Files
memex/inbox/notes/2016-04-10-عن-السيادة-و-الحدود-و-القانون-و-الناس.org

9.8 KiB

عن السيادة و الحدود و القانون و الناس

نتيجة أوراق بنما بقى لي كم يوم بافكر، مرة كمان، في معاني السيادة و الحدود و القانون و علاقة المفاهيم المجردة دي بحياة الناس و حريتهم و رفاههم، و لقيت نفسي سرحت في بحث عن الجزر الصغيرة ال في أطراف الدنيا لكنها تحت سيادة دول بعيدة عنها، و علاقة دا بقوة الدولة.

كثير من الملاذات الضريبية في الدنيا هي جزر تابعة للتاج البريطاني (و مش بالضرورة للمملكة المتحدة. فيه فرق) زي جزر العذراء البريطانية و بنما و جيرسي، و من خلال النطاقات القانونية المستقلة دي، كثير من تجارة و فلوس العالم بتمر بعيد عن رقابة الناس و قدرة الدول على تحصيل الضرائب.

بريطانيا برضه، تبسط سيادتها على جزر فوكلاند في الأطلنطي الجنوبي، و نتيجة دا أن لها حجة في موارد جنوب الأطلنطي غير المستغلة زي الوقود الأحفوري. بريطانيا برضه تبسط سيادتها على أرخبيل تشيجوس وسط المحيط الهندي، و طردت كل السكان من الجزيرة و نقلتهم يا إما لبريطانيا يا إما لموريشوس (الأرخبيل متنازع عليه بين بريطانيا و موريشوس) بأمر ملكي يجاوز كل السلطة الديمقراطية في المملكة المتحدة. أكبر جزر الأرخبيل دييجو جارسيا هي حاليا قاعدة عسكرية بريطانيا مأجراها لأمريكا و فيها ممر إقلاع و هبوط مكوك الفضاء و واحدة من محطات التحكم في نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS، و كانت القاعدة الرئيسية للضربات الجوية على أفغانستان و جزء مهم من استراتيجية تضييق الناتو على روسيا و قوى آسيوية متعددة.

بريطانيا (برضه لأنها أكبر بلد استعماري في التاريخ) لا زالت تفرض سيادتها على جبل طارق أقصى جنوب شبه جزيرة أيبيريا، و لا زالت لها قواعد بحرية في قبرص، و المواقع الاستراتيجية للنقط دي نتيجة مرور خطوط النقل و المواصلات بها و منها كابلات الاتصالات البحرية، خلت بريطانيا أقدر دولة على مراقبة الاتصالات العالمية، و دا ال اسمه برنامج تمبورا Tempura ال كشفه إدوارد سنودن من ثلاث سنوات.

أسبانيا، ال المفروض أنها تحب تفرض سيطرتها على بقية شبه الجزيرة بما فيها جبل طارق، هي كمان عندها أراضي و جزر على الساحل الجنوبي للمتوسط زي سبتة و مليلية و بقية الجزر و القواعد العسكرية ال أسبانيا حافظت على سيادتها عليها من ساعة ما كانت في صراع مع دول القراصنة (دا وصف مش نقد) جنوب المتوسط زي جزيرة البران و صخرة الحسيمة و جزر إشفارون و جزيرة قميرة، دا غير جزر الكناري و أملاك ثانية وراء البحار. الجزر دي كلها أقرب للمغرب و المغرب تدعي أحقيتها فيها. المغرب، ال نفسها كانت مستعمرة أسبانية، لا زالت تدعي أحقيتها في الصحراء الغربية (ال على الأطلنطي، مش ال غرب النيل) و تنكر حق الصحراويين في الاستقلال و تقرير المصير.

التحكم في الأرض مفيد، لكن هل أي حاجة من دول ثابتة؟ لأ طبعا. السيادة، و وراها القانون و الحدود، انعكاس لقوة المجتمع و الدولة ال المجتمع بانيها. الدولة كيان بيعبر عن قوى و مصالح قدام قوى و مصالح ثانية. مثلا، إحنا مستقر في وعينا أن مصر هي المربع ال على الخريطة، و أنها باعتبارها أقدم دولة موحدة في العالم كانت طول الوقت المربع دا و هتفضل طول الوقت المربع دا. مش حقيقي. سيادة مصر على الأراضي ال خارج الدلتا و وادي النيل كانت دايما انعكاس لقوة الدولة. محمد علي "فتح" سيوة سنة 1805 و ضمها للأراضي المصرية، و دا كان بداية توسع الأراضي ال تحت سيطرة الدولة المصرية، و ال امتد في الثمانين سنة ال بعدها و غطى أراضي بعيدة في الحجاز و الشام و عبر المتوسط في أوروبا و جنوب خط الاستواء.

