Files
memex/gharbeia.net/content/posts/drafts/عن السيادة و الحدود و القانون و الناس.org

27 lines
9.7 KiB
Org Mode
Raw Blame History

This file contains ambiguous Unicode characters
This file contains Unicode characters that might be confused with other characters. If you think that this is intentional, you can safely ignore this warning. Use the Escape button to reveal them.
---
title: "عن السيادة و الحدود و القانون و الناس"
date: 2004-01-01T00:00:00-00:00
draft: true
---
نتيجة أوراق بنما بقى لي كم يوم بافكر، مرة كمان، في معاني السيادة و الحدود و القانون و علاقة المفاهيم المجردة دي بحياة الناس و حريتهم و رفاههم، و لقيت نفسي سرحت في بحث عن الجزر الصغيرة ال في أطراف الدنيا لكنها تحت سيادة دول بعيدة عنها، و علاقة دا بقوة الدولة.
كثير من الملاذات الضريبية في الدنيا هي جزر تابعة للتاج البريطاني (و مش بالضرورة للمملكة المتحدة. فيه فرق) زي جزر العذراء البريطانية و بنما و جيرسي، و من خلال النطاقات القانونية المستقلة دي، كثير من تجارة و فلوس العالم بتمر بعيد عن رقابة الناس و قدرة الدول على تحصيل الضرائب.
بريطانيا برضه، تبسط سيادتها على جزر فوكلاند في الأطلنطي الجنوبي، و نتيجة دا أن لها حجة في موارد جنوب الأطلنطي غير المستغلة زي الوقود الأحفوري. بريطانيا برضه تبسط سيادتها على أرخبيل تشيجوس وسط المحيط الهندي، و طردت كل السكان من الجزيرة و نقلتهم يا إما لبريطانيا يا إما لموريشوس (الأرخبيل متنازع عليه بين بريطانيا و موريشوس) بأمر ملكي يجاوز كل السلطة الديمقراطية في المملكة المتحدة. أكبر جزر الأرخبيل دييجو جارسيا هي حاليا قاعدة عسكرية بريطانيا مأجراها لأمريكا و فيها ممر إقلاع و هبوط مكوك الفضاء و واحدة من محطات التحكم في نظام تحديد المواقع الجغرافية GPS، و كانت القاعدة الرئيسية للضربات الجوية على أفغانستان و جزء مهم من استراتيجية تضييق الناتو على روسيا و قوى آسيوية متعددة.
بريطانيا (برضه لأنها أكبر بلد استعماري في التاريخ) لا زالت تفرض سيادتها على جبل طارق أقصى جنوب شبه جزيرة أيبيريا، و لا زالت لها قواعد بحرية في قبرص، و المواقع الاستراتيجية للنقط دي نتيجة مرور خطوط النقل و المواصلات بها و منها كابلات الاتصالات البحرية، خلت بريطانيا أقدر دولة على مراقبة الاتصالات العالمية، و دا ال اسمه برنامج تمبورا Tempura ال كشفه إدوارد سنودن من ثلاث سنوات.
أسبانيا، ال المفروض أنها تحب تفرض سيطرتها على بقية شبه الجزيرة بما فيها جبل طارق، هي كمان عندها أراضي و جزر على الساحل الجنوبي للمتوسط زي سبتة و مليلية و بقية الجزر و القواعد العسكرية ال أسبانيا حافظت على سيادتها عليها من ساعة ما كانت في صراع مع دول القراصنة (دا وصف مش نقد) جنوب المتوسط زي جزيرة البران و صخرة الحسيمة و جزر إشفارون و جزيرة قميرة، دا غير جزر الكناري و أملاك ثانية وراء البحار. الجزر دي كلها أقرب للمغرب و المغرب تدعي أحقيتها فيها. المغرب، ال نفسها كانت مستعمرة أسبانية، لا زالت تدعي أحقيتها في الصحراء الغربية (ال على الأطلنطي، مش ال غرب النيل) و تنكر حق الصحراويين في الاستقلال و تقرير المصير.
التحكم في الأرض مفيد، لكن هل أي حاجة من دول ثابتة؟ لأ طبعا. السيادة، و وراها القانون و الحدود، انعكاس لقوة المجتمع و الدولة ال المجتمع بانيها. الدولة كيان بيعبر عن قوى و مصالح قدام قوى و مصالح ثانية. مثلا، إحنا مستقر في وعينا أن مصر هي المربع ال على الخريطة، و أنها باعتبارها أقدم دولة موحدة في العالم كانت طول الوقت المربع دا و هتفضل طول الوقت المربع دا. مش حقيقي. سيادة مصر على الأراضي ال خارج الدلتا و وادي النيل كانت دايما انعكاس لقوة الدولة. محمد علي "فتح" سيوة سنة 1805 و ضمها للأراضي المصرية، و دا كان بداية توسع الأراضي ال تحت سيطرة الدولة المصرية، و ال امتد في الثمانين سنة ال بعدها و غطى أراضي بعيدة في الحجاز و الشام و عبر المتوسط في أوروبا و جنوب خط الاستواء.
