Files
memex/inbox/notes/خليل كلفت - الازدواج في اللغة بين الفصحى و العامية/خليل كلفت - ظاهرة الازدواج اللغوى فى العالم العربى.org

117 KiB
Raw Blame History

— title: "ظاهرة الازدواج اللغوى فى العالم العربى" date: 2003-12-31T00:00:00-00:00 draft: true — نُشر المقالان الأولان فى العددين الثانى والثالث (1993) من مجلة "ابن عروس" القاهرية ونُشرت المقالات الأربعة مجتمعةً فى "قضايا فكرية" القاهرية، الكتاب السابع عشر، مايو، 1997، "لغتنا العربية فى معركة الحضارة"

رغم الإجماع المنعقد بين الدارسين والمهتمين على وجود ظاهرة الازدواج اللغوىdiglossia فى العالم العربى، وكذلك على أهمية هذه الظاهرة، سرعان ما يحتدم الجدل وتنشب الخلافات بمجرد الانتقال من الإقرار العام بالظاهرة إلى بحث طبيعتها وأبعادها وخصائصها ومغزاها، والحقيقة أننا لا نزال بعيدين رغم تاريخ طويل من الاهتمام بهذه الظاهرة-القضية، عن التوصل إلى تصور يمكن الاطمئنان إليه تماما بشأن طبيعتها، وماضيها، وحالتها الراهنة، وبالأخص مستقبلها.

ولأن الظاهرة معقدة ومتشعبة، يستحيل أن يطمح مقال واحد أو كاتب واحد إلى الإحاطة بها فضلا عن حسمها، وإنما أقصد بهذا المقال مجرد إسهام متواضع فى تصويب طريقة تناول هذه الظاهرة تمهيدا للبحث المتعمق والشامل والحرّ للعديد والعديد من الباحثين.

ويصدمنا واقع وعمق الازدواج اللغوى العربى على كل مستوى وفى كل مكان.

على المستوى الجغرافى، تتمثل هذه الظاهرة فى هذا الوجود المتجاور أو المتزامن أو المتداخل أو المزدوج أو المنشطر بين اللغة المسماة بالعربية الفصحى واللغة أو اللغات المسماة بالعامية أو العاميات العربية. و"الفصحى" واحدة مشتركة فى العالم العربى كله، من المحيط إلى الخليج، كما يقال، رغم السمات الخصوصية الأقل جوهرية هنا وهناك. أما "العامية" أو "العاميات" العربية فتتباين تباين الأقطار العربية (العراق، المغرب، السودان، إلخ.)، أو المناطق اللغوية داخل القطر العربى الواحد("لهجات مصر، على سبيل المثال)، أو المناطق اللغوية العابرة للحدود السياسية (اللهجة الشامية).

ومن ناحية أخرى، ناحية توزيع استخدام اللغتين على قطاعات ومجالات ومناحى الثقافة والحياة اليومية، نجد "الفصحى" تفرض احتكارها الفعلى والرسمى فى مجالات الثقافة والدين والآداب والفنون والتعليم والإعلام، ونجد "العامية" تحتكر احتكارا فعليا فى مجال الحياة اليومية وامتداداتها المباشرة فى الثقافة والآداب والفنون الشعبية، كما أنها تنافس "الفصحى" فى كافة مجالات احتكارها منافسة تتباين قوتها من مجال إلى آخر. ولا يعنى هذا بحال من الأحوال أن "العامية" قد أحرزت قصب السبق وصارت اللغة السائدة. فالحقيقة أن الأيديولوجية السائدة لا تزال تحكم على "العامية" بوضع اللغة المضطهدة، وضع لغة من الدرجة الثانية، تتسلل من النافذة ولا تدخل من الباب.

وبذلك نجد اللغة العربية ذاتها فى حالة "انشطار" إلى لغتين تبدوان فى الإدراك العام فصحى وعامية، وتبدو "الفصحى" لغة الثقافة والكتابة، فيما تبدو "العامية" لغة الحياة اليومية والكلام.

وعلى مستوى ثقافة الجماعة القومية-اللغوية المعنية أىْ العرب ككل، أو فى كل قطر، أو فى كل منطقة لغوية، نجد أنفسنا أمام ازدواج ثقافى بالغ الخطورة على العرب وعلى تطورهم الثقافى والفكرى والعلمى والأدبى والتعليمى والإعلامى ككل. ذلك أن التطور الثقافى المنسجم للجماعة القومية-اللغوية يفترض الانسجام اللغوى أى سيادة النسق اللغوى الواحد، وهذا عامل غائب فى حالة العرب واللغة العربية على مرّ القرون بسبب الازدواج اللغوى الطويل الأمد، الذى جعل الاستثناء قاعدة، والذى يصل الآن، فى العصر الحديث، إلى أقصى التفاقم والاستفحال والخطورة، كما سنرى فى سياق هذا المقال.

ومن المنطقى تماما أن نجد، إلى جانب الازدواج اللغوى القائم فعلا والمعترف به بالإجماع، ازدواجا فى تقييم الازدواج اللغوى وعناصره ومستقبله. وهناك تصورات سائدة فى الإدراك العام وفى العلوم اللغوية التقليدية وكذلك فى المحاولات الحديثة لتطوير وتجديد وتحديث هذه العلوم ولاستيعاب العلوم اللغوية فى الغرب، حول هذه المسألة. ورغم أن بعض هذه التصورات قد تبدو لهذه النظرة أو تلك بديهيات لا تقبل الجدل ينبغى مع ذلك إخضاعها للبحث العلمى الذى من شأنه وحده أن يقطع بنجاح تلك المسافة التى نلقاها ماثلة دوما بين التصورات الأيديولوچية السائدة وفرضيات ونظريات وحقائق العلم. وقد آن الأوان لمحاولة قطع هذه المسافة بين الأيدلوچيا والعلم، لغربلة التصورات السائدة عن الازدواج اللغوى العربى تمهيدا للتوصل إلى تفسير سليم وتصور صحيح لهذا الازدواج ولمستقبل تطوره.

هناك قبل كل شيء تلك الفكرة القائلة بأن الازدواج إنما يتمثل فى انقسام اللغة العربية إلى فصحى وعامية.

والغريب أن هذه الفكرة تبدو موضوعية للغاية وبريئة للغاية فى حد ذاتها. كما أن التسليم بها لا يؤدى إلى موقف واحد إزاء الازدواج اللغوى بل يؤدى فى الواقع إلى مواقف متناقضة تماما. وهكذا نجد أنصارا للفصحى وأنصارا للعامية، وأنصارا للاعتراف لكل من الفصحى والعامية بمجالها الطبيعى انطلاقا من التسليم فى كل الأحوال بأن الازدواج قائم بين فصحى وعامية، بافتراض أن لغة الكلام والحياة اليومية فى أىّ لغة هى العامية وأن لغة الكتابة والثقافة فى أىّ لغة هى الفصحى، وعلى أساس أن اللغة المسماة عندنا بالعامية هى لغة الكلام والحياة اليومية فى المحل الأول رغم دورها فى الثقافة الشعبية على مرّ القرون، ورغم تنافسها الشامل الراهن مع "الفصحى" فى كافة مجالات الثقافة. وهكذا نجد الباحثين الذين يريدون إنصاف ما يسمى بالعامية يسمونها بهذا الاسم، كما نجد شعراء ما يسمى بالعامية المصرية يعلنون باعتزاز أنهم يكتبون شعرهم بالعامية المصرية. ومن البديهى أن هؤلاء الباحثين والشعراء يرفضون كل مغزى ازدرائى تنطوى عليه تسمية العامية ويستخدمونها بكل التحدى لأىّ نظرة استعلاء على هذه اللغة لكنهم لا يدركون فيما يبدو أن التسمية خاطئة تماما ولا تنطوى على أى معنى شريف، شعبى أو جماهيرى، بقدر ما تنطوى على معنى الاستعلاء والاحتقار والازدراء من جانب أنصار ما يسمى بالفصحى عبر القرون.

ولفظة العامية مشتقة من العموم بمعنى الشمول، فالتمييز إذن بين عامة الناس وخاصتهم. وحسب المعجم الوسيط: "العامى من الكلام: ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربى" وكذلك: "العامية: لغة العامة وهى خلاف الفصحى". وحتى إذا بدأ الحديث بأنها لغة عامة الناس أو لغة الشعب أو اللغة الشعبية فسرعان ما ينتهى هذا الحديث إلى أن هذه اللغة "هى خلاف الفصحى" وكذلك "على غير سَنَن الكلام العربى". و"السَنَن" بفتح السين والنون: الطريقة والمثال. فهذا الكلام إذن على غير طريقة (وعلى غير مثال) الكلام العربى. و"الفصحى" هى لغة الفصاحة، والفصاحة هى الوضوح والسلامة من اللحن. وقد تبدو اللغة المسماة بالعامية واضحة، محليا على الأقل، لكنها تبدو على كل حال بعيدة عن السلامة من اللحن بمعايير "الفصحى". ولكنْ كما أن الوضوح يتحقق بوسائل "العامية" وليس بوسائل "الفصحى"، فمن الواجب أن يُنظر إلى السلامة من اللحن (أىْ السلامة من الخروج على المعايير النموذجية أو من الانحراف عنها) لكل لغة من اللغتين على أساس معاييرها الخاصة وليس على أساس معايير اللغة الأخرى "فالفصحى" سليمة بمعاييرها الخاصة و"العامية" سليمة بدورها بمعاييرها الخاصة.

واللغة، أية لغة، ظاهرة تحكمها القوانين (اللغوية) لأنها تعكس حياة بشرية تحكمها القوانين (الاجتماعية). وقوانين اللغة مفهومة عفويا لدى كافة أفراد الجماعة اللغوية. ولأنها قانونية على هذا النحو لا يمكن للغة إلا أن تكون مفهومة بوضوح تام لدى كافة الناطقين بها. وتكمن السلامة فى هذه القانونية. وإذا انزلقت لغة إلى التضحية بعنصر من عناصر هذه القانونية فهى إنما تضحِّى بهذا القدر أو ذاك من وضوحها وسلامتها فى آن معا. وإذا كانت فكرة الفصاحة، بشقّيها، تنطلق من جعل "الفصحى" المعيار الأوحد والمطلق أو المثل الأعلى بلا منازع للغة العربية فإن الانطلاق من "العامية" أو من الحياد الوصفى إزاء الازدواج اللغوى القائم لا يمكن إلا أن يؤدى إلى أن تطالب "العامية" بالاعتراف بفصاحتها أىْ بوضوحها وسلامتها وربما على قدم المساواة مع "الفصحى" وربما أكثر منها بكثير، على أساس أن تمكُّن العرب من "العامية" أقوى بما لا يقاس من تمكُّنهم من "الفصحى" (وربما من تمكُّن خاصتهم من "الفصحى"). "فالعامية" بدورها فصحى أو حتى أكثر فصاحة (بما لا يقاس) بمعاييرها الخاصة.

ويعنى ما سبق بطبيعة الحال أن الفصاحة سمة طبيعية لكل لغة بحكم بداهة كونها لغة، وهى تزدهر بازدهار لغة وتنحط بانحطاطها وتموت بموتها وتنتقل من خلال التطور اللغوى البطئ أو العاصف إلى لغة جديدة تحل محل القديمة. ولكننا نجد أنفسنا، فيما يتعلق باللغة العربية، إزاء وضع غريب أو بالأحرى، مزدوج. فهل نحن أمام فصحى اسمها العامية وفصحى اسمها الفصحى؟ إزاء فصحى وفصحى فى الحالتين؟ هذا هو الواقع. "فالعامية" فصحى كما رأينا و"الفصحى" لا تزال فصحى لأنها لا تزال لغة حية ولا تزال مفهومة وواضحة، ويمكن القول إن علاقتها "بالعامية" أو "العاميات" لا تتطابق مع علاقة اللاتينية بعدد من اللغات الأوروپية الحديثة لأن اللغة اللاتينية لغة ميتة، وليس هذا حال اللغة العربية. غير أن واقع الازدواج اللغوى يطعن فى فصاحة اللغتين على السواء. فلكى تكون اللغة لغة فصحى، معيارية، ينبغى أن يشمل التمكُّن منها كافة الناطقين بها، وينبغى أن تكون شاملة فى الاستخدام لكافة نواحى الحياة والثقافة، وهذان الجانبان "التمكُّن وشمول الاستخدام" مترابطان ترابطا وثيقا بطبيعة الحال.

