Files
memex/notes/الأرشيف.org

14 KiB
Raw Blame History

الأرشيف

بدأنا على صفحة الموقف المصري بالكلام عن الفساد و علاقته بحرية المعلومات، و من ساعة بداية أزمة جزر البحر الأحمر تيران و صنافير وضح أكثر لنا أن المعلومات و توفرها هتفضل جانب في كل قضية نتكلم عليها و نقدم لها حلول و بدائل.

سبق و طلبنا من المسؤولين نشر مجموعة من الوثائق في أرشيف دار الوثائق القومية توضح للناس أصل السيادة المصرية على الجزيرتين و حددناها برقم المحفظة و رقم الملف. دار الوثائق القومية هو مخزن مهول و واحد من أكبر الأراشيف في العالم. بعض المتخصصين بيقدروا عدد الوثائق فيه ل100 مليون وثيقة، و دا نتيجة أن الأرشيف، اللي هو وريث الدفترخانة ال أنشأها محمد علي في قلعة الجبل سنة 1828، و اللي تحولت لدار المحفوظات العمومية أيام الخديو عباس حلمي الثاني هو أرشيف البيروقراطية المصرية، و البيروقراطية المصرية في القرن التاسع عشر كانت بيروقراطية متطورة و دقيقة و فعالة، و بالتالي أنتجت مجموعات وافية و غزيرة من الوثائق (كل مجموعة اسمها في لغة دار الوثائق "الوحدة الأرشيفية") منها مجموعات الفرمانات العثمانية و ديوان المعية السنة و ديوان الخديو و ديوان الكتخدا و دواوين البحرية و ترسانة الإسكندرية و خفر السواحل و ديوان الحربية، دا غير دواوين الوزارات و المصالح الحكومية المختلفة و المديريات، و دواوين المحاكم بأنواعها بما فيها المحاكم الشرعية.

لكن على الرغم من أهمية أرشيف دار الوثائق القومية بالمقارنة ببقية أراشيف العالم نتيجة حجمة و كماله، لكنه كمان من أكثر الأراشيف سرية، و الأسباب تتوزع بين الوضع القانوني للأرشيف و تراث عتيد من الممارسات الأمنية غير المبررة و تجاهل الإدارات الحكومية للقانون.

تنظيم دار الوثائق نفسها بيبدأ من القانون رقم 356 لسنة 1954 بإنشاء دار الوثائق التاريخية القومية، و ال دمجها عبد الناصر بعد كدا في دار الكتب (المكتبة العامة الأولى في مصر) بقرار رئيس الجمهورية رقم 450 لسنة 1966، و ال دمجها السادات مع الهيئة المصرية العامة للتأليف و الترجمة النشر بقرار رئيس الجمهورية رقم 2826 لسنة 1971 في كيان كبير اسمه الهيئة العامة للكتاب يضم 1) الأرشيف، و 2) المكتبة العامة القومية، و 3) دار النشر القومية، و بعدين رجع مبارك بقرار رئيس الجمهورية رقم 176 لسنة 1993 فصل الأرشيف و المكتبة العامة في كيان جديد اسمه دار الكتب و الوثائق القومية عن بقية الهيئة العامة للكتاب. دار الوثائق مقرها الحالي في القاهرة على كورنيش بولاق أبو العلا.

الأرشيف القومي دا المفروض بحكم القانون تنتهي عنده كل وثائق الدولة، بما فيها الوثائق السرية بعد مرور مدة زمنية معقولة، يعني كل "المطبوعات و المخطوطات و المصورات و المسجلات التي تعد مادة للتاريخ القومي و ما يتصل به في جميع العصور". يعني كل حاجة. دا غير أن دار الوثائق هي اللي بتحدد للإدارات الحكومية المختلفة إيه ال وثيقة و إيه ال مش وثيقة، و تحدد طرق حفظ الوثائق و السجلات عن طريق لجان المحفوظات الدائمة الموجودة في كل وزارة، و فيه لوائح وزارية كثير، أساسا من وزارة المالية بتحدد إيه هي الدفاتر و السجلات ال المفروض تتحفظ و تفاصيل أكثر في تعديلات لوائح المحفوظات في وزارات ثانية زي العدل و الداخلية مثلا. دا غير أن دار الوثائق من حقها كمان أنها تستولي على أي وثيقة عند أي حد حتى لو ما كانتش وثيقة حكومة لو هي شايفة أن لها أهمية تاريخية. يعني بيروقراطية كاملة بسلطات كافية أنها تمارس مهامها و تبني فعلا مستودع للمعرفة التاريخية للبلد و ذاكرة للناس.

