Files
memex/4_published/gharbeia.net/content/posts/خليل-كلفت/الازدواج في اللغة بين الفصحى و العامية/اللغة القومية والعولمة أبعاد الإشكالية.md

38 KiB
Raw Blame History

title, date, draft
title date draft
اللغة القومية والعولمة: أبعاد الإشكالية 2003-12-31T00:00:00-00:00 true

تأليف: چيردا منصور ترجمة: خليل كلفت نشر في قضايا فكرية القاهرية، الكتاب السابع عشر، مايو 1997، "لغتنا العربية فى معركة الحضارة"

تُقدِّم نظرة الغريب عن اللغة العربية، بالضرورة، وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر الناطق الأصلى بهذه اللغة. وهذا أحد الأسباب التى جعلتنى أقرر الاقتصار على تقديم عرض موجز لهذه الإشكالية بطريقة موضوعية قدر الإمكان. ولعل من المفيد فى فهم وجهة نظرى الشخصية أن أضيف أننى لست ناطقة أصلية باللغة الإنجليزية، رغم أن هذه الأخيرة صارت لغتى المفضلة، وأن أضيف أننى بفضل سنوات طويلة عشتها فى مصر أصبحت أفهم الكثير من المشكلات التى تشغل عقول المعنيِّين.

وأودّ، أولا - أن أستكشف المقصود بلفظة عولمة globalization وكذلك نوع التهديد الذى تشكِّله هذه العولمة. وهناك ثانيا سلسلة كاملة من الأسئلة المتصلة باستعمال اللغة، ومكانة اللغة، والجانب الرمزى للُّغة، وهى أسئلة مألوفة فى عملى كباحثة فى مجال علم اللغة الاجتماعى، كما أن من شأنها أن تُلقى بعض الضوء على موضوع هذا المقال. وَجْهان للعولمة

فى كل يوم فى حياتنا ينهمر علينا وابل من العبارات المكررة الجديدة، ومن الأهمية بمكان أن نتوصل إلى ما يختفى وراء هذه العبارات، وما هى معانيها الحقيقية، وما عسى أن تكون دلالاتها الضمنية. وتتمثل واحدة من هذه العبارات فى العولمة. وتعنى كلمة global عادةً أن هناك شيئا ما يؤثر على العالم globe بأسره. ومن هنا نسمع عن إستراتيچيات عالمية تتعلق بالبيئة، وعن الاتصال العالمى عن طريق القمر الصناعى، وعن النشرات الجوية العالمية. لكنْ كيف ينبغى على وجه الدقة أن نفهم العولمة، وما هى وأين تلك القرية العالمية التى يتراءى طيفها بين صفحات صحفنا وحتى كتاباتنا العلمية؟

ويتمثل أحد جوانب التفكير العالمى والتخطيط العالمى فى مفهوم صار الآن مقبولا لدى جهات عديدة، مضمونه أنه ينبغى عند اتخاذ كل قرار يؤثر على الحياة العامة أن ندرك أن علينا مسئولية إزاء كوكب الأرض ككل، وأنه لا ينبغى أن نواصل بغير حدود استغلال الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة فى أىّ جزء من العالم حتى لا نُفسد التوازن الدقيق، الأمر الذى سيمتدّ تأثيره إلى كل مكان، وأنه لا ينبغى أن نُفجِّر قُنبلة تجارب نووية أو أن نُطلق موادَّ كيميائية قاتلة حتى داخل نطاق أراضينا الإقليمية وذلك تفاديا للآثار الواسعة النطاق التى ستمتد إلى ما وراء حدودنا الإقليمية بكثير. والعولمة، بهذا المعنى، امتداد للمسئولية الاجتماعية، وهذا موقف هدفه أن يحلّ محل التزامنا المشروط بيولوچيًّا ببقاء جماعة على حساب جماعة أخرى التزام يشمل البشرية جمعاء. وسيوافق أغلب الناس على أن هذا التفكير العالمى ليس شيئا طيبا وحسب، وإنما هو فى ضوء التحديات والأخطار التى ستواجهنا فى القرن الحادى والعشرين جوهرى لبقاء الجنس البشرى والكوكب ككل.