طبعا الأراضي دي مش جزء من الدولة المصرية دا الوقت، و دا سببه الوحيد أن ميزان القوى مال لصالح مجتمعات و دول ثانية. و لو كانت مصر فضلت محتفظة بقوتها و بنتها على أساس حقيقي ينفع المجتمع مش بس ينفع محمد علي و أولاده، كان ممكن جدا تفضل البلاد دي و أهلها، في صيدا أو الطائف أو سواكن أو كريت، جزء من الدولة و المجتمع المصري بعد وقت، و لو الأهالي مستفيدين من وجود بلادهم في الدولة. الدولة تفرق كثير عن "البلد"، ال هي أكثر ارتباطا بثقافة و تراث الناس ال عايشين على الأرض، و إن كانت الدولة بسلطتها القمعية (دا كمان وصف لدورها مش نقد له) بتشكل البلد و تغيرها بمرور الزمن. فرنسا اختراع اتعمل من مئات السنين بالحديد و الدم و دا الوقت سكان فرنسا أغلبهم شايفين نفسهم فرنساويين و عاوزين يبقوا فرنساويين. مصر كمان اختراع اتعمل بالبرونز (قبل عصر الحديد) و الدم، و بقينا مصريين و عاوزين نفضل مصريين.
حتى جوا الوادي و الدلتا كانت أوقات كثير الحاكم المصري ما بتبقاش عنده سيطرة على الصعيد ال كثير ما كان فيه عصابات (و مجتمعات) بتحاول تحرز لنفسها استقلال أكثر و تحكم أكبر في حياتها. دا فضل لغاية محمد علي (أو لغاية مبارك و الجماعة الإسلامية في الثمانينيات و التسعينيات).
أنا سافرت كثير للمناطق الحدودية في مصر. وصلت لقسطل و أدندان، آخر قريتين على شرق بحيرة السد و بينهم و بين الحدود المصرية-السودانية 30 كيلومتر، و شفت أهلنا النوبيين هناك و ما أقدرش أقول أنهم مصريين أو سودانيين. أقدر أقول أنهم أهلنا، و أنهم نوبيين و أن البلد ال باسطة سلطتها على أرضهم مش بتعاملهم كمواطنين كاملين و بتديهم سبب يحسوا بالانتماء. شفت أهلنا العبابدة و البشارية على ساحل البحر الأحمر، و ما عنديش أي فكرة ليه من مصلحتهم أن الحدود تمنع عنهم التجارة و التعايش مع أهلنا برضه البشارية و الرشايدة جنوب الحدود. رحت لغاية معبر رفح و ما أقدرش أقول إمتى مصر بتخلص و إمتى فلسطين بتبدأ. مشيت كثير في وديان و جبال جنوب سينا و شفت بعيني الحرمان ال أهلنا الطوارة عايشينه هناك، و الأهم أني بعد ما عرفتهم و عرفوني و وثقوا في سمعت منهم عن التمييز و الاستغلال و عن تمسكهم أنهم يبقوا مصريين زي بقية المصريين. سمعت برضه من شبابهم أنهم عايزين يعيشوا و أنهم بيحبوا سينا و نفسهم يشوفوها عمرانة و في أمان بأي طريقة و تحت أي إدارة، حتى لو كانت إدارتهم هم بنفسهم.
أنا تعلمت من كل الناس دول و من الفرجة على الجغرافيا و قراية التاريخ أن دي كلها بلاد، لها أهل و ثقافة و جغرافيا و اقتصاد، و أن الحدود هتكبر و تصغر بقوة الدولة، و أن الدولة في أيامنا دي ما ينفعش تبقى دولة محمد علي ال راح يفتح سيوة و يأدب أهل الصعيد و العربان في الصحاري. الدولة و حدودها في أيامنا دي انعكاس للمجتمع و قوته، و القانون و العلاقات الدولية و المعاهدات نتيجة لقوة المجتمع أو ضعفه، مش العكس.
بمنطق الدولة، أي أرض بتروح منها هي خسارة، و صنافير و تيران خسارة للدولة المصرية و مكسب للدولة السعودية. بمنطقي أنا، الأرض هي أول شروط الحياة و الحرية و الرخاء للناس، لكن الوطن هو الناس مش التراب.