سلاسل طويلة من الجبَالِ و رمَالِ الصحراءِ و نباتات جافة تظلل الأسفلت. ثمة رَابط أبدى في وعى بين النَّشوة والسرعة و ارتطَام الهواء في وجهي، بين كل ذلك والتمَاهى مع ذَاتي وإحسَاسي أنى ملك في الأعَالي. كنت أركب درَاجتي الحمراء وانطلق على الأسفلت النَاعمِ ابذلُ جُهداً خرافياً في تحريك البدالات حتى استشعر الهواء على وجهي، ارفع خصري، و أنَاور السّيارات، ابتعد عن البلاعات وكل ما قد يهدئ من سرعتي، أصرخُ بأعلى صوتي حين أصل لأعلي مرَاحل السّرعة، ويحدثُ فجأة عند هذا النقطة، أنا اصطدم بعثرة أو جدَار أو معدة تنين. ارتطم بالأرضِ، تَنجرحُ ركبتي يكشط جلد كوعي تُصَاب عظمةُ ما من عظَامي بكدمه وتتوقف العجلة عن الدوران. في الجنس أيضاً تتوقف العجلة عن الدوران لكن ذلك يكون بسلام بعد وصول النشوة لأعلى مستوى لها، تهدأ في القمة ثم تبدأ في الهبوط، هكذا الأمر في الجنس، لكن في ركوب الدراجة وفي نشوة مُلامسة الهواء لا يوجد سقف للنشوة لذا فبالإمكان الاستمرار إلى الأبد في التبديل بأقصى سرعة. نشوة الجنس بسقفِ واحد مهما تغيرت الوسَائل فأنها تنتهي به، لكن نشوة الهواء وركوب الدرَاجة بلا سقف أنها النشوة الكونية التى لا تنتهي وإلا كان الكون قد توقف منذ زمن عن تحريك البدَال والاستمتاع بمُلامسةِ الهواء. كثيرا ما كان ذهني مشغولاً "لماذا خلق الله العالم"، كان هذا سؤال أبدي، وجدت إجَابته ذات مسَاء في منزلِ الجبلِ عَارياً نَاظراً للسقفِ بعدما مارست الجنس معها… فعلى السقف الخشبي رأيتُ اللهُ يركب درَاجة كونية مُنطلقاً بأقصى سرعة. نشوة كونية لا نهَائية فوق درَاجة سرمدية. هذا سبب مُقنع لرغبته في خلق العَالم أكثر من صورته كولدٍ لاهي يلهو بالمجرات و الثقوب السوداء.
— في الحصصِ الدرَاسية الْمُملة بشَكلِ يسمح بإطلاق الخيَال، جربت "المجد". و استشعرت العظمة. في سَاعةِ الصفر، سَينطلق الجميع خمسة عشر طالباً منا يقتحمون غرفة النَاظرِ، ويحتجزونه، واحد سيقطع سلك الكهربَاء أول دخوله واثنان سيغلقان الباب من الخَارج ويقفان أمامه، وثلاثة آخرون سيقفل كل واحد منهم شباك في الغرفةِ ويقف ليحرسه بينما البقية ستقوم بتقييد حركة النَاظر وربطة بالحبَالِ، وقَائد المجموعة سوف يضغط على زر الجرس، وحينما ينطلق الجرس في غير وقته، ينطلق الجميع في مجاميع من 12 فرداً كل مجموعة مهمتها تقيد حركة واحد فقط من المدرسين.كل خطوة ستنفذ بدقة و احترَافية عالية، ولا مجَال للخطأ. لكن لأن نسبة النجَاح كانت أوهن من خُطي الخيال فلم نخطط بدقة لما بعد ذلك فجري ما حاولت دائماً الهرب من التفكير فيه؛ في أثناء المُحَاكمة ضغطت جمَاهير الزملاء لإعدام النَاظر وطقم التدريس كلها، وهو ما عَارضته بشده، لكن التغيير الكلي لرغبةِ الزملاء كان مُستحيلا، لذا فبعد مُشَاحنات، أصدرت الْمحكمةُ حكماً بإعدَامِ النَاظر وطقم التدريس الذي ثبت تورطه في جرَائم كرَاهية. كنت أحلم بثورةِ بيضَاءِ تَستهدف تغيير النظَام لا مُعَاقبة الأفرَاد، لكن صوت الزملاء كان أعلي، ورغم أنى كنت الزعيم لكن لم تكن تلك الثورة لتقوم لولا إيمَانهم وتضحيتهم. هكذا وقفت على منصة العلم في بَاحةِ المدرسةِ، وقمت بإنزَال العلم وإحراقه -رمز سلطة النظَام التي استعبدتنا نحن التلامذة لقرون- أمام الجمَاهير التي وقفت تُصفق وتصرخ بجنون، ثم تدخل مُسَاعدي و رفيقي في الكفَاحِ -لا أعرف من سيكون لكن كل القواد العظَام لديهم واحد- أمسك مكبر الصوت هتف بصوت عالي يعيش نضَال التلامذة.. يعيش نضَال التلامذة، بينما كنت أنحنى لتصفيق الزملاء وأنا في قمةِ التأثر من مشَاعرِ الْفَرحِ البَادية على وجوههم، مُدركاً أنى أنا السبب في هذا الفرح أنا المُفكر والمُخطط لكل ما حدث، ومَانح البهجة والفرحة لكل تلك الجمَاهير من الزملاء ومتوجهم بالحريةِ، ومتوجاً بالمجدِ والعظمةِ.
Mother, did it need to be so high?
أول رصَاصة في الحرب تدخل شارعنا كانت من نصيب محل الجواهرجي الْمُقَابل لمدخل بيتنا، لم تُلحق به خسَائر سوى ثقب بسيط في العمودِ الخرسَانى الْمجَاور للبَابِ. وحتى الجواهرجي لم يهتم بذلك الثقب أو معرفة مصدر الرصَاصة، كان يأتي كل يوم في السَاعة السادسة ماعدا الجمعة يدخل الشَارع بسيارته الفيات الرمادية، يوقفها أمام المحل، يخرج بشعره الكثيف النَاعم الملون بالأبيض والأسود وخَاتمه الذهبي المُحلي بفصِ أخضر، يدخلُ المحلَ الصغير ويرتب البضَاعة بشكل مُبتكر ويعرضها في النَافذة ثم يقف ليدخن سيجَارة. وفي وقت كهذا من علْى سُطوح بيتنا تكون الشمس في وقت غروبها أبدع ما تكون. انتظر قدوم الجواهرجي لأصعد إلى السطوحِ أُرَاقب غرُوب الشّمس، أظل أضيق ما بين عيني وأدقق النظر في الشّمسِ في أضعف حَالتها على أمل رؤية التنين أو أثره الْمغرُوز على سطح الشمس. في أحد تلك المرات كنت اصعد درجات السلم في اتجاه السطوح حينما تعثرت، ووقعت على ركبتي وجرحت. كتمت صيحة ألمي لكنى هبطت في غضب نزلت الشَارع، وجدت الجواهرجي يشير لي بيده، طلب منى أن أمليء له زُجَاجة المياه وحين دخلت المحل لأخذ منه زجاجة المياه وجدت في الخلفية صورة له بالرداءِ العسكري مع فخَامة سيَادة الرئيس.
— حينما صرت في سن تسمح بحمل رُخصة قيَادة، كانت الحرب قد انتقلت لجنوب البلاد وساد هدوء نسبي الجبهة الشمالية والمدن السَاحلية ومنها مدينتنا، وكان لدى سيارة أوبل خضراء صنعت سنة ميلادي، أقودها وأنا فاتح كل الشبابيك، وبجواري جميلة المُحيا تمد قدميها من شبابيك السيارة في وجه المارة ونحن مُتجهين إلى كوخ الجبل، حيث ستسبقني لإعداد فنجان من القهوة، وسأسبقها أنا لفتح زجاجة النبيذ لأمنعها من شرب القهوة التى تدمنها، تنام على ركبتي وهي تُشَاهد الرسومَ المتحركة، وتفتحُ الدولاب لتُشَاهد صورتها التي أعلقها لها. تقول أن رَائحة الدهان الجديد تخنقها، فنجلس في الحديقةِ، تنظر في عيني، فأحكى لها عن نوع المخدر الجديد وكيف لم يعجبني، تقول أن شكلي بنظَارة النظر أفضل من دونها، كنت أدرس علم النفس وقتها بإرَادتي الحرة وهى كانت تفعل شيء ما لا أذكره الآن، لكنها كانت تحب الروك والجاز وأن تتحدث طويلا عن السينما والأدب، وقبل النوم كانت تصر على غسل أسنَانها بطريقة لاماجا.. تمسك المقص، وتقطع الجزء الخلفي من أنبوب معجون الأسنَان تضغط عليه برفق فينساب المعجون على الفرشة من الخلف، حينما كنت أسرح في سقف الغرفة الخشبي في منزل الجبل ونحن عاريان على السرير، كانت تمد يدها وبلمحة تنزع شعره من أبطي. أكون وقتها أفكر في أختي التي سافرت مع زوجها هرباً من الحرب، لكنهم ماتوا بحَادثِ سيارة، وأخي الذي وقعت عليه صخرة فرقد في غيبوبة لأشهر وخرج منها مُصاباً بما يشبه اللوثة عَاجزاً عن حل ولو مسألة رياضية، كنت أفكر أيضاً في الحسنة التى تقبع على صدر جميلة المُحيا، وفي شعرها الأشقر الطويل، كنت أحسد نفسي طوال الوقت عليها. وحينما كنت أفتح الدولاب وأُشَاهد صورتها فوق الدرَاجة النَارية بالشورت والتي-شيرت الواسع كانت فكرة أن هذا الجسد وهذه الجميلةُ تُحبني وتهبني نفسها تشعرني بالنشوة التي كنت أحسها شرَارة كهربَاء على طول ظهري. ووقتها كنت أتسلل إلى المطبخ الأخضر حيث تقف هى سَاهمة تعد الشاي وتغسل الأطباق فأعانقها مُقبلاً جبهتها، وأري نفسي ملكٌ في الأرضِ.
— دخلتُ لأمي مَجرُوح الرُّكبة، وأحمل زُجَاجة مياه فَارغة واطلب ملأها لعمو الجواهرجي، نظرت لي في هلع ثم شدتني وأجلستني على حجرها، سألتني عن سبب جرحي، أحضرت مُطهر بلت قطعة شاش به ووضعته على الجرح فصرخت من الألم. لم يؤلمني الجرح بقدر ما ألمنى الشاش المغموس في المطهر الذى وضعته أمي، تلويت وحاولت التملص منها، لكنه كتفتني وأعَاقت حركتي، كنت مسجوناً تحت التعذيب بقطعة شاش ويد أمي الحَانية. يدها الطيبة التى دائماً ما كانت تظهر مُسَاعدتها وطيبتها في اللحظات الغير لائقة. كانت يدها تَتسلل إلى أدرَاجِ مكتبي، وتحت مَرتبة الفرَاش والوسَائد تتعقب آثار حركتي، وكنت أدرك دائماً أنني مهما فعلت فستعلم هى في النهَايةِ، ولفترة طويلة لم يكن هذا يُضَايقني، فكثيراً ما كان يحدث خصوصاً وقت الحرب، أن أشَاهد من نَافذةِ حُجرتي طَائر الرخ يحلق وفي مخَالبه سقف حجرة أو قطعة لحم من جسد ولد، فأجري مفزُوعا أبحث عن جنَاح أمي و يدها اسلم نفسي وأتعرى من كل أسراري لأغوص في لحم أمومتها مُطمئناً للسكينة. كانت تأخذني في تلك الليالي وتُدثرني بجوارها على السرير، أحس بالأمَان من دفء جسدها، وذرَاعها التي تحوطني… أسكن ويهدئ تنفسي وينتظم، لكن بعدها ابدأ في الاختناق من حرَارة الفرَاش و هواء تنفسها وذرَاعها التي تُقيدني بثقلها.
— كنت نائماً بجوار جميلة المُحيا. حينما انتفضت من مكاني مُستيقظاً، وقد رأيت ذلك الحلم القديم عن نفسي صبياً يرتدى الشورت الأزرق ويغرق في بطئ بحمَامِ السبَاحةِ، ابتلع المياه و ذراعي تتحرك في عشوائية، استنشق المياه ويضيق نفسي واشعر بحركة عضلاتي تضعف وتيَار مَائي خفيف حلزوني يسحبني للأسفل، ثم يتلون الماء بلون الدم ويصير أكثف فأكثف، أما أنا فأهوي ..أهوي أكثر واستيقظ أنهج من التعب، أطبع قبله على جميلة المُحيا وأنَام.
Goodbye, blue sky. Goodbye.
بالطبع لن يستسلم المَازوخيون الأشرَار بسهولة، ورغم أن امتدَاد الحركة الثورية قد انتشر في كل المدارس وتخطا الأسوار ليصل إلى السيطرة على أحيَاءِ كَاملة، لكن كنا نواجه بإخفاقات في الكثير من المعَارك. كنت انتقل من مدرسة لمدرسة ومن سَاحة معركة لآخري، واعمل على تنظيم عمليات الاتصَال بين كتَائب الزملاء في كل المدَارس، وتَدربتُ بسهُولة على حَمل السلاح الذى أصبح هو الصوت الأعلى في كل المعَارك للأسف. كان ترديد اسمي فقط يكفي لرفع الروح المعنوية، ووجودي في مكان يثير جنون وحمَاس وحمية جميع الرفاق، كنت زعيماً بحق وسحَابة الْمجد تتبعني أينما وضعت قدمي، وعدد من يتبعني يتزَايد بشكل مُطرد لا ينتهي، كنبي يبشر بالقيَامةِ ويحملُ ديناً جديداً، وبين طلبة المدَارس يزدَاد العدد باستمرار ليلحق بهم بعد ذلك طلبة الجَامعات. حدثت الكثير من الحوادث الْمُؤسفة والجرَائم التي يجب علي الجَانبين أن يندموا عليها، يجب الاعتراف بذلك، كثيراً ما كان الابن يُحَارب أباه أو يتخلي عن أمه، وقدم زُملائنا هؤلاء الذين ارتكب أبائهم جرَائم كرَاهية مثَالاً مُخلصاً في التضحيةِ والولاء والإيمَان بعدَالةِ قضيتنا. التضحيات التى استمروا في تقديمها لسنوات طويلة طوال الحرب. في هذا السنوات، وعلى نَار الْمعركة نضجنا نحن الجيل الأول الْمُشعل لنيران الثورة، نضجنا على مستوي التَّجربة الإنسَانية، والجسدية، وكانت الأرض لنا مرتع للمرحِ خضنا فيها حَاملين البندقية، وبعد فترة اشتد الضغط على الثورة الوليدة، وبدا كأن أسلحتنا أضعف من تحمل كل تلك النيران، حينها بدأنا في تغيير نمط الحرب، ثم ظهر طَائر الرخ! سلاحنا الْمُبتكر الأول. طَائرات سوداء كبيرة ذات قدرة عَالية على الْمُنَاورة تُحلق مُستخدمة تقنيات طَائر الرخ في التحليق. فبدأ ميزان القوة يميل لصفنا، ثم ظهر العملاق "ماكفير". مُنجزنا الحضَاري الأهم، ماكفير… مولد نووي يعمل بطَاقةِ لا نهائية، حوامة طَائرة يُمكنها الانفصَال والاتصَال بالدمَاغِ الإلكتروني الكهربي، صواريخ بترونية في السَاعدين، أشعة كونية تنطلق من أصابع اليد، أشعة جاما وألفا تنطلق من الصدر، قُدرة على الطيرَان من خلال الْمُحركات الْمحمُولة على الظهر، أشعة ليزر حَارقة من العينين، قُدرة على الغوص إلى الأعمَاقِ البعيدة من خلال التروبينات الْمُثبتة في القدمين، شكل انسيابي جذَاب مع حزَام بلاتيني كل هذه الروعة مع غلاف من التانيوم الْمُقوي المُضَاد للصواريخ والقَادرِ على تحمل أقسي درجات الحرَارة وأشد الضغوط. ولأني قَائد الثورة الْمُحَاط بهَالةِ المجد ونشوته والبطل الخفي، فقد كنت المسئول الأول عن ماكفير، أتلقي الإنذار أو إشَارة الاستدعَاء السرية على ساعتي الإلكترونية التي تعمل كجهاز اتصال وتوجيه متطور، لأنطلق بعدها حتى أصل إلى الجدَارِ السد الْمُمتد لزرقةِ السمَاء في نهَاية شارعنا، ابرز البطاقة الإلكترونية، فينكشف الممر السري. اجري فيه فالحَالة طَارئة وبسرعة ارتدى ملابسي الحربية بدلتى ذات الطابع الأسطوري الْمُوشحه بنقوش كلتانيه وسريانيه، اركبُ الحوامةَ الطَائرةَ، اضغطُ الأزرَارَ بالترتيب السري ((انطلق))، احلقُ للأعَالي حتى أصل للارتفَاع الْمُنَاسب في قَامة ماكفير، ((ماكفير استعد))، اعدل وضعي التناسبي وانزل الذراع الحمرَاء على يميني، ((ماكفير التحااام)) دووم. تلتحم الحوامة بفرَاغ الرأس ((ماكفير انطلق)) فتلمع عيون ماكفير بوهج الحياة ويرفعُ ذراعيه، يُرجع صدره للخلف. ((انطلق)). ينطلق ماكفير إلى النهَائية وما بعدها سنخلص العالم من كل الشرور، انطلق ماكفير
— ما كان يجب أن تفعلي هذا يا جميلة المُحيا، ما كان يجب
فدخل جنته وهي خَاويةُ على عرُوشها أو مُجَالسة التنين مؤانسة الحوت
What shall we use To fill the empty spaces Where we used to talk? How shall I fill The final places? How should I complete the wall
وضعت أمَامي زُجَاجة البراندي نصف الْمُمتلئة—نصف الْفَارغة كي لا أفقد المعنى—وسبعاً وثلاثين قرص دواء زهري اللون. لا أعرف نوع الدواء حقا، ولكن لا بد أنه في عمر فتاة مُرَاهقة الآن، فقد مر وقت طويل منذ أن بيعت عبوة المَائة قرص لأي دواء بخمسةِ عشر قرشاً. هل هذا ما أريده فعلا؟ لا يتوقع الجميع من شخص على وشك أن يُنهي حيَاته أن يفكر في مؤانسة الحيتان.