وبهذا المعنى تقتضى العولمة التخطيط، والتنظيم، والتعاون الدولى، الأمر الذى يتوقف، بدوره، على أداة تواصل فعالة، لغة مشتركة lingua franca أو لغة الدپلوماسية الدولية. وعلى مستوى البحث العلمى والتكنولوچى، تُعدّ مثل هذه اللغة المشتركة ذات فائدة كبيرة أيضا، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالمصطلحات. ذلك أن العبارات المفهومة عالميا يمكنها وحدها أن تحفز إلى تبادل الأفكار وأن تؤمِّن أن يكون هناك فى متناول العلماء والباحثين فى كافة أنحاء العالم أداة دقيقة لا يمكن بدونها إلا أن يهبط التقدم إلى مستوى أفراد مبعثرين فى أربعة أركان الأرض يرمِّقون أعمالهم بأدواتهم المحدودة، ويقومون إنْ جاز القول بإعادة اختراع العجلة ألف مرة.

وتمثّل هذه الضرورات للتواصل العالمى أقوى حجّة لصالح تعلُّم لغة مشتركة دولية لتكنْ الإنجليزية أو أية لغة أخرى. وليس هناك شيء ما، كامن فى صميم اللغة الإنجليزية، يؤهلها لمثل هذا الدور. والواقع أن المكانة الراهنة للُّغة الإنجليزية حددتها صلتها السابقة بالإمپراطورية البريطانية المترامية الأطراف، وكذلك الأهمية المتعاظمة للولايات المتحدة التى صارت وريثتها. ويؤدى كل هذا إلى واقع أن اللغة الإنجليزية لها جماعة ناطقة أصلية بها ليست فقط ضخمة فى الحجم وإنما هى واسعة الانتشار على الكرة الأرضية، وأن الجماعة التى تتحدث بها كلغة ثانية تتناسب مع وزن التأثير الأنجلو أمريكى سياسيا، واقتصاديا، وكذلك فى مجال العلم والتكنولوچيا. ويبدو أن اللغتين الأوروپيتين المنافستين للإنجليزية، وهما الفرنسية والإسپانية، قد خسرتا السباق، رغم أن الحكومة الفرنسية تنتهج سياسة هجومية على المسرح الدولى حيث كانت تتمتع ذات يوم بنفوذ كبير. وللُّغة الإسپانية جماعة ناطقة أصلية أضخم، غير أنه لا يتحدث بها كلغة ثانية سوى جماعة ضئيلة، كما أنها لا تملك شيئا من الطموحات الفرنسية.

وقد ظلت الحجة لصالح أو ضد إحدى هذه اللغات المتنافسة تتمثل، إنْ شئنا الدقة، فى الاختيار بين إمپريالية ثقافية أو إمپريالية ثقافية أخرى، وربما بصورة أكثر حسما بين مصدِّر أو آخر للسلع الاستهلاكية. ويبدو أن هناك اتفاقا ضمنيا على أن مَنْ يقوم بتسويق لغته بفعالية لن يواجه صعوبة فى تسويق منتجاته، وهذا هو ما يفسِّر القسوة الماثلة وراء بعض أنواع الخطاب.

ويكشف لنا هذا الوضع عن الوجه الآخر للعولمة، أو بالأحرى عن تفسير آخر يخلط بين العولمة والتوسع الإمپريالى لمجتمع واحد، بقوته السياسية والاقتصادية، ونماذجه السلوكية، وأيديولوچيته، إلى مجتمعات أفضل. ويبدو أن من المتوقع من هذه الأخيرة أن تتخلى عن تقاليدها الأصلية، وعن لغاتها وثقافتها، وأن تتبنى لغة "عالمية"، وطريقة "عالمية" للحياة وأنماط الاستهلاك أشبه بتلك التى تم تطويرها فى الغرب، وعلى وجه الخصوص فى أمريكا. ولا يكون من المرجح أن تكون النتيجة "قرية عالمية" وإنما أرضا خرابا ثقافية تقوم فيها الشركات الكبرى المتعددة الجنسية وحدها بجنى أرباحها. وليست "القرية العالمية" من هذا النوع مستوطنة أمريكية زائفة يرتدى سكانها الچينز الأزرق والنَّايْكى [ماركة أحذية كاوتش] أو الفساتين القصيرة، ويمضغون اللبان، ويأكلون الهامبورجر، وساندويتشات السجقّ الساخن، ودجاج كنتاكى المحمَّر، ويشربون كوكاكولا، أو فانتا، أو سڤن أبّ. وهم يغنُّون على أحدث موسيقى بوب أمريكية، ويسعون بصفة عامة إلى تقليد أىّ شيء يتسرَّب عبر وسائل الإعلام الخاضعة للسيطرة الأمريكية.

