Files
memex/inbox/notes/آخر أيام أحمد باشا الجزار.org

7.2 KiB

— title: آخر أيام أحمد باشا الجزار date: 2005-05-16T07:30:00+02:00 tags: ["استقلال القضاء", "تاريخ", "سياسة", "مصر"] draft: true —

منذ مائتي سنة ميلادية هذا الأسبوع، دون الفقير عبد الرحمن الجبرتي بن حسن الجبرتي الحنفي غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه من أحداث شهر صفر الخير سنة 1220:

<blockquote> فلما أصبح يوم الأحد ثاني عشره، ركب المشايخ إلى بيت القاضي واجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والأطفال، حتى امتلأ الحوش والمقعد بالناس، وصرخوا بقولهم "شرع الله بيننا وبين هذا الباشا الظالم"، ومن الأولاد من يقول "يا لطيف"، ومنهم من يقول "يا رب يا مجتلي أهلك العثملي"، ومنهم من يقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وغير ذلك. وطلبوا من القاضي أن يرسل بإحضار المتكلمين في الدولة لمجلس الشرع، فأرسل إلى سعيد أغا الوكيل، وبشير أغا الذي حضر قبل تاريخه، وعثمان أغا قبي كتخدا، والدفتردار، والشمعدانجي. فحضر الجميع، واتفقوا على كتابة عرضحال بالمطلوبات، ففعلوا ذلك، وذكروا فيه تعدي طوائف العسكر والإيذاء منهم للناس، وإخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد، وقيض مال الميري المعجل، وحق طرق المباشرين، ومصادرة الناس بالدعاوى الكاذبة، وغير ذلك. وأخدوه معهم ووعدوه برد جواب في ثاني يوم. وفي تلك الليلة، أرسل الباشا مراسلة إلى القاضي يرقق فيها الجواب، ويظهر الامتثال، ويطلب حضوره إليه من الغد مع العلماء ليعمل معهم مشورة. فلما وصلته التذكرة حضر بها إلى السيد عمر أفندي، واستشاروا في الذهاب، ثم اتفقوا على عدم التوجه إليه، وغلب ظنهم أنها منه خديعة، وفي عزمه شيء آخر، لأنه حضر بعد ذلك من أخبرهم أنه كان أعد أشخاصا لاغتيالهم في الطريق، وينسب ذلك الفعل لأوباش العسكر أن لو عوتب بعد ذلك.

فلما أصبحوا يوم الإثنين، اجتمعوا ببيت القاضي، وكذلك اجتمع الكثير من العامة، فمنعوهم من الدخول إلى بيت القاضي، وقفلوا بابيه، وحضر إليهم أيضا سعيد أغا والجماعة، وركب الجميع، وذهبوا إلى محمد علي، وقالوا له، "إنا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا، ولا بد من عزله من الولاية". فقال، "ومن تريدونه واليا". قالوا له، "لا نرضى إلا بك، وتكون واليا علينا بشروطنا، لما نتوسمه فيك من العدالة والخير". فامتنع أولا، ثم رضى. وأحضروا له كركا وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له، وذلك وقت العصر، ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة، وأرسلوا إلى أحمد باشا الجزار الخبر بذلك، فقال: "إني مولى من طرف السلطان، فلا أعزل بأمر الفلاحين، ولا أنزل من القلعة إلا بأمر من السلطنة". وأصبح الناس وتجمعوا أيضا، فركب المشايخ ومعهم الجم الغفير من العامة، وبأيديهم الأسلحة والعصي، وذهبوا إلى بركة الأزبكية حتى ملئوها. وأرسل الباشا إلى مصر العتيقة، فحمل جمالا من البقسماط والذخيرة والجبخانة، وأخذ غلالا من عرصة الرميلة، وطلع عمر بك الأرنئودي الساكن ببولاق عند الباشا بالقلعة. ثم إن محمد علي باشا والمشايخ كتبوا مراسلة إلى عمر بيك وصالح أغا قوش المعضدين لأحمد باشا المخلوع يذكرون لهما ما اجتمع عليه رأي الجمهور من عزل الباشا، ولا ينبغي مخالفتهم وعنادهم، لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم وخراب الإقليم. فأرسلا يقولان في الجواب "أرونا سندا شرعيا في ذلك". فاجتمع في يوم الخميس سادس عشره ببيت القاضي، ونظموا سؤالا، وكتب عليه المفتون، وأرسلوه إليهم، فلم يتعقلوا ذلك، واستمروا على خلافهم وعنادهم، ونزل كثير من أتباع الباشا بثيابهم إلى المدينة، وانحل عنه طائفة الينكرجية، ولم يبق معه إلا طوائف الأرنئود المغرضون لصالح آغا قوش وعمر أغا.

وفي هذه الأيام، حضر محمد بك الألفي ومن معه من أمرائه وعربانه، وانتشروا جهة الجيزة. واستقر الألفي بالمنصورية قرب الأهرام، وانتشرت أتباعه إلى الجسر الأسود، وأرسل مكاتبة إلى السيد عمر أفندي، والشيخ الشرقاوي، ومحمد علي باشا، يطلب له جهة يستقر فيها هو وأتباعه، فكتبوا له بأن يختار له جهة يرتاح فيها، ويتأنى حتى تسكن الفتنة القائمة بمصر. واستمر أحمد باشا المخلوع ومن معه على الخلاف والعناد وعدم النزول من القلعة، ويقول "لا أنزل حتى يأتيني أمر من السلطان الذي ولاني". وأرسل تذكرة إلى القاضي يذكر فيها أن العسكر الذين عنده بالقلعة لهم جاميكة منكسرة في المدة الماضية، وأنهم كانوا محولين على مال الجهات، ورفع المظالم سنة تاريخه معجلا، فتقبضونها وترسلونها وتعينوا لنا ولهم خرجا ومصاريف إلى حين حضور جواب من الدولة، وليس في إقامتنا بالقلعة ضرر أو خراب على الرعية، فإننا لا نريد إضرارهم. فأجابه القاضي بقوله، "أما كان من الجامكية المحولة فإنها لازمة عليكم من إيراد المدة التي قبضتموها في المدة السابقة، ومن قبيل ما ذكرتموه من عدم ضرر الرعية، فإن إقامتكم بالقلعة هو عين الضرر، فإنه حضر يوم تاريخه نحو الأربعين ألف نفس بالمحكمة وطالبون نزولكم أو محاربتكم، فلا يمكن دفع قيام هذا الجمهور، وهذا آخر المراسلات بيننا وبينكم. والسلام." </blockquote>