— لم أستسغ، أو ارغب في تَربيةِ أي نوع من الحيوانات. وهو النفور الذى أظن أنى ورثته عن جدي الذي رفض في فترة أن يُربي أبي كلباً. جدي الذي قضى أخر أيَامه مُستلقياً على فرَاشه غير قَادر على الحركةِ من فرط الوهن والضعف الذي أصَابه. كان يستلقي معظم الوقت على السرير صَامتاً سَاهماً بملامحِ أسطورية تجعلك غير قَادر على مُجرد الْتخمين فيما يفكر؟ فيما يفكر هذا العجوز الذى لم يتعدى الثمانين؟ هذا الذي حفظ مئات الأبيات من الشعر، وخضع للعلاج النفسي أكثر من مرة وشرب الحشيش ورفض العمل في الأرض فعمل خفيراً و تزوج صغير السن وأنجب من الأولاد خمسة، وفي سن الخمسين اعتزل العمل ليستمتع بمعَاشِ قليل وتمشية في العصَاري على البحر، وقزقزة اللب في المسَاءِ بصحبة زوجته. زوجته.. جدتي قصيرة القَامة الصَامتة الْمُتحدثة بمقدَار ما يسمح به ناب التنين، والتي تنَام مُبكراً وتصحو مع الفجر لتموت قبل جدي وتتركه في وحده وعزله لم يفلح الأبنَاء والبنات الخمسة في جعله يتخطَاها أو يهدم جُدرَانها. قبل موتها بأيام كانت بأفضل حال وأحسن صحة، بينما كان هو تؤلمه كليته، وتتعبه مفَاصله والمشي خطوتين يجعله يدوخ مُنهَاراً، يبولُ في فرَاشِه والْمحَاليل وأكيَاس الدم موصله بذرَاعيه لكنه رفض الخروج من منزلة، ارتفعت درجة حرَارتها هي وأصيبت بحمي كانت فيها تهتف باسم ابنها الذي أكلته الحرب. وبعد يومين أسلمت رُوحها، أحضروها من المستشفي جثة مُنتفخة المعدة قصيرة القَامة خفيفة الوزن وضعوها في غرفته و بكي صَامتاً عَاجزاً، لم تعينه القوي أن يحضر جنَازتها. جدتي قصيرة القامة المُتحدثة بمقدَار ما يسمح به نَاب التنينِ. أحياناً كان يلمحني عَابراً من أمَام غرفته فينده علي ويطلب منى أن أوضئه، ثم يعود لخلف جدَار عزلته ثانية، وفي لحظَات كثيرة كنت أشعر بالشفقةِ اتجَاه وحدته، أحاول أن أمد يدي إليه، أن أروح عنه، فاجلس بجواره اذكره بقصيدة ما، لكنه يهمهم بكلمات قليلة ويصمت، اسأله عن رأيه في كذا، فيشرد بنظرةِ بعيده. أتذكر تمشينا معاً ركوبنا فرس واحد ذات عصرية نَاعمة، التواصل بيننا، أسماء التدليع التى أطلقها علي، كل هذا كان يضيع والجدَار ينهض عَالياً دون أن استطيع كسره والوصول إليه، أو حتى الضغط على قلبي والتخلص من عَاطفتي اتجاه وإكمَال الجدَار الْفَاصل بيننا، كنت عَاجزاً عن إكمَال الجدَار أو شرخه ولو ببصيص ضوء. جدي كان يسبح بعيداً تحوطه هَالة الشمس الصفراء وقد سطع نقش التنين في قلبها. — تفرحُ جميلة المُحيا كثيراً حينما تكتشف أننا نقوم بأمر ما بنفس الطريقة، أو أننا قد مررنا بتجَاربِ مُتشَابهة أو واحده في الصغر. كانت مجنونة بروايات لكَاتب تَافه تتحدث عن الإشَارات والعلمات التي تقود روحنا في متَاهةِ الاختيارات بالحيَاةِ. حدثتها مرة بأني في صغري رأيت نقش صورة التنين في قلبِ الشَّمس، ففغرت فاها مُندهشة، وأمسكت يدي ونحن نتمشى في الممر الجبلي وقَالت ((وااااو))، اعتبرت ذلك علامة كبيرة وتحدثت لحوالى نصف السَّاعة بأن نقش التنين يعتبر من النقوش الْمُقدسة وذلك الشخص المُختَار الذي يتجلي له النقش في قلبِ الشمسِ أنما هو منذُور لغرض عظيم، عَانقتني وهى تحكى لي عن عَاشور الناجي الأخير وكيف رأي نقش التنين في قلبِ الشمسِ بعد مُجَاهدة طويلة مع النفس لتتجلى أمَامه الرؤية وليوفي النذر الْمنذور على أجدَاد حَارتهم القديمة. وحين انتهينا من النزهة، وصلنا لكوخِ الجبل الخشبي، قَالت وهى تستند على كتفي ويدها الأخرى تلعب بشعرها ((إذا كنت قد رأيته فلابد أنه يمكنني رؤيته، الأمر فقد يتطلب مني مجاهدة صغيرة مع النفس كأن امتنع عن القهوة لأيام )) وضحكت ضحكتها البيضاء. وأنا نسيت أن أخبرها أني فقط سعيت لرؤية النقش في صغري بحثاً عن تنين صديق يؤانس وحدتي.
"Congratulations, You have just discovered the secret message
Where are all the good times? Who's gonna show this stranger around? Ooooh, I need a dirty woman.
كأني قد أثقلت من شرب البيرة، العرق قليل على جبهتي يتفصد ببطيء من جسدي، بينما أنا واثقٌ من نفسي ومن العطر الذي رششت به جسدي قبل الخروج، جَالساً في بَارِ واسع زُجَاجي الجدرَان في المدينةِ الكبيرة التي انتقلت إليها لإكمال درَاستي الجامعية بعدما تعذر ذلك في مدينتي لظروف الحرب. أشعلتُ سيجَارةُ بولاعة فضية ووضعتها على الطَاولة، كنت أرتدي بنطلون جينز أزرق وقميص أبيض وحزَام أرجنتيني جلدي أسود مصنوع من مستخرجات وحيد القرن، وحيداً على طَاولتي سَارحاً في وجوه من حولي الذين كانوا يجلسون في شكل مجمُوعات مُتآلفة. شباب أصحاء وصبايا مُنطلقَات، خلعت السَاعةَ الفضيةَ الثقيلةَ من معصمي ووضعتها على الطَاولةِ بجوار الولاعة، تناولت حبة ترمس وقذفتها في فمي، كان البار يطل على ميدان قديم ومن مجلسي كنت أري الشَّارعَ والْميدَانَ في مُقَابل وجهي من خلال فرَاغ الباب الْمُفتوح، بينما بقية النوافذ الزُّجَاجية قد ألصق بها ورق حَائط يشوش الرؤيا. مُهتاجاً رحت أتأمل أجسَادَ النساء حولي، وأشعر بمشكلةِ ما بين فخذي، طلبت زُجَاجة بيرة وصرفت تركيزي إلي صورةِ مُعلقة فوق بَاب البار، لرجل يرتدي طربوش أحمر وله وجهة مكتز وجلباب كحلي واسع الصدر، شفَايف رقيقة وردية مُرهفه وشنب أصفر مُحدد بعظمة، ومن تحت الطربوش لك أن تري من الجانبين بعض خصلات شعره الأشقر. ركزت بصري أكثر في الصورة حتى قطع مجَال رؤيتي النَادل الذي أتي ووضع البيرة أمامي، رفعت الْزجَاجة نحو شفتي وأغلقت عيني لا إرَادياً وأنا أتذوق الشربة الأولي من الزجَاجة، حين فتحتها كنت في منزلِ ليس بمنزلي ولا أعرفه سكرَاناً حولي ناس لا أعرفهم وموسيقي مُزعجة تملأ الجو، وفتاة تلصق شفتيها بفمي وتقبلني، مع إضَاءة خَافته تأتي من الزوايا، نصفي العلوي عارياً، ويدها تتحسس كل بوصة فيه، أنا سكران ومتعب لدرجة أن تبَادل قبلة معها فعل مُرهق، لكن ها هي ترفع بلوزتها وتُعري جزئها العلوي وتحتضني من جديد وهي تلعق باندفَاع رقبتي، وفي مُقَابل نظري كان هناك مكتبة عريضة تمتلئ بالكتب وفي أحد أركَانها صورة تبدو مؤلفة لي، جَالساً على كنبة ناعمة وثيرة لونها أحمر، وضعت لسانها على طرف أذني بينما أنا شددت عودي ومشيت أصابعي على ظهرها فانتشت، كان هناك وجوه كثيرة حولي لكني لم أكن خجلاً بل في الضوء الخَافت ميزت أجسَاداً أخري تفعل ما أفعله، وصلت أصابعي إلى حد سروالها الجينز فدفعتها لتتسلل إلى كفليها، قبلت كتفها وهمست في أذنها بكلمة ما ثم أرحت شفتي على رقبتها، صدحت أغنية قديمة وموسيقي أحبها، رفعتها من كفليها لأقربها مني والجينز يعيق حركة يدي بحرية، مع صوت اللحن و طعم عرقها و ملمس جلدها أغمضت عيني، وحين فتحتها كنا ما زلنا على وضعنا لكن جَالسين على صخرةِ فوق قمة جبل صخري عَالي، تحتنا بمئات الأمتَار أرض صحرَاء حمراء الْرمَال تمتد على طول البصر، وشمس في مرَاحل شروقها الأولي، ورؤية ضبابية، هَبطتُ بشَفتي من رَقبتها لصدرها ووضعت حَلمة نَهدها الأيسر في فمي، تخللت أصَابعها في شعر رأسي، وخربشت أظَافرها ظهري، ألقتني أرضاً، وكان الجو لا بَارد ولا حَار، كنت عَارياً تعتليني فتاة لا أعرفها، فوق قمة جبل صخري نَائماً فوق رمَال حمراء، نَاظراً للسمَاء التي أخذت أكثر اللون الأزرق وحوت ضخم يسبحُ في السمَاءِ. حوت أسطوري يبلغ طوله أكثر من ميلين يسبح بمنتهى الرشَاقة في السمَاءِ جلده رمَادي اللون وفي مساحات واسعة منه مُغطي بطحَالب خضرَاء وجروح عميقة لا تصنعها سوي مخَالب أو أنياب تنين. وحين استيقظت في البيت الذي لا أعرفه، وجدتني على الأريكةِ الحمراءِ مُمداً عَارياً إلا من ردَائي الدَاخلي الأبيض وعلى كتفي فتَاةِ تَستلقي بوخم، ورَائحة بيرة ودخَان سجَائر تزكم أنفي. أرحت رأسَ الفتَاةِ على الأريكة واعتدلت بجوارها جَالساً؛ الصدَاع وضجيج الليلة يخبط في جنبات رأسي، نظرت للمكتبةِ في أحد أرففها كان هناك صورة لوجه مكتز يرتدي طربوش أحمر وشنب أشقر وجلباب بلدي فلاحي كُحلي. رميت السيجارة في الأرض، حاسبت على البيرة، وخرجت إلى ميدان المدينة الكبيرة
Do you think it's time I stopped? Why are you running away?
رأيت النَاموسة تحوم في فضَاءِ الغرفةِ، جسمها رهيف وخفيف، جذبها في البدَايةِ ضوء الحجرة الأصفر، حلقت في دوائر بدت بالنسبةِ لي موزونة وكَاملة، ثم اقتربت لتهبط بسلاسة على يد جدي الممدد على الفرَاشِ في جلبابه الأبيض الخفيف عَاجزاً عن الحركة ومنه تخرج قسطرة البول. رأيت مبسم الناموسة الدقيق ينغرس في ظهر يده وسط الشعيرات القليلة البَاقية، شعرت بالحكةِ التي لابد أنه يشعر بها الآن، تتمدد الشعيرات الدموية في المنطقةِ التي تمص منها الناموسة، يتصَاعد الاحمرَار الخفيف والرغبة الغريزية في الهرش وحك مكَانها، ارتفعت النَاموسة وحلقت بعيداً، تابعت يد جدي وهو يحَاول أن يحركها يميناً أو يسَاراً بينما ضعف قواه يمنعه من مُحَاولة تحريك اليد الثَانية والهرش بها، ابتلع ريقه ونده علي ((حركني على جنبي اليمين)). حينما أحمله أو أحركه كنت أتحسس عضلات جسده فتبدو رخوة كأنها لحم رمادي. — نظرت أمي للتلفاز وأنا أكلمها وبعدما انتهيت من حديثي لم ترد علي. كان هذا ما يحدث دائماً حين تدرك أو تري مني ما لا يرضيها تلتزم الصمت حتى آتي صَاغراً طَالباُ رحمتها مُتجسدة ولو في كلمة واحدة منها، لكن هذه المرة اقتربت منها وجلست بجوارها بهدوء، نظرت في التلفاز كان هناك فيلم أبيض وأسود تظهر فيه مُمثلة ضئيلة الحجم ترتدي فستانَ صيفي أصفر تتحدثُ مع مُمَثل أخر يرتدي بدله كحلية ولديه شنب مُضحك يأخذ شكل حرف "T" مقلوباً، كان مشهد حب خفيف الظل بين الاثنين ويفصل بينهما بيانو. المشهد ذكرني بالمرات القليلة التي ذهبت فيها مع جميلة المُحيا لمنزل زياد، حيث كانت تجلس على البيانو وتُحَادثني أو تعزف ما تعرفه من ألحَان قليلة، بعضها كنت أطلبه أنا والبعض يطلبه زياد ويُشَاركها العزف نفس اللحن على جيتاره كأني تغني مثلاً وهي تصرخ أغنية عن فأس تحتفظ به في غرفتها و إنسَان مجنون لا يهتم بها. الأغنية ذكرتني بأمي الجَالسة بجواري صَامته، غير مهتمة بما قلته، لمجرد أن الرأي لا يُرضيها، أنا فقط رغبت في الطيران يا أمي أليس من حقي الطيران بمفردي؟ أليس من حقي أن أركب طائر الرخ وأحلق بعيداً عن الحرب، أليس من حقي أن أقود ماكفير وأحطم كل ما هو مُتشَابك ومُعقد ومؤلم لا أراه، أليس من حقي أن اركب درَاجتي وانطلق مُستمتعاً بالمتعةِ الكونيةِ اللانهائية..وقفت أمي وخرجت من الغرفةِ دون أن ترد علي. — تأملت مرة ثانية زُجَاجة البراندي نصف الْمُمتلئة/ نصف الفَارغة، قربتها من فمي و أخذت جرعة. رأيتُ جَميلة المُحيا أول مرة تَتعرف عليه في المقهى البحري، رأيته ينظرُ لشفتيها وهي تأخذ نَفساً من السيجارة، وهي تضحك وهي تتكلم بانفعَال فيحمر أنفها، ورأيته يُحدثها عن الحرب ويرفع لها قميصه من الجَانب الأيمن ليريها سلاحه ويبتسم ((لا يُفَارقني أبداً)) الصديقة الْمُشتركة بينهما سَتلمح نظرَات الإعجاب في عينيه وحينما يقوم ليدخل الحمَامَ ستبتسم لها وتغمز بعينيها وهي تقول ((أيوه يا عم)). لكن جميلة ستهزُ رأسها وتبتسم هَازئة وترد على صديقتها بأنه لطيف بعض الشيء لكن بالطبع ليس مثلي، حينما يعود من الحمَام سيحكي لها كيف ذات مرة، كان مُحَاصراً مع مجموعة من رفَاقه في الجنوب، حينما كان هناك طَائر رخ معدني كبير يحوم فوقهم ويستعد للهجومِ، وكيف تمكنوا بقدر من الْمهَارة والحظ من إسقَاطه برصَاص بنَادقهم ((كنا يائسين لكن على ما يبدو رُصَاصة من الرصاصات أصابت خزَان الوقود فانفجر وسقط الرخ المسكين)) سوف تُشَاركه الْتضَامن وتلعن الفاشست، وتحكي عن ابن عمها الذي مات في بدَايةِ الحرب، وحينها سيتنهد هو ((أتمنى أن ينتهي كل هذا قريباً، على هذه الأرض ما يستحق الحياة)). صديقتها لن يعجبها سير الحديث ستلتفت له وتَسأله عن الحفلة التي يقيمها غداً، سيرجع بظهره للوراء ((آه هتكون حفلة جميلة جداً، لازم تيجى ..)) و سيشير بأصبعه لجميلة. هي تشعر بالمللِ بالتأكيد، أنا وقتها كنت اسكر وحيداً في بَار زُجَاجي يطل على ميدان قديم بمدينةِ كبيرة، و الأيَام القليلة التي أعود فيها كنت أجلس سَاهماً مُبحلقاً في سقفِ الكوخ الخشبي، رأيتها ثَاني يوم، تدخل بصحبةِ صديقتها لشقته في الدور الخَامس الْمطلة على البحر، موسيقي جاز قديمة عليها يغنى صوت أسمهان، تُسلم على هذا ويبتسم هو لمقدمها، ((يوووب)) تشرب التكيلا ((تسس)) تمص فص الليمون، تُدخن سيجارة وهي في البلكونه تنظر للبحر، وسيكون هو طبعاً بجوارها لتمدح الْمشهد ليلاً ((منظر البحر من هنا جميل جداً))، وسيرد هو ((أنا بحب جداً البحر بالليلِ)) سيشير بأصبعه لمنَارةِ بعيدة، فيجذبها شكل أصَابعه… طويلة ونحيفة تليق بعَازفِ بيانو أكثر من مُنَاضل يمتلك شقة على البحر. عينيها في الليل تأخذ لوناً أخر تتسع حدقتها، وتختفي خُضرة لونهما، تَصير أكثر ميلاً للونِ العسلي مُشبع برمَادية كعينِ هرة، وتكتسب سلطة وإغواء أسطوري. في ليَالي كثيرة كنت استيقظ فأراها تُحملق فيّ وتُرَاقب نومي، كانت نظرة عينها فقط تُضعفني فلا أقوي سوي علي الدخول أكثر تحت الغطَاء وأطلب منها بصوت واهن أن تُعَانقني. على خليفة صوت أسمهان ((اصبره وأوسيه و النار بترعي فيه)) بالتأكيد فأن نظرة عينيها ستكون أكثر فتنة من أي وقت. سوف يأخذها إلى ركن مكتبته وبينما تتأمل المكتبةَ وكوب النبيذ بيدها، سوف يُقبل رقبتها من الخلفِ، ستنظر له حَائرة، وصوت أسمهان أكثر حيرة يأتي من مُكبرات الصوت، سوف يُعَانقها ويهبط ببطيء و توجس القبلة الأولي على شفتيها، وفي الصبَاحِ سترتدي قميصَ من قمصَانه وتقف بجواره في المطبخ و هو يعد لها القهوة، حَائرة لكن قرارها كانت تراه واضحاً أن تمشي أكثر نحو طريق الأيسر الذي يجعلها تمضي في الحياة أكثر خفة. أن تترك حقائبها في القطار وتكمل الرقص فوق الدرب الأصفر. أنزلت زجَاجة البراندى من على شفتي ورفعت عيني نحو السقف حيث مروحة بثلاثة أذرع تدور ببطيء، أغمضت عيني و رأيت حوت ضخم يسبح في السمَاءِ. — ((أنتَ مُسَافر؟!!)) انحنيت على كفه ذو العروق الزرقَاء الْمُجهدة وقبلته ((أيوه يا جدو))، كان الوقت عصر والشمس تَدخلُ من النَافذةِ بضوء حَنون ومعها ريح لطيفه؛ في جلبابه الأبيض نَائماً على السريرِ، رفع يده اليُمني وهرش في رأسِه، كانت حَالته مُتَحسنة بعض الشيء ومزَاجه في مثل ذلك الوقت يبدو رَائقاً. في مثل هذا التوقيت مُنذ أكثر من عشر سنوات، حكي لي عن الفتوة الحكيم الذي سَاد حَارته بالعدلِ والحكمةِ، وزهدته الدنيا في أخر أيامه فلما شعر بالوهنِ وضعف سَاعده اعتزل الحَارةَ والدنيا وتفرع للتقرب لله، حتى فُتحت له أبواب السّمَاء في ليلةِ القدر فتمنى على ملاك السر الذي تجلي له، أن يطلب من الله تحويله لتنين لا تنضب قوته أبداً، فصار أسطورة يفرد أجنحته ويُحلق يطلقُ النَارَ من فمه ويُحَاربُ من يراهم أشرَار، يرتفعُ للأعلى قَادراً على الدوران حول الأرض في ثلاث ساعات، بذيله يبيد مدن، وبنار فمه يبخر أنهَار ويدفعها لتسقطْ المطر حيثما شاء، أضل الكثيرين بعظمةِ قوته فعبده البعض وتركوا السجود والتذلل لله. أما هو فالكبر ازداد في قلبه يوماً بعض يوم وهو يُرَاقب رعيته ومؤمنيه يزدادون في العدد ويتقربون له بالطَاعةِ والقرابين ما بين هدايا عينية وحتى أجسَاد بشرية، حتى أنه وقف فوق جبل صخري ذات يوم يطل على صحرَاء حمراء وهتف بصوت سمعه كل من في الأرض ((لمن الملك يوم؟!!)). عند هذه النقطة كان عم أحمد صديق جدي يبتسم ويعدل من وضع طَاقيته الصوف البلدي على رأسه فيشير جدي بأصبعه إليه مُوجهاً كلامه إلي ((ثم شاء الله أن يعد عمك أحمد لأمر عظيم..)) ويضحك الاثنين في صوت واحد. بعين الخيال كنت أري ملاك الرب وقد حمل الْبُشري لعم أحمد الذي ارتفع بأمر الواحد الأحد ليصير حُوتاً يتجاوز طوله الميلين ويسبح في السمَاء برشَاقة بَالغة ليقيم أمراً عند الله كان مكتوبا، رأيت المعركةَ التي جرت في الصحراء البعيدة، وهدمت فيها جبَال وزُلزلت فيها أرَاضي واستمرت ثلاث سنوات في كر وفر ليتحرك ذيل الحوت في غفلة من التنين، ويضربه عم أحمد ضربة بمشيئة الله تكون قَاسمة، فيندفع بعيداً بقوة اللطمة حتى يرتطم بعين الشمس، فترجو وتتذلل الشمس للمولي عز وجل أن تحرق عدو الله فيأذن لها، فتحرقه ببركته، فيغار البحر ويُسَابق الشمس في حب الله فيرجو المولي أن يمن عليه بأن يقتل عدو الله، فبأمر الله تفلت الشمس التنين الفتوة فيسقط في البحر حتى يلفظ أنفَاسه فيكتم ماء البحر حياته، فتبكي الأرض لعرش الرحمن ((يا رب سبقني البحر والشمس لطلب طاعتك فامنحني فضل دفن وأكل جثة عدوك وعدو نبيك)) فبأمره سبحانه وتعالى عما يصفون يلفظ البحر التنين وقد انكمش جلده وتضَاءل حجمه فيسقط على الأرض التي تبتلعه بفمها وتدفنه في جوفها، حتى يبعث الله جدي وقوم صَالحون معه، فيبنون فوق البقعة التي ابتلعت فيه الأرض التنين، ويقولون بأمر الله يصير هذا مقَاماً ويكون هذا شارع التنين الذي أكلته الشمس. يصمت جدي، ويرفعُ القلةَ ليشرب منها، فاسأل وأنا مسحور جَالساً بينه وبين عم أحمد ((وبعدين؟!)) ينزل القلة ويمسح المَاء من علي شفتيه ((ربنا رزق عمك أحمد هذه الأرض و أعاده لصورته، فقد خلقنا في أحسن تكوين)) انظر لعم أحمد فألمح مُسدسه البَارز من صدر جلبابه، الشمس تقترب من الغرب، جَالسين نحن الثلاثة كل شيء الآن يقترب من اللون البرتقالي وعيني تصير أضعف، الذكري تضيع وتتشوش، فأجد نفسي في ذات الوقت جَالساً بجوار جدي على السرير، انحني عليه واقبل رأسه، فينده عليا ويطلب مني أن أدلك رجله. — ما كان يجب أن تجري الأمور هكذا، وما كان يجب تفعلي هذا يا جميلة المُحيا، ما كان يجب
Ooooh, babe Don't leave me now.