والتمكُّن يعنى، التمكُّن التام من التعبير القوى والتمكُّن التام من الفهم الواضح، وهذان يتعذران بدون استخدام اللغة المعنية فى كافة نواحى الحياة والثقافة. وقد سبق أن رأينا أن هذا الاستخدام يقتصر على مجالات دون أخرى لكل من اللغتين. ويعنى الاستخدام المزدوج انعدام الانسجام اللغوى أىْ انعدام سيادة النسق اللغوى الواحد واللغة الواحدة. وبدون هذا الانسجام، الذى لا يتحقق إلا مع لغة واحدة، لا يتحقق أىّ تمكُّن لغوى. وهكذا يضيع التمكُّن التام والتعبير القوى والفهم الواضح أو يتجزأ ويتفتت حسب الأشخاص والمجالات.

وباختصار: الفصاحة لا تحتكرها "الفصحى" ولا "العامية" وبالتالى لا تمتلكها "الفصحى" ولا "العامية" بصورة مكتملة، لأن "العامية" ليست لغة مكتملة الحلقات، كما أن "الفصحى" ليست لغة مكتملة الحلقات. ذلك أن "الفصحى" عاجزة، منذ قرون وقرون، عن الاستمرار كلغة كلام وحياة يومية. وهى بذلك لغة ناقصة. كما أن هذا النقص، هذا الانفصال عن الحياة اليومية، يُفقرها ويحرمها من حيوية الحياة ويجرّدها من القدرة على التعبير عنها بالحيوية المطلوبة، أضف إلى ذلك أن "العامية" تنافسها منافسة شاملة متفاوتة القوة فى كافة مجالات الثقافة والتعليم والإعلام. أما "العامية" فرغم أنها لغة الكلام والحياة اليومية بلا منازع ولغة امتدادتها المباشرة فى الثقافة والآداب والفنون الشعبية، ورغم أنها تكسب كل يوم أرضا جديدة إلى جانب مجالات احتكارها التقليدية، حيث أصبحت اللغة الوحيدة أو الأولى لكثير من الفنون (المسرح، السينما، فنون التليڤزيون والإذاعة، الأغنية، إلخ.)، والمنافسة الخطيرة فى الشعر، ولغة هامة فى الوعظ الدينى والكثير من حلقات عملية التعليم فى كل مرحلة، والحديث فى التليڤزيون والإذاعة، رغم كل هذا، ورغم أن مجالات الاحتكار المطلق، الرسمى و/أو الفعلى للفصحى تقلّ باطراد (لغة المقررات الدراسية فى كافة مراحل التعليم، اللغة الأولى للدين، لغة الصحافة، لغة الكتب بوجه عام، لغة الرواية والقصة والنقد الأدبى، اللغة الرسمية للدولة، لغة الخطب الرسمية، لغة نشرات الأخبار، إلخ.)، رغم كل هذا، تظل العامية محرومة من ثروة خبرات "الفصحى" فى التعبير عن الثقافة العربية ("فالفصحى" هى حامل هذه الثقافة القومية)، وهكذا نجد "العامية" عاجزة، بحكم عدم الممارسة، وبحكم وقف النمو المفروض عليها، عن أن تكون لغة الفكر، والفلسفة، والأدب، إلخ.، وبهذا يتضح أن الازدواج يعنى عدم اكتمال حلقات الحياة اللغوية وضرب التمكُّن والإتقان فى الصميم وبالتالى حرمان اللغتين من اكتمال صفة الفصاحة الضرورية لكل لغة لتكون لغة بالمعنى الصحيح والكامل للكلمة.

وهكذا لم يعد من المقبول أن نتحدث عن فصحى وعامية، أو لغة كتابة ولغة كلام، أو لغة ثقافة ولغة حياة يومية، ما دامت "العامية" فصيحة بكل المعايير الحقيقية للفصاحة، رغم ما يطعن فى فصاحتها مثلما يطعن فى فصاحة "الفصحى"، وما دامت قد تجاوزت مرحلة لغة الكلام والحياة اليومية، وحتى مرحلة الاقتصار على مجال الثقافة الشعبية، لتدخل مجال الثقافة الرفيعة من أوسع الأبواب، رغم أبواب لا تزال موصدة ودروب لا تزال غير مطروقة.

وهناك وَهْم شائع، وهو وَهْم مركَّب، حيث يجرى القفز من الحديث عن "الفصحى" باعتبارها لغة ثقافة وكتابة وعن "العامية" كلغة كلام وحياة يومية، إلى الحديث عن هذا الازدواج باعتباره نفس الازدواج الذى نلقاه لدى كل جماعة لغوية بين لغتىْ الثقافة والحياة، لغتىْ الكتابة والكلام. هناك إذن اعتقاد بأن العلاقة بين ما يسمى بالفصحى وما يسمى بالعامية عندنا تناظر العلاقة بين لغة الكتابة والثقافة ولغة الحياة اليومية والكلام لدى الناطقين بالإنجليزية، على سبيل المثال، وهذا وَهْم كبير. ذلك أن المسافة بين هاتين اللغتين، إنْ جاز القول، فى الإنجليزية أقصر بما لا يقاس منها فيما بين اللغتين فى العربية. ففى الإنجليزية يسود النسق اللغوى-النحوى الواحد، وبالتالى الانسجام اللغوى، ووحدة اللغة بصرف النظر عن اختلافات اللهجات ومستويات الاستخدام، على حين يوجد فى قلب اللغة العربية نسقان نحويان متعارضان تماما، مرحلتان نحويتان فى تطور اللغات، وهذا هو الفارق الكيفى الذى يخلق ظاهرة الازدواج اللغوى عندنا كما سنرى فى سياق هذا المقال.

ويمكننا بطبيعة الحال أن نلمس مما سبق وجود نظريتين أساسيتين متعارضتين إلى هذه الظاهرة-القضية. وهى ظاهرة من الناحية الوصفية لكنها قضية من حيث رغبة أنصار كل نظرة فى السير بهذه الظاهرة فى وجهة بذاتها بما يتفق مع أسس ومبادئ وفرضيات وأيديولوچيات ونظريات كل نظرة. وبطبيعة الحال قد تتعدد سمات وخصائص وتوجهات النظريات التى قد تفرزها كل نظرة من هاتين النظريتين، باختلاف شروط الزمان والمكان، كما يمكن أن تنشأ وتتشعب نظريات لا تتطابق تماما مع هذه النظرة أو تلك. أضف إلى هذا أن المصالح الاجتماعية تكون ماثلة دوما ومنذ البداية فى تكوين النظرات وفى اندماجها فى أيديولوچيات دينية أو قومية تشكلها هذه المصالح ليس بما يتفق بالضرورة مع جوهرها الموضوعى، أو مع جوهر الدين، أو مع جوهر القومية، أو مع جوهر اللغة، بل مع وعى هذه المصالح الاجتماعية بنفسها كشرط أيديولوچى عام للإنتاج الثقافى.

وهكذا نلتقى بإنكار تطور اللغة العربية بالذات، وبالإقرار بالتطور باعتباره انحطاطا، وبرفض هذا الانحطاط وبالترحيب به. وبفكرة أن التجاور بين اللغتين المسماتين بالفصحى والعامية كان قائما منذ البداية، منذ الجاهلية، وبفكرة أن التجاور الطويل أثبت عجز "الفصحى" عن القضاء على تلك "العامية"، وبفكرة أنه أثبت عجز "العامية" عن القضاء على "الفصحى"، وبفكرة ضرورة القضاء على هذه لصالح تلك، وبفكرة ضرورة القضاء على تلك لصالح هذه، وبفكرة أن التجاور سيظل قائما إلى ما شاء الله، وبفكرة أنه تجاور سعيد لا ينبغى أن يثير ضيق أحد، وبفكرة أنه تجاور مشئوم، وبفكرة أن "الفصحى" تشكل الأساس اللغوى للإسلام (لدى نظرة أيديولوجية دينية سائدة)، وبفكرة أن "الفصحى" تشكل الأساس اللغوى للقومية العربية "لدى أكثر القوميِّين"، وفى الحالتين الأخيرتين يجرى النظر إلى "العامية" أو "العاميات" العربية على أنها تشكل خطرا فادحا على كل من الإسلام والعروبة، كما نلتقى، أخيرا بالنزعات "الماضوية"، نزعات الحنين إلى الماضى التاريخى القديم الخاص، التى تميل إلى تلفيق لغة مستقلة خاصة بهذا القطر أو ذاك، مثل التركيز من جانب واحد على "مصرية" مايسمى بالعامية المصرية، مع تجاهل أو تحدِّى أو التقليل من شأن كونها لغة عربية، أو حتى مع الاعتراف بعربية "العامية المصرية" مع المبالغة فى حجم المكوِّن المصرى أو الفرعونى أو القبطى فى هذه اللغة.

والآن يقتضى المزيد من استعراض ومناقشة المزيد من الأفكار والنظرات والنظريات المتصلة بظاهرة-قضية الازدواج اللغوى وقفة مركزة عند أساس وطبيعة هذا الازدواج.

فيم إذن يتمثل أساس الازدواج بين اللغة المسماة بالفصحى وتلك الأخرى المسماة بالعامية، ما دام لا يتمثل فى فصاحة الفصحى أو عامية العامية، وما دام هذا الازدواج لا يتطابق مع ازدواج لغة الثقافة والكتابة ولغة الكلام والحياة اليومية فى كل لغة، وما دامت العلاقة بين "اللغتين" عندنا لا تشبه بحال من الأحوال العلاقة بين لغتى الثقافة والكلام فى الفرنسية أو الإنجليزية على سبيل المثال؟

وهناك بطبيعة الحال اختلافات نحوية وصرفية ومعجمية ودلالية وصوتية لا حصر لها بين "الفصحى" و"العامية" أو "العاميات". فهل يمكن تمييز الاختلاف النوعى "ضمن هذه الاختلافات" بينهما؟

والحقيقة أنه سيستحيل علينا أن نبحث عن الاختلاف النوعى بين الفصحى والعامية (وبالتالى الخصوصية النوعية لكل منهما) ما لم نعرف، أولًا وقبل كل شيء، فيم يتمثل بوجه عام، كقاعدة نظرية، الاختلاف النوعى بين اللغات التى ينشأ بعضها من بعضها الآخر كما هو الحال، على سبيل المثال، بين الجرمانية القديمة ولهجاتها التى تطورت إلى لغات مستقلة حديثة كالهولندية والإنجليزية والألمانية والسويدية، أو بين اللاتينية من ناحية ولغات أوروپية حديثة كالإيطالية والإسپانية والپرتغالية والفرنسية من ناحية أخرى، أو بين اللغة العربية "الفصحى" و"العامية" أو "العاميات" العربية الراهنة.

ففيم يتمثل الاختلاف النوعى بين هذه اللغات؟

من العبث بطبيعة الحال أن نبحث عن الاختلاف النوعى، أىْ الصانع الأساسى للاختلاف، بين لغات متباينة تماما، وبلا أصول مشتركة بينهما (كالعربية والصينية مثلا). وإنما يكتسب هذا البحث أهميته ومغزاه فى حالة الأصول المشتركة التى تجعل مسألة هل نحن إزاء لغة واحدة أم إزاء لغات متباينة مسألة ذات مغزى من ناحية وتحتاج إلى بحث شامل من ناحية أخرى.

على أنه، حتى فى الحالة الأخيرة، ليس هناك معيار بسيط جاهز لتحديد مكمن أو مناط أو أساس الاختلاف النوعى بين لغة وأخرى تشتركان فى أصول واحدة أو نشأت إحداهما من الأخرى.

وهناك معيار بالغ الشيوع، وبالغ الأهمية فى حالة اللغة العربية، وهو يتمثل فى التمييز بين نسقين فى ترتيب عناصر الجملة. والمقصود بعناصر أو أقسام الجملة: (1) الفاعل "أو المبتدأ أو المسند إليه" (2) الفعل (3) المفعول (4) تتمة الخبر أو المسند (5) الظرف. وهناك نسقان لترتيب ما يرد من هذه العناصر فى جملة. والنسق الأول مرن بالغ المرونة فى ترتيب العناصر الواردة فى الجملة حيث يمكن استخدام كافة الترتيبات الممكنة رياضيًّا دون تكرار لأحد العناصر. والنسق الثانى مقيد تقييدا كاملا فى ترتيب هذه العناصر حيث يمكن فقط استخدام ترتيب واحد من تلك الترتيبات التى يشكلها النسق الأول مع الاحتفاظ بإمكانية قلب ترتيب الفاعل والفعل فى الترتيب الأول، فى بعض اللغات، كأسلوب استفهامى مع أو بدون أدوات الاستفهام إلى جانب نغمة أو لهجة الاستفهام فى الكلام وعلامة الاستفهام فى الكتابة، أو لاستخدامه فى بعض الأغراض البلاغية.