الواقع غير كدا خالص. إدارات حكومية كثير، منها وزارات الخارجية و الدفاع و المخابرات، ما بتسلمش أراشيفها التاريخية لدار الوثائق. هل دا علشان الوثائق دي سرية و الحفاظ عليها من دواعي الأمن القومي؟ أبدا. فيه قانون ثاني هو القانون رقم 121 لسنة 1975 بشأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة و تنظيم أسلوب نشرها و المعدل بالقانون رقم 22 لسنة 1982 و المفصل بقرار رئيس الجمهورية رقم 472 لسنة 1979. المجموعة دي من القوانين و القرارات الجمهورية هي ال بتحدد درجات سرية الوثائق و أقصى حدود فترات حجبها عن الناس. في مصر، أقصى حماية للوثائق في مصر هي أنها

  1. تفضل سرية في الجهة المصدرة للوئاثق لمدة لا تتجاوز 15 سنة. يعني المفروض أن أقدم وثيقة برا دار الوثائق النهار دا تكون صدرت سنة 2001)
  2. تفضل سرية بعد ما تتنقل دار الوثائق لمدة 15 سنة إضافية
  3. و ممكن بعد الثلاثين سنة دول تجتمع لجنة و تقرر مد سرية الوثائق عشرين سنة كمان.

يعني خمسين سنة سرية على أقصى حد. يعني المفروض أن كل الوثائق ال صدرت قبل 1966 تكون متاحة لكل الناس مهما كانت.

الواقع طبعا غير كدا، لأن مثلا أرشيف الخارجية، و ال فيه كل المراسلات و الخرائط و المداولات بخصوص جزيرة صنافير و جزيرة تيران مقفول عليه من ساعة ما بدأت نظارة الخارجية في مصر في القرن ال19! و نفس الشيء لرئاسة الجمهورية و الدفاع و إدارات حكومية ثانية. القانون المصري يعاقب على الإفصاح غير المسؤول عن المعلومات، لكنه لا يعاقب على عدم الإفصاح عن المعلومات بعد انتهاء فترة سريتها، و بالتالي فالقوانين دي هي قوانية لسرية المعلومات، مش قوانين لحرية المعلومات.

بالإضافة للعوائق القانونية دي، ففيه عوائق إدارية و أمنية. دار الوثائق مكان لتخزين المعرفة لكنه مش مكان لإتاحتها للناس، و كل زائر له لازم يقدم سبب مقنع لإدارة الأمن (هي اسمها كدا وش!) و ال بتقرر بعد تحقيق و تقديم مستندات و إجراءات ثانية تعطي الزائر تصريح من عدمه. قارن دا مثلا بالمصريين برا مصر في لندن و برلين و واشنطن ال فضوا نفسهم نص يوم الأسبوع ال فات علشان يقلبوا في أراشيف العواصم دي و يحاولوا يكونوا رأي مستقل في موضوع الجزيرتين. ما حدش بيسألك عاوز تشوف إيه و تشوفه ليه و أنت مين و بتعمل إيه في حياتك. التحقيق دا بيحصل مع الباحثين الأكاديميين ال جايبين معهم ورق من جامعاتهم. لو أنت مواطن مهتم و عاوز تتعلم و تبحث، ما تحاولش أصلا أنك تروح دار الوثائق!

نتيجة العيب في الإطار القانوني دا، صيغ حوالي سنة 2001 مشروع قانون جديد للمحافظة على الوثائق أتاح للناس حق الوصول للوثائق التاريخية و استمر في المحافظة على سرية بعض الوثائق لحد أقصى خمسين سنة، لكن المشروع دا ما شافش النور.

