11772 lines
985 KiB
Org Mode
11772 lines
985 KiB
Org Mode
*كتاب المدهش لابن الجوزي*
|
||
|
||
*من مشاهير كتب الإمام ابن الجوزي. يندرج في قائمة كتبه في الوعظ والإرشاد،
|
||
ولكنه وعظ مرقق، وإرشاد منمق، مزجه بروائع شعر الزهد والتصوف، مما يرقى
|
||
بالكتاب إلى مصاف كتب الأمالي والمجالس.*
|
||
|
||
*ويتألف الكتاب من خمسة أبواب. الأول: في علوم القرآن، ومن نوادره الفصل
|
||
الذي عقده، لما ورد في القرآن من الألفاظ التي تتضمن أكثر من معنى. الثاني:
|
||
في اللغة ونوادرها. الثالث: في الحديث والسيرة، وما يلزم من المعارف
|
||
للتمييز بين الصحابة. الرابع: في ذكر عيون التاريخ، ذكر فيه عجائب
|
||
الاتفاقات والصدف، وضمنه قوائم للطواعين والزلازل، من بدء الإسلام وحتى
|
||
عصره.*
|
||
|
||
بسم الله الرحمن الرحيم
|
||
|
||
رب عونك
|
||
|
||
قال شيخ الأمة وعلم الأئمة، ناصر السنة، نجم الإسلام جمال الدين زين
|
||
الأنام، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن حمادي بن الجوزي
|
||
رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي لا منتهى لعطاياه ومنحه، حمداً يقوم
|
||
بالواجب من شكره ومدحه، وصلى الله على أشرف نبي وأنصحه، وعلى أصحابه
|
||
وأزواجه ما استن طرف في مرحه.\\
|
||
أما بعد فإني قمت بحمد الله في علم الوعظ بأصحه وأملحه، وآثرت أن أنتقي في
|
||
هذا الكتاب من ملحه، والله الموفق في كل عمل لأصلحه، وقد قسمته خمسة أبواب:
|
||
|
||
الباب الأول: في ذكر علوم القرآن العزيز.\\
|
||
الباب الثاني: في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها.\\
|
||
الباب الثالث: في علوم الحديث.\\
|
||
الباب الرابع: في عيون التواريخ.\\
|
||
الباب الخامس: في ذكر الوعظ. وهذا الباب مقسم، قسم يذكر فيه القصص، وقسم
|
||
يذكر فيه المواعظ مطلقاً والله الموفق.
|
||
|
||
الباب الأول:
|
||
|
||
في علوم القرآن
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في ذكر الخطاب بالقرآن
|
||
|
||
الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهاً: 1- خطاب عام "خلقكم".\\
|
||
2- وخطاب خاص "أكفرتم".\\
|
||
3- وخطاب الجنس "يا أيها الناس".\\
|
||
4- وخطاب النوع "يا بني آدم".\\
|
||
5- وخطاب العين "يا آدم".\\
|
||
6- وخطاب المدح "يا أيها الذين آمنوا".\\
|
||
7- وخطاب الذم "يا أيها الذين كفروا".\\
|
||
8- وخطاب الكرامة "يا أيها النبي".\\
|
||
9- وخطاب التودد "يا بن أم إنَّ القوم".\\
|
||
10- وخطاب الجمع بلفظ الواحد "يا أيها الإنسان ما غرك".\\
|
||
11- وخطاب الواحد بلفظ الجمع "وإن عاقبتم".\\
|
||
12- وخطاب الواحد بلفظ الاثنين "ألقيا في جهنم" 13- وخطاب الاثنين بلفظ
|
||
الواحد "فمن ربكما يا موسى".\\
|
||
14- وخطاب العين والمراد به الغير "فإن كنت في شك".\\
|
||
15- وخطاب التلو وهو ثلاثة أوجه: أحدها أن يخاطب ثم يخبر "حتى إذا كنتم في
|
||
الفلك وجَرَيْنَ بهم". "وما أوتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم
|
||
المضعفون". "وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون".\\
|
||
والثاني: أن يخبر ثم يخاطب "فأما الذين اسودَّت وجوههم أكفرتم" "وسقاهم
|
||
ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاءاً وكان سعيكم مشكوراً".\\
|
||
والثالث: أن يخاطب عيناً ثم يصرف الخطاب إلى الغير "إنَّا أرسلناك شاهداً
|
||
ومبشراً ونذيراً ليؤمنوا بالله ورسوله". وهذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو
|
||
فإنهما قرءا بالياء
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في ذكر أمثال القرآن
|
||
|
||
في القرآن ثلاثة وأربعون مثلاً: في البقرة: "كمثل الذي استوقد ناراً"، "أو
|
||
كصيب"، "أن يضرب مثلاً ما بعوضة"، "ومثل الذين كفروا"، "مثل الذين ينفقون
|
||
أموالهم في سبيل الله"، "فمثله كمثل صفوان"، "ومثل الذين ينفقون أموالهم
|
||
ابتغاء مرضاة الله"، "أيود أحدكم"، "كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان". وفي آل
|
||
عمران: "وكنتم على شفا حفرة من النار"، "مثل ما ينفقون". وفي الأنعام:
|
||
"كالذي استهوته الشياطين". وفي الأعراف: "فمثله كمثل الكلب". وفي يونس:
|
||
"إنما مثل الحياة الدنيا". وفي هود: "مثل الفريقين". وفي الرعد: "إلا كباسط
|
||
كفيه إلى الماء"، "أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها"، "مثل الجنة".
|
||
وفي إبراهيم: "مثل الذين كفروا بربهم"، "كيف ضرب الله مثلاً"، "ومثل كلمة
|
||
خبيثة". وفي النحل: "ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً"، "وضرب الله مثلاً
|
||
رجلين"، "وضرب الله مثلاً قرية". وفي الكهف: "واضرب لهم مثلاً رجلين"،
|
||
"واضرب لهم مثل الحياة الدنيا". وفي الحج: "فكأنما خرَّ من السماء"، "ضرب
|
||
مثل". وفي النور: "مثل نوره"، "أعمالهم كسراب بقيعة". وفي العنكبوت: "مثل
|
||
الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت". وفي الروم: "ضرب لكم
|
||
مثلاً من أنفسكم". وفي يس: "وضرب لنا مثلاً". وفي الزمر: "ضرب الله مثلاً
|
||
رجلاً". وفي سورة محمد - صلى الله عليه وسلم -: "نظر المغشي عليه من
|
||
الموت"، "مثل الجنة". وفي الفتح: "ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في
|
||
الإنجيل". وفي الحشر: "كمثل الذي من قبلهم"، "كمثل الشيطان". وفي الجمعة:
|
||
"مثل الذين حملوا التوراة". وفي التحريم: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا"،
|
||
"وضرب الله مثلاً للذين آمنوا".\\
|
||
وكم من كلمة تدور على الألسن مثلاً. جاء القرآن بألخص منها وأحسن، فمن ذلك
|
||
قولهم: القتل أنفى للقتل، مذكور في قوله: "ولكم في القصاص حياة".
|
||
|
||
وقولهم: ليس المخبر كالمعاين، مذكور في قوله تعالى: "ولكن ليطمئن قلبي".\\
|
||
وقولهم: ما تزرع تحصد، مذكور في قوله تعالى: "من يعمل سوءاً يُجْزَ به".\\
|
||
وقولهم: للحيطان آذان، مذكور في قوله تعالى: "وفيكم سمَّاعون لهم".\\
|
||
وقولهم: الحمية رأس الدواء، مذكور في قوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا
|
||
تسرفوا".\\
|
||
وقولهم: احذر شر من أحسنت إليه، مذكور في قوله تعالى: "وما نقموا إلا أن
|
||
أغناهم الله ورسولُه من فضله".\\
|
||
وقولهم: من جهل شيئاً عاداه، مذكور في قوله تعالى: "بل كذّبوا بما لم
|
||
يحيطوا بعلمه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم".\\
|
||
وقولهم: خير الأمور أوساطها، مذكور في قوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولةً
|
||
إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط".\\
|
||
وقولهم: من أعان ظالماً سلطه الله عليه، مذكور في قوله تعالى: "كتب عليه
|
||
أنه من تولاه فأنَّه يضله".\\
|
||
وقولهم: لما أنضج رمَّد، مذكور في قوله تعالى: "وأعطى قليلاً وأكدى".\\
|
||
وقولهم: لا تلد الحية إلا حية، مذكور في قوله تعالى: "ولا يلدوا إلا فاجراً
|
||
كَفَّاراً".
