Files
memex/inbox/notes/خليل كلفت - الازدواج في اللغة بين الفصحى و العامية/خليل كلفت - النحو العربى بين شريف الشوباشى .. وسيبويه!.org

15 KiB
Raw Blame History

— title: "النحو العربى بين شريف الشوباشى .. وسيبويه!" date: 2003-12-31T00:00:00-00:00 draft: true — نُشر هذا المقال فى جريدة القبس الكويتية - أغسطس 2004 وقد نشرته الجريدة المذكورة بتعديلات أدخلتْها بمعرفتها؛ وأنا أنشره الآن كما كتبتُه فى الأصل

عاشت الحياة الثقافية فى مصر، خلال الأشهر القليلة الماضية، حالة خاصة، بل استثنائية. فالنحو العربى الذى لا يلقى فى العادة سوى الإهمال والإعراض واللامبلاة صار حديث الناس وقضية القضايا، منذ صدور كتاب لشريف الشوباشى، وكيل أول وزارة الثقافة فى مصر، بعنوان "لتحيا اللغة العربية .. يسقط سيبويه". وخلال هذه الأشهر القليلة صدرت طبعتان من الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (2004)، وقوبل الكتاب ومؤلفه بعاصفة من الهجوم الضارى تسابقت عليه الصحف والمجلات والندوات. ويبدو أن كتاب "يسقط سيبويه" سوف يفرض نفسه على مجلس الشعب المصرى، ولن يكون من المدهش أن يدخل المحاكم وحتى محاكم التفتيش العصرية، وأن يمرّ، من البداية إلى النهاية، فى المسار المعتاد للأزمات المماثلة فى بلادنا، وأنْ تنقلب المهزلة إلى مأساة حقيقية.

ومن اللافت للنظر أن سحر عبارة "يسقط سيبويه" كان قادرا وحده على إحداث هذا الانقلاب من اللامبالاة المعهودة فى هذا المجال إلى ثورة عارمة دفاعا عن علم النحو العربى و سيبويه الذى جمع فى مؤلفه الأشهر "الكتاب" أمثلته وقواعده من شيوخه وبالأخص من الخليل ابن أحمد الفراهيدى، ونقلها إلينا مع فيض من إضافاته المنهجية العميقة.

على أن كتاب "يسقط سيبويه" لا علاقة له فى حقيقة الأمر ﺑ سيبويه. فمثل هذه العلاقة يمكن تصوُّرها عندما نكون إزاء بحث يتناول مثلا تجديد أو تطوير النحو العربى أو الإعراب الذى يمثل أداة من أدواته فى اللغة القريشية المُعْرَبة. وكتاب الشوباشى لا يتناول علم النحو والإعراب عند سيبويه أو غيره من النحويِّين فى سبيل تطوير أو تيسير النحو أو الإعراب وهما الموضوع الرئيسى فى كتاب سيبويه إلى جانب الصرف والصوتيات. فـ الشوباشى يتناول بالأحرى تطور اللغة العربية بصورة تاريخية فى نواحٍ عديدة منها إسقاط الإعراب، مما أدى إلى الازدواج اللغوى المتواصل عبر القرون فى العالم العربى بين اللغة العربية المُعْرَبة المسماة بالفصحى واللغة العربية غير المُعْرَبة المسماة بالعامية والتى تتمثل فى اللهجات العربية المتباينة الراهنة. فالأمر لا يتعلق هنا بالنحو أو الإعراب كعلم وضعىّ، هو علم النحو، أو علم النحاة أو النحويِّين، بل يتعلق بتطور لغوى أشمل (تاريخى وليس علمى) يمثل إسقاط الإعراب وعدد من التطورات الأخرى المعجمية والدلالية والصرفية والصوتية سماتها المميزة عن العربية القريشية.