ويعتمد النسق المرن فى تحديد عناصر "أقسام" الجملة أىْ فى تحديد الطبيعة النحوية لهذه الكلمة أو تلك فى الجملة "فاعل، مفعول، إلخ." على الإعراب desinential inflections وحالاته (الرفع، النصب، الجر، إلخ.) ومورفيماته أىْ التغييرات التى تلحق بأواخر الكلمات للدلالة على حالات الإعراب وبالتالى على عناصر أو أقسام الجملة (مثلا: الرفع للفاعل، والنصب للمفعول). ويعتمد النسق المقيد فى ذلك على الترتيب المقيد ذاته لعناصر أو أقسام الجملة. ويسمى هذا النسق عادة نسق ترتيب الكلمات word order.

وهكذا يكون لدينا نسقان "نحويان" لترتيب عناصر الجملة: نسق أو لغة مرونة ترتيب عناصر الجملة، ونسق أو لغة تقييد ترتيب عناصرالجملة. وبافتراض جملة عناصرها: 1: فاعل "محمود" 2: فعل "شكر" 3: مفعول "علىّ"، تكون لدينا ستة ترتيبات ممكنة رياضيًّا لعناصر هذه الجملة:

1: محمودٌ شكرَ عليًّا 1، 2، 3 2: محمودُ عليًّا شكرَ 1، 3، 2 3: شكرَ محمودٌ عليًّا 2، 1، 3 4: شكرَ عليًّا محمودٌ 2، 3، 1 5: عليًّا محمودٌ شكرَ 3، 1، 2 6: عليًّا شكرَ محمودٌ 3، 2، 1

والنسق الأول، المرن، يقبل بوجه عام كافة هذه الترتيبات الستة، ويمكن تصور استخدامها جميعا فى إطاره. أما النسق الثانى، المقيد، فيقتصر على ترتيب واحد. والترتيب السائد فى هذا النسق هو 1، 2، 3 أىْ محمودْ شكرْ عَلِى حيث نعرف الفاعل أو المبتدأ أو المسند إليه من مكانه الثابت رقم 1 (ينبغى أن أشير هنا إلى أن اشتراط تقدم الفعل على الفاعل ليكون فاعلا ليس سوى خطأ من أخطاء النحو العربى التقليدى وهذا نظر نحوى وليس فى جوهر اللغة أو جوهر منطق نحوها). كما نعرف الفعل من مكانه الثابت رقم 2 (وبوسائل أخرى طبعا)، ونعرف المفعول من مكانه الثابت رقم 3. وهنا تصبح مورفيمات الإعراب غير ضرورية وتفقد مغزاها تماما ويصبح المنطق الطبيعى إسقاط الإعراب أىْ إسكان أواخر الكلمات.

وهناك حقيقة هامة وهى أن المسار الملحوظ فى تطور (تغيُّر) كثير من اللغات (حتى الآن) تمثلَ فى الانتقال من لغات من النسق الأول، المرن، نسق الإعراب وحالاته ومورفيماته، نسق أو لغة مرونة ترتيب عناصر الجملة، إلى لغات من النسق الثانى، المقيد، نسق إسقاط الإعراب، نسق أو لغة تقييد ترتيب عناصر الجملة.

ومن الجلى تماما أن النسق الأول هو الذى تنتمى إليه اللغة العربية "الفصحى" وأن النسق الثانى هو الذى تنتمى إليه "العامية" أو ("العاميات") العربية. "فالفصحى" هى لغة مرونة ترتيب عناصر الجملة اعتمادا على الإعراب، و"العامية" هى لغة تقييد ترتيب عناصر الجملة، لغة إسقاط الإعراب اعتمادا على الترتيب المقيد للكلمات.

ويمكننا أن نتصور مدى وعمق الاختلاف بين لغة مرونة ترتيب الكلمات ولغة تقييد الكلمات إذا أخذنا فى اعتبارنا أن عناصر الجملة لا تقتصر على الفاعل والفعل والمفعول، وأن أشكال تحقيق هذه العناصر تتعدد، وأن الخريطة النهائية لنماذج بناء الجمل من حيث نماذج استخدام الأفعال فى الجملة، حتى فى نسق ترتيب الكلمات، وهو النسق البسيط للغاية، خريطة معقدة للغاية، وقد تشتمل على عشرات النماذج. فإذا أضفنا إلى هذه الخريطة المعقدة، التعقيد الناشئ عن حالات الإعراب (الرفع والنصب والجر والجزم فى اللغة العربية وحتى أكثر من هذا فى لغات أخرى كاللغة الروسية)، وكذلك تعدد مورفيمات الإعراب فى كل حالة (مورفيمات كل من الرفع والنصب والجر والجزم فى العربية)، تتضح أمامنا الصورة المعقدة للاختلاف فى الطابع العام بين اللغتين.

ولا يعنى هذا بحال من الأحوال أن معيار نسق ترتيب عناصر الجملة معيار مطلق للتمييز بين اللغات التى نشأ بعضها من بعضها الآخر أو بين اللغات ذات الأصول المشتركة. وما دام المسار العام لتطور اللغات يحتفظ باتجاه واحد هو الانتقال من لغة المرونة إلى لغة التقييد، وليس الاتجاه المعاكس، لا يمكننا إلا أن نلاحظ أن لغات التقييد الناشئة من أصول مشتركة لا سبيل إلى التمييز بينها بهذا المعيار لأنه عنصر مشترك بينها، ولا يمكن بالتالى أن يكون مجالا لاختلاف نوعى بينها، وهنا تظهر الحاجة إلى تلك الاختلافات المعجمية والدلالية والصوتية والصرفية والنحوية الأخرى التى تعطى لكل لغة من لغات التقييد خصوصيتها النوعية وهذه الأخيرة تمثل كذلك بطبيعة الحال مناط الاختلاف النوعى.

ومن ناحية أخرى يتضح أن هذا المعيار سليم للغاية وفعال للغاية فى التمييز بين "الفصحى" و"العامية" التى نشأت منها. فرغم كثرة الاختلافات النحوية والصرفية والدلالية والصوتية والمعجمية الأخرى إلا أن أىّ اختلاف آخر لا يرقى إلى مستوى المعيار الذى أوجزنا شرحه منذ قليل.

على أن هذا المعيار سرعان ما يفقد أهميته بمجرد بحث مسألة هل "العاميات" العربية الراهنة لغة "العامية" عربية واحدة أم لهجات متعددة للُغة "العامية" عربية واحدة. ذلك أن هذه "العاميات" تنتمى جميعا وبلا استثناء إلى لغة تقييد ترتيب عناصر الجملة، فالانتماء إلى هذه اللغة (لغة التقييد) لا يصنع وحده وفى حد ذاته لغة واحدة (مثلا الإسپانية والفرنسية لا تشكلان لغة واحدة ولا حتى لهجتين للغة واحدة رغم انتمائهما إلى لغة تقييد ترتيب عناصر الجملة ورغم أصولهما المشتركة). والاختلافات المعجمية والدلالية والصرفية والنحوية والصوتية مأخوذةً ككل، بما فى ذلك المرونة والتقييد فى حالة وجودهما كنقطة اختلاف (أىْ فى لغة دون أخرى)، هى التى تحدد بمدى حجمها وعمقها هل نحن إزاء لغة واحدة أم إزاء لهجات متعددة للغة واحدة، وليس بين اللغات languages واللهجات dialects سور صينى عظيم فاللهجات هى الشكل الإقليمى (الجغرافى) لوجود اللغة الواحدة فى مساحات شاسعة أو أراض متباعدة، فإذا تعاظمت الاختلافات المتنوعة بين هذه اللهجات بفعل العزلة تحولت إلى لغات منفصلة رغم الاتحاد فى الأصل أو الأصول، أما إذا احتفظت الاختلافات المتنوعة بحدود معتدلة لغياب العزلة أو لوجود عوامل تقاوم أو توازن تأثيراتها اللغوية الصانعة لتفاقم الاختلافات مقاومةً فعالة فيمكن القول إن اللهجات لم ولن تتحول إلى لغات بافتراض استمرار نفس الشروط. وكانت العزلة على مرّ التاريخ، الأرضية المواتية تماما لعمليات عمق تشعُّب اللغة إلى لهجات متباعدة وتحول هذه اللهجات عند مرحلة بعينها إلى لغات.

ومن الجلى أن من خصائص العصر الراهن بثورة مواصلاته، وبوسائل إعلامه العملاقة، وبقضائه بالتالى على العزلة وآثارها اللغوية، حتى فى حالات المساحات الشاسعة، وحتى فى حالات التباعد الهائل للأراضى التى تعيش عليها الجماعة اللغوية كما هو الحال الآن مع الشعوب الناطقة بالإنجليزية فى الجزر البريطانية وأمريكا الشمالية وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا، من الجلى أن من خصاص العصر الراهن (من خلال موازنة عامل العزلة أو المسافة المكانية بثورة مواصلاته) أنه يحُول دون تحوُّل اللهجات إلى لغات منفصلة كما هو الحال مع اللهجات الإقليمية المتعددة للغة الإنجليزية والتى لم تصل وقد لا يكون من الوارد أن تصل (بافتراض استمرار منجزات ثورة المواصلات) إلى مرحلة اللغات المنفصلة.

وفيما يتعلق "بالعاميات" العربية نجد أن الاختلافات المتنوعة بينها ليست بالعمق الذى يجعل منها لغات منفصلة فهى بالأحرى لهجات متنوعة للغة عربية واحدة من نسق تقييد ترتيب عناصر الجملة. فإذا أخذنا فى الاعتبار الواقع التاريخى الخاص بأن نشوء لغة إسقاط الإعراب أىْ لغة التقييد أىْ ما يسمى باللغة العامية ليس بالأمر الجديد أو المعاصر أو الحديث وأن هذه اللغة واقع تاريخى قديم للغاية وربما منذ وقت سابق لظهور الإسلام ومتبلور بصورة نهائية منذ القرن الرابع الهجرى (كما يقول ابن جنى فى "الخصائص")، حق لنا أن نتساءل عن السر فى أن انتشار اللغة العربية مع الفتوحات الإسلامية فى مناطق شاسعة ذات خريطة لغوية بالغة التعقيد لم يؤد على مرّ العصور ورغم استمرار عزلة المواصلات التقليدية إلى تحوُّل اللهجات العربية التالية للفتح الإسلامى إلى لغات منفصلة متباعدة، فاستمرت لهجات كما تشكلت فى القرون الأولى من الناحية الجوهرية.

ورغم أن ثورة المواصلات الراهنة يمكن أن تكفل استمرار "العاميات" العربية الراهنة كلهجات للُغة عربية واحدة (مقيدة الترتيب) إلى ما شاء الله، دون حاجة إلى عوامل أخرى، ينبغى أن نسجل أن استمرار العربية "الفصحى" عربية الإعراب ومرونة الترتيب، مهما كان تفسير هذا الاستمرار، ومهما كان هذا الاستمرار ذاته ضمن واقع ازدواج فادح الضرر على الجماعة اللغوية، ظل شرطا مواتيا لعدم وصول اللهجات إلى مرحلة اللغات المنفصلة. خاصة فيما قبل وصول تأثير ثورة المواصلات (ووسائل الإعلام الحديثة) إلى العالم العربى، وفيما قبل انتشار ما يسمى بالعامية المصرية فى العالم العربى كله.

وهكذا يمكن تصوُّر مسار التطور من اللغة العربية الأصلية، التقليدية، المسماة بالفصحى، إلى اللغة العربية التجديدية المسماة بالعامية، باعتباره مسار انتقال تجديدى (رغم أنه موغل فى القدم) من النسق النحوى الأصلى (لغة الإعراب ومرونة ترتيب العناصر) إلى النسق النحوى التجديدى (لغة إسقاط الإعراب وتقييد ترتيب العناصر).

ونقطة انطلاق هذا المسار هى، كالعادة، الاقتصاد اللغوى، هذا الاقتصاد الذى يمثل سنة من سنن تطور اللغات جميعا. فهو مسار التحرر التدريجى من الخريطة المعقدة لترتيب عناصر الجملة وحالات الإعراب ومورفيماته الأصلية والفرعية، وذلك نتيجة للاستعمال الطويل لكافة الترتيبات الممكنة رياضيًّا، والذى يتأكد منه أن هناك إمكانية لاستخدام أحد هذه الترتيبات دون إعراب بالاعتماد على الترتيب ذاته خاصة مع خبرة الاعتماد على الترتيب فى سياق الإعراب ذاته عندما يتعذر إظهار علامات الإعراب فيكون العنصر السابق هو الفاعل والعنصر اللاحق هو المفعول (فى مثل: سَبَق موسى عيسى).

ثم كان إسقاط الإعراب نقطة انطلاق لاختلافات أخرى عميقة (نحوية وصرفية وصوتية)، بالإضافة إلى الاختلافات الصوتية الأخرى المستقلة عن إسقاط الإعراب والتى تتصل أكثر بتفاعل اللغة العربية مع الخريطة اللغوية التاريخية المعقدة فى البلدان التى امتدت إليها الفتوحات العربية الإسلامية والتى انتهت عمليات "التثاقف" فيها إلى انتشار اللغة العربية وتبنِّيها وإحداث تغيرات عديدة هامة فيها.