الريح تدفع شعرها الأصفر فيبدو من الخلف كجناحي فرَاشة، تسبقني بخطوتين وترتدي فُستَان أزرق طويل، أحَاول الوصول إليها، لكن الطريق الجبلي يُرهقني أصعد.. أصعد، أُنَادي عليها أنى تعبت من المشي يا جميلة، فتضحك ولا تلتفت وتستمر في المشي على الْممر الصخري وتصعد.. تصعد، يا جميلة القمة لي بعيدة ولم تعد فيّ طَاقة للمشي، تضحك أكثر وتستمر في الصعود. الهواء يطير شعرها نحو الخلف والْفُستَان تتدَاخل ألوانه الزرقَاء في عيني، أرَاها حشرة ضخمة تتوحش وتصير نَاموسة، ناموسة ضخمة حجمها ضعف حجمي لكنه رهيف، يلفه قُمَاش الفستان الأزرق، أجري نحو الأسفل بينما يزداد تضخمها وتقترب مني أكثر وفي كل خطوة تصير ملامحها أبشع، أتعثر في حجر، أقع على الأرضِ فيجرح كوع يدي، أظَافر يديها تَستطيل وتُصبغ بالأحمرِ، شعرها يُصبح كُتَلة لهب ويتدَاخل مع وجهها، ملامحها تُمسخ و يصير كل رأسها عبارة عن مبسم نَاموسه أصفر ضخم، ازحف مُحَاولاً الهروب لكن جذع شجره يقف حَائلاً في ظهري تقترب منى وضحكتها ترن في أذني، تنحني علي وتضع مبسمها على صدري، اشعر بالاختناق وبصدري ينتفخ كبالونِه أحس بقرب انفجَارها. أغمض عيني أحَاول السّبَاحة لكن خبطات ذراعي عشوائية، ونفسي يضيق ودوامة من الميَاه تسحبني للأسفلِ، ادفع جسد للأعلى وأخذ نفساً أملأ صدري بالهواء فأجد الدم يصبغ مياه حوض السبَاحة وجثة الصبي الأسمر تطفو بجواري، يتملكني اليأس فاترك نفسي وأهوي للأسفل واهباً نفسي للغرقِ.. فريسة لجميلة المُحيا!! — ذَهبت للكوخِ لكي أخذ بعض اسطوانات الموسيقي وكوب البيرة الذي أضعه هناك، دخلت الْمطبخَ الأخضر، وفتحت الدولاب، تنَاولت الكوبَ الزُّجَاجي الكبير، ووجدت بجواره أنشوطه شعرها السوداء، تركتها وخرجتُ لغرفة النوم. فتحت الدولاب ابحث عن الاسطوانات، عيني تدور وتقرأ أسمَاء الأشرطة والأغلفة، مددت يدي تنَاولت صُورتها الْمُعَلقة بالدولابِ. وقت تلك الصورة كنا في بداية طريقنا، في الكوخ حضر زياد وعدد من صديقاتها أوقف زياد درَاجته الْبُخَارية في الحديقةِ، وارتدت هي بلوفر أخضر مُضحك وطويل، جرت مني وأنا أحَاول أن أصورها، كنت ابتسم وكانت هي تضحك، حتى وصلت للدرَاجة النَارية الضخمة، جلست عليها ورفعت أحدي رجليها عَارية ووضعتها على المقودِ، ابتسمت لي ونظرت نظرة كتلك، وقفت مكَاني مَسحوراً بجمَالها رفعت الكاميرا أمام وجهي وضغطت على الزر ..((تشاااك))
الغريزةُ أو لماذا تَملكته الرغبةُ لبلبلت برج بابلِ
I don't need no arms around me And I don't need no drugs to calm me. I have seen the writing on the wall. Don't think I need anything at all.
مُرهقٌ من السفر تَوقفت في محطةِ السيَارات، انتظر ميكروباص ليُقلنى من أمَام الْمحطة إلى حيث أسكن في المدينةِ الكبيرة. ما كان هناك من ميكروباصات و لا سيارات، لذا فقد وقفت انتظر. كنتُ أتمنى ولو لثَانية واحدة فقط أن أري البحر لكنه الآن كان بعيداً كنتُ في مدينةِ خَالية من كل شيء إلا أشجَار الأسمنت. نَظرت حولي فرأيت المباني المُعتادة، وكنت ضعيفاً كأني في حُلمِ، تَخيلت وأنا مُرهق ماذا لو وقع هذا المبنى الأصفر القَائم علي يميني، تَخيلت انهيَار المبني بالكَاملِ في ظرفِ ثَانيتين، إذ يتحول الطَابقُ الأعلى إلى رمَادِ أسود بسرعة وبلا صوت، يتبعه الدور التالي وهكذا دواليك. حتى يصير كله رمَاد في لمحةِ عينِ وفي زمنِ لا يتجَاوز ثلاث ثواني وكل هذا بلا أي مؤثرات صوتية، فقط صوت هشيم مثل عود كبريت يشتعل. ألتفت لأشَاهد سيَارةَ ميكروباص تدخلُ الموقف، لكنها لم تكن مُتجهها إلى الضَاحيةِ الزُّجاجية حيث أسكن، نظرت مرة ثَانية إلى المبني الذي تخيلته يهوي، فشَاهدته يسقط بالضبط مثلما تخيلته.. الدور الأخير منه تحول لرماد ومنه ارتفعت صرخة قصيرة وانتقلت العدوى الرمَادية إلى الطَابقِ الذي يليه حيث خرج منه ضوء وانطفأ مُخلفاً رمَاد أسود وفي ثانيتين كان المبنى بأكمله يطق طق من الاحترَاق والنيران قد أكلته وبصقته كومة رمَاد. انتشيت كأني قد فزت وشعرت بقشعريرة كهربية على طول ظهري حتى عضوي تَمدد من سُبَاته وغيرت نشوة القوة طعم الدمَاء في عروقي. فجأة اكتشفت وجود قُدرات ذهنية خَارقة في كينونتي؛ تملكتني القوة سقط المبني فسَاد هرج ومرج، البعض يجري هنا والبعض يجري هناك، رفعت عيني باتجاه مبني أخر على أحد جُدرَانه عُلق إعلان ضخم يبلغ طوله أكثر من12 متراً ركزت ذهني بسهولة انفصل الإعلان عن الجدَار، وطَار في الهواء لمسَافة قدرتها ليهوى في حديقةِ صغيرة خَالية. أنا ملكُ في الأعَالي يا بشر فوق الجميع مُسلحاً ومحمياً بقدراتي الخَارقةِ. — مرحباً، صباح الخير، وفي حالة ما إذا لم نلتقي اسمحوا لي أن أقول مساء الخير، ليلة سعيدة، طابت ليلتكم، تصبحون على خير. هذه غرفتي. أسكن هنا منذ حوالي سنة وسأسكن في هذا المكان لسنة أخري قَادمة انهي فيها درَاستي وأعود إلى شارعنا والبحر أو ربما أسافر لبلاد يحضر منها الرجال الذهب لأغرَاض اجتماعيه. يعقوب القناوى هو شريكي في هذه الشقة له غرفة ولي غرفة، أحياناً يحدث أن نتناول العشاء أو الغدَاء على طَاولةِ واحدة، يعقوب قَادم من الجنوب أخيه الأكبر يحَارب الْمتمردين في مكَان ما وفقد في تلك الحرب كلبين كان يربيهما من الصغر. أقول مساء الخير وأضع نُقطة لأكتب في منتصف السطر كيف فقد يعقوب القناوى عقله؟ يقول يعقوب ((ما أشد فتنة الذكريات على قلب من هوى ليس بغر و لا فتى)) لذا فهو ينصحني أن أكتب، بعدما رفض علاجي أو حتى مجرد الاستماع لي. قضينا معاً سنتين بعدها صار لي ما جري، وصار يعقوب طبيب نفسي، تخصص في علاج اكتئاب الحرب وما يتبعه من أمرَاض كان طبيعياً أن تخلفها في الجميع كنوع من الذكري في أرضِ الْمعركةِ. يقول يعقوب ((من فضلك، اكتب، انتحر، أشعل النار في نفسك بجاز، لكن بعيداً عني، لا أريد أن أتذكرك و لا أن أتذكر تلك الأيام أو الجَمل)) حتى يعقوب يحاول الهروب من فتنة الذكريات. لكني لا أريد أن أنام فماذا يتبقي لي سوي جدَار الذكريات اتكأ عليه ويحميني من الآخرين. — بجواري كانت تقف فتَاة ذات شعر أسود طويل وبنطلون جينز ضيق يُبرز أردَافها الْمُستديرة المحبُوسة، شعرها طويل وعينيها تُرَاقب الفوضى والدمَار الذي خلقته بإسقَاطي المبَاني بقدرَاتي الذهنية، شعرها أسود وناعم و عينيها واسعة وبنية، أخرجت سيجارة ووضعتها في فمي، ترتدي تى-شيرت أسود ضيق وعودها ممشوق وصدرها صلب كلحم الفرس، رفعت إبهامي الأيمن وداريت عليه بيدي اليسري أخرجت النَارَ من إبهَامي و أشعلت بها السيجارة، ظهرها كان لي، فثبتت عيني على مؤخرة رأسها. وجدت حمَام حريمي في مدرسةِ ثَانوية، على بَابِه الأبيض من الدَاخلِ، رُسمت قلوب وأحرف وأسمَاء ((ي&م)) حب للأبد، ارتفعت بمجَالِ الرؤية دَاخل عقلها أكثر كان هناك رجل عجوز تقول له بابا تحبه كثيراً، و في الطرف الأخر أم ثرثارة لا تترك لها أي مجَال للحريةِ والتنفس، على اليمين أضواء تلمع وملابس فخمة وتلفزيون وراديو حيث تحلم بأني تصير نجمة، ثم طفت سحَابة سوداء عَابرة حيث الفوطة الصحية تحتَاج إلى أن يتم تعديل موضعها فوضعها الآن يُضَايقها، ثم سطعت الشمس مُنبهرة بمنظر المبَاني التي سقطت وفكرت في فرحتها كيف أنها ستكون الْمحظُوظة التي ستحكي لأصدقائها عن مشهد سقُوط المبني الأصفر، أخذت نفس من السيجارة بعمق وحبسته بصدري. الآن لننتقل إلى المستوي الثَّاني، سبحت في خلايا رُمَادية وتجنبت إشَارات عصبية كهربية، أمسكت السلك الأحمر وقطعته، التفتت بوجهها نحوي وتبسمت في وجهي، اقتربت أكثر مني، بيننا ستة خطوات، بدت مُملة، في الخطوة الثَالثة أعدت توصيل السلك الأحمر فتوقفت مكَانها، أحمر وجهها ولم تكن تدري لم تتبسم لي ولما اقتربت، وأين تبددت رغبتها؟ وفكرت أنا في جميلة المُحيا لكنها كانت بعيدة أبعد من مجَالي المغناطيسي. — أنا ذاهبٌ هناك لمدينةِ يبتسم فيها الجميع لبعضهم البعض، فقد رأيت حقيقتكم علي جدرَان جمَاجمكم من الدَاخل
Goodbye cruel world, I'm leaving you today.
أنا أنام، أشعر بجفوني تتثاقل، ثم برأسي يسقط، انتفض واضرب بكف يدي على صَدغي، أشدُ عَضلات أجفَاني لأجبرها علي البقَاءِ مَفتُوحة، هنَاك ألم في ظهري ووهن في كل عضلات جسمي. يا ربي كم أنا ضعيف ومريض لكن مع ذلك يجب أن أظل مُستيقظاً، يجب أن أظل مَُنتبهاً، يجب أن يظل النوم بعيداً عني.. ابتعد أيها النوم أمَامي طريق طويل. تمَاسك يا جسدي وابعد هذا الخدر عنك ليس الوقت وقت نوم. أشدُ ظَهري و أحرك رأسي بسرعةِ يَميناً وشمَالاً حيث أرتدي الآن الزى العسكري جَالساً في برجِ حرَاسةِ علي طريقِ جَبلي، يدي تُمسك السلاحَ والشَّمس في طريقها للشروقِ من مكَاني كنتُ اسمع أصوات الحيوانات والكَائنات و قد بدأت تستيقظ، لكن نسمة هواء بَاردة تتسلل لرئتي وترتخي عضلاتي ثَانية ابتعد أيها النوم، أشد ظهري وأفتح عيني لأقصي مدي أحملق في سطور الكتَاب المَدرسي أقرأ جملة و ابدأ في ترديدها بصوتِ عَالي حتى أنبه حواسي وأنعشها (( وتتأثر حركة المد والجزر بالمسَافة بين الأرض والقمر)) أرددها مرتين وانتقل للجملةِ الثَانية لكن الكلمات تتدَاخل في عيني و للأسفل تَهبطُ جفوني وتتخدر عضلاتي وجهي. يا ربي ليس الآن لا أريد أن أنَام.. وأمدد جَسدي على كرسي الشاطئ القُمَاشي، جسدي عَاري وعليه قطرات مياه قليلة، للتو قد خرجت من الميَاه والشورت الأخضر لا يزال مُبتل، الشَّمس الآن تغرب والرمل تحت قدمي بَارد و فيه قدر من الخشونة تُجبرك على الابتسَام كأنما تدغدغ باطن القدم. الموج ينسحب لدَاخل البحر، أغمض جفوني لأتقي أشعة الشمس البُرتقََالية وهي في طريقها للغرقِ في المحيطِ حَاملة جثة التنين، ومن المياه كانت جميلة المُحيا تَخرج وهي تَضحكُ مُرتديه مايوه أسود تبدو فيها كطفلة نشأت وسط الساحرات. الشمس خلفها تعطيها ظلاً يداري ملامحها ولا يحتوي ضحكتها. ها أنا مُمداً على الشاطئ أتأمل الشمس والبحر والتنين وجميلة المُحيا، والألوان منها الأحمر والبرتقالي والأزرق والشورت الذي أرتديه لونه أخضر… لماذا إذن تنتزعني من كل هذا أيها الرب؟ لماذا لم تتركني وتبتعد، لماذا لم تبحث عن فريسة أخري أيها النوم؟ — في وقت الهدنة وظهور وجه السمَاء الأزرق، كنا نُخرج درَاجَاتنا، نَلتقي عند عطفه كريم الكرمَاء، ثم نبدأ في التجوالِ على طولِ الشَارعِ من البحر حتى نهَاية السور العَالي ومن السور العَالي إلى الشوارع الفرعية والشقوق والجحور، نُحرك البدَال بسهولةِ فوق الأسفلت وبصعوبةِ فوق الرمل وتَهتز أجسَادنا حينما تَسير الدرَاجة فوق الحجَارة، و لأن كرسي دراجاتي من الفيبر الصلب لا الإسفنج فقد كانت الاهتزَازات تؤلم مؤخرتي وفتحة شَرجي. فُتحة شرجي مرة ثَانية، بعيداً في الزمن.. ذات مرة حملت مرآة صغيرة ودخلت الحمَام عَازماً على فحص كل جزء من جسدي خصوصاً هذا المجري المظلم الْممتد من أسفل عضوي حتى مؤخرتي، كان يمكنني أن أري عضوي و أري مؤخرتي لكن لم يكن بالإمكان رؤية ما بينها وحين وضعت المرآة وجدت تعرج جلدي طويل كسلسةِ جبَال حمرَاء يبدو كأنه أثر خيَاطة قديمة وينتهي بفتحة شرجي. همست لنفسي ((إذن الأمر هكذا)) لقد ألبس عظَامي اللحم وغطي اللحم بشبكة الأعصَاب والحواس وأطلق فيها النمل، وضعي في رأسي حوت وفي قلبي حزن وغير معدتي برأس جمل وبني فوقه حجاباً حَاجز، ثم ألبسني معطف من الجلدِ وخيطه من الدَاخل بضربات عليمة مَاهرة في منتصف جبهتي وعلى أنفي وفي شفتي وتحت لسَاني وعلى طول منتصف صدري الممتد حتى قضيبي يمكنني الإحساس بضربات الإبرة والخيَاطة الدَاخلية، ولضيق المسَاحة بين الفخذين فقد خاط الرداء من الخارج، ثم جمع ما تبقي من القماش وأخر الخيط وبطن به الشرج من الدَاخل. على العجلةِ في الطريق العثر وفي الاهتزازات التي تصنعها الحجَارة كان الألم يأتي كنقرة على فُتحةِ شرجي، وهَاجس أخر يتمثل في سؤال يهمس في أذني ماذا لو انفكت الخيَاطة الدَاخلية لأسقط من علي العجلةِ وينفر مني الْمعطف الجلدي وتتسَاقط الفئران أسفل منه ويخرج الحوتُ ليطير ويفَارقني الحزنُ ويمتطي الجملُ الحجَاب الحَاجز ويشرخ في الطريقِ…ماذا أفعل وقتها؟
Hey you, out there in the cold Getting lonely, getting old Can you feel me? Hey you, standing in the aisles With itchy feet and fading smiles Can you feel me? Hey you, don’t help them to bury the light Don't give in without a fight.
