9.2 KiB
ÍßÇíÉ Çáãáß ÂÑËÑ æÝÑÓÇä ÇáØÈáíÉ ÇáãÓÊÏíÑÉ *
أسعد لحظات اليوم لحظة أن تتقدمني جدتي حاملةً لمبة الجاز وتدخلني الناموسية. تحضنني وأشم عطرها. يتسلل الدفء إلى جسدي فيتخدّر لكن عقلي يشتعل بكلماتها. في البدء دوماً كانت الكلمة. تحكي فتطير كلماتها في سقف الغرفة وتتجسد عوالم وأكوان لا حدود لسحرها. أراها بعيني وأطوف فيها وامتلكها. أركب الرُخ وأغوص ثمانين ألف فرسخاّ تحت الماء. أصبح روبن هود أو الشاطر حسن. آتي لحبيبتي بماء المحاياة مهرا ويبتلعني الحوت ثم يلفظني بعد أن أقضي ليالٍ ثلاث في ظلمات ثلاث أستغفر الله ربي من ظلمي لنفسي. لكن الحكاية المفضلة التي لا أمل سماعها – ولا تمل هي تكرارها ولا تحكيها مرتين بنفس الطريقة – هي حكاية الملك آرثر. السيف المغروس في الحجر بتعزيمة سحرية ولا يملك إخراجه إلا الفتى الذي سيصبح ملكاّ لإنجلترا. أراه في ضوء لمبة الجاز الجالسة على حرف الشباك واقفاّ في الصف الطويل. كل من أمامه يفشل. يحاول بكل قواه أن يستلّ السيف من غمده الحجري. يجري عرقه أنهاراّ رغم برودة الجو ويلهث لكنه يفشل. حتى يأتي دوري فأسير ببطء وثقة متذكراّ ما قاله لي الساحر "ميرلين". أمد يدي بهدوء لا حد له وبكل سهولة أخرج السيف من مكانه أرفعه بيميني إلى أعلى وأقول أنا آرثر ملك إنجلترا. ينظر الناس جميعاّ إلي بدهشة ثم يركعون هاتفين عاش الملك. أحني رأسي لهم بوقار متقبلاً تهانيهم وأتذكر كلمات الساحر: "إن الذي اختارك للعرش لم يخترك عبثاً. أمامك مهمة مقدسة فلا تتوان". أعتلي حصاني وسيفي "إكسكاليبر" في يدي وأنطلق إلى حصن كاميلوت لأتولى مهامي الجسيمة المقدسة. وأبدأ باختيار فرساني ونجلس حول المائدة المستديرة. وتسألني جدتي أتذكر لماذا قرّر الملك آرثر أن تكون المائدة مستديرة؟ حتى لا يجلس أحد على رأسها، حتى يكون الجميع متساوين. وأقول مستنكرا: لكنه الملك، وهو الوحيد المختار. فتقول عاتبةً هل نسيت ما قلته لك؟ الملك الذي يعرف كيف يسوّي بين نفسه وفرسانه ورعيته هو وحده الملك العظيم الجدير بعرشه. أما الذي يتعالى ويستكبر فلا يستحق التاج وحسابه عند مالك المُلك رب العالمين. * ÃÊÊäí Ããí ÈÓíÝ áÚÈÉ ÝØÑÊ ãä ÇáÝÑÍ. ÐåÈÊ Ýí ÇáÕíÝ Åáì ÈíÊ ÌÏÊí æÞáÊ áåÇ áÇåËÇð ãä ÇáÝÑÍÉ Ããí ÇÔÊÑÊ áí "ÅßÓßÇáíÈÑ". ßá íæã ÃäÒá Åáì ÇáÍÏíÞÉ æÍÏí æÓíÝí Ýí íÏí. ÃÓíÑ ÍÊì ÂÎÑ Çá ÇáØíäí ÇáãÊÔÞÞ. ÃÏÓø ÇáÓíÝ Ýí ÃÍÏ ÔÞæÞå æÃÍæøá äÝÓí Åáì ÕÝ Øæíá ãä ÇáÈÔÑ. ßá ãä ÃãÇãí íÝÔá Ýí ÇÓÊáÇá ÇáÓíÝ ãä ÛãÏå ÇáÍÌÑí. ãåãÇ ÍÇæá æáåË æäÒø ÚÑÞÇð íÝÔá. ÍÊì íÃÊí ÏæÑí ÃäÇ ÂÑËÑ ãáß ÅäÌáÊÑÇ ÝÃÎÑÌå Èßá ÓåæáÉ ãä ãßÇäå ÝíÑßÚ ÇáäÇÓ ÃãÇãí æíåÊÝæä ÚÇÔ Çáãáß. ÃÚæÏ Åáì ÇáÈíÊ ÑÇßÈÇð ÍÕÇäí ÇáÎíÇáí. ÃÏÎá ÇáãØÈÎ ÝÃÌÏ ÇáØÈáíÉ ÇáÕÛíÑÉ ÇáÊí ÊÃßá ÚáÈåÇ ÇáÎÇÏãÉ æÊÎÑøØ ÚáíåÇ ÌÏÊí ÇáãáæÎíÉ. ÊÏÇÎáÊ ÎÖÑÉ ÃæÑÇÞ ÇáãáæÎíÉ ãÚ áæä ÎÔÈåÇ ÇáÑÎíÕ æÔÞæÞå ÇáÊí ÃÍÏËåÇ Óä ÇáãÎÑØÉ. ÃÌáÓ æÍæáí ÝÑÓÇäí æÚä íãíäí ÕÏíÞí ÇáãÎáÕ ÇáÐí ÃËÞ Ýíå ÃßËÑ ãä äÝÓí "ÓíÑ áÇäÓáæÊ" æÃÊÔÇæÑ ãÚåã Ýí ÔÄæä ÇáããáßÉ. ÃæÒÚ Úáíåã ÇáØÚÇã ÈíÏí æÇáãÌÇãáÇÊ ÈáÓÇäí ÝÇáãáß ÇáÚÙíã æÍÏå åæ ÇáÐí íÓæøí Èíä äÝÓå æÑÚíÊå.. * اتصلت