ولا غرابة فى أن ينظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها خطرًا أغلبُ المعنيِّين بالازدهار الاجتماعى الاقتصادى والثقافى لمجتمعاتهم، والذين يرون بيئتهم الاجتماعية تتعرَّض لغزو نموّ سرطانى فى سياق استبدال جوانب من الثقافة والعادات الأصلية والتغيير الجذرى لوجه المجتمع. ومن المؤسف أن هذا الخطر يغدو ملحوظا ليس فقط من جانب الوطنيِّين المتعلِّمين والمثقفين وإنما أيضا لدى ذلك القسم من المجتمع، والذى هو مُعادٍ دوما، ومن حيث المبدأ، لكل شيء أجنبىّ وهى معاداة تنشأ من الجهل، والتعصب، وضيق الأفق، وعدم التسامح.

ومن المؤسف أكثر من ذلك أن ردّ الفعل الآتى من كلٍّ من الاتجاهين يختلطان فى كثير من الأحيان ومن الأهمية بمكان أن نُبقيهما منفصليْن. ذلك أن ما يثير قلق الوطنيِّين المتعلمين ليس، فى الواقع، التفكير "العالمى" أو التعاون الدولى فى مجالىْ العلم والتكنولوچيا، ولا حتى انتشار اللغة الإنجليزية كلغة مشتركة، بل هو سرطان الرأسمالية الأمريكية التى تتغلغل فى المجال الاجتماعى فى كل بلد تقريبا بدعايتها لمنتجات عديمة النفع من الناحية الجوهرية. وليست الثلاجات، والتليفونات، والغسالات، وأجهزة الكمپيوتر، هى التى يجرى الإحساس بأنها متطفلة، بل هى تلك المنتجات ذات الاستهلاك اليومى والتى لا يحتاج إليها أحد ومع ذلك تسلَّلتْ إلى صميم حياتنا إلى درجة أن أولئك الذين لا يقدمون پيپسى كولا أو سڤن أبّ لضيوفهم يشعرون بالحاجة إلى أن يعتذروا أو يندفعون خارجين لإحضاره لأن الليموناتة أو الكركديه المصنوعين فى البيت فقدا مكانتهما.

وتمثل الطريقة التى يرتبط بها ذلك باللغة، أو بتعبير أدق، بانتشار وقبول لغة مشتركة دولية كأداة للاتصال الدولى، موضوعا يستحق اهتماما أعمق مما يمكننا أن نعطيه إياه فى هذا الحيز المحدود. غير أنه قد يكون من المفيد أن نقوم بمناقشة عامة موجزة للوظيفتين الأساسيتين للغة.

اللغة جسر أم حاجز؟

لا حاجة بنا بطبيعة الحال إلى الإسهاب فى حقيقة أن اللغة أداة للاتصال، وجسر بين الأفراد وكذلك بين المجتمعات. لكنْ بأىّ معنى يمكن أن نعتبر اللغة حاجزا. وإذا كان يمكنها أن تكون جسرا وحاجزا فى آنٍ معًا، فما هو المظهر الأكثر أهمية والذى ينبغى أن نشدِّد عليه أو نعزِّزه مظهر الجسر أم مظهر الحاجز؟

والحقيقة أن هاتين الوظيفتين للُّغة تقترنان معًا دوما، ذلك أن اللغة بالإضافة إلى كونها أداة اتصال تمثل أيضا الرمز الأهم لهوية الجماعة. وقد تكون هناك مظاهر ثقافية أخرى تميز جماعة اجتماعية ثقافية من أخرى، غير أن ما يحدد هوية جماعة يتمثل، عادةً، فى لغتها أو لهجتها. واللغة أعمق تأثيرا بكثير من الحواجز المادية والسياسية، وتعبِّر الحواجز الاجتماعية عن نفسها دائما فى التباين اللغوى. كما أن عملية التهيئة الاجتماعية التى تصنع من الطفل عضوا كامل المسئولية فى مجموعة اجتماعية تتمحور حول اكتساب "لغة الأم" التى تعمل كأداة توصيل لكافة القيم الثقافية الأخرى. ومن هنا فإن ولاءنا الأول إنما يكون عادةً للغة الأم إنها لغة الألفة الحميمة التى تثير مشاعر الانتماء إلى جماعة الأصل وكذلك إحساسا بالأمان. غير أنه تماما كما يشبّ الأطفال عن الطوق ويتركون بيت الوالدين فى نهاية الأمر، يمكن للأفراد الكبار أن يخلقوا علاقات أوسع تتجاوز جماعة الأصل وقد تقتضى الحاجة إلى إتقان لهجة أخرى غير الأصلية، أو "اللغة الفصحى"، أو حتى لغة أخرى.