ومن المؤسف أن العاصفة الهوجاء المتواصلة منذ صدور الكتاب كانت، بحكم طبيعتها، أشبه بحوار الطرشان. فالشوباشى فى كتابه وأحاديثه اللاحقة، لم ينطلق من معرفة منهجية دقيقة بالقضية التى يثيرها، كما اتبع طريقة ملتوية للغاية ترهق القارئ المدقق المتتبِّع لتسلسل أفكاره، بدلا من أنْ يبوح بأسرار ما يقصد إليه بصورة مباشرة، مستقيمة، واضحة، متبلورة. أما فى الطرف الآخر لحوار الطرشان أىْ عشرات العلماء والأساتذة اللغويِّين الذين أدلوا بدلوهم إلى الآن فمن الجلى أنهم يمثلون أصولية لغوية نحوية هى امتداد مباشر للأصولية اللغوية النحوية التى استطاعت من قبل أنْ تسحق محاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة فى 1945 بشأن تطوير النحو العربى وتجديده وتحريره. والحقيقة أننا لا نجد عند هؤلاء العلماء والأساتذة اللغويِّين سوى شتائم متواصلة، ضد الكتاب ومؤلفه، ترافقها تهمة أساسية تكاد أن تكون وحيدة يرددها الجميع مؤداها أن الشوباشى يدعو إلى "التخلى عن قواعد النحو العربى"، دون أن يسهموا بفكرة واحدة فى محاولة فهم طبيعة ما يدعو الشوباشى إليه، ومع الإعراض التام عن مناقشة قضايا تطوير علومنا اللغوية وبالأخص علم النحو، وكذلك مسألة الفصحى والعامية، مع أنها قضايا مطروحة منذ عهد بعيد، بالإضافة إلى أننا فى زمن صار فيه تطوير علم النحو (بتصحيحه وليس بمجرد تيسيره) مسألة حياة أو موت بالنسبة للُّغة العربية ذاتها، أىْ أن تطوير النحو العربى صار ضرورة يفرضها التطور التاريخى العام كما تفرضها تجلياته المتمثلة فى شروط ومقتضيات ومتطلبات المعالجة الآلية للمعلومات.

وبحكم طبيعة القضية التى كان يتجه إلى عرضها فى تضاعيف كتابه أىْ مسألة الفصحى والعامية، ناقش الشوباشى، فى ثلاثة فصول تشكِّل أقل قليلا من ثلاثين فى المائة من الكتاب (وهى فصول "برج بابل"، و"هل العربية لغة مقدسة؟"، و"المسيحيون والعربية") قضايا تنتمى إلى علم اللغة التاريخى والمقارن (أىْ فقه اللغة)، مثل أصل ونشأة اللغات، واللغة العربية بين التوقيف والاصطلاح. على أن الشوباشى الذى ألَّف كتابه بلغة شعبية تلائم القارئ العادى صاحب الثقافة العامة، أغرق القراء فى هذه الفصول، كما فى غيرها، فى تفاصيل وروايات وحكايات واستشهادات لا تنتهى، وبهذا أفشل كل إمكانية للاستفادة من نظريات أصل ونشأة وتشعُّب اللغات إلى لغات ومجموعات لغوية جديدة تغطى الآن وجه الأرض، وهى نظريات تقوم على المعطيات الفيلولوچية والفونولوچية ومعطيات الإحصاءات اللغوية الشاملة لمختلف المجموعات اللغوية، كما تقوم على معطيات الأركيولوچيا والبيوأركيولوچيا، وغيرها، فى عرض أعمق لمسألة قديمة وقف عندها الشوباشى بنفس الطريقة المرتبكة المربكة، وهى مسألة اللغة العربية بين التوقيف والاصطلاح، فى سبيل وضعها فى إطارها الصحيح كعملية تطورية، أو وراثية بكلمة أخرى. ذلك أنه لم يَعُدْ من المعقول مناقشة هذه المسألة فى زماننا كما ناقشها ابن جنى فى كتابه الأشهر "الخصائص"، إذْ إنه بكل عبقرية نظريته التطورية فى اللغة، عاش فى زمن تميزت معارفه عن اللغات بواقع العزلة النسبية بين اللغات والشعوب رغم تفاعلها التاريخى العميق الطويل، كما كانت المعرفة اللغوية لابن جنى بوجه عام بمستوى وحدود تطور العلم وتطور المجتمع فى زمانه.

ومن الإنصاف أن نسجل قبل كل شيء أن الشوباشى ينطلق من فكرة مؤداها أنه توجد مواطن صعوبة فى اللغة العربية والنحو العربى، وأنها تفتح الباب واسعا أمام العاميات العربية التى تكاد تمزق اللغة العربية والأمة العربية والعالم العربى، كما يردد، وكان الهدف الرئيسى للكتاب، كما تصوره مؤلفه، هو إنقاذ اللغة العربية الفصحى من خطر العاميات، من خلال تطوير اللغة وقواعد نحوها.

