Files
memex/inbox/notes/دولة-برلمانية.org

6.4 KiB

دولة برلمانية

مرة بعد مرة و بعد كل أزمة أو كارثة أو مشكلة يرجع الناس يحطوا المسؤولية على رئيس الجمهورية، أو يبعدوا المسؤولية عن رئيس الجمهورية، من أول الفساد ال عايشينه طول حياتنا لغاية موضوع صنافير و تيران. الرئيس دايما هو المسؤول.

و بما أن الرئيس هو دايما المسؤول، فالحل بيبدأ دايما من إزاحة الرئيس، سواء كان مبارك أو المجلس العسكري أو مرسي أو السيسي، و تفضل الخناقة بين الفصائل المختلفة في مصر–و هم أساسا ثلاثة، تعال نسميهم السلطة القديمة و الإسلاميين و الديمقراطيين

المجتمع لا يزال منقسما بالرغم من المشهد الحالي من تخوين الثوار، و إقصاء الإسلاميين، و اعتداءات واسعة من الإسلاميين لا تستهدف فقط عاملين في الدولة كأفراد الجيش و الشرطة، و إنما تستهدف أيضا أحياء سكنية و طوائف بأكملها كالمسيحيين و المسلمين الشيعة. و قوى الثورة المضادة لا تزال هي الأقوى في الجيش و القضاء و المخابرات و الشرطة و الجهاز الإداري للدولة و الإعلام الكبير بالرغم من كل ما يقال عن حياد الدولة و استقلال الإعلام. و في أثناء هذا، فإن مشاكل مصر العاجلة مثل أمن الناس و مالية الدولة، و مشاكل أكثر أهمية تتعلق بالمياه و الغذاء و سبل العيش للمصريين تناولها مؤجل دائما في انتظار استقرار الترتيب السياسي، و الذي يتلخص دوما–بترتيب الأهمية–في رئيس ثم برلمان، باعتبار أن الحكومة، كما تعودنا منذ أيام مبارك و إلى الآن، تعالج المشاكل اليومية و تنفذ برنامج رئيس الجمهورية. و في ترتيب و بينما يحدث كل هذا،

الدرس المستفاد من مبارك بالأساس هو أنه لا يمكن حكم مصر في ظل دولة تتركز أغلب السلطات فيها في يد رئيس الدولة، إلا باللجوء للقمع و الإفقار و التعذيب. السلطة مفسدة، و السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، و الحل إنهاء تركيز السلطة قدر الإمكان.

الدرس المستفاد من مرسي و الانتخابات بينه و بين شفيق هو أن أي اختيار ينتهي باستبعاد ما يقل عن نصف الأصوات بقليل (و مرسي انتهى باستبعاد من انتخبوه من عاصري الليمون بالإضافة) هو دعوة لعدم الاستقرار. الثورة في الشارع، أو في السجون، إلى أن تحقق صيغة لتمثيل مصالح الأغلبية العظمى من الناس، أو تهلك دون ذلك.

المشكلة الأكبر أيضا، و التي تتجاهلها القوى السياسية على اختلافها هي أن منصب الرئيس في منطقتنا العربية مرتبط فعليا بتراث من تركيز السلطة و الفساد و القمع بما يجاوز صياغة أي دستور. و إن كانت هناك أية سلطة ينبغي أن تكسرها الثورة بداية، فهي عين سلطة استبداد الرئيس و بطانته.

حل مشكلة الرئيس يكمن في نظام برلماني، لا تكون فيه لرأس الدولة فيه أي سلطة بخلاف اعتماد السفراء و تلقي القسم من الحكومة و القضاة، و توقيع القوانين و افتتاح الحدائق العامة. ينبغي مفارقة الوضع القائم بحيث يترسخ في وعي أغلب المصريين أن أعلى سلطة في هذا البلد هي للمواطنين الأفراد و لجماعاتهم الحرة، و أن رأس الدولة المصرية أيا كان هو ليس رئيسا للمصريين، بل هو رئيس للجهاز الذي يعمل في خدمة المصريين و الذي اسمه "الدولة". الدولة ليست هي الوطن. الدولة يزعمون أنها تخدم الوطن، و الوطن ليس هو ذلك المربع على الخريطة. الوطن هو الناس. إحنا.

سمعنا كثيرا من طبقة السياسيين أن مصر غير جاهزة للنظام البرلماني، و أنه من الأنسب لمصر وجود رئيس قوي، و هو عين الخطأ. فالدولة البرلمانية التي يشكل فيها الأغلبية الرابحة في الانتخابات أو الائتلاف الرابح في الانتخابات الحكومة هي التي ستساعد القوى السياسية المختلفة على التفاهم للوصول لائتلاف حاكم، و طبقة السياسيين الفاسدة هذه لن تتفاهم إلا عندما تضطر إلى ذلك، خصوصا أنه من المستبعد أن يحوز تيار بعينه على أغلبية مطلقة قريبا. بالإضافة إلى أن النظام البرلماني يعطي الأحزاب الأصغر قوة تفاوضية أكبر في تشكيل الائتلافات، و هو ما تحتاجه أحزاب الثورة الأصغر من أجل أهداف أكل "العيش" و العدالة الاجتماعية التي لم نبدأ في تناولها بعد. المستفيد من عدم وجود دولة برلمانية هم الأقوى الآن: الجيش و نظامه القديم/الجديد من هنا، و الإسلاميين من هناك.

إذا استقر الدستور على دولة برلمانية، فلن يصير من الضروري الإجابة على سؤال "الرئيس أولا أم البرلمان؟"، فرأس الدولة منصب مظهري تماما كما هو عدلي منصور الآن.