ومهما تكن القيمة التى يعزوها المتحدثون بلغة ثانية إلى هذه الأخيرة كبيرة فهناك بُعْدٌ مختلف للموقف إزاء تلك اللغة. إنها تميل إلى أن تغدو موقفا أكثر عقلانية، وتعبيرا عن الطموحات الاجتماعية والأهداف المهنية ويغدو أكثر احتمالا أن يكون هذا الموقف موضوعا للظروف المتغيرة. وعلى حين أن اللغات الأولى (لغات الأم) تحدد هوية الناطق بها، تكتسب اللغات الثانية المزيد من خصائص الوسيلة. وبكلمات أخرى فإن الأفراد المزدوجى اللغة يميلون إلى استعمال لغة منهما من أجل قيمهم المتعلقة بالهوية كحاجز أمام العالم الخارجى واللغة الأخرى من أجل قيمهم الذرائعية وتلك المتعلقة بإقامة جسر.

ويطرح هذا أسئلة مهمة فى سياق العولمة. هل تؤدى اللغات الثانية المكتسبة فى المدرسة، من أجل الأهداف المتباينة لاتصال أوسع كما سبق أن أوجزنا، بالضرورة، إلى ظهور عنصر تشويش أو حتى صراعات هوية؟ وإذا كانت لا تؤدى إلى ذلك فما هى الظروف التى تشجع عليه؟ وأين وتحت أية ظروف تصطدم الحاجة إلى الاتصال الدولى، والتفاهم، والتسامح، مع الحاجة إلى صون الهوية الثقافية والأصالة؟

وهناك مجموعة من الظروف التى يمكننى أن أقول بثقة إنه لا يظهر معها أىّ تشوُّش أو صراعات هوية. وفى سياق الاتحاد الأوروپى جرى منذ وقت طويل الإقرار بأن تعلُّم لغة أو لغتين من اللغات "العالمية" الأكثر أهمية صار أمرا لا غنًى عنه. وواقع أنه لم ترغب ولا واحدة من الجماعات اللغوية الكبرى الثلاث فى قبول إحدى اللغتيْن الأُخْرَيَيْن باعتبارها لغة مشتركة وحيدة يمثل بطبيعة الحال علامة على تنافس على القيادة يظل بلا حلّ ويتواصل، غير أنه لا يكاد يكون هناك شك بين بقية أعضاء الاتحاد الأوروپى فى أن اللغة الإنجليزية تمثل، فيما يتعلق باحتياجات هذه الدول الأعضاء إلى الاتصال الدولى، اللغة المشتركة الأكثر أهمية. وفى الدنمارك وهولندا، على سبيل المثال، نجد تعليم اللغة الإنجليزية واسع الانتشار وبالغ الكفاءة إلى حد أن المسافرين المتحدثين بالإنجليزية قلَّما يلتقون بشخص من السكان المحليِّين لا يمكنه الحديث بشيء من الإنجليزية. ومع ذلك فإن لغاتهم القومية تظل تأخذ مكانها بوصفها الرمز الرئيسى لهوية الجماعة. وبين الأسباب التى تقف وراء واقع أن اللغة الإنجليزية لا تلقى عادةً أية معارضة قد يكون هناك واقع أن القوة الاقتصادية لبريطانيا ظلت تتدهور منذ الحرب العالمية الثانية وكذلك واقع أن على اللغتين المنافستين الأُخْرَيَيْن الألمانية والفرنسية أن تجنى كل واحدة منهما عواقب الماضى. ذلك أن فرنسا وألمانيا حاولتا كلاهما، فى مرحلة ما فى الماضى، فرض الهيمنة على جيرانهما الأوروپيِّين.