ارتفع صوت سيارات الإطفَاء، البعض يصرخ وآخرون وقفوا مكانهم صامتين ينظرون إلي أثر المبَاني الْمُهدمة الذي خلفته بقدرتي الخَارقة السرية، صرفت نظري عن الفتاة ذات العيون البنية ودخل ميكروباص فَارغ للمحطةِ ركبت في الكرسي المُفضل خلف السَّائق. وقفت السيارة لدقَائق إضَافية ليركب آخرون، ثم تحركت. أخذت عينيا بشكل لا إرادي تقرأ لوحات المحلات، والإعلانات وعروض التخفيضات، حتى سرحت بعيداً.. فكرت بيعقوب القناوي، وفي نفسي وفي التشَابهات والتفَاصيل الصغيرة الْمُشتركة بيني وبينه، لكنها بدت جميعها معكُوسة أنا من الشمَال وهو من الجنوب أنا قمحي اللون وهو أسمر أنا أنام هو يصحو أنا أصحو هو ينام، نحن الاثنان نأكل معاً. ليس يعقوب شبيهي بل مثيلي أنه أنا معكُوساً. نطقت الجملة الأخيرة بصوت منخفض نعم يعقوب هو أنا معكوساً بالتأكيد. — سندت الدرَاجةَ على سور البيت، وتَركتُ أمينَ يَحرسها، مَشيتُ ودخلت في شقِ صَغير فَتحت سحَاب السروال، أخرجت عضوي الصغير ((همم)) ابتسمت رَاضياً عن الرَاحةِ التي انسَابت في جسدي من جرَاء خروج المياه السَاخنة، أخذت ارسم أشكَال علي الحَائطِ بالميَاه الصفراءِ، أخذ الخيط يقصر وقوة دفع المياه تضعف، توقف لثانية وأخرج رمية قصيرة، هززت عضوي فانبثقت منه قطرة واحدة، مُستديرة صفراء سَاخنة مَشبعة بالأملاحِ مُجذوبة بقوةِ الجَاذبية الأرضية للأسفل فأخذت تهبط في استسلامِ وعيني ترَاقبها،صوت صفير قذيفة تَسقطُ من السمَاءِ ((ففوووو)) ها هي القطرة الصفرَاء تَهزها الريحُ فَتميل يسَاراً و ما أن لمست الأرض حتى سطع نور بَاهر ثم ظلام تَام بعده. ارتفع صوت سيارات الإسعَاف، قَادماً من بعيد بينما كنتُ أحمل حَجراً ثقيلاً وأسَاعد الآخرين في رفع الأنقَاض، نسيتُ أمر الدرَاجة ومعها أمين كان هناك دَائرة واسعة من الخرَاب والزجَاج الْمكسُور والملابس والكتب والأوراق والدمَاء والصرَاخ والأنين. وكنتُ احمل حَجراً ثقيلاً حينما أشَار لي ((أنت.. ماذا تفعل هناك؟أنت تنزف.)) نظرت له وتركت الحجر يسقط علي الأرض مددت يدي خَلف مؤخرة رأسي كان هناك حرق خفيف وبأصَابعي أحسست بملمس ذلك السَائل اللزج، وضعت أصَابعي أمام عيني ودققت النظر في الدمَاء، ثم ظلام تام بعدها. في أنفي رَائحة غريبة، نَائماً على فرَاش نَاعم لا يشبه فراشي فتحت عيني فكان هناك سقف أبيض ومصبَاح نيون مطفأ، ريقي جَاف ولا أستطيع تحريك جسدي، أدرت رأسي لليمين حيث نَافذة زُجَاجية مُغلقة، من خلفها سمعت صوت صفَارات الإنذَار، في الخلفِ كان الظلام يَسود المدينةَ باستثناء كشَافات الدفَاعات الأرضية التي تَجوب السمَاء في مُحَاولة لاصطيَاد طيور الرخ… ثم سمعت الصوت المميز لسقوط القنبلة B-32 صفَارة مَخنُوقة طَويلة، ضوء بَاهر لمع في النَافذة وضَايق عيني، ثم ظلام تَام. ولأن حلقي جَاف فقد كنت أشعر بالعطشِ والتعبِ والضيَاع والوحدة أسير بجوار سور طويل من العمارات المُتلاصقة وكلها عمارات بلا أبواب ولا شبابيك، فقد كتل أسمنتية مُصممته مُمتدة إلي ما لا نهَاية تَصلح لأن تَسند عليها دراجاتك، أن تتبول بجوارها، تسند عليها ظهرك، لكن ليس ما هو أكثر من ذلك، فقد العطش والجفَاف والسير إلي ما لا نهاية. ورغم أني كنت أعرف أنه ما من نهَاية، فقد كنت أسير مُستنداً على الجدَارِ أسمع من وراءه أحَاديث لا أستطيع تَميزها وضحكَات وأصوات بكَاء وروائح غيرة وصرخات حب كلها اسمعها مُشوشة، وأخبط على الجدَار لكن لا أحد يجيب.. اصرخ ((يا أهل الدار)) لكن العمَارات بلا أبواب ولا شبَابيك، ((هاللو)) لكني لم أكن بوضوح أميز أحَاديثهم. امشي أكثر وأجد أنى أحمل حجراً، على يساري السُّور والعمَارات الصمَاء وأصوات البشر وروَائحهم، وعلى يميني هناك مرَاعي خضراء، مسَاحة لانهائية من العُشبِ الأخضرِ تنتهي بأشجَار كأشجار الغَابة، لكن ثقل الحجر وحلقي الجاف يعوقني من التدقيق أكثر في المنظر. ومع ذلك أرفض الابتعاد عن السور والمبَاني وأخاف أن أتوغل أكثر في المراعي الخضراءِ ما من أحد أجبرني على هذا يا يعقوب، بإرادتي الحرة كنت أسير بمحَاذاةِ سور من العمَارات المُصمتة حَاملاً حجراً ثقيلاً أقَاسي العطش وارتخاء عضلات السَاقين والعفونة تحت الإبط والتسلخات بين الفخذين، تَاركاً عُشب أخضر وغَابة كان بإمكاني فيه أنا أقَابل جنية زرقَاء أو رَاهبة خضراء تشملني بمحبتها، لكن ذلك لم يحدث، ظللت أسير بمحَاذَاةِ الجدَار، اصرخ على بشر لا يسمعوني وأدق بيدي وبالحجر، ومع كل خطوة كان غضبي يزدَاد. خلف هذا الجدار كنت أحلم بمدينة يبتسم فيها الجميع لبعضهم البعض، بشبكةِ صرف صحي قوية وأسفلت يلمع من النظَافةِ ومبَاني زُجَاجية وخشبية، سيارات، شركات محاسبة، مرَاكز تجَارية، مسَارح، نوادي ترفيهية، ملاهي ليلة، بنات مُتحررات، حب جسدي سريع، نظَارات شمسية، مجلات علمية، متحف للدينَاصورات وأخر للفرَاشات، حي صيني، وحي لليهود، حمامات سبَاحة مُغطَاة، أنهَار يتراص علي جانبيها العُشَاق وكباري حديديه تَحرسها أسود وأبراج، حفلات رسمية، وأخري بالجينز وطعم التكيلا في الفم، زهور صناعية، وأمطار باردة في الخريف..((يا أهل الدار)) لكن ما من أحد. وما من إشارة واحدة. ((أدخلوني، أريد الهروب من هنا)) خلفي كان اللون الأخضر يغادر الغَابةَ ويتسلل الأسود. لا أبكي أو أتوسل بل اصرخ واسب ((أدخلوني)). أسمع صوت مُحركات نفَاثة في السّمَاءِ هناك طَائر رخ يُحلق مبتعداً. يزداد العطش، وأضعف أكثر فأكثر، فأجد عجوز يرتدي جلباب أبيض مُتسخ، جسده نحيف وجلده منكمش رخو. يجلس على العشبِ الذي صار أسود بعد غياب مُصبَاح الضوء في السمَاءِ –الشمس الافتراضية- وأصبعه يلعب في فضلات أنفه يخرجها، يُحركها بأنَامله ثم يقذفها في فمه ((أممم)) يبلعها، أراها كتلة بنية اللون تتدحرج عبر مريئه، بدا سعيداً جداً ذاك العجوز، بدا راضياً، و بدوت أنا غاضباً، لا أحد يسمع، لا بَاب ينكسر، ولا نَافذة تُفتح. ((أنا أكرهكم)) رفعت الحجر وهويت به على مؤخرة رأس العجوز، مرة، مرتين، ثلاثة. قتلت العجوز.
— ينزلني باص المدرسة أمام بدَاية الشَّارع، فأسير حَاملاً حقيبتي بعد يوم طويل، ملابسي مُتسخة والقميص خَارج البنطال، جسدي الصغير الجميل وقتها الخالي من الشعر، حذائي الرياضي المترب برمال سَاحة المدرسة، الجوع وتمني أن تكون أمي قد أعددت وجبة مُحببة، ثُقل الواجب المدرسي في الرأسِ وخفة لذة مُشَاهدة حلقات الرسوم المتحركة في المسَاء. وحدي امشي في الشَارعِ أعد البلاطات المرصُوف بها، أُغير اللعبةَ لمُحَاولةِ المشي علي الخطِ الفَاصلِ بين البلاطتين. السَاعة الآن حوالي الرَابعة عصراً
But it was only fantasy. The wall was too high, As you can see. No matter how he tried, He could not break free. And the worms ate into his brain
Is there anybody out there?
إذا مَشيت في شَارعنا باتجَاهِ البحر، وقطعت شَارعَ الكورنيش الرئيسي، وجلست علي السور الحجري، وكنت بالصفاء اللازم، ستري النورس الأبيض عَالقاً في المياهِ المصبوغةِ بالبترولِ والمَازوت، وستري الصخرة الموجودة في منتصف البحر، عليها سيمكنك أن تسمع صوت بكَاء عروس البحر وأعضاء جمعيات حقوق الإنسان وحمَاية البيئة. ستدرك حينها أن البحر لم يعد بحر، والكورنيش كما لك أن تري خَالي إلا من الكلاب الهزيلة والقطط القذرة، وإذا كان لديك الحسَاسية الكافية ستدرك أن هذا المكان كان مكاني المفضل أنا وجميلة المُحيا. أنا أراك عزيزي من هنا، من مجلسي على ذلك السرير في الكوخ الخشبي بالجبل، أراك من هنا وأري حزنك، وتراني و تري وحدتي. تعال ألمسني بنفسك تَحقق من وجودي، تَأمل حواجبي، حرك يدك على ذقني الخشنة، ضع أنفك علي رقبتي، أسند جبهتك لصدري ألعق معدتي، مد أظافرك وانزع ذلك الكسَاء الجلدي تأمل بنفسِك رأسَ الجملِ المدفون في بطني يا عزيزي يعقوب. —
في شَارعنا ولد وسيم لدرجة تجعله يشبه الرسوم المتحركة اليابانية، لديه شعر أسود فَاحم نَاعم ومصفف للخلفِ قَامة طويلة ويلعب الكرةَ بمهَارةِ عَالية، يكبرني بسنة أو أكثر قليلاً، أحياناً نمشي معاً في اتجاه الملعب أو نركب الدرَاجة واسمه كان أمين. هادئ ومطيع رغم ما تعطيه ملامحه من كاريزما عدوانية، قليل الكلام لذا ليس بالإمكان أن أقول أنى أعرفه أو أنه صديقي، لكن كنا جيران نلعب الكرة أو نركب الدرَاجة معاً. حدث في يوم أن سمعت ضجة وعويل وصريخ عالي هرعت أمي إلي الشَارعِ وكنت اتبعها بدَافع الفضول، وقفت ببنطال أسود وتى-شيرت رسمت عليه دباديب وكتَابة بالإنجليزية وأمامي جمع غفير من البشر. تسللت بينهم ووجدت علي الأرضِ جسد صغير مُغطي بورقِ الجرائد لم أعرف أو أخمن صَاحبه. وكانت القصة كما عرفناها كلنا أطفَال شَارع التنين الذي أكلته الشمس، أن أمين كان يلعب مع أخته الصغير في شرفة منزلهم بالدور الرابع، وفي وسط اللهو أرَاد فقد أن يخيفها ويسمع صرَاخها مثل كل مرة حينما يحملها علي يده ويقترب بها من سور الشرفة قائلاً بضحك ((أرميك بره.. أرميك بره))، يقترب أكثر من السور فيزداد صُرَاخها وتزداد ضحكته مرحاً. هذه المرة أدركت هي اللعبة فالتزمت الصمت، ظل هو يقترب أكثر من السور و هي تلتزم الصمت، أكثر فأكثر ..أخرج يده خارج السور، تشبثت به فارتعب حاول الرجوع بيده بعدما أقلقته فكرة سقُوطها، اصطدم كوعه بالسور. سقطت منه. لم نشَاهدْ أمين بعد ذلك لفترة طويلة حتى خرج ثَانية، مشينا معاً في الطريق للملعبِ، ركبنا الدراجات سوياً..لم أكن أعرف أخته لكن صدمت في بداية معرفتي بالحَادثِ وبعد ذلك نسيت الأمر. تذكرته الآن وأنا جالس أمَامي زُجَاجة البراندي نصف الممتلئة -نصف الفَارغة كي لا أفقد المعنى-وسبعا وثلاثين قرص دواء زهري اللون أفكر في مُجَالسة التنين ومؤانسة الحوت. أين هو أمين؟ انقطعت أخبَاره وغَاب ذكره. فضيلة النسيان..فضيلة النسيان في لحظة ما لا نستطيع أن ننسي أن نتجاهل القبح الْمحيط بنا، حينها لا تجد سوي علبة دواء زهري اللون لا تعرف تاريخها، وبدل من أن نشفق علي أنفسنا نشفق علي الآخرين فيتذكر الواحد أمين والتنين والحوت ويعقوب وسُليمه والجواهرجي. فقط كل ما كنت أريده أن تمسك يدي، أن أسمعك تقول "أنا هنا" حينما ابحث عنك، أن لا تتركني لنفسي، فمن يكلني إلا سواك… يا فننس!! — ((هل معك شموع؟)) سَألني فأخذت أتلمس الطريق في الظلام وصلت للمكتب تَحسست بيدي مقبض الدرج نَزلتُ للأسفل ((لحظة واحدة)) لمستُ مُفتَاح الضلفة وأدرته باتجَاه اليسَار فتحت ضلفة المكتب، حركت يدي بحذر (( يعقوب، لقد وجدت الشمع)). أحضرت جميلة المُحيا هذا الشمع، في وقتٍ كانت قد بدأت الغَارات تصل إلي مدينتنا، ويهرع الناس كثيراً إلي الملاجئ، وفي ليَاليِ كانت تُغنى بمصَاحبةِ موسيقي الطائرات والقنَابل التي كانت تسقط، وفي ليال أخري تجلس على الفرَاشِ مَضمُومة السَّاقين تَنتحب بصوتِ مكتوم وهي تَتعرق وقطرَات المَاء المَالح تنز من جبهتها وعلى طول سلسلة ظهرها. ((أنه طائر الرخ جوجا)) قال يعقوب وهو يتأكد من أن نوافذ الغرفةِ المدهُونة باللونِ الأزرقِ مُغلقة بإحكَامِ. كانت هذه أول مرة مُنذ حضرت إلي المدينةِ تُحلق طيور الرخ فوقها، لكن كنت أعرف أن رخ الجوجا بالذات ليس خطراً، الأمر علي الأرجح لا يعدو رحلة استكشَافية أو إلقَاء عدد من القذَائف على المدَارس ومعسكرات الأمن المركزي. كنتُ أنظف المطبخ الصغير وألمم بقايا الطعَام حينما دخلت وهي تردد اسمي ثلاث مرات ثم أعقبت ذلك بقبلة، حاولت مُسَاعدتي لكني منعتها، أخذت تحكي تفَاصيلَ مُتَفرقة في مُجملها تبدو مُزعجة ((حبيبي شفت المفاجأة دى)) وأخرجت هذه الشموع التي علي ضوءها أجلس الآن بصحبةِ يعقوب في انتظَار قَذيفة قنبلة أو مخلب طائر رخ يختطفنا، أحملق في الشمعةِ ونَارها وذوبانها، كانوا اثني عشر شمعة نفس النوعية والشكل نفس لون النار عند الاحتراق، وحتى الذوبَان البطيء له دائماً نفس الطريق. كم مرة مَارسنا الحب علي ضوء هذه الشموع؟ أربع، ثلاث مرات كنتُ مُعظم الوقت كَسولاً وكانت هي لا تحب الألعَاب البهلونيه، أحملق أكثر في ضوء الشمعة أحَاول تذكر عدد حبيبات العرق على ظهرها، تَعرجات فقرَات عَمُودها، شعرها الملتصق بظهرها بسبب العرق، ضوء الشمعة المعكُوس في عينيها. لم تكن جميلة المُحيا هي المرأة الوحيدة أو الأولي أو الأخيرة في حياتي، لكن دائماً هي المرأة التي تأتى صورها ورائحتها وطعم جلدها و ملمس إبطها عند الإحسَاس بالوحدةِ. أراها وأشعر بها تحت جلدي وأنا اشرب البيرة نَاظراً في الميدانِ الكبير، وأنا أجلس شَارداً بصحبة يعقوب تحت القصف، وأنا أخرج من الحمَام إلي غرفتي عَارياً حينما لا يكون أحد بالمنزل، وأنا أغني ليلاً في الطريق، وأنا أتأمل عيني في المرآة… في كل هذه الحالات كنت أحس بوجهها على كتفي وبرَائحتها تحت أنفي. هاللو.. لما لا يجيب علي أحد، علي الأرجح يعقوب نام
I've got wild staring eyes. And I've got a strong urge to fly. But I got nowhere to fly to. (…..) There's still nobody home.