ورغم الاختلافات المتنوعة، ذات الأصول المتنوعة، فإن اللهجات المسماة بالعاميات العربية ليست سوى اللهجات المتعددة للُّغة العربية ذات النمط المقيد الترتيب أىْ الأشكال الإقليمية العديدة لوجودها باعتبارها لغة واحدة. وليس من المتوقع، بافتراض استمرار وتعاظم ثورة المواصلات الراهنة، أن تتحوَّل هذه اللهجات إلى لغات منفصلة.

ويمكن الاعتراض، بطبيعة الحال، بأن الاختلافات المتنوعة بين هذه "العاميات" العربية قد تجاوزت حدود اعتبارها مجرد لهجات للُغة واحدة ووصلت بها بالفعل إلى مرحلة اللغات المنفصلة. والحقيقة أن مثل هذا الاعتراض يمكن أن ينطلق من الصعوبات اللهجية التى قد تحول دون التفاهم الواضح بين سودانى وعراقى أو بين يمنى ومغربى بالسهولة الكاملة المفترضة فى لغة واحدة (وهى صعوبات لا سبيل إلى إنكارها لا فى اللهجات العربية الراهنة ولا فى اللهجات الإنجليزية الراهنة). على أن مثل هذا الاعتراض يعنى فى الحقيقة عدم الانتباه بصورة كافية إلى أن الانفصال إلى لهجات إقليمية انفصال على أىّ حال وتباعُد على أىّ حال، وإلى أن جانبا جوهريا من هذا الانفصال أو هذا التباعد يتركز على النواحى الصوتية التى من شأنها أن تخلق مصاعب كبيرة تستبعد ولا تفترض السهولة الكاملة فى التفاهم، وإلى حقيقة أن كل لغة عبارة عن نواة مشتركة لا تتحقق إلا من خلال التنوع اللهجى الجغرافى بالإضافة إلى تنوعات أخرى عديدة ومعقدة لا مكان هنا لتعدادها.

والواقع أن اللهجات الإقليمية الراهنة للُّغة العربية أىْ ما يسمى بالعاميات، لا تشترك فقط فى نسق تقييد ترتيب عناصر الجملة، بل إنها، رغم تنوع المكونات اللغوية غير العربية التى تفاعلت أو تتفاعل مع اللغة العربية فى كل منطقة لغوية، ورغم الدلالات المتنوعة فى هذه المناطق، ورغم الاختلافات الصوتية الهائلة، تشترك كذلك فى المعجم الأساسى، والنظام الصرفى الاشتقاقى الأساسى، والدلالات الأساسية، وفى الاحتفاظ بالكثير جدا من السمات النحوية الأساسية للُّغة العربية، مع تواصل سياق الاقتصاد اللغوى والنحوى بطبيعة الحال.

يمكن إيجاز ما سبق فى أن اللغة التى يتكلمها العرب اليوم، والتى امتدت من عالم الكلام والحياة اليومية والثقافة الشعبية إلى عالم الثقافة الرفيعة، نتيجة لتطور استغرق قرونا طويلة ربما بدأ فى وسط شبه الجزيرة العربية ذاته وقبل الإسلام بوقت غير قصير، وهى اللغة العربية الحالية المتعددة اللهجات باعتبار هذه الأخيرة الشكل الطبيعى لوجود أية لغة تنطق بها جماعة قومية أو لغوية كبيرة تعيش على مساحات شاسعة من الكرة الأرضية. ولا يجوز وصف هذه اللغة أو لهجة من لهجاتها بالعامية. وهذه اللغة بكافة لهجاتها هى الأساس اللغوى للوجود القومى للعرب اليوم. على أن بقاء اللغة المسماة بالفصحى فى مجالات لا تزال جوهرية، بوصفها لغة حية ما تزال، وباعتبارها حامل الثقافة القومية العربية الرفيعة، ومهما كانت أسباب هذا البقاء، يصنع ازدواجا لغويا وخيم العواقب على الجماعة القومية-اللغوية، أىْ على العرب، فى ثقافتهم، وعلمهم، وفى كامل تطورهم التاريخى. ذلك أن الازدواج اللغوى لا يعنى امتيازا يتمثل فى امتلاك لغتين بل يعنى الافتقار إلى لغة واحدة منسجمة مكتملة الحلقات كلغة، بكل ما تعنيه حالة أمة بلا لغة، أو حالة أمة ذات لغة تعانى من الازدواج والانشطار والتشوُّه.

وتزداد الصورة وضوحا بتحديد الطابع الجوهرى للازدواج بين اللغتين بأنه يتمثل فى تجاور وتعايش وصراع مرحلتين فى التطور النحوى للُّغة العربية، مرحلة الإعراب ومرحلة إسقاط الإعراب، أو بعبارة أخرى مرحلة مرونة ترتيب عناصر الجملة ومرحلة تقييد ترتيب عناصر الجملة، وهما مرحلتان ملحوظتان فى التطور النحوى للُّغات بوجه عام، فى كل مكان، ولا تشكلان خصوصية عربية كما سبق القول.

ويمكننا الآن أن نقترح الاكتفاء بتسمية اللغة العربية بلا نعوت أخرى لهذه اللغة التى يتكلمها العرب الآن، بكافة لهجاتها. أما اللغة الأخرى المسماة بالفصحى فنقترح تسميتها باللغة العربية التقليدية أو المُضَرية (نسبة إلى مُضَر، بالضاد) أو القريشية (نسبة إلى قريش) لأنها تتميز بالالتزام بتقاليد الإعراب المُضَرى. وهذا الأخير هو السمة النحوية المميزة الأولى، بين سمات أخرى عديدة، لكافة مراحل هذه اللغة بما فى ذلك مرحلتها الراهنة المسماة بالفصحى الحديثة والتى يمكن تمييزها بالتالى بتسمية اللغة العربية المُضَرية الحديثة.

وتتفق اللغة العربية (الحالية) بكافة لهجاتها مع اللغة العربية التقليدية فى نواة لغوية أساسية (معجمية ودلالية ونحوية وصرفية وصوتية) مشتركة. وهذه النواة المشتركة هى التى تضفى الطبيعة "العربية" على اللغة العربية التقليدية وعلى اللغة العربية الحالية وكذلك على كل لهجة من اللهجات الراهنة لهذه اللغة الأخيرة، على أن اللغة العربية الحالية بكافة لهجاتها تختلف عن اللغة العربية التقليدية أو المُضَرية (بالضاد) اختلافات نحوية وصرفية ومعجمية ودلالية وصوتية، وإنْ كان الاختلاف الجوهرى يتمثل فى الإعراب فى تلك اللغة وفى إسقاطه فى هذه.

أما اللهجات العربية الراهنة (أىْ لهجات اللغة العربية التى تحمل ظلما اسم "العامية" أو "العاميات") فتتفق فيما بينها، وإنْ بنسب متفاوتة، فى تلك النواة المشتركة، وكذلك فى المرحلة النحوية التى تتمثل فى إسقاط الإعراب، ولكنها تختلف فيما بينها، بنسب متفاوتة، فى خصائص كانت نتاجا لتفاعل اللغة العربية فى البيئات التى ظهرت فيها هذه اللهجات مع لغات وثقافات مغزوَّة أو غازية أو مجاورة قبل الفتح العربى الإسلامى وبعده.

ولا شك فى أن من شأن نظرة موضوعية متوازنة أن تتيح لنا أن نأخذ فى اعتبارنا فى وقت واحد:

1: الاستمرارية بين اللغتين وتتمثل فى النواة اللغوية الأساسية المشتركة بين اللغة التقليدية واللغة الحالية وكذلك كافة لهجات هذه الأخيرة، من جانب. 2: الانقطاع بين اللغتين ويتمثل فى التطور النحوى من مرحلة الإعراب فى اللغة التقليدية إلى مرحلة إسقاط الإعراب فى اللغة الحالية، من جانب آخر. 3: العنصر الجديد تماما بالقياس إلى العربية الأصلية ويتمثل فى خصوصيات كل لهجة من اللهجات العربية الراهنة، من جانب ثالث.

ولا شك أيضا فى أن مثل هذه النظرة من شأنها أن تتيح لنا بذلك تفادى الانطلاق من جانب واحد من هذه الجوانب الثلاثة، كما أن من شأنها أن تنأى بنا بكل ذلك عن مواقف متطرفة محتملة (وحادثة) بالغة الضرر.

على أن هذا الجانب أو ذاك من هذه الجوانب الثلاثة ممكن أن يكون موضوعا للمبالغة أو موضوعا على العكس للتهوين فى سياق هذه النظرية أو تلك بما يتفق مع توجهاتها. ومن الجلى أن المواقف المتباينة إزاء تطور اللغة العربية (من المُضَرية بالضاد إلى الحالية) ليست مقطوعة الصلة بالمبالغة أو التهوين فى كل جانب من هذه الجوانب، أو بإدراك أو عدم إدراك طبيعة ومغزى وأبعاد هذا الجانب أو ذاك.

ويمكننا الآن أن نستعرض قليلا من المواقف إزاء تطور اللغة العربية وإزاء طبيعة هذا التطور. وهنا نلتقى بالإنكار الصريح أو الضمنى لحدوث هذا التطور أصلا أو لضرورته كما نلتقى بالنظر إليه على أنه انحطاط وليس تطورا. ومن المفارقات أننا عندما نعود إلى الوراء، إلى ابن جنى أو إلى ابن خلدون على سبيل المثال، لا نجد عندهما الاعتراف الصريح بهذا التطور فحسب، بل نجد عندهما كذلك الإدراك الواضح لطبيعته النحوية المتمثلة فى الإعراب وإسقاط الإعراب، ونجد عند ابن خلدون بالذات دفاعا قويا، مدعوما بالمنطق وقوة الحجة، عن لغة إسقاط الإعراب، عن بلاغتها وأدبها اللذين لا يمكن أن ينال منهما إسقاط الإعراب، فى مواجهة الافتراءات الأزلية ضد هذه اللغة.

وفى كتابه "التطور اللغوى: مظاهره وعلله وقوانينه" (مكتبة الخانجى بالقاهرة ودار الرفاعى بالرياض، الطبعة الأولى 1983)، يشرح الدكتور رمضان عبد التواب شرحا صحيحا واضحا نظام الحرية فى ترتيب أجزاء الجملة العربية فى "الفصحى" بسبب وجود الإعراب وكيف لزم بناء الجملة نظاما واحدا عندما "فُقِدَ هذا الإعراب" (ص 125). وأكد تطور اللغة وما ينشأ منه من "اختلاف بين لغة عصر والعصر الذى سبقه" (ص 7) قائلا: "تلك سنة الحياة، وتاريخ اللغات كلها يشهد بهذا ولا نعرف لغة على ظهر الأرض، جمدت على شكل واحد مئات السنين" لكنه سرعان ما يستثنى اللغة العربية من هذا التطور بل يحذّر من أن يظن بعض الناس أن يكون هو "من أنصار هذا التطور فى العربية" (ص 9) ويُرجع هذا الاستثناء إلى "ظرف لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم ذلك أنها ارتبطت بالقرآن" (ص 8). وبدلا من أن يبحث علاقة استمرار اللغة العربية المُعْرَبة (من الإعراب) إلى الآن بكونها لغة القرآن، راح يستثنى العربية من التطور فى كتاب يدرس هذا التطور بالذات فى اللغة العربية بالذات، فكان عليه أن يعلل معالجته لقضايا التطور اللغوى قائلا: "فإننا نعالج هذه القضايا هنا، من الناحية الوصفية التاريخية. وهناك فرق كبير فى مناهج اللغة بين الوصفية والمعيارية" (ص 9). ورغم أن إنكار التطور لا يتصل هنا بتطور لغة إسقاط الإعراب من لغة الإعراب بهذا التحديد بل ينصب على تطور اللغة العربية بوجه عام إلا أن كل بحث فى تطور هذه اللغة من تلك يصطدم بهذا الإنكار العام "المعيارى" لتطور العربية فى كتاب ينطلق من الإقرار "الوصفى" بهذا التطور!