ويبدو الوضع مختلفا فى مناطق أخرى من العالم. ففى أفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا، كانت اللغتان الإنجليزية والفرنسية لغتين استعماريتين، مفروضتين على شعوب المستعمرات بوصفهما لغتين رسميتين جرى استخدامهما فى غياب لغات محلية مكتوبة وموحَّدة كأداة لحكم دول مستعمَرة كل واحدة منها متعددة اللغات. وكانت هناك حالات أخرى لم تقم فيها اللغة الاستعمارية بالحيلولة دون التطور اللغوى المحلى فحسب بل تم استخدامها بالفعل فى قمع لغات أدبية. وليست حالات الجزائر، ولبنان، والهند، وپاكستان، وڤييتنام، سوى مجرد أمثلة قليلة. ولهذا فإن بلدان العالم الثالث محقة تماما فى خشيتها من أن يؤدى تأثير لغة عالمية ما إلى إفساد لغاتها المحلية فى بداية الأمر وإلى اختفائها فى نهاية المطاف.

ولكى نواجه هذه المخاوف سيكون من المفيد للغاية أن نستكشف مسألة ما إذا كانت بلدان ولغات العالم الثالث تتعرَّض حقا للتأثير المفسد للُغة دولية أم أن هذا لا يعدو أن يكون مجرد ارتياب.

كما أنه ليس هناك شك فى أن الصدام بين الحاجة إلى لغة أجنبية من أجل التعليم العالى والحاجة إلى إعادة تأكيد الهوية الثقافية ملحوظ كأقوى ما يكون فى بلدان العالم الثالث. وفيما يتعلق بكثير من هذه اللغات جرى وضع سياسات كما تم تحديد الخطوط العامة لآليةٍ لإحلال لغات محلية "قومية" محلّ لغات رسمية أجنبية، غير أنها ما زالت فى انتظار التنفيذ.

القومية اللغوية والهوية القومية

ليست اللغات مجرد رموز للهوية الجماعية للأفراد. إنها أيضا بمثابة رابطة جرى تطويرها عن قصد كما يجرى تعزيزها بصورة متواصلة فى إطار الدول القومية الحديثة. والحقيقة أن كامل مفهوم "القومية" مفعم بقيم معقدة تلعب فيها اللغة المشتركة دورا رئيسيا. ولهذا فإن القومية اللغوية جرى غرسها وتعهُّدها بعناية فى أغلب حركات الاستقلال، وكثيرا ما تم استخدام اللغة، فى القرن التاسع عشر، فى تحديد الأراضى الإقليمية. ومن السهل أن نرى أية أداة سياسية جبارة يمكن أن تكونها اللغة فى مثل هذا السياق حيث يمكن استخدامها لتعزيز الوحدة القومية أو للتشديد على الاستقلال ودعاوى الانفصال. وفى بعض الأحيان جرى انتزاع لغة منقرضة تقريبا من زوايا النسيان لتصبح اللغة القومية لدولة مستقلة، كما هو الحال مع اللغة الآيرلندية على سبيل المثال رغم أن جهود الإحياء عجزت فى هذه الحالة المحددة عن استعادة حيوية هذه اللغة وجعلها اللغة المفضلة لكل الآيرلنديِّين. وفى حالة أخرى كانت الحاجة ماسَّة فيها إلى لغة مشتركة لتوحيد أناس ذوى خلفيات لغوية وثقافية متباينة للغاية ولوضعهم بعيدا عن السكان الأصليِّين فى دولة تم خلقها بصورة مفتعلة، تم بنجاح إحياء لغة ميتة: اللغة العبرية.

ونظرًا لأن موضوع اللغات القومية يمسّ مسائل الهوية القومية والبقاء الثقافى القومى فإنه موضوع بالغ الحساسية. وتشير الأصداء العاطفية للخطاب المتعلق باللغات القومية إلى أن نتناول شيئا لا يستجيب بسهولة للحجج العقلانية. ولهذا فإن من المفيد دائما نقل المناقشة إلى منطقة محايدة.

ويميل القوميون فى كل مكان إلى أن يكونوا حريصين على النقاء اللغوى، وبعبارة أخرى فإنهم يؤيدون التدابير الرامية إلى مقاومة غزو لغاتهم بكلمات دخيلة باسم الحفاظ على أصالتها الثقافية. وفى فرنسا، على سبيل المثال، جرى إعلان حرب شاملة ضد الغزو من جانب العبارات الإنجليزية وتجرى مواصلتها بكل السلطة الممنوحة للأكاديمية الفرنسية. وكل هذا للمحافظة على نقاء وأصالة اللغة الفرنسية وللاحتفاظ بتأثيرها فى أنحاء العالم. ومع ذلك فإن استعارة الكلمات لعبة قديمة وليست هناك لغة حية حديثة لا تملك رصيدا كبيرا من الكلمات المستعارة. وصحيح، بطبيعة الحال، أنه ما لم تكن الحيوية اللغوية للُّغة المستعيرة قوية بما يكفى أيضا لمواصلة عملياتها المتعلقة بنحت كلمات جديدة، قد تكون النتيجة النهائية تشكُّل لغة هجينة بصورة متزايدة.