ها نحن هنا الآن.. نَصعدُ الجبلَ، معاً نُحس بالصخورِِ البَارزة تحت أقدَامناً، نَستندُ أحيَاناً على جذوعِ الأشجَار، تَحفُ الأوراقُ الخضرَاءُ ببشرتنا، نَنجرحُ جروحَ صغيرة في السَاعدين والوجه لكن الهواء منعش ورائحته لذيذة تبث النشوة، أشعر بالبهجة في قلبي وبالتمدد في عضوي. أيهما يأتي أولاً البهجة أم النشوة أم أن الأمر لا يعدو لعبة لغوية لوصف إحساس واحد بكلمتين مختلفتين.. وها نحن نصعد الجبل لدينا في الكوخ الأخضر مصَابيح كهربية وجدرَان خشبية، معَالق، أواني طعَام، مشَابك للشعر، واقي ذكري في غلافه، سرير، سخَان مياه، موقد طعام، جهاز بيك أب، أغاني لسيد مكاوي و بوب دايلن، زهور ذابلة، دولاب ملابس، حديقة صغيرة، سجَادة علي الأرض وأخري معلقة علي الحائط، بوستر لراقصة قديمة بالأبيض والأسود، علب فخارية بيضاء مرسوم عليها دبابديب نضع فيه القهوة والقرنفل والشاي والسكر والنعناع. وحينما كنا نفتح الباب في مثل هذا الوقت يكون الهواء ساخن بفعل الشمس المعلقة فوق سقف الكوخ الخشبي. ها نحن هنا الآن.. أفتح الباب و تدخلين خلفي، انظر إلي الأرض وأشاهد ورقة بيضاء نائمة وأصابعك من الحذاء تكون عارية، أظافرك مقصوصة بعناية ورائحة الحشائش ساكنة في بطن قدمك. —
أهممم، أدرت المُفتَاحَ في البَابِ ما أن دلفت للشقةِ حتى رميت الحقيبة عن ظهري علي الأرض، القميص يلتصق بظهري بفعلِ العرق. هاأنا الآن في الشقة يعقوب القناوى ينَام في غرفته في مثل هذا الوقت. أغلق الباب وأجلس علي أقرب كرسي أغمض عيني وأطلق آهه ثَانية، أخرج الموبيل من جيبي أفكر في الاتصال بها لكني أعرف أن أحداً لن يرد. أشعر بعظَامِ ظهري تتمدد وتخترق الجلد من الداخل حتى تخرج وتستطيل أكثر فأكثر؛ أشعر بطبقةِ من الجلد الرقيق تكسوها وأري الريش يبدأ في النمو طبقة فوق طبقة ريش أبيض نوراني شعشعي الإضَاءة والخفة، ينمو فوق العظَام ويكسوها و يصير لدي جناحين جميلين. أمامي توجد كنبه قديمة مُتهَالكة مثل كل الأثَاث الموجود في تلك الشقق ذات الجدرَان الصّفرَاء، بيني وبين الكنبة منضدة خشبية عليه لوح زجَاج مشرُوخ تغطيه بقع قهوة وشاي وطبق ألمنيوم صغير تَحولُ لطفَايةِ سجَاير مُمَتلئة، حوله رماد سجَائر رصَاصي اللون. يوجد نَافذة صغيرة في الصَالة منها أري الشَارع من الدور الثالث حيث أسكن مع يعقوب، أهز جنَاحي هزاً خفيفاً فيطير رماد السجَائر من علي المائدةِ ومن دخل الطبق الألمنيوم. يمكنني الطيران لكن لا يمكنني الخروج من الشقة، لا أجد مكَاناً للطيرانِ، ولا أجد منظر يمكنني رؤيته غير الجدران الصفراء والكنبة الْمُتهَالكة وأعقَاب السّجائر ورمادها. أقوم من علي الكرسي وجناحي يتخبط في الجدران، قادراً علي الطيران لكن ليس هناك من مكان أرغب في الطيران إليه
— أدرت المُفتَاح في البَابِ ما أن دلفت للشقةِ حتى رميت الحقيبة عن ظهري علي الأرض، القميص يلتصق بظهري بفعلِ العرق. ها أنا الآن في الشقة و لا أحد معي… آآآآآآآآآآآه يا صغيري، لا أحد معك ليس بهذا بوطنك، وما كان يجب أن تكون هاهنا
Vera! Vera! What has become of you? Does anybody else here Feel the way I do?
يَبكي كلي علي بعضي وبعضي يبكي علي كلي، كيف أستعيدك؟ كيف لي بحجرِ للجدَارِ، أو لقتلِ رجل عجوز؟ أين هي المبَاني والجدرَان والنوافذ والبلكونات والشَّمس وتُرَاب الشَارعِ وصخوره، أين هي درَاجتي، وملمس مَقبضها والبدَال تحت قدمي، أين هو جدي وجلسة المصطبة، وحفظ كلمَات الإنجليزية ومُتعة التوصل لحل مَسألة ريَاضيه، أين هي جلستي مع أمي للمذَاكرةِ، وإرهَاق الواجب المدرسي، والكنبة الحمراء، والشورت الأخضر، وصوت الشاب خالد، كيف أبكيك يا سُليمة وأنا امشي في الرَابعة صبَاحاً خَارج من الحفلة تَاركاً الجميع خلفي ويدي في جيبي وسُترتي تَحتضني. كيف أبكيك يا سُليمة وأنا أغني وحيداً وأتوجس خيفة من الكلاب التي تنظر لي في الطريق ولا يزال طعم الفودكا في فمي، كيف أبكيك يا سُليمة ولا أحد يذكرك. الفرح فرحنا، ومن حبنا حبناه وصار متاعنا متاعه.. تاتا.ترلام…تاتا.ترلام —
أدرك أن الموت لا يزال بعيداً، لكني ذلك الصّبَاح قررتُ القيَام بتلك الزيَارة التي طالما أجلتها ليوم أفضل مثل هذا. غفوت في السيَارةِ السوداء الفخمةِ ذات الزجَاج الْمُعتم، وحين انتبهت كانت السَاعة لا تزال السَادسة والنصف صبَاحاً، مُرتدياً بدلتى السوداء ورَابطة العنق ذات اللون المعتم وفي عروة الجاكته وسام حَارس معدة التنين مُعلقاً، تنهدت بحنين علي سُليمة ووضعت ذقني علي العصا التي أتوكأ عليها وسرحت من النافذة حتى وصلنا للمقبرةِ التي تقع خَارج المدينة، فتح السَائق لي البَاب فنزلت مُتكئاً علي عصَاي البيضَاء الأبنوسية، مشيت بخطوات قصيرة تُنَاسب عجوز في التسعين مثلي وخلفي يسيرُ السَائقُ علي قدميه بخطوات أوسع لكن مُحَافظاً علي مركزة في الخلف حَاملاً تحت إبطه الكرسي الخفيف المطوي، كل خطوة لها ثقلها وكل حركة تنهكني أكثر لكني استمريت في السير وسط جبَال الخردة وصفَائح النّحَاس والمعدن والحديد حتى وصلت لحَافة الحفرة الواسعة كما لو صنعها نيزك؛ فرد السَائقُ الكرسي وثبته علي الأرض حيث جلست علي الكرسي وطلبت منه الانصرَاف. علي شفا جرف من نهَاية حياتي، جَالساً علي كرسي يُطل علي مقبرته المفتوحة..أه يا ماكفير، ها أنت مثلي صرت اليوم يا صديقي. التجَاعيد تُغطي كف يدي الاثنين، ويسارك أنت مبتورة بلا كف ويمينك مُتراكم عليها التراب وقد فقدت إبهَامها والصدأ أصاب كتفك، لدي حصوات صغيرة في المثَانةِ والحَالب وأُعَاني من صعوبة في التبول وأنت لديك ثقب من قَاذفة أرضية فوق العَانةِ، قدمي صارت أضعف ولدى مُسمَار بلاتيني مزروع في سَاقي اليمني، وأنت تم تفريغ قدميك من مفَاصل الحركة وألياف الليزر الضوئية التي كانت تعمل كأعصَاب حركة سُرقت من داخلك واستخدمت كخطوط تليفونات، ظهري يؤلمني علي فترات مُتّبَاعدة ولا أستطيع الجلوس طويلاً دون الإحسَاس بالألم في نهَايةِ عَمودي الفقري، أنت انتهيت وترقدُ بلا أي حركة هنا، الحوامه التي كنت أحلق بها وأعَانق تجويفك الدماغي من خلالها موضوعة في المتحفِ المدرسي مُجرد هيكل مخوخ، وجهك الجميل أصابه التشوه والصدأ والشروخ، وعيني صارت أضعف.. أجريت فيها منذ عشر سنوات عملية جراحية، بينما عينك صارت رمَادية و فقدت بريقها.. لست أنت من تحتاج إلي أن أصيح فيك اليوم ((ماكفير انطلق))، بل أنا من أحتاج إلي من يضع يده علي كتفي و يُربت قليلاً. فككت من عروة الجاكيت وسَام حَارس معدة التنين وقذفت به في الحفرة/المقبرة، وسندت ذقني علي العكَاز وغفوت — كم هو طاهرٌ وعظيم هذا. أن تري نفسك خَالياً من كل شيء إلا المشَاعر النبيلة، الشيخوخة والحكمة والعظمة والمعرفة المطلقة والقدرة علي الحزن لأجل الآخرين وما تخلفه التضحية من سمو في الروح ونظرة إجلال و اهتمام من الآخرين… لكن كل هذا لا أتحمل فعله ولا مُعَايشته، قد يروقني لحظات أن أتخيل نفسي أحمل خطايا الربِ وأبنائه، أو أشفق علي الضعفاء من حولي. لكن كل ذلك مُجرد خيَال صغيراً استمتع به، أما مُمَارسته علي المستوي الفعلي ملل ما بعده ملل وهم لا أطيقه، لذا اسمحوا لي بالاستئذان للانصراف أمامي حياة طويلة في الصبَاحِ !! وتركتهم ودخلت لغرفتي لأنام، وحين استيقظت لم أجد أحد في الشقة، نزلت الشارع لكنه كان خالياً لم يكن هناك أي بشر أو وسيلة مواصلات لذا فقد قطعت الطريق في اتجاه البَار الزجَاجي مشياً علي الأقدام وحين وصلت لبرج بابل القَائم بوسطِ الميدان وجدته كومة تراب وحجَارة. والجميع خرج وتشتت في الأرض كلٌ يقف خلف سور حديقته
Bring the boys back home.
طريق العودة من المدينةِ الكبيرة للبيتِ يُشبه بالكثير من التفَاصيلِ نفس الطريق الذي مشينا فيه عَائدين من الحربِ يوم احترق التنين في عين الشمس وسقطت عَاصمة الأوغَاد الفاشست مُعلنين الهزيمة رَافعين –نحن- راية النصر.. ارقصوا و ابتهجوا لأجل هدية الله، الفرح فرحنا ومن حبنا حبناه وصار متاعنا متاعه —
ما أحلي الشمس حينما تسقط أشعتها علي الواحد دون أن يشعر بالحر أو الرغبة في الاحتمَاءِ بالظلِ، وما أحلي السمَاء بزرقتها والسحب ذات اللون الأخضر مُتناثرة في خفة مثلك كأنما هي فرحة. أبرزت الرقعة التي كتبت عليها رسالة الإمبراطور، أطلعت عليها الحَارس فانحني احتراماً لقدسية اسم جلالته وأشار لحَارس البوابة فشدت السلاسل وانفتح الباب متثاقلاً ((أهلا بضيف جلاله الإمبراطور في أرض الأندلس، عربة القصر تنتظرك)) تذكرت السندريلا وأنا داخل العربة الوثيرة، فنظرت لحذائي لأتأكد من نظَافته و لمعة لونه الأحمر، فككت أزرار عباءتي الحمراء ووضعت في عروتها وسام حارس معدة التنين، وفي بهو قاعة الخطَابة وقفت بجوار ألفين وخمسمائة أمير وقنصل ومبعوث دولي حتى أعتلي الإمبراطور المنصةَ وقد ضرب علي وجهه غُلاله بيضاء تستر وجه السماوي الكريم، اقترب من الميكروفونات الموضوعة أمامه ورفع حجابه ودوت الموسيقي. أوركسترا كَاملة من ستمائة عازف تُصَاحب صوته العميق الثقيل كما الحجر الذي أخذ يتناغم مع الموسيقي فيخفت في مناطق ويعلو في أخري، ويمتد في آهة طويلة ليمسك عليه لسَانه في مواضع أخري.. وحينما اقترب من النهاية كان الجميع بمن فيهم أنا يتصبب عرقاً وقد دنت الشمس من رؤوس القوم فمنهم من غرق في العرق لكعبه ومنهم من غرق لركبته ومنهم من غرق لصدره ومنهم من غرق لعنقه، لكن مع ذلك كان الجميع مُنفعل مع كلماته تلهبه حمَاسة أفكار جلالته وحين انتهي صرخ الجميع في جنون وصفقوا حتى التهبت كفوفهم بينما أحَاط الحرسُ بجلالته وانسحب من المنصة لغرفة تبديل الملابس. بعد ذلك كان هناك فَاصل لتناول الشاي والقهوة والمياه المحلاة وعصير العسل وعصير لسان العصفور ومائدة بسيطة من الحلويات الخفيفة التي ضمت أنواع صنعت علي يد أمهر صُنَاع الحلويات في كواكبِ الْمجمُوعة الشمسية. ثم صعد السيد الرئيس في بدلته الزرقاء وبدأ حفل تكريم الْمُحَاربين القدامى، بنداء أسمائهم والمن عليهم بشرف مُصَافحة السيد الرئيس والتصوير معه وتسلم ميدالية لا أذكر درجتها ولا نوعها وشهادة مكتوبة بالخط الإمبراطوري الذي تكتب به المرَاسم السيَادية، ومن المكرمين ميزت اسم ووجه جارنا الجواهرجي مما بعث في قدر من الحنين وذكرى جرح بعيد في الركبةِ حتى أني فكرت في الذهَاب إليه ومُصَافحته وتقديم زجَاجة مياه لكن تم النداء علينا ثانية لحضور مأدبة الغذاء التي امتدت علي طول ستة كيلومتر يحوطها عدد من الخدم لم أستطع تحديد رقمهم، لكن لم يكن لي مزاجية للأكل لذا اكتفيت بذيل بعروتر-تنين صغير- وشوربة لسان عصفور وفاصوليا وعين ماعز جبلي مقلية. دقت الموسيقي العسكرية فاتجهنا للشرفةِ، حيث ارتفع صوت الأبواق والطبول والجيتار الكهربي، ومن الشرفة شاهدنا أبواب السمَاء تتفتح قشرتها الزرقاء وتتمزق لتأخذ شكل طاقة نور رباني، ويمتد من السماء سلم طويل من قوس قزح حتى يصل لحديقةِ القصر وعلي السلم شاهدنا جيش الإمبراطورية المليوني المنتصر العائد من الحرب يهبط لساحة القصر علي صوت الموسيقي العسكرية الفخيمه يتقدمه حملة الأعلام ثم كتيبة الشرف الطاوسي مُزينة بالريش والملابس العسكرية والأزرار الذهبية اللامعة، يليها لواء الدبابات ثم المركبات العسكرية تحرسها الطائرات وطيور الرخ المعدنية بعدها كتيبة المشاة البرية بأحذيتهم الجلدية السوداء والكلاب الوحشية المُدربة ذات الرؤوس الثلاثية ثم لواء المدفعية يصحبه لواء الصواريخ النووية والمُضَادات الجوية وخلفهم الأفيَال الحبشية يجرون زنازين ضخمة حشر فيها أسري الحرب من جيوش الإمبراطور وقد بدت الهزيمة في ملابسهم المقطعة وجروحهم الدَامية يتبع الأفيال ديناصورات أعظم حجماً تجر عربات عملاقة عليها ما تبقي من برج بابل، واستمر هبوط الجيش من طَاقة النور الرباني في السماء يوم أو بضع يوم وحين غربت الشمس كان الجيش كله قد اصطف في الحديقة التي لا يعلم أحد منتهاها، توقفت الموسيقي لثلاث دقائق ودوت طلقات المدافع واحد وعشرين مرة فخرج الإمبراطور من شرفة تعلو شرفتنا لتعود الموسيقي من جديد ومعها يصدح صوته بأغنية الحنين الإمبراطوري.. -(( أولاااااااااااااااااااادى……….. — أكون في السرير أحَاول النوم، ألعب بأصَابعي أو أفكر ماذا سأفعل غداً أو أتخيل نفسي اركب جسد فتاة وأمارس الجنس معها ففي ذلك الوقت كان كل شيء مختلط في رأسي -كأنه لم يعد كذلك الآن!-. ينفتح الْبَابُ قليلاً فيدخل الضوء أحتضن الوسَادة أكثر وأغمض عيني تهمس أمي باسمي فلا أرد وأتظَاهر بالنوم.. -هل لا تزال مُستيقظا؟ لا أرد. تُغلق البَابَ وأحلم بكَابوس ِلا أحد فيه يرد علي والكل يتظَاهر بالنوم أو بأني لست موجود
الاستلاب أو لماذا ركبت الفرَاشةُ الصفرَاءُ السيَارةَ الأوبل الخضراء لتطير
There is no pain you are receding A distant ship, smoke on the horizon. You are only coming through in waves. Your lips move but I can't hear what you're saying.
ونعلم سيَادتكم أنني افقد قواي العقلية بمعدلِ لا بأس به.. وأن روحي قد استُهلكت فلم تعد أيَامي هي أيَامي ولا فَرحة الأشيَاء لها الطعم القديم. ولا تقلق سيادتكم .. —
حينما بدأت كتَابة هذه اللُعبةُ لم أكن أعرف إلي أين تَقودين قدمي، فقط كان هناك الْصفحة البيضَاء والمُوسيقي وحكة في اليد تؤلمني أعرف أني لن أتخلص منها إلا بالكتَابةِ وأعرف أنه كلما كانت هذه الكتَابة مُمتعة وتمتلئ بالألعاب فسوف تُدغدغني النشوة وأنا أكتب وكلما زادت الألعَاب سوف أضحك وأستمتع أكثر. لكن الموسيقي دفعتني دون أن أشعر لمنطقةِ أخري وجدت نَفسي أكتب النصوص التي أعجبتني وأسرقها من أصدقائي وأدمجها مع بعض البُهَارات. وجدت الموسيقي تَدفعني أكثر دَاخل نفسي أكتب عن طفولتي وعن الشورت الأخضر والشورت الأزرق أكتب عن شَارعنا وعن أمي وجدي الذي واكب احتضَاره ووفاته هذه الموسيقي، عن الحقولِ الخضرَاءِ والشمسِ، عن خيالات الطفولة التي تبدو لي الآن كشابِ نَاضج سطحية أكثر من كونها مُسلية وجدت الموسيقي تَدفعني إلي الاسترخَاء، إلي الإحسَاسِ بمتعةِ اندفَاع الهواء إلي وجهي من جديد إلي الحلمِ بأن أكون شَجرة، أو أليس في بلاطِ ملكة الكوتشينة، أو حوت يسبح في السمَاء، أو سكير فوق أريكة حمراء، أو طفل يقود درَاجته فوق الحصي.. وها أنا هنا الآن خَاضع تمَاماً للمُتعةِ، مُستلب العقل تَقود الموسيقي روحي ويدي أكثر فأكثر إلي حيث لا أدري. دافيد جليمر علي الجيتار… شكراً.