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في عيون المتشابه
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في الحروف المبدلات
|
||
|
||
في البقرة: "فسواهن سبع سموات". وفي حم السجدة: "فقضاهن".\\
|
||
في البقرة: "وقلنا يا آدم اسكن". وفي الأعراف: "يا آدم اسكن".\\
|
||
وفي البقرة: "وظللنا عليكم الغمام". وفي الأعراف: "وظللنا عليهم الغمام".\\
|
||
في البقرة: "فانفجرت منه". وفي الأعراف: "فانبجست".\\
|
||
في البقرة: "بعد الذي جاءك من العلم". وفي الرعد: "بعدما جاءك من العلم".\\
|
||
في البقرة: "للطائفين والعاكفين". وفي الحجر: "والقائمين".\\
|
||
في البقرة: "وما أنزل إلينا". وفي آل عمران: "علينا".\\
|
||
في البقرة: "أو لو كان آباؤكم لا يعقلون شيئاً". وفي المائدة: "لا
|
||
يعلمون".\\
|
||
في آل عمران: "لكيلا تحزنوا". وفي الحديد: "لكيلا تأسوا".\\
|
||
في سورة النساء: "وخلق منها زوجها". وفي الأعراف: "وجعل".\\
|
||
في سورة النساء: "إن تبدوا خيراً". وفي الأحزاب: "شيئاً".\\
|
||
في الأنعام: "من إملاق"، وفي بني إسرائيل: "خشية إملاق".\\
|
||
في الأعراف: "فأرسل معي بني إسرائيل"، وفي طه: "معنا".\\
|
||
في الأعراف: "وأرسل في المدائن حاشرين"، وفي الشعراء: "وابعث".\\
|
||
في الأعراف: "ثم لأصلبنكم"، وفي طه: "ولأصلبنكم".\\
|
||
في التوبة: "يريدون أن يطفئوا"، وفي الصف: "ليطفئوا".\\
|
||
في يونس: "فأتبعهم فرعون وجنوده"، وفي طه: "بجنوده".\\
|
||
في هود: "وأمطرنا عليهم"، وفي الحجر: "عليهم".\\
|
||
في الحجر: "وما يأتيهم من رسول"، وفي الزخرف: "من نبي".\\
|
||
في الحجر: "كذلك نسلكه"، وفي الشعراء: "سلكناه".\\
|
||
في الكهف: "ولئن رددت"، وفي حم السجدة: "ولئن رجعت".\\
|
||
في الكهف: "فأعرض عنها"، وفي السجدة: "ثم أعرض عنها".\\
|
||
في طه: "وسلك لكم فيها سبلاً"، وفي الزخرف: "وجعل لكم".\\
|
||
في الأنبياء: "وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين"، وفي الصافات: "فأرادوا
|
||
به كيداً فجعلناهم الأسفلين".\\
|
||
في الأنبياء: "وتقطعوا أمرهم بينهم"، وفي المؤمنون: "فتقطعوا".\\
|
||
في النمل: "ففزع من في السموات"، وفي الزمر: "فصعق".\\
|
||
في القصص: "وما أوتيتم"، وفي عسق: "فما أوتيتم".\\
|
||
في العنكبوت: "ولقد تركنا منها آية"، وفي القمر: "وقد تركناها آية".\\
|
||
في حم السجدة: "ثم كفرتم به"، وفي الأحقاف: "وكفرتم به".\\
|
||
في المدثر: "كلا إنه تذكرة"، وفي عبس: "كلا إنها تذكرة".
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في الحروف الزوائد والنواقص
|
||
|
||
في البقرة: "فأتوا بسورة من مثله"، وفي يونس: "بسورة مثله".\\
|
||
في البقرة: "إلا إبليس أبى واستكبر"، وفي ص: "إلا إبليس استكبر".\\
|
||
في البقرة: "فمن تبع هداي"، وفي طه: "فمن اتبع".\\
|
||
في البقرة: "وإذ نجيناكم"، وفي الأعراف: "وإذ أنجيناكم".\\
|
||
في البقرة: "يذبحون أبناءكم"، وفي إبراهيم: "ويذبحون".\\
|
||
في البقرة: "حيث شئتم رغداً"، وفي الأعراف: "حيث شئتم".\\
|
||
في البقرة: "وسنزيد المحسنين"، وفي الأعراف: "سنزيد".\\
|
||
في البقرة: "فبدل الذي ظلموا قولاً"، وفي الأعراف: "منهم قولاً".\\
|
||
في البقرة: "وذي القربى"، وفي النساء: "وبذي القربى".\\
|
||
في البقرة: "وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون"، وفي آل عمران:
|
||
"والنبيون".\\
|
||
في البقرة: "ويكون الدين لله"، وفي الأنفال: "كله لله".\\
|
||
في آل عمران: "من آمن تبغونها عوجاً"، وفي الأعراف: "من آمن به وتبغونها".
|
||
|
||
في آل عمران: "إلا بشرى لكم ولتطمئن"، وفي الأنفال: "إلا بشرى ولتطمئن
|
||
به".\\
|
||
في سورة النساء: "فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً"، وفي بني إسرائيل: "فاحشةً
|
||
وساء سبيلاً".\\
|
||
في الأنعام: "ما لم ينزل به عليكم سلطاناً"، وفي باقي القرآن: "ما لم ينزل
|
||
به سلطاناً".\\
|
||
في الأنعام: "ولا أقول لكم إني ملك". وفي هود: "ولا أقول إني ملك".\\
|
||
في الأحزاب: "يريد أن يخرجكم من أرضكم"، وفي الشعراء: "بسحره".\\
|
||
في الأعراف: "وإنكم لمن المقربين"، وفي الشعراء: "وإنكم إذاً".\\
|
||
في الأعراف: "قال ابن أمّ"، وفي طه: "قال يا ابن أمّ".\\
|
||
في التوبة: "ولا تضروه"، وفي هود: "ولا تضرونه".\\
|
||
في هود: "ولما جاءت رسلنا"، وفي العنكبوت: "ولما أن جاءت رسلنا".\\
|
||
في يوسف: "ولما بلغ أشده آتيناه حكماً"، وفي القصص: "واستوى".\\
|
||
في النحل: "لكيلا يعلم بعد علم شيئاً"، وفي الحج: "من بعد علم".\\
|
||
في النحل: "وبنعمة الله هم يكفرون"، وفي العنكبوت: "وبنعمة الله يكفرون".\\
|
||
في النحل: "ولا تك في ضيق مما يمكرون"، وفي النمل: "ولا تكن".\\
|
||
في الحج: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها"، وفي ألم السجدة:
|
||
"أن يخرجوا منها أعيدوا فيها".\\
|
||
في الحج: "وإنما يدعون من دونه هو الباطل". وفي لقمان: "من دونه الباطل".\\
|
||
في الشعراء: "ما تعبدون"، وفي الصافات: "ماذا تعبدون".\\
|
||
في النمل: "ومن شكر"، وفي لقمان: "ومن يشكر".\\
|
||
في القصص: "ويقدر"، وفي العنكبوت: "ويقدر له".\\
|
||
في النازعات: "يوم يتذكر الإنسان"، وفي الفجر: "يومئذٍ يتذكر".
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في المقدم والمؤخر
|
||
|
||
في البقرة: "وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة"، وفي الأعراف: "وقولوا حطة
|
||
وادخلوا الباب سجداً".\\
|
||
في البقرة: "والنصارى والصابئين"، وفي الحج: "والصابئين والنصارى".\\
|
||
في البقرة والأنعام: "قل إن هدى الله هو الهدى"، وفي آل عمران: "قل إن
|
||
الهدى هدي الله".\\
|
||
في البقرة: "ويكون الرسول عليكم شهيداً"، وفي الحج: "شهيداً عليكم".\\
|
||
في البقرة: "وما أهلَّ به لغير الله"، وفي باقي القرآن: "لغير الله به".\\
|
||
في البقرة: "لا يقدرون على شيء مما كسبوا"، وفي إبراهيم: "مما كسبوا على
|
||
شيء".\\
|
||
في آل عمران: "ولتطمئن قلوبكم به"، وفي الأنفال: "به قلوبكم".\\
|
||
في سورة النساء: "كونوا قوامين بالقسط شهداء لله"، وفي المائدة: "كونوا
|
||
قوامين لله شهداء بالقسط".\\
|
||
في الأنعام: "لا إله إلا هو خالق كل شيء"، وفي حم المؤمن: "خالق كل شيء لا
|
||
إله إلا هو".\\
|
||
في الأنعام: "نحن نرزقكم وإياهم"، وفي بني إسرائيل: "نحن نرزقهم وإياكم".\\
|
||
في النحل: "وترى الفلك مواخر فيه"، وفي فاطر: "فيه مواخر".\\
|
||
في بني إسرائيل: "ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن"، وفي الكهف: "في هذا
|
||
القرآن للناس".\\
|
||
في بني إسرائيل: "قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم"، وفي العنكبوت: "بيني
|
||
وبينكم شهيداً".\\
|
||
في المؤمنون: "لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل"، وفي النمل: "لقد وعدنا
|
||
هذا نحن وآباؤنا".\\
|
||
في القصص: "وجاء رجل من أقصى المدينة"، وفي يس: "وجاء من أقصى المدينة رجل
|
||
يسعى.
|
||
|
||
أبواب منتخبة من الوجوه والنظائر
|
||
|
||
باب أو
|
||
|
||
تكون بمعنى التخييرة: "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك"، "أو كسوتهم أو تحرير
|
||
رقبة".\\
|
||
وتكون بمعنى الواو: "أو الحوايا أو ما اختلط بعظم"، "ولا تطع منهم آثماً أو
|
||
كفوراً".\\
|
||
وتكون بمعنى بل: "لبثت يوماً أو بعض يوم"، "إلا كلمح البصر أو هو أقرب"،
|
||
"فكان قاب قوسين أو أدنى".\\
|
||
وتكون للإبهام: "أو كصيب"، "أو يزيدون".
|
||
|
||
باب أدنى
|
||
|
||
تكون بمعنى أجدر: "وأدنى ألاَّ ترتابوا"، "ذلك أدنى ألا تعولوا"، "ذلك أدنى
|
||
أن يأتوا بالشهادة".\\
|
||
وتكون بمعنى أقرب: "من العذاب الأدنى"، "قاب قوسين أو أدنى".\\
|
||
وتكون بمعنى أقل: "ولا أدنى من ذلك ولا أكثر".\\
|
||
وتكون بمعنى دون: "أتستبدلون الذي هو أدنى".