وكثيرا ما يقال لنا إن التهجين فى اللغات يساوى الإفساد، وإنه أشبه بسرطان ينتهى آخر الأمر إلى تدمير اللغة. ومن الصعب أن نتوصل إلى فهم مسألة ما هى الوقائع التى يستند إليها هذا الخوف. ويُحْسِن المدافعون عن النقاء اللغوى صنعا إذا قاموا بدراسة تاريخ اللغة الإنجليزية فهى واحدة من أكثر اللغات تهجينا فى العالم. وتُقَدَّر المفردات الحالية للُّغة الإنجليزية الآتية من أصل إنجليزى بحوالى 50% فقط، أما نسبة اﻟ 50% الأخرى فقد تم استيرادها من اللغة الفرنسية، أو من اللاتينية عن طريق الفرنسية، ومن اللاتينية واليونانية وكذلك من لغات أخرى عديدة. والحقيقة أننا سنكون عاجزين عن كتابة جملة واحدة بلغة إنجليزية رفيعة دون اللجوء إلى كلمة مستعارة أو أخرى (وعلى سبيل المثال فإن كلمتىْ sentence [جملة]) و resort [يلجأ] تأتيان من اللاتينية عن طريق الفرنسية، وكلمة educated [رفيعة] تأتى من اللاتينية، وكلمة loan [مستعارة] تأتى من أصل إسكندناڤى). وحتى فى الكلام اليومى العادى، نستخدم كلمات تغيرت فى سياق عملية الاستيعاب على مدى قرون، ولكنها مع ذلك من أصل غير إنجليزى (وعلى سبيل المثال هناك كلمات تتعلق بحيوانات بمجرد أن يتم ذبحها من أجل الاستهلاك البشرى veal [لحم البقر]،pork [لحم الخنزير] ، mutton [لحم الضأن] وتأتى من الفرنسية). بل إن التبسيط الشديد للنحو الإنجليزى، بالمقارنة مع بنية اللغة الإنجليزية قبل الغزو الفرنسى النورماندى منذ تسعة قرون، يمكن إرجاعه إلى هذا التهجين الواسع النطاق. ومع ذلك فإن اللغة الإنجليزية لم يمنعها لا الطابع الهجين لمفرداتها، ولا تبسيطها البنيوى، من البقاء والانتشار بعد فتح بريطانيا. بل ربما كان بوسعنا أن نزعم أن هذه المظاهر اللغوية قامت بتسهيل انتشار اللغة الإنجليزية.

دفاعًا عن الهوية القومية

وبغضّ النظر عن مختلف الإستراتيچيات الممكنة لحماية لغةٍ ضد الكلمات المستعارة الغازية هناك تدابير دفاعية أخرى. وكلما كان هناك إحساس بأن القيمة الرمزية لإحدى اللغات مهدَّدة بطريقة ما، وبأن الأصالة الثقافية قد تكون فى خطر، يتمثل ردّ الفعل عادةً فى العودة إلى الماضى المجيد، إلى عهد كانت فيه الثقافة القومية واللغة القومية فى ذروة الازدهار. والحقيقة أن تأثير هذا الانشغال بالماضى على الاستعمال اللغوى والتطور اللغوى قد يكون سلبيًّا تماما فى الأمد الطويل، وذلك لأن الاتجاه سيكون إما تجاهُل التطور اللغوى الطبيعى أو تحريكه بنشاط فى الاتجاه المعاكس عن طريق إرجاعه إلى الشكل النقى الأصلى للُّغة الكلاسيكية (الفصحى). ويشير التطور اللغوى الطبيعى إلى التآكلات الصغيرة التى تقع أوَّلًا فى لغة الحديث ترخيم وتحوير بعض الأصوات، إسقاط النهايات ذات النبرة الضعيفة، تبسيط بعض الصيغ النحوية الصعبة. والحقيقة أن التغيرات التى حدثت فى اللغة الإنجليزية وبقية اللغات الأوروپية فى الألف سنة الأخيرة من الضخامة بحيث تكون هناك حاجة إلى تدريب خاص على المستوى الجامعى لجعل النصوص القديمة مفهومة للقارئ الحديث. (غير أنها متاحة فى الترجمة).