طبعا الأراضي دي مش جزء من الدولة المصرية دا الوقت، و دا سببه الوحيد أن ميزان القوى مال لصالح مجتمعات و دول ثانية. و لو كانت مصر فضلت محتفظة بقوتها و بنتها على أساس حقيقي ينفع المجتمع مش بس ينفع محمد علي و أولاده، كان ممكن جدا تفضل البلاد دي و أهلها، في صيدا أو الطائف أو سواكن أو كريت، جزء من الدولة و المجتمع المصري بعد وقت، و لو الأهالي مستفيدين من وجود بلادهم في الدولة. الدولة تفرق كثير عن "البلد"، ال هي أكثر ارتباطا بثقافة و تراث الناس ال عايشين على الأرض، و إن كانت الدولة بسلطتها القمعية (دا كمان وصف لدورها مش نقد له) بتشكل البلد و تغيرها بمرور الزمن. فرنسا اختراع اتعمل من مئات السنين بالحديد و الدم و دا الوقت سكان فرنسا أغلبهم شايفين نفسهم فرنساويين و عاوزين يبقوا فرنساويين. مصر كمان اختراع اتعمل بالبرونز (قبل عصر الحديد) و الدم، و بقينا مصريين و عاوزين نفضل مصريين.

حتى جوا الوادي و الدلتا كانت أوقات كثير الحاكم المصري ما بتبقاش عنده سيطرة على الصعيد ال كثير ما كان فيه عصابات (و مجتمعات) بتحاول تحرز لنفسها استقلال أكثر و تحكم أكبر في حياتها. دا فضل لغاية محمد علي (أو لغاية مبارك و الجماعة الإسلامية في الثمانينيات و التسعينيات).

أنا سافرت كثير للمناطق الحدودية في مصر. وصلت لقسطل و أدندان، آخر قريتين على شرق بحيرة السد و بينهم و بين الحدود المصرية-السودانية 30 كيلومتر، و شفت أهلنا النوبيين هناك و ما أقدرش أقول أنهم مصريين أو سودانيين. أقدر أقول أنهم أهلنا، و أنهم نوبيين و أن البلد ال باسطة سلطتها على أرضهم مش بتعاملهم كمواطنين كاملين و بتديهم سبب يحسوا بالانتماء. شفت أهلنا العبابدة و البشارية على ساحل البحر الأحمر، و ما عنديش أي فكرة ليه من مصلحتهم أن الحدود تمنع عنهم التجارة و التعايش مع أهلنا برضه البشارية و الرشايدة جنوب الحدود. رحت لغاية معبر رفح و ما أقدرش أقول إمتى مصر بتخلص و إمتى فلسطين بتبدأ. مشيت كثير في وديان و جبال جنوب سينا و شفت بعيني الحرمان ال أهلنا الطوارة عايشينه هناك، و الأهم أني بعد ما عرفتهم و عرفوني و وثقوا في سمعت منهم عن التمييز و الاستغلال و عن تمسكهم أنهم يبقوا مصريين زي بقية المصريين. سمعت برضه من شبابهم أنهم عايزين يعيشوا و أنهم بيحبوا سينا و نفسهم يشوفوها عمرانة و في أمان بأي طريقة و تحت أي إدارة، حتى لو كانت إدارتهم هم بنفسهم.

أنا تعلمت من كل الناس دول و من الفرجة على الجغرافيا و قراية التاريخ أن دي كلها بلاد، لها أهل و ثقافة و جغرافيا و اقتصاد، و أن الحدود هتكبر و تصغر بقوة الدولة، و أن الدولة في أيامنا دي ما ينفعش تبقى دولة محمد علي ال راح يفتح سيوة و يأدب أهل الصعيد و العربان في الصحاري. الدولة و حدودها في أيامنا دي انعكاس للمجتمع و قوته، و القانون و العلاقات الدولية و المعاهدات نتيجة لقوة المجتمع أو ضعفه، مش العكس.

بمنطق الدولة، أي أرض بتروح منها هي خسارة، و صنافير و تيران خسارة للدولة المصرية و مكسب للدولة السعودية. بمنطقي أنا، الأرض هي أول شروط الحياة و الحرية و الرخاء للناس، لكن الوطن هو الناس مش التراب.