وفى كتابه القيم "فى اللهجات العربية" (مكتبة الأنجلو المصرية الطبعة الثالثة 1965، القاهرة، ص 84)، يقدم الدكتور إبراهيم أنيس نظرته الخاصة بالإعراب. هذه النظرة التى تطعن فكرة تطور لغة إسقاط الإعراب من لغة الإعراب فى الصميم ولا تترك مكانا لمثل هذا التطور. وتقرر هذه النظرة، التى تتردد أصداؤها فى أفكار كثير من المثقفين حول هذه المسألة، أن "الإعراب كما نعرفه" كان صفة من صفات اللغة الأدبية لدى الخاصة "ولم يكن مظهرا من مظاهر السليقة اللغوية بين عامة العرب". وتوحى هذه النظرة بأن الإعراب ليس فى أصل الكلام العربى بل أضافه الأدباء والنحاة وهذا ما جعله، رغم غيابه فى الكلام العربى، "مقياسا من مقاييس الفصاحة" وأقول إن هذه النظرة "تُوحى" بذلك لأنها لا تقوله مباشرة بل تتحدث فقط عن عدم التزام "لهجات الكلام عند القبائل" بالإعراب "على الصورة التى رُويت لنا" أو "الإعراب كما نعرفه" دون أية إشارة إلى إعراب بديل (أبسط؟) قد يعتقد المؤلف أنه كان موجودا فى أصل الكلام العربى. ويبدو أن هذه النظرة تم استنتاجها بصورة مباشرة من ظاهرة اللحن: "ولا يُعقل أن صاحب السليقة اللغوية يخطئ إلا إذا كان ينطق بلغة خاصة يتمسك فيها بقواعد وأصول لا تراعَى فى حياته العادية حين ينطلق على سجيته" كما يقول الدكتور إبراهيم أنيس. والفكرة التى ينطوى عليها الاستشهاد الأخير فكرة صحيحة فى حد ذاتها، فظاهرة اللحن تعنى وجود لغتين، لكنها لا تعنى بالضرورة أن إحداهما تمثل السليقة الأصلية وأن الأخرى تمثل الاصطناع الأدبى لدى الخاصة، بل يمكن تفسيرها تفسيرا معاكسا يتمثل فى إرجاع عدم التمكُّن من لغة الإعراب ليس إلى كونها لغة جديدة أو مصطنعة أو أدبية وبالتالى لا تمثل السليقة الأصلية بل إلى أن لغة الإعراب كانت هى السليقة الأصلية للجماعة اللغوية ثم أخذ الإعراب يسقط فى لغة الكلام لدى هذه الجماعة، وكان التطور المنطقى لهذه الظاهرة أن يسقط الإعراب من اللغة العربية جميعا وأن تسود لغة إسقاط الإعراب، إلا أن لغة الإعراب صارت لغة القرآن، فى مرحلة من مراحل ذلك التطور، فحفظها القرآن، كما ساعد هذا العامل اللغوي-الدينى على عدم تباعد لهجات المناطق العربية الحالية فى اتجاه تكوين لغات منفصلة، فظلت لهجات للُغة عربية واحدة.

ويبدو أن الدكتور إبراهيم أنيس تصوَّر أن تعقيد الإعراب يجعله مستعصيا على عامة الناس فلم ينتبه لذلك إلى واقع أن شعوبا كثيرة استخدمت فى الماضى أو لا تزال تستخدم وبسهولة فطرية لغات إعرابية بالغة التعقيد، وأن لغات الإعراب نجدها أكثر كلما عدنا إلى الوراء، وأنه رغم أن اللغات قد تتخلى فى مرحلة من مراحل التطور عن الإعراب بكل تعقيد حالاته ومورفيماته ليحل محله نسق نحوى أبسط هو نسق تقييد ترتيب الكلمات فى الجملة إلا أن هذا الاقتصاد اللغوى إنما تتعلمه الشعوب واللغات بعد أن تخوض تجربة تاريخية طويلة مع لغة الإعراب بوصفها نقطة الانطلاق، رغم كل هذا التعقيد الذى قد يبدو مستعصيا على الاستيعاب بينما يتعامل معه أصحاب السليقة بكل سهولة، ومن يدرى فربما جاء الإعراب ذاته تتويجا لمسار اقتصاد لغوى سابق طويل انطلاقا من أنظمة لغوية سابقة أكثر تعقيدا بكثير.

والحقيقة أن هذا التصور الغريب عن الإعراب لدى الدكتور إبراهيم أنيس كان السبب المباشر وراء واقع أنه لم يدرك الفارق الجوهرى بين اللهجات العربية القديمة والحديثة والمتمثل فى إسقاط الإعراب فى لغة الكلام فى المحل الأول، وبطبيعة الحال فإن هذه الملاحظة الجزئية أو تلك لا يمكن أن تنال من الإنجازات اللغوية العلمية الضخمة التى حققها الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس بما فى ذلك خدماته الجُلِّى لقضية بحث ودرس وإعلاء شأن هذه اللهجات التى تتكون منها اللغة العربية فى الوقت الحالى.

وفى كتابه القيم "اللغة العربية والحاسوب - دراسة بحثية" (الناشر: تعريب - تركى العريضى، 1988)، يقدم الدكتور نبيل على، خبير اللغويات الحاسوبية، موقفا يجمع بين الإحساس الحاد بالازدواج "أو: ثنائية الفصحى والعامية، حسب تعبيره" وبين التهوين من شأن الإعراب إلى حدّ النظر إليه على أنه ظاهرة سطحية فى اللغة العربية.

ويشن الدكتور نبيل هجوما حادا ضد "العامية" وضد الثنائية التى أوجدتها هذه العامية بظهورها إلى جوار الفصحى. ويقول الدكتور: "تعانى ‘العربية’ من ثنائية واضحة، ومفزعة، بين الفصحى والعامية. ولا تكتفى العامية بتشويه المفردات وتبديلها الفوضوى، بل تتخلص من كثير من خصائص ‘العربية’ الأساسية، كتلك المتعلقة بالترابط النحوى، والإعراب، وتكوين الكلمات، ونطق الأصوات، إلخ.). ويواصل الدكتور نبيل قائلا: "إن ثنائية اللغة هى نتيجة منطقية لبطء التغير اللغوى، وتقاعس جهود التطوير، وقصور أساليب تعليم اللغة الأم، وكلها مظاهر ترجع أساسا إلى جمود نُظم التقعيد اللغوى وتخلفها بصفة عامة. ومما يحز فى النفس أنه بينما نرى المحاولات المستهدفة، بقصد أو بدون قصد، لسحق ‘العربية الفصحى’ ماضية قدما دون هوادة، ودون ما يشير إلى قرب زوالها، نجد محاولات التصدى لها لا تتعدى حدود العواطف اللغوية وغيبياتها أحيانا!". ويضيف الدكتور: "إن ثنائية الفصحى والعامية قد وصلت إلى الحد الذى أدى بالبعض إلى اعتبار اللغة الفصحى ذاتها لغة ‘غير حية’، وتبريرهم لذلك أن البحث اللغوى الحديث، والمقام على مفهوم التمكُّن اللغوى، لابد أن يتناول اللغة كما تستخدمها الجماعة الناطقة بها، حيث الحدس اللغوى لهذه الجماعة هو المحك الأساسى فى الحكم على سلامة منطوقاتها ومدى مقبوليتها" (ص 68-69").

ويشير الدكتور إلى: "… مشكلات أزمتنا اللغوية الطاحنة، وعلى رأسها تخلف التنظير لها، وثنائيتها "فصحى-عامية"، وقصور أساليب تعليمها" (ص 171).

ويشير كذلك إلى ناحية أخرى لظاهرة الازدواج قائلا: "… أصبحت ظاهرة فقر المفردات متفشية بصورة تقترب إلى حد الوباء، ولا شك فى أن السبب الرئيسى لذلك هو تفشى العامية ذات القدرة المحدودة على التعامل مع المعانى العامة، ومع العلم، ومع المجردات عموما، رغم قدرتها - كأىّ لغة أخرى - على استقطاب الألفاظ وابتداعها" (ص 493).

والإعراب وارد هنا باعتباره من خصائص "العربية" الأساسية التى تتخلص منها العامية. لكن هذا الحكم الذى ينظر إلى الإعراب على أنه إحدى الخصائص الأساسية "للعربية" سرعان ما يجرفه سيلٌ من التصورات المتناقضة.

ويرى الدكتور نبيل على (ضمن تعداده للفروق الأساسية بين العربية والإنجليزية): ب: أن ترتيب الكلمات مقيد فى الإنجليزية مرن فى العربية، ولكنه يرى أيضا (وضمن نفس التعداد) جـ: أن نموذج الإنجليزية (فاعل فعل مفعول) وأن نموذج العربية (فعل فاعل مفعول)، فهو يرى بكلمات أخرى للدكتور أيضا أن ترتيب المكونات داخل الجملة الإنجليزية التامة يتخذ نمط (فاعل فعل مفعول) أىْ يأتى فيها الفاعل يليه الفعل فالمفعول به على حين أن العربية فى جوهرها هى لغة (فعل فاعل مفعول) إذْ يسبق الفعل الفاعل الذى يليه مفعوله (ص 82-83).

والحقيقة أن تقييد ترتيب المكونات داخل الجملة الإنجليزية ينسجم تماما مع نموذج لهذا التقييد فى تلك اللغة أىْ نموذج أو نمط (فاعل فعل مفعول)، فى الجملة المكونة من هذه العناصر بطبيعة الحال. ولا يمكن أن تعنى مرونة الترتيب فى العربية سوى أمر واحد هو عدم التقيد بنموذج واحد للترتيب، أىْ تعدُّد نماذج الترتيب، فكيف يمكننا أن نزعم أن هذه المرونة (هذا الانعدام للتقييد، هذا التعدد للنماذج) تتمثل فى نموذج واحد بذاته وليكن نموذج (فعل فاعل مفعول)؟

وسنلاحظ على الفور أن نموذج (فعل فاعل مفعول) ليس سوى نموذج من نموذجين لترتيب ما يسميه النحو العربى بالجملة الفعلية:

نموذج: فعل فاعل مفعول ونموذج: فعل مفعول فاعل

وهما نموذجان ضمن نماذج أخرى فى نسق مرونة ترتيب عناصر الجملة، أىْ نسق الإعراب، كما أوضحنا فى الحلقة السابقة من هذا المقال.

ولأن الجملة التى تشتمل على عناصر الفعل والفاعل والمفعول تشتمل بالتالى على مقولتين نحويتين: الفعْل (فعْل) والفاعل (اسم) والمفعول (اسم) فإن نماذج الترتيب التى تكونها هذه العناصر (وهى ستة نماذج من الناحية الرياضية) يمكن تقسيمها من حيث بداية الجملة بهذا القسم أو ذاك من أقسام الكلام تقسيما ثنائيا إلى جملة فعلية (تبدأ بالفعل) وجملة اسمية (تبدأ بالاسم) وهذا تقسيم فرعى قد يكون هاما وقد لا يكون ولكنه على كل حال لا يمس المرونة النحوية (نموذجان للجملة الفعلية، وأربعة نماذج للجملة الاسمية: البادئة بالفاعل فى نموذجين وبالمفعول فى نموذجين). ولكن الدكتور نبيل يتحدث فى سياق نقده لصورية النحو العربى، عن الاهتمام الكبير الذى يُولِيه النحو العربى لظواهر "ضحلة" مرتبطة بالتجليات السطحية للجمل، ومن هذه الظواهر: "تضخيم الفروق بين الجملة الاسمية والفعلية، والمبتدأ والفاعل، وهو ما يبدو غريبا بالنسبة للُغةٍ (العربية) تتسم بالمرونة النحوية" (ص 374).

والحقيقة أن مرونة ترتيب الكلمات فى الجملة تسمح بأن تكون البداية بالفعل كما تسمح بأن تكون البداية بالاسم، وتسمح بالتالى بتقسيم فرعى إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ولا صلة لها بطبيعة الحال بالتضخيم الذى ينتقده الدكتور نبيل على عن حق لتقسيم فرعى. أما ازدوج المبتدأ والفاعل (أىْ ازدواج المسند إليه)، هذا الازدواج الذى ينتقده الدكتور عن حق أيضا، والذى يجعل المسند إليه مرة فاعلا ومرة مبتدأً، فلا صلة له بالمرونة أو التقييد فى حد ذاتهما بل يرجع مباشرة إلى فكرة نحوية خاطئة كانت لدى النحاة القدامى (ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين) تشترط فى الفاعل أن يتقدمه الفعل، أىْ أن يسبقه فى الترتيب (وهذا ليس فى أصل اللغة بل هو من وضع النحاة ولا يؤدى إلا إلى تعقيدات لا نهاية لها دون فائدة من أىّ نوع).

ومع ذلك، مع أنه ضد "تضخيم الفروق بين الجملة الاسمية والفعلية"، كما رأينا، يعود الدكتور فينظر إلى "افتراض عدم وجود جملة فعلية فى ‘العربية’ على أساس اعتبارها حالة خاصة من الجملة الاسمية" على أنه مفهوم يتعارض مع جوهر النحو العربى (ص 392) وليس المقصود هنا جوهر النحو العربى كعلم ينتقد الدكتور اهتمامه الكبير بظواهر ضحلة مرتبطة بالتجليات السطحية للجمل كالتقسيم إلى جملة اسمية وفعلية. فالحقيقة أن "افتراض عدم وجود جملة فعلية إلخ." يتعارض مع نموذج (فعل فاعل مفعول) الذى أعلنه الدكتور نموذجا للترتيب فى اللغة العربية التى قال الدكتور إنها لغة (فعل فاعل مفعول) والتى تستبعد مرونتها فى الحقيقة كل تفكير فى نموذج واحد للترتيب.