وعندما نتحدث عن اللغات الفصحى، فى، أوروپا، فإننا نشير عادةً إلى الشكل الذى اتخذته هذه اللغات منذ 400 سنة أو أقلّ وفى كثير من الحالات يتم بصفة رسمية إجراء إصلاحات لغوية من حين لآخر عندما يغدو من الملحوظ أن الفجوة بين اللغة المكتوبة (الفصحى) ولغة الحديث تزداد اتساعا أكثر مما ينبغى. وبهذه الطريقة لا تكون اللغة الفصحى كما يجرى تعليمها فى المدرسة فى كل مكان بعيدة جدا عن الاستعمال اليومى للمتعلِّمين. وفضلا عن ذلك لا يُنظر إلى اللهجات على أنها شيء يهدد اللغات الفصحى بل على أنها مصادر إثراء لها.

وسيصبح الاتجاه الخطر لمناقشتى واضحا لقرائى العرب الذين يُضفون على اللغة العربية الفصحى صفات لا تستدعى فقط ثراءها الأدبى والدينى الطويل بل تؤهلها أيضا لتكون صالحة كلغة تُوحِّد الأمة العربية جمعاء فى عصرنا الحديث. إنه لعبء ثقيل أن نبنى تقييمنا على أساس أية لغة واحدة. ورغم أننى لا أعتزم طرح حلول إلا أننى أشعر أنه يمكن الخروج بشيء ما عن طريق الإشارة إلى مجالات للدراسة من شأنها أن تُلقى ضوءًا جديدا على هذا الموضوع.

(1) اللغة العربية ليست اللغة الوحيدة المثقلة بتراث أدبى طويل العهد والتى يُلاحَظ فيما يتعلق بها أن احتياجات الاتصال فى الوقت الحاضر دخلت فى صراع مع الرغبة المخلصة فى تعزيز الأصالة الثقافية والدفاع بالتالى عن اللغة الفصحى. ويتجه تفكيرى إلى اليونان التى شهدت تاريخا طويلا من الجدال، مماثلا لكنْ ليس مطابقا للجدال الدائر فيما يتعلق باللغة العربية. وهناك مظاهر عديدة لهذا الجدال ومحاولات رامية إلى حلّ الصراع قد تكون ملائمة ومفيدة.

(2) إن ما يجعل الجدال بخصوص الفصحى فريدا هو الدور الذى تلعبه فى مجال توحيد كل الناطقين باللغة العربية. غير أن من المؤسف أنه، بغضّ النظر عن التشديد على هذه الوظيفة الأيديولوچية، لا وجود لأية جهة للُّغويات العربية تشجِّع القيام بدراسات مقارنة للَّهجات. والحقيقة أن دراسات اللَّهجات ليست موضوعا بل تمثل محرَّما taboo. ولهذا فإنه يُترك للأجانب أن يدرسوا اللَّهجات، ويميل هؤلاء إلى التشديد على أوجه الاختلاف أكثر من أوجه الشبه بين مختلف اللَّهجات العربية، لأنهم على وجه التحديد ليسوا ناطقين أصليِّين باللغة العربية ولا يمكنهم أبدا أن يستوعبوا عمق ومدى المعرفة اللغوية المتاحة للناطقين الأصليِّين بها، ولأن اهتمامهم قد لا يكون أكاديميًّا خالصًا. ورغم أن دراسة اللَّهجات تبدأ بوضع بيان بالتباينات الدقيقة إلا أن هدفها النهائى ينبغى أن يتمثل فى الوصف الكامل للُغة الحديث العربية فى كافة أنحاء العالم العربى مع التشديد على أساسها البنيوى المشترك. وعندما يتم ذلك فإن اللغويِّين سيكونون قادرين على أن يقولوا لنا ما هى سمات الفصحى التى صارت مهجورة حقا، والتى لم تَعُدْ تشكِّل جزءًا من ذخيرة اللغة العربية الحية، وعلى أن يعالجوا مسألة الطريقة التى يتم بها تقريب اللغة العربية الفصحى من لغة الحديث فى كل أنحاء العالم العربى. إنها مهمة كبرى، غير أنها ليست مستحيلة، كما أن المكاسب التى تعود من ذلك على قيمة اللغة العربية كهوية ستكون هائلة.