ويضعنا التتبُّع الدقيق المستقصى لتسلسل أفكار الكتاب أمام لغز: إنه يريد إنقاذ اللغة العربية الفصحى من اللهجات، أو العاميات، أو اللهجات العامية، كما يصفها أيضا، ويرفض ترك الفصحى باستبدال اللهجات بها، غير أنه يجعل هدف التطور "تخليق لغة وسط بدأت تظهر بالفعل من خلال لغة الصحافة. وخاصة منذ بداية القرن العشرين"، كما يقول، بل يقترح "إيجاد صيغة تعتبر قاسما مشتركا أعظم بين كل اللهجات العربية" (يقصد الشوباشى هنا قاسما مشتركا أصغر وليس أعظم كما يردد دون انتباه)، ليكون هذا "القاسم المشترك" هو "المعجم الحىّ" من العربية، وليس نقيض الفصحى، ويكفى توحيد هذه اللهجات على قاعدة هذا "القاسم" لتحريرها من الخصوصيات اللهجية (التى تبتعد بهذه اللهجات عن بعضها البعض فى اتجاه لا تحمد عقباه) من أجل تحقيق التطوير المنشود الذى يتلخص فى تحرير هذا "المعجم الحىّ" المشترك بين اللهجات العربية من ألفاظ ودلالات هائلة العدد صارت بأغلبها ميتة أو مهجورة أو قديمة أو نادرة الاستعمال، ومن البلاغة القديمة (ومحسّناتها البديعية) لإحلال بلاغة عربية جديدة عصرية محلها، مع تطوير طريقة الكتابة من نواحٍ شتى. وكل هذا لإنقاذ الفصحى بتطويرها بدلا من أن تهدمها التطورات العفوية للهجات العربية المتباعدة. ويرى الشوباشى إسقاط الإعراب لإزالة تعقيداته من طريق ازدهار الفصحى، أىْ أن هذا الإسقاط للإعراب لا يجعل من الفصحى عامية.

ولا جدال بطبيعة الحال فى أن إسقاط الإعراب لا علاقة له بمسألة الفصحى والعامية، فكل اللغات تمرّ بمرحلة بالإعراب فى مرحلة (والإعراب ظاهرة شاملة لكل اللغات وهو لا يقتصر على العربية)، وبإسقاط الإعراب (أىْ البناء الشامل لأواخر الكلم فى حالة اللهجات العربية الراهنة، اعتمادا على بديل الإعراب وهو تقييد ترتيب الوظائف فى الجملة فالمسند إليه يأتى أولا، إلخ.) فى مرحلة أخرى، كما توجد مرحلة ازدواج الإعراب وإسقاطه وقد تستغرق هذه الظاهرة قرونا أوحتى ألفيات. كم أنه لا جدال فى أن اللهجات العربية الحالية تتفق مع اللغة العربية القريشية معجميًّا (أىْ من حيث ألفاظها الأساسية)، ودلاليًّا (أىْ من حيث معانى هذه الألفاظ)، وصرفيًّا (أىْ من حيث أوزان واشتقاقات وتصريفات هذه الألفاظ من أفعال وغيرها)، وصوتيًّا (أىْ من حيث القيم الصوتية الأساسية للألفاظ العربية)، بالطبع مع اختلافات عميقة، واسعة النطاق وبالغة الأهمية، خاصة من الناحية المعجمية والدلالية ومن ناحية الصوتيات، بالإضافة إلى إسقاط الإعراب.

أما النحو، بالمفهوم الصحيح للكلمة، أىْ علم بناء الجملة، فإنه لا يتغير، وهو شامل لكل اللغات إلى يومنا هذا، وهو واحد وحيد كالبحر الواحد الوحيد فى العالم وإنْ كنا نسميه الأبيض هنا والأحمر هناك والأسود فى مكان ثالث، وفى مكان ببحر الصين، وفى مكان غيره ببحر العرب، وفى مكان بالمحيط الهادى. ذلك أن النحو ليس سوى بناء الجملة من عناصر قليلة معروفة جيدا هى المسند إليه، والفعل، والمفعول به، والظرف، ومتمم المسند إليه، ومتمم المفعول به (المباشر)، بالإضافة إلى الأشكال المتنوعة لتحقيق عناصر الجملة أىْ من حيث مواد ولَبِنات وقوالب بناء الجملة من هذه العناصر.

والحقيقة أن الطريقة الملتوية التى دعا بها الشوباشى إلى أفكاره حُكْم بليغ على ما نعانيه من غياب حرية البحث العلمى فى مجال اللغة العربية، وبالأخص فى مجال علم اللغة التاريخى والمقارن (أىْ فقه اللغة)، وفى مجال علم النحو.

على أن البحث اللغوى العلمى، الوصفى، الاستقرائى، شيء، والدعوة إلى اتخاذ قرارات بشأن توحيد اللهجات العربية فى لغة عربية فصحى واحدة، وإسقاط الإعراب، والمثنى، وتصريف الفعل مع "هن" و "أنتن"، وتذكير العدد مطلقا (فى تمييز العدد)، وغير ذلك، شيء آخر. ذلك أن تطور اللغات إنما هو امتياز تملكه الجماعة اللغوية وحدها وبصورة تاريخية. كما أن علينا أنْ نلاحظ أن تعدد اللهجات العربية الآن لا يلغى وحدتها، فاللهجات بخصوصياتها هى الشكل الطبيعى والتاريخى والمنطقى للتوزيع الإقليمى لكل لغة، حتى فى عصر العولمة، والقرية العالمية الواحدة المزعومة.