. .. … ولا بد من إكمَال الحياة.
Ooooh, Ma, Ooooh Pa, Will I remember the songs? The show must go on.
الشقرَاء كما الفرَاشة كان لديها الكثير من الأصدقَاءِ، واحد منهم كان لديه سيَارة أوبل خضراء، وذات ليلة في حفلة لدي عدد من أصدقائهم مع موسيقي وفودكا ونبيذ حلو وسجائر وبطاطس مُحَمرة.. أنهك الرقصُ الجميع فجلسوا في أخر الليلة يُثَرثرون. أطفئوا النور وأوقدوا شمُوع ذات رَائحة عطرة؛ تَحدثوا عن الْمُوسيقي والأفلام والسفر وبلدَان مُختلفة وفي النهَايةِ واحد بعض الآخر أخذوا في قول ((باي باي)). خرجت الشقراء مع الفتي ذو العوينات صَاحب السيَارة الأوبل الخضراء كانت الخطة أن يوصلها للمنزلِ وبعدها يذهب هو للنومِ. لكن وهما في السيارة عبرت عن رغبتها فجأة في رؤية البحر، تَبسم هو ابتسَامته الهَادئة وقَال ((بسيطة جداً)) أدار السيَارة وأنطلق علي الطريق الصحراوي في اتجَاه البحر. كان الولد يدرس الفلسفة وله اهتمامات رفيعة المستوي بالمنطقِ والوجودية والشيوعية وقراءاته تتوزع بين الانجليزية والعربية، يهوي موسيقي الروك والميتل ولديه في غرفته بوسترات لايريك كليبتون وسيجموند فرويد. الشقراء كما الفراشة علي الجهة المقابلة كانت تهوي الغناء قبل النوم وفي الحمام بصوت مُنخفض وتقرأ الأدب والشعر وتتذوقه بحسَاسيةِ عَالية وتُحب شرب القهوة والنبيذ وتأكل الشيكولاته بشرَاهةِ وتمتلك عيون خضراء ونسخة من كتاب الطاو بالانجليزية. استيقظت وهم يعبرون من بوابةِ المدينة الساحلية والساعة تقترب من السَادسة صباحاً؛ قال ((صباح الخير)) ورمي بعقبِ سيجارته من النَافذةِ، ضغط علي البنزين أكثر فاندفعت السيارة بسرعة علي الكورنيش الخالي من المَارة والسيارات في مثل هذا الوقت. فتحت النَافذةَ وأخرجت رأسها، أخذ الهواء يُطير شعرها حتى وصلوا إلي الكوخ الخشبي ذو الجدرَان الخضرَاء الْمُطل علي الشَاطئ. أوقفوا السيَارةَ، خلعوا أحذيتهم وتمشوا حُفَاة علي الرمل. أنعشهم هواء البحر وصوت الموج واسترخت أعصَاب الاثنين أكثر. أخذوا يغنون معاً أغنية مرحة بطيئة الإيقَاع ولم يكن هناك أحد علي الشاطيء سواهم. في أقل من نصف ساعة كانوا قد بدئوا يشعرون بالبرد خصوصاً مع ملابسهم الخفيفة وعاد إنهاك الليلة الماضية يتسلل إلي أجسَادهم فذهبوا للكوخ الخشبي ودخنوا سيجارتين. شرب الاثنين من زجاجة مياه واحده حيث لم يكن هناك غيرها وتخففوا من ملابسهم وناموا مُنهكين علي سريرِ واحد كأخوة طيبين. أنا أيضاً لدي حكَاية مُمَاثلة لكن مع رتوش صُلبة من أرض الواقع فبعد أن انتهت حفلتنا بعد مُنْتَصف الليل لم يكن لدينا أنا وسُليمه مكان نذهب إليه، ولم يكن من الممكن أن نعود لشقتي في مثل هذا الوقت المتأخر حيث يعقوب هناك مع رفقة من أصدقائه لا تقل عن خمسة أفراد لذا فقد أخذنا نتقل طوال الليلة من قهوة إلي مقهى ومن مقهى إلي قهوي حتى طردتنا جميعها، مشينا في الشوارع الرئيسية مُحَاولين تجنب عربات الشرطة ومَجمُوعات الشباب التي لن تَرحم ولداً هزيل الجسم مثلي وفتَاة يَسيرون في مثل هذا الوقت. لم يكن لدي سيَارة أوبل خضراء ولم تكن هي تحب الشيكولاته بالإضَافة إلي أنها لم تعبر عن رغبتها في مثل هذا الوقت برؤية البحر؛ لذا لم يكن أمامنا سوي تمضية الليل في المواصلات العامة انتظاراً لشروقِ الشمس. اخترت أكثر ميكروباص يضيع الوقت ويذهب إلي أبعد نقطة في المدينة وركبناه محتمين بعجلاته الأربع ومقَاعده من عربات الشرطة والشباب الذي لا يرحم، نمنا علي أنفسنا من الإنهاك والحزن والغُربة، ومن نوافذه الضيقة شاهدنا شروق الشمس، تألمنا من المطبات ووعورة الطريق وسرعة السَائق المزعجة والمقَاعد الضيقة، فتح راكبُ أخر الشباك فدخل الهواء البَارد وطير شعرها، أزعجني الهواء وأزعجها وشعرنا بالبرودة التي لم تحمنا منها ملابسنا الخفيفة فطلبنا منه إغلاق النَّافذة، ففتح رَاكب أخر شباكه.. ذهبنا إلي أبعد نقطة بالمدينةِ ((أخر الخط يا بهوات)) نزلنا إلي الميدان وكانت السَّاعة السادسة. لحظتها كرهت هذا الميدان وتألمت هي من وحشته وفرَاغه من الناس. لذا ركبنا ميكروباص أخر ليعود بنا من حيث أتينا ((أخر الخط يا بهوات)). كانت الساعة السابعة والوقت يسمح بالعودةِ للمنزلِ؛ شربنا من زُجَاجة مياه واحدة وخلعنا أحذيتنا ولم يكن لدينا القوة حتى للتخفف من ملابسنا. كجثتين ارتمين علي المرتبة. في أحلام ذلك اليوم زارتني الشّقرَاء كما الفراشة كانت تَجلس في مقهى راقي تشربُ قهوتها الصبَاحية وتنظر من خلال الزجَاج إلي البحرِ الذي تحبه كوالدها.
هكذا كانت جلسة الحوت والفرَاشة: حشيش ومَاء وقرنفل
There's one smoking a joint, And another with spots! If I had my way, I'd have all of you shot!
ما زلنا في الحديقةِ؛ هضَاب خضراء ونوافير أرضيه تنسَاب المياه منها بنعومة نتمشى مُمسكين بأيادي بعضنا البعض، جلسنا علي أريكةِ خَشبية وقلتُ وأنا أخذ نفساً عميقاً، ما أجمل الحياة! وكان صوت الطبول والصيَاح مازال يتبعنا —
لأني الطفل الأول لأبي، والحفيد الأول لجدي فقط كنت الأكثر تدليلاً بين الجميع، وهكذا كنت النافر باستمرار من الطعام، نحيف الساقين والذراعين، بشعرٍ مُجَعد، وعيون عسلية، وجرُوح في الركبة من أثر السقطَات من علي الدراجة، وأمام حَالة كهذه كان من الطبيعي أن أُعَانى باستمرار من الانفلونز والنزلات المعوية وارتفَاع درجة الحرَارة مَصحُوبة بالكحةِ والعطسِ والدوخة والتقيؤ. ولما كانت تلك الحالة مُتجددة ومستمرة فقد يأسوا في العائلة من حبوب المضَاد الحيوي، والحقن والجلكوز وأثار أقدامها علي طول ذرَاعي وعرض أردَافي، والتي بدت كلها وسَائل علاج تقليديه لا يمكن أن تنجيني من العين التي أصابتني والفيروس الذي نجح بحمد الله في إغلاق جيوب الأنفية وتكوين طَبقة كُلاسيه من البلغم علي حنجرتي وحالت دون مُحَاولتي لبلع أي شيء حتى لو كان شربه مياه، لذا فقد أخذ أبي القرار مُنفرداً دون أن يخبر أي أحد في العَائلةِ ولا أنا أيضاً، قبلني قبل النوم وقَال لي أنني غداً يجب أن أستيقظ مُبكراً لأنه سيأخذني إلي طبيبِ أنف وحنجرة. أخذت أمرجح قدمي في عيَادةِ الطبيبِ وأنا جَالس علي الكرسي في صَالةِ الانتظَار، حتى دخلنا إلي الطبيب القصير ذو الشعر الكثيف والشنب الكث. طلب مني أن أفتح فمي وأدخل "خَافض اللسان" المعدني داخله ومن واقع خبرتي دون أن يطلب مني كنت أقول بصوت مرتفع نسبياً ((آآآههه))، فيخرج الخَافض ويطبطب علي كتفي ((شَاطر يا بطل)) بعدها أذكر نفسي مُستلقياً علي سرير ما في العيَادةِ ورَائحة مدُوخة تنسَاب لأنفي، ثم نوم ثقيل، استيقظ بعده لأجد نفسي في غرفةِ أخري وعلي سرير أخر، بجواري أبي وخالي عَاجزاً عن الكلام شَاعراً بإعياء لا نهاية له ورغبة في التأوه لكن ألم حنجرتي يحول بيني وبين صوتي. أحضروا لي عصير بارد وآيس كريم، وكان كل هذا يؤلمني لكن كان لابد من المشروبات البَاردة حتى يلتئم الجرح سريعاً. جاءت أمي مفزُوعة، لم تكن تعلم شيء ولم تأخذ أي استعدادات فقط كانت تعد الطعام في البيت حينما اتصل أبي بها وطلب أن تجهز لي غيارات دَاخلية وملابس جديدة وترسلهم مع ابن أختها علي عيَادةِ الطبيب ذو الشنب الكث، لكن أمي أحضرت الملابس بنفسها ودخلت غَاضبة ومُمتعضة من أبي رغم أنها تعرف أن هذه هي عَادته في مثل هذا الظروف، لا يُخبر أحد، يتحمل المسئولية وحده، يختزن الألم في صدره، فتتراكم الحصوات في كليته، ويصرخ في الليل طَالباً حقنة السافجين. وفي كل الحالات كانت هي تحتويه في صدرها وتمشي يديها علي جسده وهى تتمتم برقية مجهُولة وأدعية موغلة في القدم، وبالمثل أخذتني في صدرها تُدَاعبني وتنغَاشني خطوة فخطوة لكي أتمكن من إنهَاء علبة العصير وهى تحرس كل رشفة برقية ودعاء لا أتبين معناه. ولأني قضيت ست ساعات نَائماً في البنج، ومُنهك بشكل لا يسمح لي بالعودةِ للمنزلِ، ولا يمكنهم الْمُغَامرة بإنزالي إلي الشارعِ ونقلي للبيتِ في سيارة أبي لأن في ذلك احتمالات كثيرة لإصابتي بنزلة انفلونزا جديدة ستمثل خطر كبير علي طفل قد خرج لتوه من عملية استئصال للوز. وبناء علي ما سبق فقد استقر الأمر علي بقَائي مثلما هو الحال هنا، علي أن يعكف معي عمي الأصغر
And if you're taking your girlfriend Out tonight You'd better park the car Well out of sight.
-يا مساء الخيرات ودخلنا نحن الثلاثة إلي الشقة، حاتم يُعد الشاي، ومحمود يفرد دبوس الحشيش، وشادي يتحدث لمحمد، خلعنا أحذيتنا وخطونا علي السجَادةِ، توجه كريم للكاسيت لاختيار الموسيقي، وجلست أنا وإيهاب بجوار بعضنا البعض، أعطيته سيجارة فأشعلها وأشعل سيجارتي. أخذت أول نفس، فشعرت بحُرقةِ في الحلق ومددت يدي للزجَاجةِ لأشرب، انفجر شادي فجأة بالضحك وهو يُشَاهدني أمرر لساني علي شفتي بعدما أنزلت الزجَاجة من عليها، فتبعته بقهقهة وخلفنا الجميع، شتم إيهاب حاتم لأنه لم يُقَابله بالأمس وجعله ينتظر علي القهوة لمدة ساعة بلا فَائدة ولا معني، فتذكر محمود نُكتة، ورد حاتم بأنه آسف وأصر إيهاب علي أنه ندل، فبدأ محمود في سرد النكتة، وجاوب حاتم بأننا مش عايزين وجع دماغ، فانتهي محمود من نكتته وانفتحنا مرة ثانية في الضحكِ. حتى شعرت بألم في معدتي، وعجز تام عن التوقف عن القهقهة. حين هدأنا ونحن نلتقط أنفسنا شعرت برغبةِ في التبول فقمت مُتجهاً للحمام بعدما وضعت قدمي في الحذَاءِ وقد جعلته خف مُتكاسلاً عن ارتدائه بالكَامل؛ دفعت بَابَ الحمَامِ ومددت يدي في الظلام أبحث عن مُفتَاح النور، حين ضغط عليه، وجدت نفسي حَافياً في حمَام بيتنا القديم عمري ست سنوات أو أقرب قليلاً واقفاً أتبول وقد أخرجت عضوي الصغير مُحَاولاً تفادي تلويث قاعدة الكبانيه بالميَاهِ الذهبيةِ، حين انتهيت رفعت الغيار الدَاخلي السفلي يليه السروال وفتحت بَاب الحمام خَارجاً لأمشي في طرقه ذات إضاءة صفرَاء خَافتة، حتى وصلت للصَالةِ فجلست علي أريكة حمراء، وتناولت بقية زُجَاجة البيرة لأرفعها إلي شفتي، علي يميني تَجلسُ سُليمة تَتحدث مع واحد أو واحده وغيمة من السواد تحلق حول رأسي، وصدَاع بدَاخلِه لكني مع ذلك مُبتهج خصُوصاً مع وجود سليمة التي ترتدي جونله حمرَاء فضفَاضة مُوشحه بنقوش أندلسية سوداء، وتى-شيرت أزرق مفتوح الصدر يكشف مفرق نهديها، مددت قدمي أمَامي وأخذت أنظر لحذَائي وفي تلك اللحظة بدأت أغنية أحبها…امرأة تدندن كأنه صوت ناتشا أطلس، فابتسمت برضا وأحطت بذراعي سُليمة، وجذبتها فاستدَارت بوجهها نحوي وبدا كأنما انزعجت من قطعي لمُحَادثتها لكنها ابتسمت.. هل ابتسمت سُليمه في تلك اللحظة كمُجَاملة لي أمام الحضور لتخفي أنزعجها من مقاطعة محادثتها مع الرفيق حول التميز ضد المرأة، أم كانت الابتسامة لأنها رأت السعَادة علي وجهي، من يدري ربما كان الأمر لا يتجاوز أن ذراعي قد دغدغت ظهرها. بأي حال فقد ابتسمت سُليمه، وفي تلك اللحظة وفي ذلك المكان كانت ابتسامة سُليمه تعني لي الكثير. هذه الابتسَامة الْمُقتضبة التي مازالت إلي الآن أحاول تفسيرها. دفعت الغيوم السوداء من حول رأسي بعيداً، أشعرتني بالخفة، خفة الكائن المثيرة للتحليق عَالياً. بذرَاعي الموضوعة حول سلمي وبإحساسي يدي يلدونه ذراعها مع ابتسامتها كنت أدرك أنني في هذه اللحظة امتلك سُليمه، استسلامها لذراعي وابتسامتها تعني أنها الآن قد حسمت أمرها، تعني أكثر أنها صارت لي. هذا الجسد وهذه الروح وذلك الوجه الطفولى الشفيف قد أعلن بتلك البسمة تنَازله الكَامل عن نفسه لصَالحي بعد مُطَاردة استمرت لأكثر من شهر حينما تقَابلنا أول مرة، وفي تلك اللحظة من الطبيعي أن يشعر الواحد منا بمثل تلك الخفة الخَادعة التي تبثها غدة الامتلاك من خلال هرمون النشوة، فكالمغفل لا يفكر الواحد في الثقل الذي تضيفه هذه الملكية على وجوده، ولنفرض أنك فكرت.. ماذا يمكنك أن تفعل، هل باستطاعتك أن تقاوم ابتسامة سٌليمة، ثم لنفرض أنك تمَالكت نفسك وتهربت من ابتسامتها –التي حتى الآن مازالت عاجزاً عن تفسيرها- ماذا تفعل وقد أمسكت وجهك وتقربت أكثر على مرأى من الجميع وقبلتك؟ هل ترفض قبله من سُليمه، من ذا الذي لا يقبل قبله سُلميه. —
للمُحَافظة على الطهَارةِ. أن تكون الابن الأكبر في أسرة شَابة فهذا لا يوفر الكثير من الْمُميزات فقط بل يجعلك فأر التجَارب التي يكتسب منها الشابين خبرتهما في التربية وفي تكوين لبنه في مُجتمع صَالح طَاهر. وللمُحَافظة علي هذه الطهارة فقد كان هناك مجمُوعة من القواعد أهمها علي الإطلاق وأصعبها في التنفيذ عدم تلويث قَاعدة الكابينة البلاستكية. فلأني طفل كسول فقد كنت أحاول طوال الوقت أن أسيطر على مثانتي أثناء اللعب واكتم البول فيها حتى لا اضطر للصعودٍ لمنزلنا والتبول، وحين كنت أفعلها فهذا يعنى وصول الأمر لنهَايته وامتلأ الخزَان/ المثَانة تماماً، لذلك فقد كانت عملية التبول في البداية يصاحبها سرع في الأدَاءِ وركَاكة في الأسلوب وبإضَافة الكسل فقد كان ينتج عنها عدم رفع القاعدة البلاستكية للكابينة والتبول واقفاً مُحَاولاً تفَادي تلويثها للمُحَافظة على طهَارة منزل شابين حادثي الزواج والإنجاب. هذه الذكري التي عبرت في رأسي الآن تجعلني أفكر أيضاً في الخفة التي تحدث للواحد منا بعد إفراغ الخزان تماماً، وأبالغ في مُقَاربة إستعاريه لأعتبر أن مسألة التبول تُشبه سعي الواحد للبحثِ عن الخفة. أتذكر بمُنَاسبة هذه الذكريات الطَاهرة سُليمة؛ ولنقل أنه ذات يوم مر الواحد بفترات عصيبة وسوداء حقيقية كان فيها مُثقلاً بالكثير من أثقَال الحياة التي تعوق عملية تحليقه وتمنعه من أن يكون خفيفاً،وفي مُحَاولة منه للتخلص من هذه الأثقال يسعي بجهد لهدم الجدَار الذي يحيط به حجر بعد حجر، وكانت هذه أيام سعيدة حقاً، فالضوء ينفذ للروح بعد كل ضربة معول والخطوة تصير أخف بعد كل حجر نلقيه في المَاء والبهجة بدأت تدخل باستحيَاء، وأمام هذا الاندفَاع نحو الخفة يلتقي الواحد بمن هي مثل سُليمة. بوجه طفل وجسد ضئيل يُنَاسب روح فرَاشة وفي اندفاعه الخفة يميل الواحد أكثر باتجاه اللعب، فمن سوي سُليمة جدير بأن يشارك الواحد اللعب؟ واحدة من اليمين، وواحدة من اليسار لتري نفسك مُستلقياً فوق صخرة طَائرة أعلي صحراء حمراء وفرَاشة صفرَاء تنتصب علي خصرك. — حاولت أن أكون أكثر تأنقاً في ثَاني مرة، مشطت شعري جيداً، قَاومت الكسل وكويت القميص الْمُهفهف ارتديت الجينز الأسود وفي الطريق فكرت في كيف أنه قد يكون مظهري المنكُوش في اللقَاءِ الأول أحد العوامل التي جعلها تنجذب أكثر إلي طوال السهرة وتقبل بابتسَامة دعوتي للقَاءِ مرة ثَانية، ماذا لو كان هذا التأنق الذي وضعت نفسي فيه لا يروق سُليمه. في الواقع ليس هذا بالأمر الهَام وإذا كنت لا أروق لها، فيلا هيلا هوب.. لكن اللقَاء الثَاني جر اللقاء الثالث تبعه اللقاء الرابع فصارت هذه اللقاءات مثل حُقن البهجة التي وصلت ذروة نشوتها مع أول قبلة. — قبل النوم ظللت علي الفرَاشِ أفكر وأرسم كل خطوة سأقوم بها غداً، ولأني أعرف قَاعة العرضِ وقد سبق لي زيَارتها في معرضِ سَابق فقد كانت جغرافيا أرض الْمعركة واضحة بكل التفَاصيل. سوف ندخل معاً إلي المعرض.. نقف أمام أول لوحة نَاحية اليمين أشير بيساري إلي تفصيلة ما في اللوحة واقترب منها، نمشي من هنا.. عبور خفيف من أمَام اللوحات ثم توقف مرة ثَانية أمام اللوحة التي ستكون مُعلقة على العمود الْمُلتصق بالحَائطِ، هذا المرة تقتضي الخطة الميلان أكثر للهمسِ في أذنها حتى مُلامسة شعرها القصير نسبياً لوجهي، يصَاحب هذا الأدَاء تَلمس حرير الخصر الدافئ بالذرَاع اليمني مع مُلاحظة التنَاسب بين الخفة والثقل، بهدوء دون أي مظهر من مظَاهر القلق أو التوتر… نبدأ بالقبلةِ الأولي علي الرقبةِ التدرج بعدها تدريجياً حتى الفم مع الاعتنَاء بالشفةِ السفلية أثنَاء التقبيل.. هكذا كانت الخطة كتبتها في رأسي ووضعتها تحت الوسَادة ونمت على المَاء. وفي الصباح حينما تقابلنا، قررنا المشي بدل من ركوب الأتوبيس للوصول للمعرضِ؛ في الطريق أخذنا نتحدث بلباقة في البداية ثم بشكل كوميدي يحكى كل واحد للأخر أكثر المواقف المضحكة التي مر بها، قسمنا بيننا بلاطات الرصيف، الأحمر لها والبيج لي وأخذنا نلهو بالقفزِ على الرصيفِ بجوار الكورنيش، أمسكنا أيدي بعضنا البعض ولغينا فكرة الذهَاب للمعرض واقترحت هي: -ماذا لو مشينا هكذا إلي الأبد في خط مُستقيم -عادى يعني، هنرجع لنفس المكان الواقفين فيه، لأن الأرض دَائرية توقفت لحظتها ونظرت لي، البحر كان خلفها وشعرها تدفعه الريح، وضعت يدها في جيب معطفها وحَبكته أكثر على جسدها ثم نظرت باتجاه الخط المستقيم: -يعنى أنت مش زكى علشان عارف أن الأرض دائرية، ومش مهم هنوصل لأيه.. المهم نتمشي -خلاص نتمشي وضعت ذرَاعي على كتفها، وأحَاطت هي بيسَارِها خصري، مُتعَانقين مشينا. هذا أيضاً من لحظات الخفة الخادعة أو هكذا أدعي مُحاولاً إقنَاع نفسي. — "كانت المرة الأولي له ولها أيضاً، لذا فقد كان يعملان بصمت" قرأت هذه العبَارة في مكان ما لكني لا أذكر أين؛ رغم أنها كانت تتردد في ذهني وأنا أرَاقب نفسي في المرةِ الأولي.. هذه أحد مُميزات امتلاك خيَال خصب وخلفية مَعرفية جيدة، كنت أقود حركة يدي بوعي قَائد عسكري، بدأنا بقُبلةِ، واقتراب خفيف.. عمل مُركز بالشفاه من الخَارج فقط بعدها يَخرجُ اللسانُ كأفعى تَتحسسُ تُفَاحةَ الجنةِ، بلطف يلج اللسَان بين الشفتين، والآن تتكئ بثقلك على جسدها تَستلقي على السرير، هنا يجب الانتبَاه لعَملِية فك الأزرَار ببطيء مع الْمُحَافظة علي اللسَانِ كجُندي الْمُقدمة، ومُرَاعاة أن تبدو عملِية فك الأزرَار وكأنها لا تَحدث أسَاساً عمُوماً يتم ذلك بتواطؤ الطرفين مع الاقتصَار على الأزرَار التي تَكشف فقط حقُول التفَاح.. من هنا يمثل الأمر صعوبة كبيرة لكن على الجندي أن يُحَافظ على التزامه بالخطط الإستراتيجية الموضوعة من قبل القيَادة.. لقد كدت أن أبكي في المرةِ الأولي يا سُليمه، وأنا أمسك هذا النهد ببياضه الشاهق وحلمَاته الغَامقة، ظللت مَذهُولاً وأنا أتلمسه بأصَابعي وأضغط عليه، أدور بسبَابة كفي حوله في دوائر ضَاحكاً كطفل. أي نوع من العطايا الربَانية هو جسدك — ليس دائماً لكن في لحظات كثيرة تحت الضوء.. فعلاً أحس برغبةِ في البكَاء أمَام جسدها ليس بكَاء من النوع المسيحي ولا الإسلامي، ليس بُكَاء الهزيمة ولا الخشُوع بل بكَاء الجمَال، اللحظة التي تستكثر فيها كل هذا الجسد بنعُومته ولدُونته والدفء الْمُنبعث منه علي نفسك. أذكر لحظات كهذه دَاهمتني في فترات من صباي كنت أقف في المرآة مُتأملاً جسدي من كل الأوضَاع، أضع يدي على كتفي وأتركها تَنزلق بسبب نعُومته، أنظر لنفسي من الخلف أتأمل ظهري والمنحنى الغَائر لعمودي الفقري، أري جسدي جميلاً كأنه ليس منى يُداهمني البكَاءُ وبهجة الجمَال في وقت واحد… لكن ولا مرة من هذه المرات بكيت. مع سُليمة كنت أقبل النهد وأمشي بعيني وشفتي علي بقية جسدها؛ هذه صوفية أفهمها. أفهم أن أهبط بوجهي ولسَاني من جبهتها ككلبِ مُطيع بروحِ عَاشق، أفهم أن أجلس على الأرض مُتكأ على السرير قَاضماً أصبع قدميها بأسنَاني مُتأملاً الجسد المسترخي ونبضات اللذة تعبر به كلما فاجأته لمسه.. والذراع مسترخي بكسل والعيون مغلقة. — بعد الانتهَاء من مُمَارسة الجنس، استلقيت نَائماً على بطني هَادئاً طيباً كما الملاك، وعلي ظهري استلقت هي، أكثر هدوء منى؛ ابتسمت في شيء من الرضا وأنا أشعر بنهديها مَضغُوطين علي ظهري، وشعر عَانتها القصير الخشن مُلتصقاً بأعلى مؤخرتي، وأقدَامناً تحتك ببعضها البعض، مدت يدها وأمسكت كف يدي وهي علي هذا الوضع. حاولت أن افلت يدي منها لكنها أصرت علي إمسَاكها وقبضت عليها بأصابعها الضعيفة، ضغطت بقوة كأنما تؤكد تمكنها مني، أمكنني ساعتها أن أسمع ضربات قلبها تتردد في ظهري، سألتها: -مالك؟ -مفيش.. -بجد مالك؟ -مفيش… ضغطت نفسها أكثر على ظهري، زادت من إمسَاك كفي، وتنهدت بعمق فخرج نفسها سَاخن في خدي وأذني. — الفرَاشة الصفرَاء لم تكن تغلق عينيها، حتى حينما تصل للنشوةِ كانت تفتح عينيها وتُبحلق في السقفِ وهى فَاتحة شفتيها دون صوت، تصل دون أصوات، فقط قد يؤلمها الولوج لكن بخلاف ذلك تُحَافظ على صمتها مُكتفيه ببسمة بين قبلة وأخري. في البداية بدا الأمر مُسلياً بالنسبةِ لي كنوع من التجديد، في المرة الثانية كانت عينيها حتى أثناء القبلات الطويلة مُسترخية لكن مُفتوحة كأنما تراقب بكسل، الثَالثة فعلاً بدأت أتوتر لكن هذا لم يكن السبب الوحيد لكي أترك الفرَاشة تُحلق بعيداً فجسدها المثَالي كان يؤلمني، كل ما فيه كان مُقَاساً بدقة كأنما تم تفصيله بالطلبِ، الشعر الأصفر والعيون الملونة الأظَافر الطويلة الْمُقلمة، النهد الصلب القَائم مُستنداً على الصدرِ، الخصر الدقيق، البطن المستوية والعَانة الْمَقصُوصة والسَّاقين الطويلتين حتى أظَافر القدمين بطلائهما الأحمر القَاني… بدا جسدها خَارجاً من خيَال مرَاهق يحلم بفتيات الإعلانات لكن دون أي علامة تميزه. ليس هناك ولو ترهل خفيف في البطن، أو ظَافر مَكسور أو ندبة في الذقن لن يحدث وأنت تتحس بكفك ساقيها أن تحس تحتك بشعره نَافرة أو مبسم مفتُوح لشعر مقصوص، لن يحدث أن تجذب حسنة سمرَاء عينيك بعيداً عن بيَاض الجسد، هذه العنَاية الْفَائقة بكل التفَاصيل الصغيرة لا يمكن مُقَاومتها لكن أيضاً لا يمكن الاستمرار معها للأبد. حكى لي يعقوب القناوي ذات مرة عن فتَاة كانت معه في الكلية، ترتدي مُعظم الوقت بنطلون جينز ضيق من الأسفل وواسع من أعلي، وفوقه معطف ملون بأشجَار وورد؛ ملابس جيدة لكن قديمة خصوصاً مع شعرها المربوط في ضفيرة ومهوش دون أي اعتناء، ومع كل هذا فهي منزُوية بعيداً عن الجميع تكتب الْمُحَاضرات وكل كلمه ينطقها الدكتور. تُذَاكر باجتهَاد وتنجح بدرجات عَالية أقرب للتفوق، صَامتة، تأتى وحيدة وتنصرف دون أن يشعر بها أحد. وفي يوم جاء مقعد يعقوب بجوارها لم يلتفت لها في البداية، لكن أثناء المحاضرة أوقع كرَاسة بكوع ذرَاعه دون أن يقصد انحني الاثنين معاً لالتقَاط الكرَاس فوقعت عينيه على وجهها من قرب بجبهته الضيقة وأنفها الرفيع والزغب الخفيف تحته.. يُقسم يعقوب أن قلبه قد توقف عن النبض في هذه اللحظة وأن ألماً وحشياً هَاجمه بين سَاقية بحيث قضي بقية المُحَاضرة في حَالةِ هيجان شديد. ظل يعقوب لفترة طويلة بعدها شغوفاً بالفتَاةِ وبمتابعتها كان يراها أكثر فتاة مُثيرة عرفها في حياته، بثيَابها القديمة وتسريحات شعرها الأقدم وأظَافرها التي لا تتوقف عن أكلها والزغب فوق شفتيها. "أنها عذرَاء كاثوليكية" هكذا كان يصفها يعقوب أثناء حديثة، يأخذ نفساً من سيجارته ويرجع برأسه للوراء "كيف يمكن أن تكون مثل هذه في الفراش" يقولها مُطلقاً الدخان من فمه؛ رغم أن يعقوب لم يكن قد سبق له مُمَارسة الجنس لكنه ظل معتبراً بأن هذه الفتاة في الفراش ستكون قطعة لهب، كان يحاول أن يتخيل فقط الدفء والحرَارة التي يمكن أن يلمسها إذا وضع يده بين فخذيها؛ ويتألم هو من حرارة الشبق. لكن يعقوب لم يتحدث للفتاة ولم يقترب منها وظل هذا كل مجرد أحلام. لماذا؟ "لأنه لا يمكن أن تمشي في الشارع أو الكلية أو تتحدث مع فتاة كتلك" ينطق الجملة الأخيرة هَازاً رأسه بأسف، هذه واحده من المشكلات التي تستحق التقدير طبعاً الخجل إحسَاس مُرهق نفسياً، يهتم الواحد كثيراً بنظرات الآخرين وكيف ينظرون له، ويهتم أكثر بكيف ينظر الآخرين لمن معي، كيف يرون شريكي "هل هو نجم، هل يليق بصحبتي" لهذا يحلم الواحد بالعشيقة كما المخدة، فقط جسد مثَالي كما الفرَاشة مُقيداً في السرير كوسَادة وجَاهزاً في كل وقت مع عيون مفتوحة تراقب جودة الأداء ومتَانة الأسلوب وانسيابية التنفيذ. بينما يُحَافظ على شريكة الحياة كأم طيبة وجسداً أخوي مثير تعرف تضاريس أرضه ومفَاتيح أبوابة… كسُليمة مثلاً. لكن الفرَاشة الصفراء لم تكن تصلح كوسادة يرجع هذا لتفضيلها أن تكون عميلاً يتم خدمته أكثر من كونها مُشَاركة في صنَاعة المنتج، ولا ننسي كلمتها الأكثر استخدماً دائماً "أسرع..فأسرع فأسرع". الفرَاشة أيضاً لا تصلح كأم طيبة ليس لعيباً في شخصيتها فلم يكن لدي الوقت لاكتشاف ذلك، بل لأن سُليمة هي من خرجت أنا من رحم جسدهاً بعانتها السوداء الكثيفة برائحتها المَالحة وطعمها اللاذع، بذلك الترهل الخفيف كغيمةِ مُثقلة بالمطر في بطنها، بالحسنةِ على جَانب صَدْرها، بأكتافها الْمَحنية، وظهرها الأبيض ببثورها القليلة الحمراء، بالزغبِ على حَافة مؤخرتها، بأردافها كما الكمثري، بحضنها القوي عند النشوة، ويدها الموضوعة على ردفي عند النوم ويميني الْمحصُورة بين فخذيها ويساري التي تمسك نهدها وأنفي المدفُون في رَائحة شعرها، هكذا كنا ننام في الجنةِ. دون تفَاح أو بلح أو أفاعي…سُليمة أختي الحبيبة منها خرجت — استيقظت من النومِ مفزُوعاً، للوهلة الأولي لم أعرف أين كنت. بعدها استوعبت أني شبه عَاري وسُليمة بجواري علي نفس الحال، لكني احتجت لثواني لاستوعب أننا كنا في أحد الغرف البسيطة في شقةِ واحده من أصدقائنا، خلت أنى أتذكر الكَابوس الذي أفزعني لكنه ((فووو)) تبخر. كل هذا في أقل من دقيقة، شددت طرفي الغطَاء وعانقت ظهر سُليمة من الخلف، أحطتها بقدمي وذرَاعي ودثرت الغطَاءَ علينا نحن الاثنين، شعرها كان يعوق تنفسي لذا فقد رفعته ودفنت وجهي بين رقبتها وظهرها. في الصباح أيقظني صوت المنبه، أغلقته وغفوت لعشر دقَائق أخري، قدرت أن صديقتنا الآن قد خرجت لعملها، شعرت بالامتنان حقاً لها وهذا شيء نَادر في الحقيقة، لكن يجب أن نصحو الآن مازال أمامي يوم طويل وأمور لا بد من إنجَازها علي رأسها تنظيف ظهر الحيتان التي تنتظر في حوض الميناء. أيقظت سُلمية وخرجت من الغرفةِ إلي الحمَامِ، دخلته ووقفت تحت الدش جففت جسدي وارتديت ملابسي وفتحت بَاب الحمَام وحين خرجت كانت هناك غيمة سوداء لا تزال طَائفة حول رأٍسي، عدت إلي مكَاني وجلست بجوار إيهاب الذي نَاولني سيجَارة الزيت مُبتسماً ((حمد الله علي السلامة .. — والذرَاع مُسترخي بكسلِ والعيون مُغلقة.
Ooooh, you cannot reach me now Ooooh, no matter how you try
في زيَارةِ غير مُخططة أُثناء فترة الإعدَاد لهذه اللعبة مررت بشارعنا القديم، أتى هذا المرور العَابر بعد فترة انقطَاع طويلة لم أخطو فيها الشَّارع، وكنت أعرف أنه بالطبع لن يصبح على ما كان عليه، فالبيوت ستصير أصغر والحواري ستصبح أضيق وسلالم الكثير من المنَازلِ ستختفي تحت الأرض مع ارتفَاع مَنسُوب الطين والأسفلت لكن بخلاف كل هذا وجدت لوحة معدنية زرقَاء قد وضعت في بداية الشَارع وكتب عليها شارع أبو بكر الصديق. بالأساس لم يكن شارعنا يحمل أي اسم رسمي ولم نعرف له طوال الوقت سوي الاسم الشعبي الذي أطلقنه عليه مُستمداً من الأسطورةِ "شارع التنين الذي أكلته الشمس" لكن أثناء عملية إعَادة الاعمَار بعد الحرب سعى المجلس المحلي للتنقيب بدقة عن جميع الوثَائق والأوراق التي تؤرخ للمدينةِ في مُحَاولة لاستعَادة صورتها الأصلية وإيجاد روابط في عملية البناء بين المَاضي والحَاضر الْمشرق الذي ينتظر أبنَاء الوطن بعد انتهاء معركة البناء؛ ولتسهيل مهمة عمل لجنة توثيق الماضي الْمُنبثقة عن المجلس المحلي وجه المجلس المحلي الدعوة لجميع المواطنين ومُحبي السلام للتقدم بجميع الصور والأورَاق والكتب التي تؤرخ للمدينةِ ومَاضيها الضَائع، ظهر علي أثر ذلك أستاذ بدَار العلوم ومعه نُسخة من مخطُوطة لرحَالة عربي ذكر فيها أن شَارعنا عرف باسم شارع أبوبكر الصديق نظراً لوجود مسجد كبير في نهَايةِ الشَارع كان يحمل اسم الصحَابي الجليل واحتوي هذا المسجد علي قبة خضرَاء عَاليه ومقام قيل أن فيه عباءة وسيف الخليفة الرَاحل، وذكر الرحالة الذي عرف باسم ناصر بن الزاهري بأن الشارع كان من أجمل شوارع المدينة فيه حدَائق غناء وسكنه كبَار التجَار والقضاة والعلماء وصباح كل جمعة كان شهبندر التّجَار يأمر عبيده بإطلاق البخور والروائح العطرة في الشارع لتطهيره وتطيب جوه. لكن لم يكن هناك أي جامع أو زاوية في شَارعنا تسند رواية مخطُوطة أستَاذ دار العلوم، إلي أن وقف بجوار رأيه أستاذ أجنبي أخر في الآثار قَال أن بقايا الجَامع مدفونة تحت الجدَار الذي يسد شارعنا، ولأن خبير الآثار كان أجنبياً فقد وثقت اللجنة في رأيه وأوصت بتسمية الشارع باسم أبو بكر الصديق علي أن تشكل لجنة أخري لفحص السور وسبب وجوده والكشف عن آثار جَامع أبو بكر الصديق وعباءته وسيفه. —
مرة أخيرة. أنا علي الدراجة، أجري على الأسفلت، أحس بنعومته، وتزداد سرعتي. "وكمان كاسيت" صغير معلق في سروالي، والسماعات في أذني، موسيقي أغني معها بصوت عَالي. أعبر بالدرَاجةِ من علي مطب أسفلتي فترتفع الدرَاجة وأطير في الهواء، أصرخ مجنُوناً وأرفع يدي من على المقبض
Because I have to know. Have I been guilty all this time?