|
||
|
||
باب الإنزال
|
||
|
||
تكون بمعنى الحط من علو: "ينزل الغيث".\\
|
||
وبمعنى الخلق: "أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق، وأنزل لكم من الأنعام
|
||
ثمانية أزواج"، "وأنزلنا الحديد".\\
|
||
وتكون بمعنى القول: "سأنزل مثل ما أنزل الله".\\
|
||
وبمعنى البسط: "ولكن ينزل بقدر ما يشاء".
|
||
|
||
باب الأرض
|
||
|
||
الأرض تذكر ويراد بها أرض الأردن: "ولا تعثوا في الأرض مفسدين".\\
|
||
ويراد بها القبر: "لو تسوى بهم الأرض".ويراد بها أرض مكة: "كنا مستضعفين في
|
||
الأرض".\\
|
||
ويراد بها أرض المدينة: "ألم تكن أرض الله واسعة".\\
|
||
ويراد بها أرض الإسلام: "ويسعون في الأرض فساداً".\\
|
||
ويراد بها أرض التيه: "يتيهون في الأرض".\\
|
||
ويراد بها الأرضون السبع: "وما من دابة في الأرض".\\
|
||
ويراد بها أرض مصر: "اجعلني على خزائن الأرض".\\
|
||
ويراد بها أرض الحجر: "فذروها تأكل في أرض الله".\\
|
||
ويراد بها القلب: "فيمكث في الأرض".\\
|
||
ويراد بها أرض الغرب: "مفسدين في الأرض".\\
|
||
ويراد بها الجنة: "أن الأرض يرثها".\\
|
||
ويراد بها أرض الروم: "في أدنى الأرض".\\
|
||
ويراد بها أرض بني قريظة: "وأورثكم أرضهم".\\
|
||
ويراد بها أرض فارس: "وأرضاً لم تطئوها".\\
|
||
ويراد بها أرض القيامة: "وأشرقت الأرض".
|
||
|
||
باب الأمر
|
||
|
||
الأمر يذكر ويراد به قتل بني قريظة وجلاء النضير: "فاعفوا واصفحوا حتى يأتي
|
||
الله بأمره".\\
|
||
ويراد به النصر: "هل لنا من الأمر من شيء".\\
|
||
ويراد به استدعاء الفعل: "ويأمركم أن تؤدوا الأمانات".\\
|
||
ويراد به الخصب: "أو أمر من عنده".\\
|
||
ويراد به الذنب: "ليذوق وبال أمره".\\
|
||
ويراد به المشورة: "فماذا تأمرون".\\
|
||
ويراد به قتل كفار مكة: "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً".\\
|
||
ويراد به فتح مكة: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره".\\
|
||
ويراد به الحذر: "قد أخذنا أمرنا من قبل".\\
|
||
ويراد به القضاء: "يدبر الأمر".\\
|
||
ويراد به القول: "فلما جاء أمرنا".\\
|
||
ويراد به الغرق: "لا عاصم اليوم من أمر الله".\\
|
||
ويراد به العذاب: "وقضي الأمر".\\
|
||
ويراد به الشان: "وما أمر فرعون برشيد".\\
|
||
ويراد به القيامة: "أتى أمر الله".
|
||
|
||
باب الإنسان
|
||
|
||
الإنسان يذكر ويراد به أبو حذيفة بن عبد الله: "وإذا مس الإنسان الضر".\\
|
||
ويراد به عتبة بن ربيعة: "ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة".\\
|
||
ويراد به النضر بن الحارث: "ويدعو الإنسان بالشر".\\
|
||
ويراد به أبي بن خلف: "أوَلا يذكر الإنسان".\\
|
||
ويراد به آدم: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة".\\
|
||
ويراد به سعد بن أبي وقاص: "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً".\\
|
||
ويراد به عياش بن أبي ربيعة: "ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك
|
||
لتشرك".\\
|
||
ويراد به أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً
|
||
حملته أمه كرهاً".\\
|
||
ويراد به عقبة بن أبي معيط: "وكان الشيطان للإنسان خذولاً".\\
|
||
ويراد به بنو آدم: "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم".\\
|
||
ويراد به برصيصا: "إذ قال للإنسان اكفر".\\
|
||
ويراد به الأخنس بن شريق: "إن الإنسان خلق هلوعاً".\\
|
||
ويراد به عدي بن أبي ربيعة: "أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه".\\
|
||
ويراد به أمية بن خلف: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه".\\
|
||
ويراد به الحارث بن عمرو: "لقد خلقنا الإنسان في كبد".\\
|
||
ويراد به الأسود بن عبد الأسد: "يا أيها الإنسان إنك كادح".\\
|
||
ويراد به كلدة بن أسيد: "يا أيها الإنسان ما غرك".\\
|
||
ويراد به الوليد بن المغيرة: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم".\\
|
||
ويراد به أبو طالب بن عبد المطلب: "فلينظر الإنسان مم خلق".\\
|
||
ويراد به عتبة بن أبي لهب: "فلينظر الإنسان إلى طعامه".\\
|
||
ويراد به قرط بن عبد الله: "إن الإنسان لربه لكنود".\\
|
||
ويراد به أبو جهل: "إن الإنسان لفي خسر".\\
|
||
ويراد به أبو لهب: "إن الانسان ليطغى" ويراد به الكافر: "وقال الإنسان ما
|
||
لها".
|
||
|
||
باب الباء
|
||
|
||
الباء، وتكون بمعنى: "وإذ فرقنا بكم البحر".\\
|
||
وبمعنى عند: "والمستغفرين بالأسحار".\\
|
||
وبمعنى في: "بيدك الخير".\\
|
||
وبمعنى بعد: "فأثابكم غماً بغم".\\
|
||
وبمعنى على: "لو تسوى بهم الأرض".\\
|
||
وتكون صلة: "فامسحوا بوجوهكم".\\
|
||
وبمعنى المصاحبة: "وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به".\\
|
||
وبمعنى إلى: "ما سبقكم بها".\\
|
||
وبمعنى السبب: "الذي هم به مشركون"، أي من أجله.\\
|
||
وبمعنى عن: "فاسأل به خبيراً".\\
|
||
وبمعنى مع: "فتولى بركنه"، أي مع جنده.\\
|
||
وبمعنى من: "عيناً يشرب بها عباد الله".
|
||
|
||
باب الحق
|
||
|
||
الحق يأتي بمعنى الجرم: "ويقتلون النبيين بغير الحق".\\
|
||
وبمعنى البيان: "الآن جئت بالحق".\\
|
||
وبمعنى المال: "وليملل الذي عليه الحق".\\
|
||
وبمعنى القرآن: "بل كذبوا بالحق".\\
|
||
وبمعنى الصدق: "قوله الحق".\\
|
||
وبمعنى العدل: "وبين قومنا بالحق".\\
|
||
وبمعنى الإسلام: "فيحق الحق".\\
|
||
وبمعنى المنجز: "وعداً علينا حقاً".
|
||
|
||
وبمعنى الحاجة: "ما لنا في بناتك من حق".\\
|
||
وبمعنى لا إله إلا الله: "له دعوة الحق".\\
|
||
ويراد به الله عز وجل: "ولو اتبع الحق أهوائهم".\\
|
||
وبمعنى التوحيد: "وأكثرهم للحق كارهون".\\
|
||
وبمعنى الحظ: "والذين في أموالهم حق معلوم".
|
||
|
||
باب الخير
|
||
|
||
الخير يذكر ويراد به القرآن: "أن ينزل عليكم من خير من ربكم".\\
|
||
ويراد به الأنفع: "نأت بخير منها".\\
|
||
ويراد به المال: "إن ترك خيراً".\\
|
||
ويراد به ضد للشر: "بيدك الخير".\\
|
||
ويراد به الإصلاح: "يدعون إلى الخير".\\
|
||
ويراد به الولد الصالح: "ويجعل الله فيه خيراً كثيراً".\\
|
||
ويراد به العافية: "وإن يمسسك الله بخير".\\
|
||
ويكون بمعنى النافع: "لاستكثرت من الخير".\\
|
||
وبمعنى الإيمان: "ولو علم الله فيهم خيراً".\\
|
||
وبمعنى رخص الأسعار: "إني أراكم بخير".\\
|
||
وبمعنى النوافل: "وأوحينا إليهم فعل الخيرات".\\
|
||
وبمعنى الأجر: "لكم فيها خير".\\
|
||
وبمعنى الأفضل: "وأنت خير الراحمين".\\
|
||
وبمعنى العفة: "ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً".\\
|
||
وبمعنى الصلاح: "إن علمتم فيهم خيراً".\\
|
||
وبمعنى الطعام: "إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير".\\
|
||
وبمعنى الظفر: "لم ينالوا خيراً".\\
|
||
وبمعنى الخيل: "أحببت حب الخير".\\
|
||
وبمعنى القوة: "أهم خير".\\
|
||
وبمعنى حسن الأدب: "لكان خيراً لهم".\\
|
||
وبمعنى حب الدنيا: "إنه لحب الخير لشديد".
|
||
|
||
باب الدين
|
||
|
||
الدين: يذكر ويراد به الجزاء: "مالك يوم الدين".\\
|
||
ويراد به الإسلام: "بالهدى ودين الحق".\\
|
||
ويراد به العذاب: "ذلك الدين القيم".\\
|
||
ويراد به الطاعة: "ولا يدينون دين الحق".\\
|
||
ويراد به التوحيد: "مخلصين له الدين".\\
|
||
ويراد به الحكم: "ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك".\\
|
||
ويراد به الحد: "ولا تأخذكم بهم رأفة في دين الله".\\
|
||
ويراد به الحساب: "يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق".\\
|
||
ويراد به العبادة: "قل أتعلمون الله بدينكم".\\
|
||
ويراد به الملة: "ذلك دين القيمة".
