7.9 KiB
حكاية الحب (المستحيل) الأول *
أحياناً كانت أمينة تتسلل إلى الكنيسة الصغيرة الملحقة بالمدرسة. تحتاج للحظة حتى تعتاد عيناها على خفوت ذلك الضوء المصفّى بزجاج الشبابيك الملونة الذي يبعث في قلبها راحة تتعطش إليها. وهدوءٌ مطمئن يروي روحها الظامئة. حالما تدخل من الباب تتنهد تنهيدة عميقة وتبدأ في السير بين صفوف المقاعد متأملة الجدران والصور. ثمة قوة خفية تجبرها على التحرك ببطء وتؤدة وتفرض على عقلها ألا يحادثها إلا همساً. تجلس وتبدأ في تلاوة الفاتحة والصمدية وتدعو الله أن يحقق للثورة النجاح وأن يعيد سعد باشا من منفاه الثاني. وتدعوه مخلصة أن يخرج الإنجليز من مصر. وأحياناً –حين يتملك منها الضيق بمنفاها داخل تلك المدرسة اللعينة- تدعوه أن يحرقها بما فيها ولكنها تشترط عليه شرطين أولهما ألا تكون هي بداخل المدرسة عندما يقرر سبحانه الاستجابة لدعوتها ومحوها من على وجه الأرض والثاني ألا تمتد ألسنة النار إلى هذه الكنيسة الجميلة التي أصبحت لها ملاذاً من قسوة المدرسة وأهلها.. في المرات الأولى لم تلحظه. كانت الصلوات والدعوات تستغرقها إلى حد العجز عن رؤية أي شيء حولها. ولكنها بالتدريج عندما اعتادت المكان وعرفت يقيناً أن هناك أوقاتاً لن يفاجئها فيها أحد طالباً تفسيرات وإيضاحات عما تفعله –هي المسلمة- داخل الكنيسة بدأت تتأمل كل شيء بدقة متناهية. وهناك رأته لأول مرة، مشعره أشقر ووجهه وسيم تعلوه ابتسامة وديعة وعيناه زرقاوان تفيضان حباً وحناناً. عند التقاء نظراتهما ابتسم لها فاحمر وجهها وركضت خارجة إلى الحديقة المنمقة حيث وقفت يدق قلبها خجلاً (وربما أيضاً نشوةً بمغامرة غير منتظرة). وأخذت على نفسها عهداً ألا تطأ قدماها ذلك المكان مرة أخرى.. لكن وعود الشباب قصيرة العمر. بعد أيام من المعاناة والتردد والرغبة الجارفة والخوف وجدت قوة مجهولة تدفعها – رغم عهدها الذي شهدت عليه زهور الحديقة وأشجارها- للعودة إلى الكنيسة. شعرت بسخونة الدم يتدفق إلى وجنتيها وريقها يجف وقلبها يغوص ويدق خائفاً متلهفاً. دخلت متعمدة ألا تنظر في اتجاه المكان الذي رأته فيه. ولكن نفس القوة الخفية أدارت رأسها رغماً عنها فرأته واقفاً في نفس المكان يحدق فيها بعينين زرقاوين تفيضان حباً وحناناً. خفضت عينيها خفراً وبدأت في التحرك متأملة الجدران والصور في محاولة (تعرف فشلها) لتجاهل وجوده الغلاب. وبين الحين والآخر تجد نفسها مضطرة للنظر نحوه مدركة أن عينيه تتابعانها. وكلما ألقت عليه نظرة وجدته مثبتاً عيونه عليها. وبعد مقاومة عنيدة لم تملك إلا أن ترد ابتسامته وأن تبدأ معه حديثاً وأن تعرف أسمه وعندما عرفته عرفت كما قالت لها أمها أنه سيعود قبل يوم القيامة بأربعين سنة ليملأ الأرض عدلاً ونوراً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. رأته جميلاً ووسيماً وباعث أمل لا يموت. همست له وأقسمت أنها ستكون بانتظاره عند نزوله من مملكة السماء وأنها ستسير وراءه وتصدقه عندما يكذبه الناس ويتبعون غافلين ذلك المسيخ الدجال الذي سينتحل شخصيته. إنها تعرف أنه كلم الناس في المهد صبياً وكان براً بوالدته ولم يكن جباراً شقياً. وتعرف أنه يحيي الموتى ويبرئ الأعمى والأبرص والأكمه بإذن الله. وتعرف أنه سيعود. وتعرف أيضاً أنها تحبه وتحب خصوصاً عينيه الزرقاوين اللتين تفيضان حباً وحناناً.. * عندما انتهت الثورة ولم يخرج الإنجليز من مصر وانطفأت شعلة الحماس كما اتقدت فجأة وبشكل غير مفهوم لم تكن أمينة قادرة على فهم ومتابعة الحسابات السياسية المعقدة التي أدت إلى تلك النتيجة المؤسفة فقررت أن تلجأ إلى الحل البسيط وهو أننا قد وصلنا إلى نهاية العالم بما يعني أن عليها أن تجلس في شرفتها كل ليلة ناظرة إلى السماء. وذات ليلة سيتحول القمر إلى مصباح كشاف يسلّط ضوءه على بقعة معينة وعندها ستراه نازلاً بهدوء. يتطاير شعره الأشقر في الهواء ويهفهف معه جلبابه الأبيض وينظر إلى الأرض وسكانها –الذين أتى لتخليصهم- نظرته المحبة الحنونة الوادعة. وعندها سيراها واقفة تلوح له فاتحة ذراعيها مستعدة لاستقباله واحتضانه. يصل إلى شرفتها فتغسل قدميه وتعطرهما وتقدم له بيد ترتجف حباً كوب اللبن الدافئ ثم يخرجان سوياً –هو السيد المعلم وهي الحوارية- ليبدآ معاً مهمة إنقاذ العالم. وفي كل ليلة –عندما تدرك أنه قرر مرة أخرى أن يخلف موعده- تدخل حجرتها وتفتح الدولاب. داخل بابه ثبتت صورته بشعره الأشقر ووجهه الوديع وعينيه الزرقاوين تفيضان حباً وحناناً وتتملى وجهه بنظرة عتاب ثم تغلق دولابها فتحط نظراته الحانية على المصحف القابع على الرف في مواجهته مباشرة.. * والآن –عندما تضيق بي الدنيا ويصبح وزن قلبي أكثر من طن ينوء به صدري، ويستعصي عليّ فهم الحسابات السياسية المعقدة التي أدت إلى ما أراه في الجزائر وفي فلسطين وإلى جنازات الأطفال الجماعية في العراق- أفتح نافذتي وأطلّ إلى السماء متمنياً أن أرى القمر وقد تحول إلى مصباح كشاف يسلّط ضوءه على بقعة معينة وأراهما نازلين هو بشعره الأشقر الذي يتطاير في الهواء ويهفهف معه جلبابه الأبيض. وجدتي بقميص نومها الأبيض ذي الزهور البنفسجية الصغيرة يتطاير ما تبقى من شعرها الأبيض الخفيف ينظران إلى الأرض وسكانها نظرتهما المحبة الحنونة الوادعة حتى يقع بصرهما عليّ ألوح لهما مستعداً لاستقبالهما.. ولكنني أعرف. فأغلق النافذة بعد أن عشت لحظة سلام وجيزة لكنها تكفيني حتى الرجعة الثانية.. نيويورك، أكتوبر 1998