بجدتي في التليفون وقلت لا تقولي لي أنك عجوز عاجزة عن الحركة ولا يهمني أنك كما تقولين لا تحبين الخروج ولا يعنيني أن ركبتيكِ تؤلمانكِ. في سينما روكسي يعرضون قصة الملك آرثر فيلم كاميلوت. نفس القصة التي طالما سمعتها منك ولا بد أن نراها سوياً. سأدخر من مصروفي ثمن التذاكر والتاكسي وسنذهب معاً ونرى آرثر أنا ملك إنجلترا.. جلسنا وأنا ممسك بيدها وقلبي يدق ترقبا. في البداية خاب أملي فلم يكن آرثر طفلاً ولا شاباً وإنما رجل في أواسط العمر بلحية كثة لم يعجبني شكلها أبداً. لكنني طيبت خاطري قائلا لنفسي ربما عندما أكبر وأصبح ملكاً سيكون شكلي هكذا. تتابعت أحداث الفيلم ورأيت ما رأيته بعين الخيال آلاف المرات. رأيتني وأنا أستلّ السيف من الحجر ورأيت فرساني وعدلي وحكمتي. ورأيت أسوار كاميلوت المنيعة ورأيت حملاتي العسكرية وقيادتي للجيش ومهارتي في المبارزة وركوب الخيل. ثم إرتجّ العالم وتداعى ثم انهار كله فوق رأسي. اختارت جدتي -حصافةً أو حناناً أو رغبةً في حمايتي- ألا تحكي لي أن الحدائق المزهرة تسكنها الثعابين وأن الزهر والسّم والقبلة وأنياب الأفعى أوجه متعددة لشيء واحد أسمه الحياة. لم تخبرني جدتي –مهما حكت لي القصة- أن حبيبتي وملكة قلبي "جوينيفير" قد خانتني مع صديقي المخلص الذي أثق فيه أكثر من نفسي "سير لانسلوت". صديقي الذي ركع أمامي وأنا أسدّد إلى كتفيه الضربة الوحيدة التي لا يملك فارس لها ردّاً. يحطّ سيفي السحري "إكسكاليبر" على كتفه الأيسر ويصعد ليهبط على كتفه الأيمن وأقول: قُم يا سير لانسلوت.. قُم فأنت فارس. ويقسم لي يمين الولاء فأشركه في أمري وأشدّ به أزري. انهمرت دموعي وغصّ حلقي ومع مهارتي في إخراج السيف من الحجر لم أستطع أن أخرج الخنجر الذي طعنني في قلبي. ولأول مرة في حياتي كرهت جدتي وأحسست بغضب شديد عليها. كان يجب أن تخبرني. كان يجب أن أعرف. ما كان يجب أبداً أن أفاجأ هذه المفاجأة الغادرة. تبخّرت كل السعادة التي ملأتني وأنا أدفع –كأي رجل كبير محترم ملك- لسائق التاكسي حسابه ثم وأنا اشتري التذاكر وأعطيها للرجل الذي يصوّب نور بطاريته على ظهرها ويرينا طريقنا فأعطيه قرشين بقشيشاً ونحن نتربع على عرشينا في الصف الرابع في البلكون. ضاع كل شيء لأنها اختارت ألا تقول لي الحقيقة. بقلبٍ موجعٍ ودون أي اهتمام انتظرت نهاية الفيلم السخيف. تنهّدت مستريحاً عند إضاءة النور وأخذت يدها دون كلمة واحدة. ونحن نازلين على السلم تعثّرت ووقعت على مؤخرتها. نظرت إليها مشدوهاً. لم أر صانعة الأكوان وناطقة العوالم السحرية. رأيت امرأة عجوز بدينة قصيرة القامة قليلة الحيلة تجلس على سلم السينما ومحتويات حقيبتها مبعثرة أمامها تمتد الأيدي لمساعدتها على النهوض. ومع مهارتي في إخراج السيف من الحجر لم أستطع قط أن أخرج الخنجر الذي طعنني في قلبي. لكنني –حصافةً أو حناناً أو رغبةً في حمايتها- كتمت دمعي ولم أقل شيئاً. عدنا إلى البيت وقبلتني على جبيني شاكرةً دعوتي. فررت من بين ذراعيها ودخلت حجرتي. أخرجت سيفي من الدولاب واكتشفت أنه مجرد قطعة من البلاستيك الرمادي الرخيص لا سحر فيها ولا غموض.. وبكيت.. نيويورك، سبتمبر 1998