واحدة من أهم محاولات تأسيس الحق في المعرفة كانت في سنة 2012 لما تعاون مركز المعلومات و دعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء مع ممثلين للمجتمع المدني من أكاديميين و صحفيين و منظمات حقوقية على صياغة مشروع قانون لحرية المعلومات. المشروع دا تم تقييمه باستخدام مقياس طوره مركز القانون و الديمقراطية Center for Law and Democracy و حصل على درجة كانت تؤهله يكون ثالث أفضل قانون لحرية المعلومات في العالم، و بالفعل دخل القانون مجلس الشعب في 2012 في لجنة حقوق الإنسان ال كان مقررها النائب محمد أنور السادات و ساهم وجوده في التأثير على مشروع القانون ال قدمته الجكومة وقتها و تحسينه، لكن الظروف حكمت أن المحكمة الدستورية العليا حلت البرلمان قبل ما يخرج مشروع القانون من اللجنة.

قوانين حرية المعلومات في البلاد الغربية صدرت من ثلاثين و أربعين سنة (باستثناء السويد ال هي حالة فذة باعتبار أن قانون حرية الصحافة فيها و ال لغى الرقابة و أسس لحرية المعلومات صدر سنة 1766، يعني قبل الحملة الفرنسية!) و بالتالي فهي قوانين بدأت تقدم و تفوقت عليها قوانين ثانية للديمقراطيات الحديثة زي القوانين في كينيا و الهند و جنوب أفريقيا. هتنكلم قريب عن محددات قانون المعلومات الجيد و عن المفوضيات و الأجهزة الرقابية المستقلة عموما، لكن هنا نحب نقول أن في أنظمة إتاحة المعلومات الجديدة، فيه نقطة أساسية:

ممكن جدا تكون المعلومات سرية و لأسباب وجيهة، زي أنها تبقى معلومات متعلقة بخصوصية الأفراد أو بالأمن القومي أو معلومات ذات قيمة اقتصادية أو معلومات تتعلق بالتزامات تجاه أطراف ثالثة، و ممكن ما تكونش الفترة الزمنية القصوى للسرية (و دي فترة قصوى لكنها مش ضرورية لكل البيانات المحمية) خلصت. يعني ممكن تكون فيه وثيقة مصنفة سري للغاية نشأت في اجتماع من أسبوعين و برضه يبقى قانوني (لو عندنا قانون محترم للمعلومات) و مفيد الكشف عنها. المعيار الوحيد ال المفروض نقرر على أساسه إذا كانت المعلومة المحمية تكشف و الا لأ هي *مسطرة المصلحة العامة*، ال بتتحدد بمقابلة الفائدة العائدة على المصلحة العامة في مقابل الضرر المتوقع من الإفصاح عن المعلومة. لو المصلحة العامة أكبر، يبقى المفروض المعلومة تطلع للناس علشان المصلحة العامة تتحقق. لو عندنا قانون معتبر للمعلومات، المقابلة بين الفايدة و الضرر دي بتقوم بها مفوضية المعلومات المستقلة ال بيختار أعضائها مجلس النواب. المفروض أن المفوضية تتطلع على كل الوثائق، و تنشر مباشرة اللي خلصت فترة سريته، و يمكن كمان شوية من اللي ما خلصتش فترة سريته، و قراراتها دي بتراقب عليها و بتعكسها درجتين تقاضي فيي مجلس الدولة: محكمة القضاء الإداري ثم المحكمة الإدارية العليا.

السؤال و المناقشة لقراء الموقف المصري: هل في تقديرك الكشف عن كافة الوثائق المتعلقة بموضوع جزيرتي صنافير و تيران مفيد للمصلحة العامة في الظروف ال احنا فيها دي؟ إيه هي المصلحة العامة و إيه الخطر الواقع عليها؟ و إيه هي دواعي الأمن القومي ال هتتضرر لما تظهر الوثائق للنور. طبعا دي الوثائق ال أجدد من خمسين سنة. كل حاجة قبل 1966 المفروض تكون منشورة على الإنترنت لكل الناس.