والحاصل أن الدكتور يقدم اللغة العربية على أنها لغة مرونة ترتيب ثم يجعلها لغة تقييد ترتيب، ويفرض نموذجا بذاته لهذا الترتيب أو لهذا التقييد للترتيب. كما أنه يأخذ على النحو العربى اهتمامه بالتقسيم إلى جملة اسمية وفعلية لكنه يصرّ على أن اللغة العربية هى لغة الجملة الفعلية، لغة (فعل فاعل مفعول)، فبأىّ معنى نتحدث عن جملة فعلية يتعارض "افتراض عدم وجودها" مع جوهر النحو العربى إنْ لم نكن نقصد الجملة البادئة بفعل فى تميُّزها عن الجملة البادئة باسم أىْ الجملة الاسمية، وهذا ما يعنى العودة إلى التقسيم الذى سبق النظر إليه على أنه ضحل وسطحى؟

على أن هذا التناقض المتكرر ربما كان وثيق الصلة بحقيقة أن الدكتور (الذى لا يفوتنى التنويه بأن كتابه القيم يفتح آفاقا واسعة أمام اللغة العربية) لا يقرّ بأن الإعراب يمثل مرحلة نحوية كبرى فى تطور اللغة العربية ولا يمثل أبدا ظاهرة ضحلة أو سطحية. وتشهد مواضع عديدة من الكتاب بأن الدكتور يدرك تماما أن الإعراب ليس ظاهرة نحوية عربية بل يمثل ظاهرة نحوية أوسع نطاقا كما يدرك تماما أن "ترتيب الكلمات داخل الجملة" له نسقان: مرن ومقيد، إلخ.. غير أن الدكتور يميل إلى التقليل من شأن الإعراب لعدم ربطه بوضوح كامل بين نسق مرونة الترتيب وبين الإعراب كوسيلة ضرورية لتمييز عناصر الجملة فى هذا النسق، فى غياب وسيلة أخرى لهذا التمييز، ولعدم ربطه كذلك بوضوح كامل بين نسق تقييد الترتيب وبين إسقاط الإعراب لأن تقييد الترتيب (أىْ وجود نموذج واحد للترتيب) صار الوسيلة الأساسية لتمييز عناصر الجملة، وفقد الإعراب وظيفته فسقط. وهكذا يكتب الدكتور "من وجهة نظر البعض تميل اللغات فى نموها إلى إسقاط علامات الإعراب كإشارات للدلالة على ترتيب الكلمات داخل الجملة، والتى يمكن استنتاجها من قرائن أخرى نحوية وصرفية ودلالية" (ص 265). فالدكتور يشير إلى "وجهة نظر البعض" وليس إلى وجهة نظره هو على وجه التحديد. وهو يحدد وظيفة الإعراب على أنها "إشارات للدلالة على ترتيب الكلمات داخل الجملة" وهذا تعبير خاطئ تماما فترتيب الكلمات داخل الجملة ليس بحاجة إلى إشارات تدل عليه، كما أن وظيفة الإعراب لا تتمثل على كل حال فى أية دلالة من أىّ نوع على ترتيب الكلمات داخل الجملة، بل تتمثل بالأحرى فى تحديد الطبيعة النحوية للكلمات داخل الجملة، أىْ فى تحديد عناصر الجملة التى تنتمى إليها الكلمات، فى نسق مرونة ترتيب عناصر الجملة، مهما كان ترتيب الكلمات، لأن المرونة تعنى تنوُّع هذا الترتيب، وبالتالى غياب وسيلة للدلالة على الطبيعة النحوية للكلمات، والاعتماد بالتالى على الإعراب وعلاماته. ولأن الدكتور لا يعطى هذه الوظيفة المحددة للإعراب فهو يتحدث دائما عن "قرائن أخرى نحوية وصرفية ودلالية" موجودة فى الجملة ويمكن أن نستنتج منها ما كان يمكن أن نستنتجه من علامات الإعراب. ومثل هذه النظرة التى تجعل من الإعراب مجرد قرينة بين قرائن من شأنها القيام بوظيفة نحوية بذاتها (من خلال الاستنتاج منها) بحيث يوجد الإعراب دون أن يضيف الكثير إلى تلك الوظيفة، ويسقط دون أن تخسر تلك الوظيفة شيئا (بفضل الوجود الدائم لتلك القرائن المتنوعة) - نقول إن مثل هذه النظرة تجعل من الإعراب وإسقاطه عبثا لا طائل تحته ولا معنى له ليس فى اللغة العربية وحدها بل فى كل لغة أخرى.

ورغم أن الإعراب كما عرفناه فى اللغة العربية وكذلك فى لغات عديدة أخرى قد يشتمل على عناصر كثيرة لا علاقة لها بالوظيفة الحاسمة للإعراب وتقييد الترتيب كمرحلتين نحويتين بديلتين (مثل إعراب المضارع فى العربية) وربما كانت هذه العناصر مجرد آثار باقية من وظائف سابقة موغلة فى القدم، فإن كل هذا لا يقلل من أهميته المتمثلة فى القيام بوظيفة حاسمة مهما بدت بسيطة: حاجة كل لغة إلى وسيلة بسيطة واضحة للغاية للتمييز بين المسند والمسند إليه، ولمجموعة من العلاقات التى تترتب على هذا التمييز، ولمجموعة من العلاقات الأخرى، والوسيلتان المعروفتان فى لغات كثيرة تنتمى إلى عائلات ومجموعات لغوية متباينة هما: وسيلة الإعراب، ووسيلة تقييد ترتيب عناصر الجملة، وهما مرحلتان متعاقبتان فى التطور النحوى للُّغات كما سبقت الإشارة.

ولأن الدكتور نبيل على لم يدرك إدراكا كاملا أبعاد مسألة الإعراب وإسقاطه، أو مسألة مرونة وتقييد ترتيب عناصر الجملة، لم يكن من الغريب أن يقترح: "اعتبار الإعراب ظاهرة سطحية بالمغزى الفنى للكلمة، وباعتباره قرينة ضمن عدة قرائن، وطرح فكرة كونه محورًا رئيسيًّا للنحو العربى" (ص 84)، وأن يعارض "طغيان ظاهرة الضبط الإعرابى" فى النحو العربى، باعتبارها فى "العربية": "ظاهرة سطحية، أىْ تلى استقرار الكلمات فى وضعها النهائى داخل الجمل" (ص 374) ولو صَحَّتْ هذه الفكرة الأخيرة لكان من شأن الاعتماد على استقرار (أىْ ترتيب) الكلمات داخل الجملة كأساس نحوى لهذه الجملة أن يعنى عدم الحاجة أصلا إلى الإعراب. ومن الجلى أن كاتب هذه السطور لا يقول هذا تمسكا (كمزايدة على الدكتور) بإعراب انقضى عهده، بل أقول هذا رغبة فى التحديد الواضح لأهمية ومغزى ووظيفة ودور الإعراب فى اللغة العربية المُضَرية (بالضاد) قديما وحديثا، وبالتالى رغبة فى التحديد الواضح لمغزى إسقاط الإعراب. على أن هذه الرغبة فى الفهم الواضح للمغزى النحوى للإعراب وإسقاطه تقودنا فى طريق العودة إلى ابن جنى وخاصة إلى ابن خلدون.

ونجد عند أبى الفتح عثمان بن جنى (الخصائص، دار الكتب المصرية، تحقيق محمد على النجار) وضوحا قاطعا فى أغلب مسائل هذا التطور النحوى للُّغة العربية من الإعراب إلى إسقاطه.

ويشير ابن جنى إلى أقدم الروايات الخاصة بظاهرة اللحن فى الكلام (وهى تلك الروايات التى تبدأ مع النبى: "أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل"، وعمر، وعلى، وتنتهى بتكليف على ﻟ أبى الأسود الدؤلى بوضع النحو) ثم يشير إلى شيوع واستمرار واستفحال "فساد" ما "يُروى من أغلاط الناس" (الخصائص، الجزء الثانى، ص 8-9). وفى موضع لاحق يصل ابن جنى إلى مسألة ما يفرِّق بين اللغة العربية الفصيحة وكلام أهل الحضر فى زمانه فيقول: (وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول: إنه يحكى كلام أبيه وسلفه، يتوارثونه آخرٌ عن أول، وتابع عن مُتَّبَع. وليس كذلك أهل الحضر، لأنهم يتظاهرون بينهم بأنهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربية الفصيحة. غير أن كلام أهل الحضر مُضاهٍ لكلام فصحاء العرب فى حروفهم، وتأليفهم، إلا أنهم أخلُّوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح. وهذا رأى أبو الحسن، وهو الصواب" (الخصائص، الجزء الثانى، ص 29) و أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة، أىْ الأخفش الأوسط المتوفى سنة 210 هجرية. ونعرف نظرة ابن جنى إلى وظيفة الإعراب عندما يقدم هذا التعريف للإعراب: "هو الإبانة عن المعانى بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعتَ أكرمَ سعيدٌ أباه وشكر سعيدًا أبوه، علمتَ برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول" (الخصائص، الجزء الأول ص 35).

ويمكن أن نخرج من مناقشة ابن جنى بالأفكار الواضحة التالية:

أولا: وظيفة الإعراب: هى معرفة الفاعل من المفعول ورغم البساطة المتناهية لهذه الوظيفة فهى حاسمة وجوهرية كوسيلة نحوية لا غنى عنها، فى غياب نسق آخر، لتحديد الوظيفة النحوية للألفاظ فى الجملة.

ثانيا: معيار التمييز بين الكلامين أو اللغتين: كلام أهل الحضر يُضاهى كلام فصحاء العرب أو اللغة العربية الفصيحة "المُعْرَبة" (من الإعراب) فى الكلمات والتأليف ولا يفرق بينهما إلا أن أهل الحضر (أخلّوا) بالإعراب أو بأشياء منه، ولهذا فإن ما يدَّعيه أهل الحضر من ترك ومخالفة كلام العرب ادعاء باطل، وهكذا فإن الفرق بين الكلامين أو اللغتين يتمثل فى الإعراب وإسقاطه.

ثالثا: هى نفس اللغة رغم إسقاطه الإعراب: يفسر ابن جنى هذا التطور اللغوى فى إطار نظرية اللحن والأغلاط والفساد لكنه لا يفوته مع ذلك واقع أن هذا الكلام يضاهى الآخر "إلا فى الإعراب" فليس كلام الحضر سوى اللغة العربية ذاتها لكنْ دون إعراب.

رابعا: من الناحية التاريخية: يعود ابن جنى باللحن والفساد إلى فجر الإسلام ويشير إلى استفحالهما بعد ذلك، ونصل إلى زمانه "القرن الرابع الهجرى، العاشر الميلادى" فنجد الظاهرة تكتمل متخذّة شكل إسقاط الإعراب، لكنه ينسب هذا الرأى إلى أبى الحسن، وبالتالى إلى زمانه، وهكذا فربما كانت هذه الظاهرة "ظاهرة استفحال الإخلال بالإعراب وإسقاطه" ترجع إلى القرن الثانى الهجرى بالإضافة إلى أن بدايات الظاهرة أقدم من كل هذا بكثير وربما كانت أقدم حتى من روايات فجر الإسلام التى أشرنا إليها منذ قليل.

خامسا: وأخيرا، غياب مفهوم تقييد ترتيب عناصر الجملة: حيث يحيط الغموض، على الأقل فى حدود الاستشهادات الحالية من ابن جنى، بمسألة ما الذى كان يقوم بوظيفة إظهار الفاعل من المفعول بعد إسقاط الإعراب.

ويعالج ابن خلدون المسألة المطروحة هنا فى الفصول من 36 إلى 50 من الباب السادس من مقدمته الشهيرة "المكتبة التجارية - مصر". وكالعادة يقدم ابن خلدون فى فصوله فهما تطوريا متقدما للُّغة العربية تجد فيه العديد من مشكلات تطورها حلولا حقيقية. وحسب هذا الفهم نجد "اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذْ هى ملكات فى اللسان للعبارة عن المعانى" (المقدمة، ص 554) ولهذا فإن فساد ملكة من ملكات اللسان العربى أو اللغة العربية (مثل فساد الإعراب) ليس فساد الانحطاط الشامل لهذا اللسان أو هذه اللغة، حيث الفساد زوال والكون حصول، دون حكم مسبق لكل من الزوال والحصول أو على كل منهما. ذلك أن فساد الإعراب يعنى عند ابن خلدون انتقال وظيفته إلى وسيلة أخرى غير وسيلة الإعراب، وبالتالى فإن اختفاء الإعراب لا يدل فى نظره على انحطاط أو عامية اللغة العربية غير المُعْربة (من الإعراب) ولا على فساد هذه العامية المزعومة، بل يدل ببساطة، وعلى وجه الحصر، على انتقال وظيفة معرفة الفاعل من المفعول من أداة (الإعراب) إلى أداة أخرى، وسنرى بعد قليل كيف كان ابن خلدون سبّاقا إلى تحديد وتسمية هذه الأداة الأخرى.