|
||
|
||
باب الذكر
|
||
|
||
الذكر: يذكر ويراد به ذكر اللسان: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم".\\
|
||
ويراد به الحفظ: "فاذكروا ما فيه".\\
|
||
ويراد به الطاعة: "فاذكروني".\\
|
||
ويراد به الصلوات الخمس: "فإذا أمنتم فاذكروا الله".\\
|
||
ويراد به ذكر القلب: "ذكروا الله فاستغفروا".\\
|
||
ويراد به البيان: "أوعجبتم أن جاءكم ذكر".\\
|
||
ويراد به الخير: "قل سأتلو عليكم منه ذكراً".\\
|
||
ويراد به التوحيد: "ومن أعرض عن ذكري".\\
|
||
ويراد به القرآن: "ما يأتيهم من ذكر".\\
|
||
ويراد به الشرف: "فيه ذكركم"، "وإنه لذكر لك".\\
|
||
ويراد به العيب: "أهذا الذي يذكر آلهتكم".\\
|
||
ويراد به صلاة العصر: "عن ذكر ربي".\\
|
||
ويراد به صلاة الجمعة: "فاسعوا إلى ذكر الله".
|
||
|
||
باب الروح
|
||
|
||
الروح: يذكر ويراد به الأمر: "وروح منه".\\
|
||
ويراد به جبريل: "فأرسلنا إليها روحنا".\\
|
||
ويراد به الريح: "فنفخنا فيها من روحنا".\\
|
||
ويراد به روح الحيوان: "ويسألونك عن الروح".\\
|
||
ويراد به الحياة: "فروح وريحان": على قراءة من ضم.
|
||
|
||
باب الصلاة
|
||
|
||
الصلاة: تذكر ويراد بها الصلوات الخمس: "يقيمون الصلاة".\\
|
||
ويراد بها صلاة العصر: "تحبسونهما من بعد الصلاة".\\
|
||
ويراد بها صلاة الجنازة: "ولا تصل على أحد منهم".\\
|
||
ويراد بها الدعاء: "وصل عليهم".\\
|
||
ويراد بها الدين: "أصلاتك تأمرك".\\
|
||
ويراد بها القراءة: "ولا تجهر بصلاتك".\\
|
||
ويراد بها موضع الصلاة: "وصلوات ومساجد".\\
|
||
ويراد بها المغفرة والاستغفار: "إن الله وملائكته يصلون على النبي"، فصلاة
|
||
الله تعالى المغفرة، وصلاة الملائكة الاستغفار.\\
|
||
ويراد بها الجمعة: "إذا نودي للصلاة".
|
||
|
||
باب عن
|
||
|
||
ترد صلة: "يسألونك عن الأنفال".\\
|
||
وتكون بمعنى الباء: "بتاركي آلهتنا عن قولك".\\
|
||
وبمعنى من: "يقبل التوبة عن عباده".\\
|
||
وبمعنى على: "فإنما يبخل عن نفسه".\\
|
||
وبمعنى بعد: "لتركبن طبقاً عن طبق".
|
||
|
||
باب الفتنة
|
||
|
||
تذكر، ويراد بها الشرك: "حتى لا تكون فتنة".\\
|
||
ويراد بها القتل: "أن يفتنكم الذين كفروا".\\
|
||
ويراد بها المعذرة: "ثم لم تكن فتنتهم".\\
|
||
ويراد بها الضلال: "ومن يرد الله فتنته".\\
|
||
ويراد بها القضاء: "إن هي إلا فتنتك".\\
|
||
ويراد بها الإثم: "ألا في الفتنة سقطوا".\\
|
||
ويراد بها المرض: "يفتنون في كل عام".\\
|
||
ويراد بها العبرة: "تجعلنا فتنة".\\
|
||
ويراد بها العقوبة: "أن تصيبهم فتنة".
|
||
|
||
ويراد بها الاختيار: "ولقد فتنا الذين من قبلهم".\\
|
||
ويراد بها العذاب: "جعل فتنة الناس".\\
|
||
ويراد بها الإحراق: "يوم هم على النار يفتنون".\\
|
||
ويراد بها الجنون: "بأيكم المفتون".
|
||
|
||
باب في
|
||
|
||
تكون بمعنى الظرف: "لا ريب فيه".\\
|
||
وبمعنى نحو: "قد نرى تقلب وجهك في السماء".\\
|
||
وبمعنى الباء: "في ظلل".\\
|
||
وبمعنى إلى: "فتهاجروا فيها".\\
|
||
وبمعنى مع: "ادخلوا في أمم".\\
|
||
وبمعنى عند: "وإنا لنراك فينا ضعيفاً".\\
|
||
وبمعنى عن: "أتجادلونني في أسماء".\\
|
||
وبمعنى على: "في جذوع النخل".\\
|
||
وبمعنى اللام: "وجاهدوا في الله".\\
|
||
وبمعنى من: "يخرج الخبء في السماوات".
|
||
|
||
باب القرية
|
||
|
||
تذكر، ويراد بها أريحاء: "ادخلوا هذه القرية".\\
|
||
ويراد بها دير هرقل: "مر على قرية".\\
|
||
ويراد بها إيليا: "واسألهم عن القرية".\\
|
||
ويراد بها مصر: "واسأل القرية".\\
|
||
ويراد بها مكة: "قرية كانت آمنة".\\
|
||
ويراد بها مكة والطائف: "على رجل من القريتين عظيم".\\
|
||
ويراد بها جمع القرى: "وإن من قرية إلا نحن مهلوكها".\\
|
||
ويراد بها قرية لوط: "ولقد أتوا على القرية".\\
|
||
ويراد بها أنطاكية: "واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية".
|
||
|
||
باب كان
|
||
|
||
ترد بمعنى وجد: "ومن كان ذا عسرة".\\
|
||
وبمعنى الماضي: "كان حلا".\\
|
||
وبمعنى ينبغي: "ما كان لبشر".\\
|
||
وصلة: "وكان الله غفوراً رحيما"ً.\\
|
||
وبمعنى هو: "من كان في المهد صبياً".\\
|
||
وبمعنى صار: "فكانت هباءً منبثاً".
|
||
|
||
باب كلا
|
||
|
||
هي في القرآن على وجهين: أحدهما: بمعنى لا ومنه في مريم: "اتخذ عند الرحمن
|
||
عهداً كلا"، "ليكونوا لهم عزاً كلا". وفي المؤمنين: "لعلي أعمل صالحاً فيما
|
||
تركت كلا"، وفي الشعراء: "فأخاف أن يقتلون كلا"، "إنا لمدركون قال كلا"،
|
||
وفي سبأ: "ألحقتم به شركاء كلا". وفي سأل سائل: "ثم ننجيه كلا"، "أن يدخل
|
||
جنة نعيم كلا". وفي المدثر: "أن أزيد كلا"، "أن يؤتى صحفاً منشرة كلا". وفي
|
||
القيامة: "أين المفر كلا". وفي المطففين: "قال أساطير الأولين كلا". وفي
|
||
الفجر: "فيقول رب أهانني كلا". وفي الهمزة: "أخلده كلا".\\
|
||
فهذه أربعة عشر موضعاً يحسن الوقوف عليها.\\
|
||
والثاني: بمعنى حقاً ومنه: في المدثر: "كلا والقمر"، "كلا إنه تذكرة". وفي
|
||
القيامة: "كلا بل تحبون العاجلة"، "كلا إذا بلغت التراقي". وفي النبأ: "كلا
|
||
سيعلمون ثم كلا سيعلمون". وفي عبس: "كلا إنها تذكرة"، "كلا لما يقض ما
|
||
أمره". وفي الإنفطار: "كلا بل تكذبون بالدين". وفي المطففين: "كلا إن كتاب
|
||
الفجار"، "كلا إنهم عن ربهم"، "كلا إن كتاب الأبرار". وفي الفجر: "كلا إذا
|
||
دكت الأرض دكاً". وفي القلم: "كلا إن الإنسان ليطغى"، "كلا لئن لم ينته"،
|
||
"كلا لا تطعه". وفي التكاثر: "كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو
|
||
تعلمون".\\
|
||
فهذه تسعة عشر موضعاً لا يحسن الوقف عليها. وجملة ما في القرآن ثلاثة
|
||
وثلاثون موضعاً هي هذه: وليس في النصف الأول منها شيء وقال ثعلب: لا يوقف
|
||
على كلا في جميع القرآن.
|
||
|
||
باب اللام
|
||
|
||
اللام في القرآن على ضربين: مكسورة ومفتوحة.\\
|
||
فالمفتوحة ترد بمعنى التوكيد: "إن إبراهيم لحليم".\\
|
||
وبمعنى القسم: "ليقولن ما يحبسه".\\
|
||
وزائدة: "ردف لكم".\\
|
||
والمكسورة ترد بمعنى الملك: "لله ما في السماوات".\\
|
||
وبمعنى أن: "ليطلعكم على الغيب".\\
|
||
وبمعنى إلى: "هدانا لهذا".\\
|
||
وبمعنى كي: "ليجزي الذين آمنوا".\\
|
||
وبمعنى على: "دعانا لجنبه".\\
|
||
وصلة: "إن كنتم للرؤيا تعبرون".\\
|
||
وبمعنى عند: "وخشعت الأصوات للرحمن".\\
|
||
وبمعنى الأمر: "ليستأذنكم".\\
|
||
وبمعنى العاقبة: "ليكون لهم عدواً".\\
|
||
وبمعنى في: "لأول الحشر".\\
|
||
وبمعنى السبب والعلة: "إنما نطعمكم لوجه الله".