لا أستطيع أن أجَالس نفسي، أخاف منها ودائماً أحاول الهروب والفرَار بعيداً. في مرحلةِ ما من حياتي أخذت قراراً بمواجهتها؛ أقنعت نفسي وقتها أنه لتحقيق السلام التَام الدَاخلي والتوحد مع حركة الكون والعيش في سعَادةِ مُبهجة يلزم الواحد أن يصفي جميع المعَارك بينه وبين نفسه.. ثم أنه ما الذي يدعو نفسي لأن تكون عدوتى وتسعى لتدميري! هكذا بدأت لكني انهزمت. في البدَاية كان الأمر مُريحاً مُغرياً كأنما تُمسك بكف فتَاة في الحديقةِ تُحس بلدُونه اللحم وطرَاوتها ويستثيرك دفئها، تلمس الجمَالَ في لون وشكل كتفها تقترب أكثر وتصعد بيدك، وتلتفت بكل حواسك نحوها لكن تجد الطريق قد صار مُوحشاً والحديقة ما صارت حديقة والسمَاء رمَادية وبجوارك سور حجري عَالي والفتَاة ليست سوي دُمية من القش.. أين أقف الآن؟ كأن الطريق كان خطأ — عرفت القرنفلَ أول مرة كعود صغير في حجم عُقلة الأصبع أو أصغر تعلوه كرة صغيرة يضعها جدي علي الشاي الذي يشربه في العصَارى، وهو يختلف عن الشاي بالنعنَاع الذي يشربه في الليل وهو يُشَاهد المسلسلَ أمام التلفزيون تحت البطَانية الدافئة وعن يساره تجلس جدتي قدميها تحت البطانية، تُغَالب النعَاس كالمعتاد، وعن يمينه طَاولة صغيرة عليها جميع أدويته وعلبتي كبريت واحده تحتوى على أعواد القرنفل، والأخرى أعواد الكبريت التي يستخدمها على فترات لتسليك أسنَانه. أصعد بجواره علي السرير، وأبدأ في تقليب علب وزجَاجات الدواء وتخيلها سُفن فضَائية، فينزعها من يدي خوفاً من كسرها، أتناول علبه من علب الحبوب وأبدأ في إخراج ما بها وعده ((واحد.. اثنين.. ثلاثه…)) ثم أعود من جديد لعدها وقد نسيت أين توقفت أو أخطأت في العد، ينزعها أيضاً من يدي ويضع الحبوب في عبواتها، ثم يسحبني من تحت إبطي -بطل دوشة… واطلع أقعد هنا تعقب جدتي وقد انتبهت من سكرات نُعَاسها،وهى تسحبني من يدي -تعالي خش تحت البطانية علشان تتدفا -لا أنا هقعد هنا على الحرف وأجلس بجواره مَحشُوراً في الْمسَافةِ بينه وبين الطَاولة، ألعب في التلفزيون، فيتشوش الإرسَال، لكن أعود سريعاً للقنَاةِ الأولي حتى لا أثير تذمرهما، يبدأ المسلسل فافتح عُلبة الكبريت، أتناول قُرنفله وألعقها بلساني ثم أقذف بها إلي فمي، حيث أقلبها مُستشعراً طعمها اللاذع، وفي غمرة حماس، أدهسها بأسناني فتنفجر دَاخل فمي حيث تُهيج مسَام التذوق في لسَاني وأحس بالطعم مُقرفاً، لكني أتحمله وأنا فَاتح شفتي نَافخاً الهواء في مُحَاولةِ لتبديد الطعم لكنها هاهي المسام قد بدأت في الهدوء والطعم المقرف يصير مُستساغاً هَادئاً. أتدثر بالبطَانية وأدخل يدي تحتها… مُندمجاً مع المسلسل. القرنفل أيضاً استخدمته جميلة المُحيا في جلسة العصاري، تجلس على الكرسي الخشبي مُستندة علي الجدَار وقد ربعت ساقيها، وربطت شعرها من الخلف وفي يدها كوب الماء البارد وقد تكثف البخار على زُجَاجه الخارجي وفي الماء هناك عود أو عودين من القرنفل. معظم الأوقات كانت تسير ومعها عُلبه بلاستيكية صغيرة تحتفظ فيها بأعواد القرنفلِ، تَنثرها علي مُعظم ما تشربه، بينما استخدمه أنا علي المَاء البارد فقط، الذي كنت أحافظ على وجوده بجواري غالباً. من الثلاجةِ تُخرج الزجَاجة وإليها تعود وعند النوم توضع الزجَاجة بجوار السرير وقد أسقط فيها عودين من القرنفل.
استيقظت في مُنتصف الليل أمس، والعرق يخرج من كل جزء في جسمي، ريقي جاف… مددت يدي بجوار السرير وتناولت زجاجة المياه الباردة لكنها كانت بلا قرنفل ومع ذلك شربت بنهم بلوب، بلوب، بلوب…
There must have been a door there in the wall When I came in
أتمشي معايا.. في أحد الشوارع الْمُتفرعة من شَارعنا والذي أصر على تسميته بشَارعِ التنين الذي أكلته الشمس، كان هناك بقَال صغير في دكَانِ لا تتجَاوز مسَاحته أكثر من أربعة متر مربع، لكنه دائماً مليء بكل ما تحتاجه الأسرة والطفل. فتح عم دنجل هذا الدكَان حينما كنت صغيراً وكتب عليه فوق لوح خشبي "تجَارة دنجل"، جلس خلف حَاجز الدكَان الخشبي؛ في السقف مروحة مُعلقة والأرضية من البلاط الرديء الْمُغطي بورقِ الكرتون والأرفف كلها باللونِ الأخضر مع إضَاءة بيضاء بمصَابيح النيون، وفي الدَاخلِ هناك لب وسوداني وشيبسي وبونبون وشيكولاته رخيصة، علب سمن وزيت، لنشون، جبنه، حلاوة…. وفي خارج الدكان عجلته الحديدية الثقيلة، ذات الصندوق الحديدي والتي بها ينقل البضَائع من وإلي الدكَانِ. حمل دنجل اسمه بجدَارةِ نظراً للشبه الكبير بينه وبين دنجل الشرير في قصص بطوط (دونالد داك)، مع اختلاف أن دنجل شارعنا كان يجلس في يده السيجَارةِ فاتحاً زراير جلبابه الأزرق أو الأخضر وعلى شفتيه يقبع شنبه الكث وخلفه البضائع تملئ الأرفف والتي لا يحتاج لتناولها أكثر من أن يمد يده أو يدير وسطه ليصل إلي بضَاعة يريدها. لكن الأهم من كل هذا أن عم دنجل لم يتغير وضعه إلي الآن، ففي الزيارة التي اكتشفت فيها تبدل اسم الشارع إلي أبو بكر رأيت دُنجل كما هو جَالساً في دكَانه الضيق الرطب وفي يده السيجارة مع وساخة تُغلف دكَانه يمكن إرجاعها لعوامل الزمن، لكن كان هو دنجل بكل ما اختزنه له في ذاكرتي. هذا شيء يبعث علي البهجة والحنين بصراحة، أشعر بتداخل الغربة مع الحنين مع المحافظة علي الأشواق كلما قرأت الفقرة السابقة. — في أحد أيام العيد حملت حصيلة ما جنيته كعطايا وهبات من المَالِ وذهبت لعم دُنجل لأشتري مُسدس لعبه كانت صورته تعجبني جداً في غلافه الخَارجي، لكن حين عدت للبيت جربت المسدس… بوم بوم، طاخ بوم بوم.. تك تك تك تعطل المسدس واتضح أنه غير سليم تأكدت حينها بما لا يدع ثغرة للشك من صحة قول أمي وأصحابها بأن عم دنجل ليس بالرَاجلِ التمَام، فبضاعته غالباً رديئة، حتى تلك الْمٌعلبة فهي غَالباً فَاسدة من سوء التخزين في دكَانه الرطب. مما لاحظته أيضاً في زيَارتي الأخيرة لدُكَان دُنجل أنه الوحيد تقريباً الذي لم تترك الحرب آثاره عليه، لا شروخ في جدرَانِه أو تَصدعات من أثر الْقنَابل، ولا ثقُوب بسبب الرصَاص. حتى وضعه الْمَالي والتجاري لم يهتز في وقت أغلق فيها الجواهرجي الْمٌجَاور له في الشَارعِ، وتَعرض الكثير من التجار لنكبات ماليه أطَاحت بمركزهم الاجتمَاعي لكن ظل هو بجلبابه وسيجارته وبضَائعه المعطُوبة. — بعد الخلاف العَاصف بيننا، ذهبت للشقةِ للحصول علي بعض الكتب التي كنت أحتاجه، ألتقينا في الصَالة حيث كان هو خَارجاً من غرفته، لم نتبَادل كلمة وتعَامل كلانا مع الأخر وكأنه هواء زَائد. دخلتُ الغرفة وجمعت كُتبي، ألقيت نظرة أخيرة علي حجرتي، وأنا خَارج إلي الصَالةِ حيث كان يجلس علي كرسي الصالة وما أن رآني حتى فتح فمه بنفس الصوت المثير للتوتر: -بهذا الشكل سوف نكون نحن الاثنين في مأزق والآن حان أوان المعركة الأخيرة، أما أن تنتهي باتفاقية سلام باردة، وأما عَاصفة من التدمير سوف يسقط فيها الأضعف فينا، وضعت الكتب علي الطَاولة وجلست على الكرسي الْمُقَابل له، بحثت في جيوبي عن علبة السجَائر وأشعلت واحدة، وقبل أن أخرج أول نفس من الدُّخَان دوت صفارات الإنذَار وانقطع التيَار الكهربي وبشكل لا إرادي انفجرنا نحن الاثنين في الضحك… لا يمكن أن يحدث لي هذا مع شخص بخلاف يعقوب القناوي. عرفت يعقوب بشكل يشبه الصدفة في أول سنة لي في المدينةِ الكبيرة، وبدَافع الحَاجة.. حيث كان هو يبحث عن شريك في السكن يتحمل جزء من الإيجار، وأنا أتمنى توديع المدينة الجَامعية، قررنا الإقَامة معاً. أول سنة مرت بشكل انسيابي.. صباح الخير يا جاري، صباح النور يعقوب، بعدها كنا ننزل في الليل حين يُحَاصرنا الملل لنجلس علي قهوي ما نشرب سحلب ويدخن هو شيشة، نُشَاهدُ التلفاز دون أن نتحدث، بعدها ذات يوم نَطق وهو ينظر للطَاولة المجاورة لنا: -تعرف تلعب طاولة -نلعب طاولة وفي أثنَاء الطَاولة بدأنا نتحدث، نُكته منه، نكته منى. يسخر هو مني حينما يغلبني، انظر له باستعلاء حينما أغلبه، ونضحك بدون أي سبب على كل كلمة نَسمعها وأعلق في النهاية أنا "حَاجة مسخرة" حكيت له عن جميلة المُحيا، وحكي لي عن سُليمه، تبادلنا الأسرَار وحدثني عن عائلته وخلافاتها، وحدثته عن أمي وجدي المهوس بالكتب، اسمعني لأول مرة فريق بينك فلويد، وعرفته علي أسماء عدد لا بأس من الكتب والروايات، وكيف يميز صوت الطلقَات والمدَافع وقت الْغَارات وماذا يفعل في حالة ظهُور طائر الرخ، وفي نهَايةِ الحربِ ذهبنا نحن الاثنين إلي متحف السلام لنُشاهد معاً جميع ذكريات الحرب وصور الشهدَاء والأبطَال، وقف أمام صورة القَائد الطلابي الأسطوري، وقال لي أن أخاه قد قَابله وصافحة ذات مرة استغربت جداً لأني عمي أيضاً كان قد صَافح الزعيم الطلابي لكن كمبعوث من ميلشيات النظام، خرجنا نحن الاثنين أيضاً ونحن نضحك. صرنا كظل وصاحبه، أينما وجدت يتبعني يعقوب، وأينما وجد يعقوب فأنا اتبعه، وحين نتوه عن بعض أرفع سماعة التليفون "صباح الخير بالليل يا قناوي" نلتقي ونستمر في الضحك في كل ما هو حولنا. —
سافرت إلي الجنوب بدعوي من يعقوب، ركبنا ميكروباص يقطع الطريقَ في أكثر من خمس سَاعات ويتوقف مرة واحدة للرَاحةِ في المنتصف، كان الوقت ظهراً والشمس حَامية تضرب في الشباك بجوار وجهي، أخرجت من الحقيبة واحد من قمصَاني وعلقته بجوار الشبَاك لكي يحجب الشمس. توقف الميكروباص في منتصف الطريق ونزل الجميع واحد يشرب شاي، واحد يدخنُ سيجاره، واحد يدخلُ الحمَامَ، خلعت أن ويعقوب دون أن نشعر قمصاننا ودخلنا الحمام ووضع كل منا رأسه تحت المياه لمُحَاولة تبريد الطَاسه، خرجنا إلي السيارة والجميع ينظر لنا دون أن نلتفت والماء يتسَاقط علي وجهنا ويبلل فانلتنا الدَّاخلية البيضاء، جلسنا بوضعنا كل واحد بكتفه العاري وفانلته الدَاخلية البيضَاء المُلتصقة بفعل الماء. انطلق الميكروباص ونمنا منهكين كتف في كتف ورأس تستند برأس. — أعمل الآن بشكل مؤقت، كرَاعي للحيتان الصغيرة الْمُهددة بالانقرَاضِ، مسئول عن مُتَابعة نُموها، وإطعَامها والعنَاية بنظَافتها الشخصية. لذا فأنا أقضي مُعظم الوقت جَالساً في الحوض الضخم الذي يمكن اعتباره جزء من الميناء الحربي القديم الذي تقرر تَخصيصه كمركز مُتكَامل للمحَافظة علي الحياة البحرية التي انتهكت ودمرت بشكل بشع في سنوات الحرب. في جلستي لمُرَاقبة الحيتان الصغيرة كنت معظم الوقت أظل سَاهماً شاعراً بالملل ليس هناك ما يمكن أن يسليني أكثر من اللعب بالخيالِ، أري مُدن وقطَارات ومرُوج خضرَاء وألوان وناس كثيرة ترحل وتجيء. في بعض من تلك الجلسات أشعر بخفة في رأسي أعلي بكثير من تلك التي تحدث لي أحياناً في حَالةِ شرب الحشيش أو الخمور بكَافةِ أنواعها. حَالة كَاملة من الخفة كأني حوت صغير يسبحُ لوحده فوق سطح كوكب يتكون من مُحيط واحد دَائري بلا أي كائنات تُشَاركه المسَاحة المتناهية. غير أنه في مرة من المرات، وكنت جالساً باللباس البحري وقد أسقطت قدمي في المياه وأخذت أتأمل حيتاني الصغيرة رأيت الدمَاء تزحف وتنتشر ببطيء، في البدَايةِ ظننته الولد الذي فتحت بطنه في حمَامِ السبَاحة، ثم حاولت الخروج من تخيلاتي مُفكراً بشكل أكثر عقلانية في مصدر الدمَاء.. هل يكون أحد الصغار قد أصَابه مكرُوه؟ أخرجت قدمي من المياه وأخذت أجري حول المسبح الكبير بحثاً، عن الحوت الجريح، لكن بعد خطوات قَليلة أدركت بأن الأمر لم يكن أكثر من خيَال عَابر، وقفت مُحَاولاً استيعَاب ما حدث… لقد شطحت. اشتغلت نفسي فعلياً تكررت التجربة كثيراً بعد ذلك، خصوصاً أثنَاء الإعدَاد لهذه اللعبة، وبدأت من طريق بعيد جداً؛ ففي مرة كنت في نفس الجلسة أفكر في أحد النصوص التي قرأتها لواحدة من صديقَاتي، كان صفحة من مُذكراتها بعنوان "ابن موت" تحكي فيها عن علاقتها بولد يسمع الروك ويدرس شيء ما كالفلسفة، يومها على سطح حوض المياه رأيت منزل الولد وسيَارته، الحبوب المخدرة التي يبتلعها، الكتب التي يقرأها، حديثه مع صديقتي، رأيت كل ذلك ليس كشَاشة سينما، بل كعرض ثُلاثي الأبعاد يمشي فيه الولد وصديقتي علي سطح المياه. بعد ذلك توالت الرؤى، وفي كل مرة كانت تزداد وضوحاً وتصير أكثر فاعليه، تَتدَاخل مع تفَاصيل مُختزنة في ذَاكرتي وأخري لحكايات خبرني بها أصدقَائي وأخري سمعت بها أو قرأتها، وفي النهَاية حينما بلغت الحيتان بعد أكثر من سنة وبضع شهور عمر مُنَاسب للخروج للمحيطِ صرت تائه كلياً لا أميز أين أنا من وسط كل هذا، ولا أعرف الهلاوس من واقع الأرض الصلبة. في هذه المرحلة بينما كان يجلس عن يميني "روجر وترز" يتحدث بصوت مُزعج يشبه الصرَاخ عن العَالم القبيح والشرور التي ملأت البشر شَارحاً فلسفته في الحياة ورؤيته لاتجاه طريق السعادة كان قد حان الأوان لخرُوج الحيتان للمحيطِ، حيث تُفَتح الأبواب التي تفصل مياه الحوض عن مياه المحيط، ليتدَاخل الاثنان ويحدث تيَار مَائي لطيف يسحبُ الصغَارَ خَارج الحوض نحو…
All alone, or in two's, The ones who really love you Walk up and down outside the wall.
أجلستني على الأريكةِ بجوارِ الضَّرير والأبرص والشَّحَاذ والملك والوزير والسيَاف، مُدت أمَامي الموائد أولها تُفَاح وخوخ وحليب يليها لحم مطبُوخ وأخر مسلوق وثَالث مشوي وفي نهَايتها مشبك وقطَايف ولُقيمات قاضي؛ لكني لم أمد يدي، صبت الكأس وقربته مني فوجدتني كما أنا. كنت الوحيد الذي لم يحرك ظهره عن الجدَار الذي يستند إليه، فوضعت يدها علي ركبتي وهزتني: -فُكّ عن نَفسك يا ابني.