ويفترض ابن خلدون ملكة أولى هى ملكة اللسان العربى المضرى أو ملكة اللغة العربية المضرية. ويوضح أن هذه الملكة فسدتْ من طريقيْن: طريق متاخمة ومخالطة العرب واللغة العربية فى شبه الجزيرة العربية، موطن هذا اللسان، لشعوب ولغات أخرى من جميع الجهات، وطريق الخروج من شبه الجزيرة العربية فى سياق الفتوحات الإسلامية والاختلاط على نطاق أوسع بالشعوب واللغات الأخرى. وبطبيعة الحال فلا مناص من الاعتراف بهذين الطريقين لاحتكاك وتفاعل اللغة العربية منذ قديم الزمان، قبل وبعد الإسلام، مع اللغات المجاورة أو المغزوة أو الغازية، وكانت نتائج هذه التفاعلات موضوعاً لتصنيف المؤلفات منذ القديم، خاصة فى مجال تغلغل الألفاظ الأعجمية فى اللغة العربية منذ أقدم العهود. أما المشكلة التى يطلق ابن خلدون فرضية بشأنها دون أن يكون قادرا على إثباتها فهى تتصل بمسألة إلى أىّ مدى كانت هذه المخالطة (فى عهديْها أو شكليْها الكبيرين، عهد أو شكل التجاور مع البلدان الأخرى بشعوبها ولغاتها، وعهد أو شكل البلدان المفتوحة) مسئولة عن "فساد الإعراب" بالذات أىْ عن انتقال وظيفة الإعراب إلى أداة أخرى مختلفة تماما. فهل كان هذا الانقلاب (إسقاط الإعراب) نتيجة تراكمية لتأثير اللغات الأخرى أم كان نتيجة تراكمية لتطور تدريجى من داخل اللغة العربية ذاتها، من داخل قلبها الجغرافى واللغوى والثقافى، سواء فى الحجاز وقريش أو فى المراكز العربية الجديدة بعد الفتوحات لكنْ بعيدا عن تأثير لغات البلدان المفتوحة؟ وسوف نعود إلى هذا السؤال فيما بعد، بعد أن نتتبَّع كيف يناقش ابن خلدون مختلف جوانب المسألة المطروحة فى هذا البحث.

ويتحدث ابن خلدون عن اللغات بوصفها ملكات وينتقل إلى الحديث عن ملكة اللغة العربية فيقول: "وهذا هو معنى ما تقول العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أىْ بالملكة الأولى التى أُخذتْ عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع فى العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التى كانت للعرب […] فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى وهذا معنى فساد اللسان العربى ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم […] أما مَنْ بَعُدَ عنهم من […] المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة […] وعلى نسبة بُعْدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم فى الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية" (المقدمة ص 555).

وفى موضع آخر، يتحدث ابن خلدون عن العهد الآخر أو الشكل الآخر لتفاعل اللغة العربية مع اللغات الأخرى (لغات البلدان المفتوحة، فى هذه الحالة) فيقول: "فلما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب المُلْك الذى كان فى أيدى الأمم والدول وخالطوا العجم تغيّرتْ تلك الملكة بما ألْقَى إليها السمعُ من المخالفات التى للمستعربين والسمع أبو الملكات اللسانية ففسدتْ بما أُلْقِىَ إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع وخشى أهل العلو منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث عن المفهوم فاستنبطوا من مجارى كلامهم قوانين لتلك الملكة […] واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلى من بنى كنانة ويقال بإشارة من على رضى الله عنه، لأنه رأى تغيُّر الملكة فأشار عليه بحفظها" (المقدمة ص 546).

ويقول فى موضع آخر، حول نفس النقطة: "وإنما وقعتْ العناية بلسان مضر لما فسدت بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ملكته على غير الصورة التى كانت أوّلًا فانقلب لغة أخرى وكان القرآن منزَّلا به والحديث النبوى منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخُشى تناسيهما وانغلاق الأفهام عنهما بفقدان اللسان الذى نُزِّلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه وصار علْما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سمّاه أهله بعلم النحو وصناعة العربية فأصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسُلَّما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله وافيا" (المقدمة، صص 556-557). ورغم أن علم النحو لا يحتاج بالضرورة إلى ارتباط بين اللغة والدين لينشأ فقد نشأ هذا العلم، كغيره من العلوم اللغوية، فى مختلف الثقافات واللغات إلا أن العامل الدينى كان بارزا فى حالتنا فى نشأة النحو وجملة من العلوم اللغوية وغير اللغوية. واللافت للنظر أن ابن خلدون يدعو بعد كلماته الأخيرة السابقة إلى استقراء أحكام تعوض عن الحركات الإعرابية فى اللسان العربى فى عهده، أحكام لعلها قوانين تكون فى أواخره، لكى لا يؤدى إسقاط الإعراب، بعد أن صار واقعا راسخا، إلى انغلاق الكتاب والسنة على الأفهام وفكرة هذه الدعوة خاطئة كما سنرى وتنطوى على اعتقاد خاطئ بأن الكلام العربى (لغة القرآن والحديث) له إعراب ظاهر أو مكتشف وإعراب كامن لم يكتشف بعد، أو بأن اكتشاف النسق النحوى (الذى هو بديل الإعراب) فى لغة عهده (أو عهدنا) يعنى سريان هذا النسق على نص منقول بلغة لا صلة لها بهذا النسق الجديد (المرتبط بإسقاط الإعراب) فهى لغة إعراب ولا ينطبق عليها سوى الإعراب، وإذا كان نسق تقييد ترتيب عناصر الجملة ينطبق فى كثير من الأحيان على هذه اللغة، إلى جانب الإعراب، فهذا لا يعنى أنه إعراب من نوع آخر، بل يعنى أنه كان قد أخذ يزاحم الإعراب.

فماذا كانت محصلة هذا المسار أو الصيرورة من "الفساد"؟ وبعيدا عن كل تبسيط نجد عند ابن خلدون ليس محصلة واحدة بل محصلتين لغويتين مختلفتين ومتناقضتين لتفاعل اللغة العربية مع لغات أخرى فى بلدان الفتوحات. المحصلة الأولى: لغة عربية فسد إعرابها فانتقلت وظيفة الإعراب إلى أداة أخرى غير الإعراب. المحصلة الثانية: لغات لم يفسد إعرابها وحسب (بالقياس إلى العنصر العربى فيها) بل خالفت لسان مُضَر فى أكثر الأوضاع والتصاريف وغلبت عليها العجمة فهى لغات قائمة بذاتها بعيدة عن لغة مضر وكذلك عن لغة الجيل المعاصر ﻟ ابن خلدون. ويميز ابن خلدون بين هاتين المحصلتين قائلا إنه نشأت بين العرب فى عهده "لغة خالفت لغة سلفهم من مضر فى الإعراب جملة وفى كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات وكذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر فى الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد، واختلفت هى فى نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق، فلأهل الشرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره وتخالفهما أيضا لغة أهل الأندلس وأمصاره" (المقدمة، ص 582). وعن هذه اللغات غير العربية رغم تفاعلها زمنا مع العربية، نقرأ المزيد عند ابن خلدون: "عُرْف التخاطب فى الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مُضَر القديمة ولا بلغة أهل الجيل بل هى لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربى الذى لعهدنا وهى عن مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر […] وهى مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار فى اصطلاحاتهم فلُغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للُغة أهل المغرب وكذا أهل الأندلس معهما وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصودة والإبانة عما فى نفسه وهذا معنى اللسان واللغة، وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم كما قلنا فى لغة العرب لهذا العهد. وأما أنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة فمن خالط العجم أكثر كانت لغتُه عن ذلك اللسان الأصلى أبعد لأن الملكة إنما تحصل بالتعليم كما قلناه وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الأولى التى كانت للعرب ومن الملكة الثانية التى للعجم فعلى مقدار مايسمعونه من العجم ويَرْبَوْن عليه يَبْعُدُون عن الملكة الأولى واعتبرْ ذلك فى أمصار أفريقية والمغرب والأندلس والمشرق. أما افريقية والمغرب فخالطت ْالعربُ فيها البرابرة من العجم بوفور عمرانها بهم ولم يكد يخلو منهم مصْرٌ ولا جيل فغلبت العُجْمة فيها على اللسان العربى الذى كان لهم وصارت لغة أخرى ممتزجة والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه فهى عن اللسان الأول أبعد وكذا المشرق لما غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم وتداولت بينهم لغاتهم فى الأَكَرَة والفلاحين والسَّبْى الذين اتخذوهم خَوَلًا ودايات وأظآرًا ومراضع ففسدت لغتهم بفساد الملكة حتى انقلبت لغة أخرى وكذا أهل الأندلس مع عجم الجلالقة والإفرنجة وصار أهل الأمصار كلهم من هذه الأقاليم أهل لغة أخرى مخصوصة بهم تُخالف لغة مضر ويخالف أيضا بعضهم بعضا كما نذكره وكأنه لغة أخرى لاستحكام ملكتها فى أجيالهم" "المقدمة، صص 558-559).

على أن ما يهمنا أكثر فى سياق هذا البحث هو اللغة العربية التى أسقطت الإعراب. فما هو، فى نظر ابن خلدون، الفارق الأساسى بينها وبين اللغة العربية المضرية أو القريشية أو القُرشية؟ وما هى، فى نظر ابن خلدون، وظيفة الإعراب؟ وما هى الأداة التى حلت محل الإعراب فى القيام بهذه الوظيفة فى المرحلة النحوية الجديدة؟ وأخيرا، هل ينال إسقاط الإعراب من مكانة اللغة التى أسقطته ومن بلاغتها كلغة أدبية؟

إجابة ابن خلدون الحاسمة عن مثل هذه الأسئلة هى التالية: اللغة العربية التى أسقطت الإعراب هى نفس اللغة المضرية أو القريشية، والفارق الجوهرى (إلى جانب فوارق أخرى أقل شأنا من الناحية النحوية وإلى جوانب فوارق أخرى غيرها أيضا) هو إسقاط الإعراب، وتتمثل وظيفة الإعراب فى الدلالة على المبتدأ والخبر، والإسناد والمسند والمسند إليه، والفاعل والمفعول، وقد انتقلت هذه الوظيفة إلى أداة أخرى، وإسقاط الإعراب لا ينال من مكانة اللغة الجديدة ولا من بلاغتها كلغة شعر وأدب. ومن ناحية الشهادة التاريخية يؤكد لنا ابن خلدون أن الإعراب كان (لم يبق له أثر) فى زمنه "القرن الثامن الهجرى، الرابع عشر الميلادى".

يقول ابن خلدون عن اللغة العربية أن "أكثر الأوضاع باقية فى موضوعاتها لم تتغير بخلاف الإعراب الدال على الإسناد والمسند والمسند إليه فإنه تغير بالجملة ولم يبق له أثر" (المقدمة، ص 545). ويقول: "فسدت ملكة اللسان العربى فى الحركات المسماة عند أهل النحو بالإعرب" (المقدمة، ص 548). ونقرأ: "ولم يُفْقَد من أحوال اللسان المدوَّن إلا حركات الإعراب فى أواخر الكلم فقط الذى لزم فى لسان مُضر طريقة واحدة ومَهْيَعًا معروفا وهو الإعراب وهو بعض من أحكام اللسان" (المقدمة، ص 556). وقد سبق أن رأينا أن ابن خلدون يرى الاختلاف بين عربية عهده وعربية مُضَر "فى الإعراب جملة وفى كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات". وهكذا تدل كافة صياغاته على أنه يعطى للإعراب مكان الصدارة بل يجعل منه فى كثير من الأحيان مناط الاختلاف على وجه الحصر. ويبحث ابن خلدون الوسيلة التى حلت محل الإعراب فى أداء وظيفته. ويمكن القول إنه يُعْطى ثلاث إجابات، الإجابة الصحيحة واحدة منها وهى دقيقة الصياغة تماما وإنْ كانت موجزة، وينبغى، قبل الإلمام بها، أن نلاحظ أن إشارته إلى إجابتَيْن أُخْرَيَيْن تدل على أن الإجابة الصحيحة لم تكن مستقرة راسخة لديه، بل كانت تُراوغه فتواتيه تارة وتفلت منه طورا. وسيكون من المفيد أن نُلمّ بالإجابتَيْن الأخريَيْن. والإجابة الأولى هى أن الوسيلة التى حلت محل الإعراب هى "قرائن الكلام"، وهو يقول فى ذلك: "ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب" (المقدمة، ص 583). ومن الجلى أن هذه الإجابة خاطئة تماما فلا غنى عن قرائن الكلام مع الإعراب ومع إسقاطه دون شك للدلالة على "خصوصيات" لكن ليس للدلالة على الفاعل والمفعول وما إليهما. والإجابة الثانية نجدها فى قوله: "ولعلنا لو اعتنينا بهذا اللسان العربى لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الإعرابية فى دلالتها بأمور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها ولعلها تكون فى أواخره على غير المنهاج الأول فى لغة مُضَر فليست اللغات وملكاتها مجانا" (المقدمة، ص 557). والحقيقة أن هذه الإجابة غامضة بقدر ما إن توحى به خاطئ. فكأن ابن خلدون اعتقد أن إعرابا من نوع جديد (القوانين التى تعوض عن الحركات الإعرابية ولعلها تكون فى أواخر الكلام العربى فى عهده) هو الذى حل محل الإعراب المُضَرىّ!