|
||
|
||
باب لولا
|
||
|
||
وهي في القرآن على وجهين:
|
||
|
||
إحداهما: امتناع الشيء لوجود غيره، وهو ثلاثون موضعاً: في البقرة: "فلولا
|
||
فضل الله عليكم ورحمته"، "ولولا دفع الله الناس". وفي سورة النساء: "ولولا
|
||
فضل الله عليكم"، "ولولا فضل الله عليك". وفي الأنفال: "لولا كتاب من الله
|
||
سبق". وفي يونس، وهود، وطه، وحم السجدة، وعسق: "ولولا كلمة سبقت". وفي
|
||
يوسف: "ولولا دفع الله". وفي النور: "ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله
|
||
تواب حكيم"، "ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم"، "ولولا فضل
|
||
الله عليكم ورحمته ما زكى". وفي الفرقان: "لولا أن صبرنا عليها"، "لولا
|
||
دعاؤكم". وفي القصص: "لولا أن ربطنا"، "ولولا أن تصيبهم مصيبة"، "لولا أن
|
||
من الله علينا". وفي العنكبوت: "لولا أجل مسمى". وفي سبأ: "لولا أنتم". وفي
|
||
الصافات: "ولولا نعمة ربي"، "فلولا أنه كان من المسبحين". وفي عسق: "ولولا
|
||
كلمة الفصل". وفي الزخرف: "ولولا أن يكون الناس". وفي الفتح: "ولولا رجال
|
||
مؤمنون". وفي الحشر: "ولولا أن كتب عليهم الجلاء". وفي ن: "لولا أن
|
||
تداركه".\\
|
||
والوجه الثاني: بمعنى هلا، وهو أربعون موضعاً: في البقرة: "لولا أن يكلمنا
|
||
الله". وفي النساء: "لولا أخرتنا". وفي المائدة: "لولا ينهاهم الربانيون".
|
||
وفي الأنعام: "لولا أنزل عليه ملك"، "لولا أنزل عليه آية"، "فلولا جاءهم
|
||
بأسنا". وفي الأعراف: "لولا اجتبيتها". وفي يونس: "ويقولون لولا أنزل عليه
|
||
آية من ربه". وفي الكهف: "لولا يأتون عليهم"، "ولولا أرسلت إلينا رسولاً".
|
||
وفي النور: "لولا إذ سمعتموه قلتم". وفي الفرقان: "لولا أنزل عليه ملك"،
|
||
"لولا أنزل علينا الملائكة"، "لولا أنزل عليه القرآن جملة". وفي النمل:
|
||
"لولا تستغفرون الله". وفي القصص: "لولا أرسلت"، "لولا أوتي". وفي
|
||
العنكبوت: "لولا أنزل عليه آيات من ربه". وفي سجدة المؤمن: "لولا فصلت
|
||
آياته". وفي الزخرف: "لولا نزل هذا القرآن"، "فلولا ألقي عليه أسورة". وفي
|
||
الأحقاف: "فلولا نصرهم الذين اتخذوا". وفي سورة محمد: "لولا نزلت سورة".
|
||
وفي الواقعة: "فلولا تصدقون"، "فلولا تذكرون"، "فلولا تشكرون"، "فلولا إذا
|
||
بلغت الحلقوم"، "فلولا إن كنتم". وفي المجادلة: "لولا يعذبنا الله". وفي
|
||
المنافقين: "لولا أخرتني". وفي ن: "لولا تسبحون".
|
||
|
||
باب من
|
||
|
||
تكون صلة: "من قبل أن تمسوهن".\\
|
||
وبمعنى التبعيض: "من طيبات ما كسبتم".\\
|
||
وبمعنى عن: "فتحسسوا من يوسف".\\
|
||
وبمعنى الباء: "يحفظونه من أمر الله".\\
|
||
ولبيان الجنس: "من أساور".\\
|
||
وبمعنى على: "ونصرناه من القوم".\\
|
||
وبمعنى في: "ماذا خلقوا من الأرض".
|
||
|
||
باب الواو
|
||
|
||
قال ابن فارس: لا تكون الواو زائدة أولا، وقد تزاد ثانية، نحو: كوثر.
|
||
وثالثة، نحو جدول. ورابعة: نحو قرنوة. وهو نبت يدبغ به الأديم. وخامسة: نحو
|
||
قمحدوة.\\
|
||
والواو في القرآن، تكون بمعنى إذ: "وطائفة قد أهمتهم أنفسهم". وبمعنى
|
||
الجمع: "وأيديكم". وبمعنى القسم: "والله ربنا". وتكون مضمرة: "لتحملهم
|
||
قلت": المعنى آتوك وقلت، وصلة "إلا ولها كتاب معلوم". وبمعنى العطف. "أو
|
||
آباؤنا".
|
||
|
||
باب الهدى
|
||
|
||
يكون بمعنى الثبات: "اهدنا الصراط المستقيم".\\
|
||
وبمعنى البيان: "على هدى من ربهم".\\
|
||
وبمعنى الرسول: "فإما يأتينكم مني هدى".\\
|
||
وبمعنى السنة: "فبهداهم اقتده".\\
|
||
وبمعنى الإصلاح: "لا يهدي كيد الخائنين".\\
|
||
وبمعنى الدعاء: "ولكل قوم هاد".\\
|
||
وبمعنى القرآن: "إذ جاءهم الهدى".\\
|
||
وبمعنى الإيمان: "وزدناهم هدى".\\
|
||
وبمعنى الإلهام: "ثم هدى".\\
|
||
وبمعنى التوحيد: "أن نتبع الهدى".\\
|
||
وبمعنى التوراة: "ولقد آتينا موسى الهدى".
|
||
|
||
الباب الثاني:
|
||
|
||
في اللغة
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها
|
||
|
||
لما كانت اللغة تنقسم قسمين: أحدهما: الظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا
|
||
يحتمل غير ظاهره.\\
|
||
والثاني: المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوزات، وكان هذا القسم هو
|
||
المستحلى عند العرب.\\
|
||
نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي
|
||
القسمين شئتم، ولو نزل كله واضحاً لقالوا: هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا،
|
||
ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى
|
||
واحسن.\\
|
||
قال امرؤ القيس:
|
||
|
||
| وما ذرفت عيناكِ إلا لتقدحـي | | *بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل * |
|
||
|
||
فشبه المنظر بالسهم فحلي هذا عند السامع.\\
|
||
وقال أيضاً:
|
||
|
||
| فقلت له لما تخطى يجوزه | | *وأردف أعجازاً وناء بكلكل * |
|
||
|
||
فجعل الليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه، وقال الآخر:
|
||
|
||
| من كميت أجادها طابخاهـا | | *لم تمت كل موتها في القدور * |
|
||
|
||
أراد بالطابخين الليل والنهار.\\
|
||
فنزل القرآن على عادة العرب في كلامهم.\\
|
||
فمن عادتهم التجوز، وفي القرآن: "فما ربحت تجارتهم"، "يريد أن ينقض".\\
|
||
ومن عاداتهم الكناية، "ولكن لا تواعدوهن سراً"، "أو جاء أحد منكم من
|
||
الغائط".\\
|
||
وقد يكون عن شيء ولم يجر له ذكر: "حتى توارت بالحجاب".\\
|
||
وقد يصلون الكناية بالشيء وهي لغيره: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين
|
||
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين".\\
|
||
ومن عاداتهم الاستعارة: "في كل واد يهيمون"، "فما بكت عليهم السماء
|
||
والأرض".\\
|
||
ومن عاداتهم الحذف: "الحج أشهر معلومات"، "واضرب بعصاك الحجر فانفلق"،
|
||
"واسأل القرية".\\
|
||
ومن عاداتهم زيادة الكلمة: "فاضربوا فوق الأعناق". ويزيدون الحرف: "تنبت
|
||
بالدهن". ويقدمون ويؤخرون: "ولم يجعل له عوجاً قيماً". ويذكرون عاماً
|
||
ويريدون به الخاص: "الذين قال لهم الناس"، يريد نعيم بن مسعود. وخاصاً
|
||
يريدون به العام: "يا أيها النبي اتق الله". وواحداً يريدون به الجمع:
|
||
"هؤلاء ضيفي"، "ثم يخرجكم طفلاً". وجمعاً يريدون به الواحد: "إن نعفُ عن
|
||
طائفة منكم نعذب طائفة". وينسبون الفعل إلى اثنين وهو لأحدهما: "نسيا
|
||
حوتهما"، "يخرج منهما اللؤلؤ"، وينسبون الفعل إلى أحد اثنين وهو لهما:
|
||
"والله ورسوله أحق أن يرضوه"، "انفضوا إليها". وينسبون الفعل إلى جماعة وهو
|
||
لواحد: "وإذ قتلتم نفساً". ويأتون بالفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل: "أتى أمر
|
||
الله". ويأتون بلفظ المستقبل وهو ماض: "فلم تقتلون أنبياء الله". ويأتون
|
||
بلفظ فاعل في معنى مفعول: "لا عاصم اليوم"، "من ماء دافق"، "في عيشة
|
||
راضية". ويأتون بلفظ مفعول بمعنى فاعل: "وكان وعده مأتياً"، "حجاباً
|
||
مستوراً"، "يا موسى مسحوراً". ويضمرون الأشياء: "وما منا إلا له مقام
|
||
معلوم": أي من له. ويضمرون الأفعال فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ويضمرون
|
||
الحروف: "سنعيدها سيرتها".\\
|
||
ومن عاداتهم: تكرير الكلام، وفي القرآن: "فبأي آلاء ربكما تكذبان". وقد
|
||
يريدون تكرير الكلمة ويكرهون إعادة اللفظ فيغيرون بعض الحروف، وذلك يسمى
|
||
الاتباع، فيقولون: أسوان أتوان: أي حزين، وشيء تافه نافه، وإنه لثقف لقف،
|
||
وجايع نايع، وجلّ وبلّ، وحياك الله وبياك، وحقير نقير، وعين جدرة بدرة: أي
|
||
عظيمة، ونضر مضر، وسمج لمج، وسيغ ليغ، وشكس لكس، وشيطان ليطان، وترقوا شذر
|
||
مذر، وشغر بغر، ويوم عك لك: إذا كان حاراً، وعطشان نطشان، وعفريت نفريت،
|
||
وكثير بثير، وكز ولز وكن أن، وحار جار يار، وقبيح لقيح شقيح، وثقة تقة نقة،
|
||
وهو أشق أمق حبق: للطويل، وحسن بسن قسن، وفعلت ذلك على رغمه ودغمه وشغمه،
|
||
ومررت بهم أجمعين أكتعين أبصعين.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وقد تأتي بكلمة إلى جانب كلمة كأنها معها وهي غير متصلة بها، في القرآن:
|
||
"يريد أن يُخرجكم من أرضكم"، هذا قول الملأ فقال فرعون: "فماذا تأمرون"،
|
||
ومثله: "أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين"، فقال يوسف: "ذلك ليعلم أني
|
||
لم أخنه بالغيب". ومثله: "إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة
|
||
أهلها أذلة"، انتهى قول بلقيس، فقال الله عز وجل: "وكذلك يفعلون". ومثله:
|
||
"من بعثنا من مرقدنا". انتهى قول الكفار، فقالت الملائكة: "هذا ما وعد
|
||
الرحمن وصدق المرسلون".
