5.3 KiB
ما العمل؟
أود أن اختار لبداية النقاش و اليوم تمر 100 سنة على ثورة عالمية حاولت أن تطرح بديلا لأزمة رأسمالية لم تكن احتدمت وقتها أن أحاول قراءة إن كان الوضع قد اختلف. و لهذا الغرض أفترض الافتراضات التالية و أعرض لبعض ما أراه نتائج مباشرة لها.
الاجتماع الإنساني مكلف و غير كفء كوسيلة لتنسيق الإنتاج. نتيجة ذلك هو أن الإنتاج المنظم بمستويات عالية من التنسيق المركزي ينحو نحو انخفاض الكفاءة و الفعالية و الإبداع. يبدو لي أن هذا سبب رئيسي من أسباب فشل تجارب الاشتراكية في القرن العشرين، كما يبدو لي عائقا ضخما أمام صعود الباريكون و المجالسية و غيرها. كقاعدة عامة، ما يمكن تنسيقه على مستوى الأعداد القليلة من الناس لا ينبغي تنسيقه على مستوى الأعداد الأكبر.
تقنية الإنتاج تتطور و تسمح بإنتاج أكثر لامركزية. لم يكن أمام الثورة الاجتماعية من قرن مضى أو يزيد أمام تعاونيات نشأت في عصر تقنيات الإنتاج المركزية و وفورات الحجم الكبير إلا أن تحاول تكرار نمط الإنتاج السائد و تأمل أن تنجح في ذلك بما تتطلبه من مستويات تنسيق إنساني أعلي. اليوم يبدو أن العكس هو الصحيح، و أن الكفاءة و الفعالية و الإبداع و الاستدامة تنحو لأن تظهر مع تقنيات الإنتاج الأكثر لامركزية. قارن مثلا إنتاج الغذاء بين الشركات العملاقة و بين الزراعة الإحيائية regenreative agriculture بمختلف تنوعاتها.
الاستدامة هي أن ينتج النظام على مدار حياته طاقة أكثر من التي استهلكها إنشاء و تشغيل ذلك النظام، و هي بذلك أكثر كثير من ما يسمى الاستدامة الضعيفة، بل و أكثر مما يسمى الاستدامة القوية. فالاثنان باعتبارهما من أساليب المحافظة على البيئة conservation تفترضان أن ما وقع من تغير في البيئة بسبب العوامل البشرية على مدى ألوف السنين السابقية ليس إلا قدرا محدودا تستطيع الطبيعة إصلاحه في مدى زمني منظور، في حين أن المطلوب ليس أقل من نموذج اقتصادي يقوم على إحياء الطبيعة regeneration.
نحن على مسار ينخفض فيه نصيب الفرد من الطاقة (و موارد أخرى) بمرور الزمن، و بالتالي فموضوعات الاستدامة (و الاقتصاد كله) لا ينبغي أن تأخذ في الاعتبار تغير المناخ دون انخفاض الطاقة، فهذان هما العاملان الحاكمان لمستقبل البشرية المنظور (على كوكب الأرض).
نتيجة هذه العوامل مجتمعة، يبدو لي أن المناعة resilience، و هي استقلال الأفراد و المجموعات بالموارد و تقنيات الإنتاج قدر الإمكان نتيجة إعادة تنظيم الاقتصاد على أوسع مستويات اللامركزية التي تسمح بها التقنية حاليا هو مدخل التحول، و أنه من مضيعة الوقت و المجهود محاولة بناء هياكل اقتصادية و اجتماعية متخيلة كما في محاولات الباريكون. الأفيد أن يوجه المجهود نحو تصميم ديناميكية تحول اجتماعي تتوفر فيها الشروط التالية:
- مستوى منخفض من المخاطرة، يشجع الناس على الانضمام
- دفع ذاتي و قدرة على البقاء و النجاح و التوسع الأسي خلال عقود قليلة على الأكثر، و ذلك كله في أثناء هذه الأزمة العالمية و في داخل هذه المستويات العالية من الصراع.
- تقدم حياة أفضل للناس بعيدا عن السوق و عن الدولة
- تقدم هذه الحياة الأفضل الآن، و ليس بعد نصر مأمول لنضال اجتماعي واسع يعتمد على لحظة تحول "ثورية"، حتى لو كانت هذه الحياة الأفضل قاصرة على أساسيات قليلة في البداية.
- تقدم حلولا للمشكلات على أقل مستويات التنسيق الإنساني الممكنة
- تزيد جاذبيتها باشتداد الأزمة، و ذلك خصوصا لأنها تستطيع تقديم حياة اليوم و ليس غدا.
- تسمح لمن انضم من الناس أن يجذب آخرين بتقديم تضامن مادي ذا فائدة حقيقية و ليس معنويا.