والحقيقة أن ابن خلدون لم يكن بحاجة إلى إرباك نفسه بهاتين الإجابتين (اللتين تدلان من جهة أخرى على الاجتهاد والبحث الحقيقيَّيْن) هو الذى امتلك الإجابة الصحيحة عن السؤال، وقد وردت هذه الإجابة فى موضع سابق على موضع الاستشهاديْن السابقيْن.

ففى الفصل الثامن والثلاثين (وعنوانه: فى أن لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مُضَر وحمير) يقول ابن خلدون: "وذلك أننا نجدها [أىْ لغة العرب فى عهده] فى بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سَنَنِ اللسان المُضَرى ولم يُفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيُّن الفاعل من المفعول فاعتاضوا عنها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد" (المقدمة، ص 555)، وهكذا يقدِّم ابن خلدون نفس الإجابة التى توصل إليها العلم اللغوى بعده بقرون، فالوسيلة الجديدة للدلالة على "تعيُّن الفاعل من المفعول" إنما هى "التقديم والتأخير" والمقصود هو الترتيب المقيد بتقديم الفاعل وتأخير المفعول، فالفاعل والمفعول إنما يُعرفان من المكان الثابت لكل منهما فى الجملة، بدلا من الإعراب بحركاته التى تلازم الفاعل وتلك التى تلازم المفعول. وكما سبق أن رأينا فإن الإعراب (فى أىّ لغة وليس فى اللغة العربية وحدها) لا يحل محله سوى هذا التقييد لترتيب عناصر الجملة والذى يتخذ هنا شكل "تقديم" الفاعل و"تأخير" المفعول به، وهذا هو الاتجاه السائد فى لغات إسقاط الإعراب جميعا.

فهل حدث هذا الانقلاب النحوى، هذا التحول من أداة إلى أداة أخرى لمعرفة الفاعل من المفعول، كمحصلة لتأثير لغات البلدان المفتوحة على اللغة العربية، كما يزعم ابن خلدون، أم كمحصلة لتطور طبيعى (مستقل) من داخل اللغة العربية ذاتها؟

والحقيقة أن ابن خلدون يمدُّنا بعناصر نظرية من شأنها أن تدحض (تطبيقه) لها. فإذا كان فساد الإعراب يرجع إلى صراع الإعراب المُضَرى مع نظام آخر بديل لا بد من افتراض أنه نظام "التقديم والتأخير" أىْ نظام تقييد ترتيب عناصر الجملة، مادام "سبب فسادها [أىْ الملكة] أن الناشئ من الجيل صار يسمع فى العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التى كانت للعرب […] فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى وهذا معنى فساد اللسان العربى" كما سبق الاستشهاد من ابن خلدون، فقد كان من واجب ابن خلدون أن يُثْبت (أو حتى يقترح من التثبُّت من" أن لغات البلدان المجاورة أو المفتوحة "أو الغازية بين الفتح الإسلامى وعهد ابن خلدون) كانت لغات تعتمد على "التقديم والتأخير") وليس على الإعراب للدلالة على "تعيُّن الفاعل من المفعول". وهذا ما لم يثبته ابن خلدون (وما لم يطرحه أصلا)، ويبدو أنه لم يكن بوسعه إثباته، لأننا نعلم أن نظام "التقديم والتأخير" حل محل نظام الإعراب فى اللغة العربية فى كل مكان بالعالم العربى على أرض كانت تغطيها لغات كان نظامها فى أغلب (إنْ لم يكن فى كافة) الأحوال هو نظام الإعراب وليس نظام تقييد ترتيب عناصر الجملة. وإذا كنا لا نقلل من شأن "الاختلاط" الناشئ عن الصراع بين أكثر من نظام إعرابى للُغات تقوم جميعا على الإعراب، فمن الصعوبة بمكان أن نفترض أن هذا الصراع يؤدى إلى إسقاط الإعراب بالذات وبالضرورة وفى كافة الأحوال، كما حدث فى حالة اللغة العربية. وقد سبق أن رأينا عند ابن خلدون أن هناك مساريْن لتفاعل اللغة العربية مع لغات الشعوب المجاورة أو المغزوة أو الغازية. مسار تحسمه الأغلبية العربية التى تنتصر لغتها انتصارا ساحقا ليس فقط فى نظامها الخاص بتمييز الفاعل من المفعول بل كذلك فى كافة جوانبها المعجمية والدلالية والصرفية والنحوية والصوتية، ومسار تحسمه الأغلبية "الأعجمية" التى تنتصر لغتها انتصارا ساحقا فى كافة هذه الجوانب. والمسار الأول هو الذى أدى إلى انتصار اللغة العربية لتحل محل لغات مغزوة عديدة كانت تغطى أراضى العالم العربى الراهن. والمسار الثانى هو الذى أدى إلى انتصار لغات كالفارسية والتركية والإسپانية فى بلدان الفتوحات العربية الإسلامية. ومن الصعوبة بمكان أن نفترض أن اللغة العربية انتصرت انتصارا ساحقا على اللغات الأخرى (حيثما تحقق هذا الانتصار) ولحقت بها الهزيمة فى جانب واحد من جوانب نحوها من خلال إسقاط الإعراب فى سياق الصراع مع لغات تقوم على الإعراب أو تقوم على نقيضه (على المرونة أو على التقييد فى ترتيب عناصر الجملة)، ذلك أن انتصار العربية كان شاملا حيثما انتصرت مهما كان من شأن ما دخل فيها من اللغات الأخرى التى حاصرتها اللغة العربية وضيقت الخناق عليها ونجحت فى تصفيتها وحكمت عليها بالموت فى نهاية المطاف، تماما كما كان انتصار اللغات الأخرى، كالإسپانية والفارسية والتركية، شاملا مهما كان من شأن ما دخل فيها من اللغة العربية.

وبالإضافة إلى الروايات المتواترة التى تشير بقوة إلى قِدَم وعمق ظاهرة اللحن بما فى ذلك اللحن الإعرابى فى اللغة العربية، الأمر الذى يدل فى حد ذاته على أن مسار إسقاط الإعراب كان مسارا طويلا من التطور الداخلى (القديم والعميق والتراكمى) فى اللغة العربية، ينبغى أن نلاحظ أنه لا مبرر حقيقيا لافتراض أن إسقاط الإعراب لا يحدث إلا نتيجة لاختلال يصيب نظام الإعراب فى لغة نتيجة لصراعه مع نظام إعراب آخر يختلف فى خصائصه ومورفيماته، أو مع نظام تقييد الترتيب فى لغة أو لغات أخرى. والأوفق أن نفترض وجود ضرورة نحوية دائمة للدلالة على الفاعل من المفعول، أو المبتدأ من الخبر، أو الإسناد والمسند والمسند إليه، إذا استعدْنا صياغات ابن خلدون. وهذه الضرورة النحوية الدائمة تتحقق بوسيلة تلائمها، والوسيلة التى نلاحظها فى مختلف اللغات، خلال الآلاف الأخيرة من السنين، وفى مختلف أنحاء العالم، تقوم على تقييد العنصر الواحد من عناصر الجملة بعلامة ثابتة تدلّ عليه، حيث يمكن استخدام آلاف وآلاف الأسماء كفاعل فنعرف أن هذا الاسم أو ذاك فاعل بعلامة تخص الفاعل، وهذه العلامة عبارة عن حركة كما هو الحال فى الإعراب (أو تنويعات إعرابية كاستخدام ضمائر للفاعل والمفعول فى بعض اللغات) أو مكان محدَّد فى ترتيب كلمات الجملة (فإذا كان هناك اسمان أحدهما فاعل والآخر مفعول به فالسابق هو الفاعل واللاحق هو المفعول به" كما فى نظام تقييد ترتيب عناصر الجملة. ولا غنًى عن تقييد الفاعل بهذه الطريقة أو تلك وكذلك المفعول.

والحقيقة أن نظام تقييد ترتيب عناصر الجملة أبسط بما لا يقاس من نظام الإعراب، وبالتالى فإن الاقتصاد اللغوى لابد أن يخلق الميل إلى الانتقال من نظام الإعراب إلى النظام الآخر فى كل لغة، كما تشهد شواهد لا حصر لها، وليس هناك ما يمنع عمل هذا الاقتصاد اللغوى أو يشترط لعمله صراعا مع لغات أخرى. على أننا ينبغى أن نعترف بأننا لا نزال بعيدين جدا عن اكتشاف شامل لا يعانى من الثغرات والفجوات والألغاز للمسار التاريخى الفعلى المحدَّد لانتقال اللغة العربية من الإعراب إلى إسقاطه.

وقبل أن ننتهى من هذه الحلقة من حلقات مقالنا عن الازدواج اللغوى، لعل من الطبيعى (فيما يتعلق بالشعر المكتوب باللغة العربية "لهذا العهد")، أن نستدعى ابن خلدون ليؤيدنا برده البالغ القسوة على النحاة الذين حملوا نفس الحملة على شعر عهده وطعنوا فى بلاغته بسبب إسقاط الإعراب، حيث يعلن ابن خلدون أن "الإعراب لا مدخل له فى البلاغة"، ولنقرأْ معا هذين الاستشهاديْن باعتبارهما شهادة ابن خلدون لشعر وأدب وبلاغة لغة عهده وعهدنا:

"ومازالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد ولا تلتفتنَّ فى ذلك إلى خرفشة النحاة أهل صناعة الإعراب القاصرة مداركهم عن التحقيق حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن اللسان العربى فسد اعتبارا بما وقع فى أواخر الكلم من فساد الإعراب الذى يتدارسون قوانينه، وهى مقالة دسَّها التشيُّع فى طباعهم وألقاها القصور فى أفئدتهم وإلَّا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل فى موضوعاتها الأولى والتعبير عن المقاصد والتعاون فيه بتفاوت الإبانة موجودة فى كلامهم لهذا العهد وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة فى مخاطباتهم وفهمُ الخطيب المصقع فى محافلهم ومجامعهم والشاعر المفلق على أساليب لغتهم والذوقُ الصحيحُ والطبعُ السليمُ شاهدان بذلك، ولم يُفْقَد من أحوال اللسان المدوَّن إلا حركات الإعراب فى أواخر الكلم" (المقدمة، ص 556).

"ولهؤلاء العرب فى هذا الشعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخرون والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد وخصوصا علم اللسان يستنكر صاحبها هذه الفنون التى لهم إذا سمعها ويَمُجُّ نظمهم إذا أنشدوا ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها، وهذا إنما أتى من فقدان الملكة فى لغتهم فلو حصلت لهم ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إنْ كان سليما من الآفات فى فطرته ونظره، وإلا فالإعراب لا مدخل له فى البلاغة إنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه سواء كان الرفع دالا على الفاعل والنصب دالا على المفعول أو بالعكس، وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام كما هو فى لغتهم هذه، فالدلالة بحسب ما يصطلح عليه أهل الملكة فإذا عرف اصطلاح فى ملكة واشتهر صَحَّتْ [صِحَّة فى الأصل] الدلالة، وإذا طابقت تلك الدلالة المقصود ومقتضى الحال صحتْ البلاغة ولا عبرة بقوانين النحاة فى ذلك وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر" (المقدمة، ص 583).

وهكذا ينقلنا ابن خلدون نقلًا طبيعيًّا سلسًا إلى مناقشة مكثفة للُّغة المسماة بالعامية المصرية.