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وقد تجمع العرب شيئين في كلام فيرد كل واحد منهما إلى ما يليق به، وفي
|
||
القرآن: "حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله
|
||
قريب". والمعنى يقول المؤمنون "متى نصر الله"، فيقول الرسول: "ألا إن نصر
|
||
الله قريب". ومثله: "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا
|
||
من فضله". فالسكون بالليل وابتغاء الفضل بالنهار. ومثله: "وتعزروه وتوقروه
|
||
وتسبحوه"، فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح لله عز وجل.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وقد يحتاج بعض الكلام إلى بيان، فيبينونه متصلاً بكلام تارة، ومنفصلاً
|
||
أخرى. وجاء القرآن على ذلك.
|
||
|
||
فمن المتصل بيانه: "يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات". وأما
|
||
المنفصل: فتارة يكون في السورة، كقوله في براءة: "قد نبأنا الله من
|
||
أخباركم" بيانه فيها عند قوله: "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً".\\
|
||
وتارة يكون في غير السورة كقوله في البقرة: "وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم"،
|
||
بيانه في المائدة: "لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم
|
||
وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم". وفي سورة النساء: "يخادعون
|
||
الله وهو خادعهم"، بيانه في الحديد: "قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نوراً".
|
||
وفي الأعراف: "وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين"، بيانه في تبارك: "قد
|
||
جاءنا نذير فكذبنا". وفي الأعراف: "أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب". بيان
|
||
النصيب في الزمر: "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة".
|
||
وفي الأعراف: "وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا". بيانها في
|
||
القصص: "ونريد أن نمن". وفي براءة: "إلا عن موعدة وعدها إياه"، بيانها في
|
||
مريم: "سأستغفر لك ربي". وفي يونس: "وتذكيري بآيات الله"، بيانها في نوح:
|
||
"ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً". وفي يونس: "لهم البشرى في
|
||
الحياة الدنيا وفي الآخرة"، بيانه في حم السجدة: "تنزل عليهم الملائكة ألا
|
||
تخافوا ولا تحزنوا". وفي إبراهيم: "أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من
|
||
زوال"، بيانه في النحل: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت
|
||
بلى". وفي إبراهيم: "وتبيَّن لكم كيف فعلنا بهم"، بيانه في العنكبوت:
|
||
"فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة". وفي النحل: "وعلى
|
||
الذين هادوا حرَّمنا ما قصصنا عليك من قبل"، بيانه في الأنعام: "حرمنا كلَّ
|
||
ذي ظفر". وفي بني إسرائيل: "ويدعو الإنسان بالشر"، بيانه في الأنفال:
|
||
"فأمطر علينا حجارة من السماء". وفي بني إسرائيل: "لأحتنكنَّ ذريته إلا
|
||
قليلاً"، بيانه في الحجر: "إلا عبادك منهم المخلصين". وفي مريم: "ألم تر
|
||
أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين"، بيانه في بني إسرائيل: "واستفزز من
|
||
استطعت منهم". وفي طه: "فقولا له قولاً ليِّناً"، بيانه في النازعات: "هل
|
||
لك إلى أن تزكَّى". وفي طه: "ولم ترقُبْ قولي"، بيانه في الأعراف:
|
||
"اخلُفْني في قومي". وفي النمل: "فإذا هم فريقان يختصمون"، بيان خصومتهم في
|
||
الأعراف: "إن صالحاً مرسلٌ من ربه". وفي الأحزاب: "هذا ما وعدنا الله
|
||
ورسوله"، بيان الوعد في آل عمران: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يعلم
|
||
الله الذين جاهدوا منكم. وفي الصافات: "ولقد نادانا نوح"، بيانه في القمر:
|
||
"إني مغلوب فانتصر". وفي الصافات: "فحقَّ علينا قول ربنا"، بيانه في ص:
|
||
"لأملئنَّ جهنم". وفي الصافات: "ولقد سبقت كلمتنا"، بيانه في المجادلة:
|
||
"لأغلبن أنا ورسلي". وفي المؤمن: "أمَتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، بيانه
|
||
في البقرة: "وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم". وفي المؤمن: "يوم
|
||
التنادي"، بيانه في الأعراف: "ونادى أصحاب الجنة"، "ونادى أصحاب النار".
|
||
وفي المجادلة: "فيحلفون له كما يحلفون لكم"، بيانه في الأنعام: "واللهِ
|
||
ربنا ما كنا مشركين". وفي ن: "إذ نادى وهو مكظوم"، بيانه في الأنبياء: "أن
|
||
لا إله إلا أنت".
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وقد تذكر العرب جواب الكلام مقارناً له، وقد تذكره بعيداً عنه وعلى هذا ورد
|
||
القرآن.\\
|
||
فأما المقارن من الجواب فقوله: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس"،
|
||
"يسألونك ماذا ينفقون قل العفو".\\
|
||
وأما البعيد فتارة يكون في السورة، كقوله في الفرقان: "ما لهذا الرسول يأكل
|
||
الطعام ويمشي في الأسواق"، جوابه فيها: "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاَّ
|
||
أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق".
|
||
|
||
وتارة يكون في غير السورة، كقوله تعالى في الأنفال: "لو نشاء لقلنا مثل
|
||
هذا"، جوابه في بني إسرائيل: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل
|
||
هذا القرآن لا يأتون بمثله". وفي الرعد: "ويقول الذين كفروا لست مرسلاً"،
|
||
جوابه في يس: "إنك لمن المرسلين". في الحجر: "إنك لمجنون"، جوابه في ن: "ما
|
||
أنت بنعمة ربك بمجنون". في بني إسرائيل: "أو تسقط السماء كما زعمت علينا
|
||
كسفاً"، جوابه في سبأ: "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من
|
||
السماء". في الفرقان: "قالوا وما الرحمن"، جوابه: "الرحمن علم القرآن". في
|
||
ص: "واصبروا على آلهتكم"، جوابه في حم السجدة: "فإن يصبروا فالنار مثوى
|
||
لهم". في المؤمن: "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، جوابه في هود: "وما أمر
|
||
فرعون برشيد". في الزخرف: "لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين
|
||
عظيم". جوابه في القصص: "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة". في
|
||
الدخان: "ربنا اكشف عنا العذاب"، جوابه في المؤمنين: "ولو رحمناهم وكشفنا
|
||
ما بهم من ضر". في القمر: "أم يقولون نحن جميع منتصر". جوابه في الصافات:
|
||
"ما لكم لا تناصرون". في الطور: "أم يقولون تقوَّلَه"، جوابه في الحاقة:
|
||
"ولو تَقَوَّل علينا بعض الأقاويل".
