3.4 KiB
— title: "'فك عن نفسك يا بني'" date: 2004-08-29T06:39:00+02:00 tags: ["تداعيات", "مصر"] draft: true —
قالت لي السيدة العجوز التي تطوف بجانبي ضريح الرفاعي، فأنا الوحيد في الغرفة الذي لا يتمتم بسره إلى الولي. أضاءت الفكرة في ذهني. هذا هو دين الناس: الراحة. لم أزر أحد الأولياء منذ اليوم الذي أخذتني فيه أمي وأنا في السادسة إلى سيدنا الحسين الشهيد أثناء زيارتنا للقاهرة، ولا أزال أتذكر كيف نظرت إليها غير مصدق تضرعها، ولا أزال حتى اليوم غير مصدق غربتي وتضرعي في آن. أما زيارتي لمولد الرفاعي فقد مر عليها ما يقرب من العام. كنت بصحبة جيني وأيمن. تتحدث جيني العربية بطلاقة تقارب طلاقة صديقتها التي تعمل في حلقة السمك. حاذر من انتقاد عربية جيني، فهذا يشعرها بالإهانة التي تصبيك عندما ينتقد أحدهم وطنيتك أو إيمانك. وقد يرجع السبب في ذلك إلى أنها، وعلى الرغم من أصولها الأنجلوساكسونية، تشعر بأنها من الجيل الثاني من العرب الأمريكيين الذين يحاولون إعادة استكشاف جذورهم العربية. وهي في ذلك تذكرني باليهود الأمريكيين الذين يضمون أنفسهم مع الصهاينة (التوطينيين بدقة الأستاذ المسيري) ولكنهم لا يهاجرون، فيصبح المستوطن الصهيوني في فلسطين مسقطا لرأسهم ومكانا قد هاجروا منه وليس إليه، تماما كالوطن العربي للأمريكيين-العرب، أو اليونان للأمريكيين-اليونانيين، أو أي بلد أصلي لكل أمريكي بشرطة. قابلت أيمن أول مرة في البيت العائم الذي تعيش فيه جيني منذ أن رفض الإسرائيليون عودتها إلى بيتها في القدس القديمة. يطل عليك أيمن بعينيه السوداتين الضيقتين ووجهه النحيف المريح، وبمجرد أن ناولني عشاء اليوم من الملوخية الساخنة المعبأة في قنينة بلاستيكية، والتي ألهبت يده في الميكروباص من بيت عمه في إمبابة وحتى العوامة، حتى أدركت الخطأ في الصورة. يحكي لك أيمن عن بلدته، تلك العزبة في الشرقية، وعن صعوبة المعيشة والفقر هناك. ويظل يحكي حتى تشعر بالخجل من نفسك، ثم بالحيرة عندما يصل بتاريخه إلى الفقر الأسطوري الذي عاشه جده الأكبر صاحب الحزام الذي يضيق على الوسط، فقد كان جده يعمل طوال اليوم دون أي طعام سوي لحسة من قالب ملح عند الفجر: كل يوم وطول اليوم. يكره أيمن، مثله مثل باقي مدرسي اللغة العربية الذين عرفتهم، وظيفته، مع أنه من المرشحين لعضوية صندوق المعلمين.