(3) وفيما يتصل بالإصلاح اللغوى وما يثيره هذا الموضوع عادةً من ردّ فعل سلبى فورى بين القوميِّين اللغويِّين، سيكون من المفيد أن ننظر إلى أمثلة أخرى للإصلاح اللغوى وأن نقوم بتقييم ما تحقَّق وما لم يتحقق. وقد أُرِيق مداد كثير لتوجيه اللعنات إلى نتائج إصلاح اللغة التركية وكيف أنه اقتلع تركيا الحديثة من جذورها العربية الإسلامية ودمَّرَ تراثها الثقافى. والحقيقة أن الأيديولوچية الماثلة وراء هذا الإصلاح اللغوى كانت أيديولوچية مركَّبة. لقد أتى بعد ضياع الإمپراطورية العثمانية، فى فترة أحسَّتْ فيها تركيا بالحاجة إلى إعادة تقييم وإعادة تشكيل هويتها الثقافية. فهل كان عليها، بعد أن سقطت من وضع السيادة على العالم العربى، أن تواصل تأكيد الصلات الثقافية عن طريق استخدام الكتابة العربية؟ والحقيقة أن من الصعب إقناع غير اللغويِّين أو غير الناطقين باللغة التركية بمجرد مدى عدم ملاءمة الكتابة العربية للُّغة التركية. ويكفى أن نقول إن أصوات الحركة vowels فى اللغة التركية أكثر منها فى اللغة العربية وإنها تلعب دورا حاسما فى التعبير عن المعنى النحوى. وبالنسبة للأتراك، كان الانسلاخ من هذه الكتابة ومن الحجم الضخم من الكلمات العربية المستعارة وخلق لغة فصحى أقرب إلى كلام الشعب التركى لغة مفهومة فى أنحاء المنطقة الجنوبية من آسيا الوسطى حتى حدود الصين بمثابة عمل من أعمال التحرر الثقافى، وإعادة تأكيدٍ للأصالة الثقافية. أما واقع أن اختيار الكتابة اللاتينية قد أدخل تركيا إلى حد أبعد فى الفلك الأوروپى، ومن الجلى أن هذا كان يتلاءم مع تطلعات طبقة اجتماعية اقتصادية صاعدة بعينها فى تركيا، فإنه مسألة أخرى.

العولمة واللغات القومية: إعادة نظر

بعد أن قمنا باستدعاء مختلف الأخطار التى تهدد الهوية القومية والأصالة الثقافية كما يتم التعبير عنهما فى اللغات القومية، علينا أن نعود إلى نقطة البداية لنواجه مسألة العولمة، وأعنى، مرة أخرى، التفكير "العالمى" الإيجابى الحقيقى. ذلك أن يمكننا أن نفكِّر بطريقة "عالمية"، وأن نكون معنيِّين بالقضايا "العالمية" بأية لغة. غير أننا إذا أردنا الانهماك بنشاط فى حلّ بعض المشكلات العالمية نحتاج إلى التعاون مع الناطقين باللغات الأخرى، وأسهل وأسرع طريقة إلى حد بعيد هى أن يعرف الجميع لغة واحدة على الأقل من اللغات السائدة المستخدمة دوليًّا، ومن الأفضل أكثر من لغة. وما دام التقدم فى بلدان العالم الثالث يتوقف على الحصول على المعلومات العلمية والتكنولوچية الجديدة فإنه يغدو من الضرورى، مرة أخرى، معرفة واحدة أو أكثر من هذه اللغات كأدوات للاتصال. ألا يكون من الممكن تحقيق هذا بدون خلق عقول شابة مشوشة تعتقد أنها يجب أن تقلِّد كل ما هو أمريكى مهما كان الثمن؟ أليست هذه الظاهرة بالأحرى تعبيرا عن الإخفاق فى التعليم، فى المدرسة والبيت على حدّ سواء، عن إخفاقٍ فى غرس قيم سليمة وفى تعزيز القدرة على التفكير بصورة مستقلة، وكذلك عن عيبٍ جوهرى فى النظام الاجتماعى للبلاد، وعن إخفاقٍ لطبقاتها الحاكمة والمثقفين الناطقين باسمها؟ وأخيرا، ألا يمكن لموقف مستنير إزاء اللغة القومية لشعب أن يساعد على تمهيد السبيل أمام مزيد من التطور والإثراء لهذا الرمز الحيوى للهوية، بحيث يمكن النظر إلى تأثير اللغات الأخرى على أنه أقلّ تهديدا بالأخطار؟