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
واعلم أن لغة العرب واسعة ولهم التصرف الكثير فتراهم يتصرفون في اللفظة
|
||
الواحدة بالحركات، فيجعلون لكل حركة معنى كالحمل والحمل والروح والروح.\\
|
||
وتارة بإعجام كالنضح والنضخ، والقبضة والقبصة، والمضمضة والمصمصة.\\
|
||
وتارة يقلبون حرفاً من كلمة ولا يتغير عندهم معناها، كقولهم: صاعقة وصاقعة،
|
||
وجبذ وجذب، وما أطيبه وأيطبه، وربض ورضب، وانبض في القوس وانضب، ولعمري
|
||
ورعملي، واضمحل وامضحل، وعميق ومعيق، وسبسب وبسبس، ولبكت الشيء وبلكته،
|
||
وأسير مكلب ومكبل، وسحاب مكفهر ومكرهف، وناقة ضمرز وضرزم: إذا كانت مسنة،
|
||
وطريق طامس وطاسم، قفا الأثر وقاف الأثر، وقاع البعير الناقة وقعاها، وقوس
|
||
عطل وعلط: لا وتر عليها، وجارية قتين وقنيت: قليلة الدر، وشرخ الشباب
|
||
وشخره: أوله، ولحم خنز وخزن، وعاث يعيث وعثى يعثى: إذا أفسد، وتنح عن لقم
|
||
الطريق ولمق الطريق، وبطيخ وطبيخ، وماء سلسال ولسلاس، ومسلسل وملسلس إذا
|
||
كان صافياً. ودقم فاه بالحجر دمقه: إذا ضربه، وفثأت القدر وثفأتها: إذا
|
||
سكنت غليانها، وكبكبت الشيء وبكبكته: إذا طرحت بعضه على بعض.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
ومن سعة اللغة وحسن تصرفها، أن العرب تضع للشيء الواحد أسماءً من غير تغير
|
||
يعتريه.\\
|
||
فيقولون السيف والمهند والصارم.\\
|
||
ويغيرون الاسم بتغيير يعتري فيقولون لمن نزل بالركي يملأ الدلو مايح،
|
||
وللمستقي من أعلاها ماتح، فالتاء المعجمة من فوق لمن فوق، والياء المعجمة
|
||
من تحت لمن تحت.\\
|
||
وتضع العرب للشيء الواحد أسماء تختلف باختلاف محاله فيقولون لمن انحسر
|
||
الشعر من جانبي جبهته أنزع، فإذا زاد قليلاً قالوا: أجلح، فإذا بلغ
|
||
الانحسار نصف رأسه قالوا: أجلى وأجله، فإذا زاد قالوا: أصلع، فإذا ذهب
|
||
الشعر كله قالوا: أحص، والصلع عندهم ذهاب الشعر، والقرع ذهاب البشرة.
|
||
ويقولون شفة الإنسان، ويسمونها من ذوات الخف: المشفر ويسمونها من ذوات
|
||
الظلف: المقمة، ومن ذوات الحافر: الجحفلة، ومن السباع: الخطم، ومن ذوات
|
||
الجناح غير الصايد: المنقار، ومن الصايد: المنسر، ومن الخنزير: الفنطسة.\\
|
||
ويقولون صدر الإنسان، ويسمونه من البعير الكركرة، ومن الأسد الزور، ومن
|
||
الشاة القص، ومن الطائر: الجؤجؤ، ومن الجرادة: الجوشن.\\
|
||
والثدي للمرأة وللرجل: ثندؤة، وهو من ذوات الخف: الخلف، ومن ذوات الظلف:
|
||
الضرع، ومن ذوات الحافر والسباع: الطبي.\\
|
||
والظفر للإنسان وهو من ذوات الخف: المنسم، ومن ذوات الظلف: الظلف، ومن ذوات
|
||
الحافر: الحافر، ومن السباع والصائد من الطير: المخلب، ومن الطير غير
|
||
الصائد والكلاب ونحوها: البرثن، ويجوز البرثن في السباع كلها.\\
|
||
والمعدة للإنسان بمنزلة الكرش للأنعام، والحوصلة للطائر.
|
||
|
||
?فصل
|
||
|
||
وتفرق العرب في الشهوات.\\
|
||
فيقولون جائع في الخبز، قرم إلى اللحم، عطشان إلى الماء، عيمان إلى اللبن،
|
||
قرد إلى التمر، جعم إلى الفاكهة، شبق إلى النكاح.\\
|
||
ويقولون البيض للطائر، والمكن للضباب، والمازن للنمل، والسرو للجراد،
|
||
والصؤاب للقمل.
|
||
|
||
ويفرقون في المنازل فإن كان من مدر، قالوا: بيت، وإن كان من وبر، قالوا:
|
||
بجاد. وإن كان من صوف، قالوا: خباء. وإن كان من الشعر، قالوا: فسطاط. وإن
|
||
كان من غزل، قالوا: خيمة. وإن كان من جلود، قالوا: قشع.\\
|
||
ويفرقون في الأوطان فيقولون: وطن الإنسان، وعطن البعير، وعرين الأسد، ووجار
|
||
الذئب والضبع، وكناس الظبي، وعش الطائر، وقرية النمل، وكور الزنابير،
|
||
ونافقاء اليربوع.\\
|
||
ويقولون لما يضعه الطائر على الشجر: وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو:
|
||
وكن، وإذا كان في كن فهو: عش، وإذا كان على وجه الأرض فهو: أفحوص، والأدحى
|
||
للنعام خاصة.\\
|
||
ويقولون عدا الإنسان، وأحضر الفرس، وأرقل البعير، وعسل الذئب، ومزع الظبي
|
||
وزف النعام.\\
|
||
ويقولون طفر الإنسان، وضبر الفرس، ووثب البعير، وقفز العصفور، وطمر
|
||
البرغوث.\\
|
||
ويفرقون في أسماء الأولاد فيقولون لولد كل سبع: جرو، ولولد كل ذي ريش: فرخ،
|
||
ولولد كل وحشية: طفل، ولولد الفرس: مهر وفلو، ولولد الحمار: جحش وعفو،
|
||
ولولد البقرة: عجل، ولولد الأسد: شبل، ولولد الظبية: خشف، ولولد الفيل:
|
||
دغفل، ولولد الناقة: حوار، ولولد الثعلب: هجرس، ولولد الضب: حسل، ولولد
|
||
الأرنب: خرنق، ولولد النعام: رأل، ولولد الدب: ديسم، ولولد الخنزير: خنوص.
|
||
ولولد اليربوع والفأرة: درص، ولولد الحية: حريش.\\
|
||
ويفرقون في الضرب فيقولون: للضرب بالراح على مقدم الرأس: صقع، وعلى القفا:
|
||
صفع، وعلى الوجه: صك، وعلى الخد ببسط الكف: لطم، وبقبضها: لكم، وبكلتا
|
||
اليدين: لدم، وعلى الذقن والحنك: وهز، وعلى الجنب: وخز، وعلى الصدر والبطن
|
||
بالكف: وكز، وبالركبة: زبن، وبالرجل: ركل، وكل ضارب بمؤخره من الحشرات كلها
|
||
كالعقارب: تلسع، وكل ضارب منها بفيه: يلدغ. ويفرقون في الكشف عن الشيء من
|
||
البدن، فيقولون: حسر عن رأسه، وسفر عن وجهه، وأفتر عن نابه، وكشر عن
|
||
أسنانه، وأبدى عن ذراعيه، وكشف عن ساقيه، وهتك عن عورته.\\
|
||
ويفرقون في الجماعات فيقولون: موكب من الفرسان، وكبكبة من الرجال، وجوقة من
|
||
الغلمان، ولمة من النساء، ورعيل من الخيل، وصرمة من الإبل، وقطيع من الغنم،
|
||
وسرب من الظباء، وعرجلة من السباع، وعصابة من الطير، ورجل من الجراد، وخشرم
|
||
من النحل.\\
|
||
ويفرقون في الامتلاء فيقولون: بحر طام، ونهر طافح، وعين ثرة، وإناء مفعم،
|
||
ومجلس غاص بأهله.\\
|
||
ويفرقون في اسم الشيء اللين فيقولون: ثوب لين، ورمح لدن، ولحم رخص، وريح
|
||
رخاء، وفراش وثير، وأرض دمثة.\\
|
||
ويفرقون في تغير الطعام وغيره فيقولون: أروح اللحم، وأسن الماء، وخنز
|
||
الطعام، وسنخ السمن، وزنخ الدهن، وقنم الجوز، ودخن الشراب، وصدئ الحديد،
|
||
ونغل الأديم.\\
|
||
ويقولون يدي من اللحم غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن البيض زهكة، ومن الحديد
|
||
سهكة، ومن السمك صمرة، ومن اللبن والزبد شترة، ومن الثريد مرة، ومن الزيت
|
||
قنمة، ومن الدهن زنخة، ومن الخل خمطة، ومن العمل لزقة، ومن الفاكهة لزجة،
|
||
ومن الزعفران ردغة، ومن الطين ودغة، ومن العجين ودخة، ومن الطيب عبقة، ومن
|
||
الدم ضرجة وسطلة وسلطة، ومن الوحل لثقة، ومن الماء بللة، ومن الحمأة ثئطة،
|
||
ومن البرد صردة، ومن الأسنان قضضة، ومن المداد وجدة، ومن البزر والنفط نمشة
|
||
ونثمة، ومن البول قتمة، ومن العذرة طفسة، ومن الوسخ درنة، ومن العمل
|
||
مجلة.\\
|
||
ويفرقون في الوسخ فإذا كان في العين قالوا: رمص، فإذا جف قالوا: غمص، فإذا
|
||
كان في الأسنان قالوا: حفر، فإذا كان في الأذن فهو: أف، وإذا كان في
|
||
الأظفار فهو: تف، وإذا كان في الرأس قالوا: حزاز، وهو في باقي البدن:
|
||
درن.\\
|
||
ويقولون في الرياح فإذا وقعت الريح بين ريحين فهي: نكباء، فإذا وقعت بين
|
||
الجنوب والصبا فهي: الجريباء، فإذا هبت من جهات مختلفة فهي: المتناوحة،
|
||
فإذا جاءت بنفس ضعيف فهي: النسيم، فإذا كانت شديدة فهي: العاصف، فإذا قويت
|
||
حتى قلعت الخيام فهي: الهجوم، فإذا حركت الأشجار تحريكاً شديداً وقلعتها
|
||
فهي: الزعزع، فإذا جاءت بالحصباء فهي: الحاصب، فإذا هبت من الأرض كالعمود
|
||
نحو السماء فهي: الإعصار، فإذا جاءت بالغبرة فهي: الهبوة، فإذا كانت باردة
|
||
فهي: الحرجف والصرصر، فإذا كان مع بردها ندى فهي: البليل، فإذا كانت حارة
|
||
فهي السموم، فإذا لم تلقح ولم تحمل مطراً فهي: العقيم.
|
||
|
||
ويفرقون في المطر: فأوله رش، ثم طش، ثم طل، ورذاذ، ثم نضخ، ثم هضل، وتهتان،
|
||
ثم وابل وجود، فإذا أحيى الأرض بعد موتها فهي: الحياء، فإذا جاء عقيب المحل
|
||
أو عند الحاجة فهو: الغيث، وإن كان صغار القطر فهو: القطقط، فإذا دام مع
|
||
سكون فهو: الديمة، فإذا كان عاماً فهو: الجداء، وإذا روى كل شيء فهو:
|
||
الجود، فإذا كان كثير القطر فهو: الهطل والتهتان، فإذا كان ضخم القطر شديد
|
||
الوقع فهو: الوبل.\\
|
||
ويقولون هجهجت بالسبع، وشايعت بالإبل، ونعقت بالغنم، وسأسأت بالحمار،
|
||
وهأهأت بالإبل: إذا دعوتها للعلف، وجأجأت بها: إذا دعوتها للشرب، وأشليت
|
||
الكلب: دعوته، وأسدته أرسلته.\\
|
||
ويفرقون في الأصوات: فيقولون: رغا البعير، وجرجر، وهدر وقبقب، وأطت الناقة،
|
||
وصهل الفرس، وحمحم، ونهم الفيل، ونهق الحمار، وسحل. وشحج البغل، وخارت
|
||
البقرة وجأرت، وثاجت النعجة، وثغت الشاة ويعرت، وبغم الظبي ونزب، ووعوع
|
||
الذئب، وضبح الثعلب، وضغت الأرنب، وعوى الكلب ونبح، وصأت السنونو، وضأت
|
||
الفأرة، وفحت الأفعى، ونعق الغراب ونعب، وزقا الديك وسقع، وصفر النسر، وهدر
|
||
الحمام وهدل، وغرد المكاء، وقبع الخنزير، ونقت العقرب، وأنقضت الضفادع
|
||
ونقّت أيضاً، وعزفت الجن.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وتقول العرب في الأمر: وهن، وفي الثوب: وهى، وفي الحساب: غلت، وفي غيره:
|
||
غلط، ومن الطعام: بشم، ومن الماء: بغر، وحلا الشيء في فمي، وحلى في عيني.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
المراهق من الغلمان بمنزلة المعصر من الجواري، والحزور من الصبيان بمنزلة
|
||
الكاعب، والكهل من الرجال بمنزلة النصف من النساء، والقارح من الخيل بمنزلة
|
||
البازل من الإبل، والعجل من البقر، والشادن من الظباء كالناهض من الفراخ،
|
||
والبكر من الإبل بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، والجمل بمنزلة
|
||
الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والبعير بمنزلة الإنسان، والغرز للجمل،
|
||
كالركاب للفرس، والغدة للبعير كالطاعون للإنسان، والهالة من القمر كالدارة
|
||
من الشمس، والبصيرة في القلب كالبصر في العين، والأسباط في بني إسحق،
|
||
كالقبائل في بني إسماعيل، وأرداف الملوك في الجاهلية، كالوزراء في الإسلام،
|
||
والأقيال لحمير كالبطارق للروم والقواد للعرب.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وللعرب خاص وعام.\\
|
||
فالبغض عام، والفرك بين الزوجين خاص، والنظر إلى الأشياء عام، والشيم إلى
|
||
البرق خاص، الصراخ عام، والواعية على الميت خاص، الذنب للحيوان والبهائم
|
||
عام، والذنابي للفرس خاص. السير عام، والسري بالليل خاص. الهرب عام،
|
||
والاباق للعبيد خاص. الرائحة عام، والقتار للشواء خاص.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
ومن جملة المسلم للعرب: أنهم لا يقولون مائدة إلا إذا كان عليها طعام وإلا
|
||
فهي: خوان. ولا للعظم عرق إلا ما دام عليه لحم، ولا كأس إلا إذا كان فيه
|
||
شراب، وإلا فهي: زجاجة، ولا كوز إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب، ولا
|
||
رضاب إلا إذا كان في الفم، وإلا فهو: بصاق، ولا أريكة إلا للسرير إذا كان
|
||
عليه قبة. فإن لم يكن عليه قبة فهو: سرير. ولا ربطة إلا إذا كانت لفقتين،
|
||
وإلا فهي: ملاءة، ولا خدر إلا إذا كان فيه امرأة، وإلا فهو: ستر. ولا
|
||
للمرأة ظعينة إلا إذا كانت في الهودج، ولا قلم إلا إذا كان مبرياً، وإلا
|
||
فهو: أنبوب. ولا عهن إلا إذا كان مصبوغاً، وإلا فهو: صوف. ولا وقود إلا إذا
|
||
اتقدت فيه النار، وإلا فهو: حطب. ولا ركية إلا إذا كان فيه ماء، وإلا فهي:
|
||
بئر. ولا للإبل رأوية إلا ما دام عليها الماء، ولا للدلو سجل إلا ما دام
|
||
فيها الماء، ولا ذنوب إلا ما دامت ملأى، ولا نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا
|
||
فهو: سرب. ولا سرير نعش إلا ما دام عليه الميت. ولا للخاتم خاتم إلا إذا
|
||
كان عليه فص. ولا رمح إلا إذا كان له زوج وسنان، وإلا فهو: أنبوب وقناة.
|
||
ولا لطيعة إلا للإبل التي تحمل الطيب والبز خاصة. ولا حمولة إلا للتي تحمل
|
||
الأمتعة خاصة. ولا بدنة إلا للتي تجعل للنحر. ولا ركب إلا لركبان الإبل.
|
||
ولا هضبة، إلا إذا كانت حمراء. ولا يقال غيث، إلا إذا جاء في إبانه، وإلا
|
||
فهو: مطر. ولا يقال عش، حتى يكون عيداناً مجموعة، فإذا كان نقباً في جبل أو
|
||
حائط فهو: وكر ووكن.
|
||
|
||
?الباب الثالث:
|
||
|
||
في علوم الحديث
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم
|
||
|
||
ذكر نسبه
|
||
|
||
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن
|
||
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن
|
||
مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن زيد بن
|
||
يقدر بن يقدم بن الهميسع بن النبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ
|
||
بن ناحور بن سارغ بن أرغوة بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن
|
||
نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يزد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيت
|
||
بن آدم.\\
|
||
وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
|
||
|
||
ذكر أسمائه
|
||
|
||
هو محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفي، ونبي الرحمة، ونبي
|
||
التوبة، ونبي الملاحم، والشاهد، والبشير، والنذير، والضحوك، والقتال،
|
||
والمتوكل، والفاتح، والخاتم، والمصطفى، والرسول، والنبي، والأمي، والقثم.\\
|
||
فالعاقب آخر الأنبياء، والمقفي تبع الأنبياء، والضحوك صفته في التوراة -
|
||
لأنه كان طيب النفس فكهاً -، والقثم من القثم: وهو الإعطاء.
|
||
|
||
ذكر عمومته
|
||
|
||
الحارث والزبير، وأبو طالب، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق، والمقوم، وضرار،
|
||
والعباس، وقثم، وحجل واسمه المغيرة.
|
||
|
||
ذكر عماته
|
||
|
||
أم حكيم، وهي البيضاء، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى، وأميمة، وأسلمت صفية،
|
||
واختلف في عاتكة وأروى وأميمة.
|
||
|
||
ذكر أزواجه
|
||
|
||
تزوج خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم جويرية، ثم زينب
|
||
بنت جحش، ثم زينب بنت خزيمة، ثم أم حبيبة، ثم صفية، ثم ميمونة، فماتت خديجة
|
||
وزينب بنت خزيمة في حياته، وتوفي عن التسع البواق.
|
||
|
||
ذكر أولاده
|
||
|
||
القاسم، وعبد الله، وهو الطيب والطاهر، وإبراهيم، وفاطمة، وزينب، ورقية،
|
||
وأم كلثوم.
|
||
|
||
ذكر مواليه
|
||
|
||
أسلم: ويكنى أبا رافع، أبو رافع: آخر والد البهي، أحمر، آنسة، أسامة، أفلح،
|
||
ثوبان، ذكوان، رافع، رباح، زيد بن حارثة، سلمان، سالم، سليم، سابق، سعيد،
|
||
شقران، واسمه صالح، ضميرة، عبيد الله عبيد، فضالة، كيسان، مهران - وهو
|
||
سفينة، وقيل اسمه سفينة، وقيل رومان - وقيل عبس، مدعم، نافع، نفيع - وهو
|
||
أبو بكر - بنيه، واقد، وردان، هشام، يسار، أبو أثيلة، أبو الحمراء، أبو
|
||
ضميرة، أبو عبيد، أبو مويهبة، أبو واقد، أبو لبابة، أبو لقيط، أبو هند،
|
||
سابور.
|
||
|
||
ذكر مؤذنيه
|
||
|
||
بلال، وسعد، وابن أم كلثوم، وأبو محذورة.
|
||
|
||
ذكر كتّابه
|
||
|
||
أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أبيّ، زيد، معاوية، حنظلة، خالد بن سعد، إبان بن
|
||
سعيد، العلا بن الحضرمي، وكان المداوم على الكتابة زيد ومعاوية.
|
||
|
||
ذكر نقباء الأنصار
|
||
|
||
أسعد بن زرارة، أسيد بن خضير، البراء بن معرور، رافع بن مالك، سعد ابن
|
||
خيثمة، سعد بن الربيع، عبد الله بن رواحة، عبد الله بن عمرو بن حزام، عبادة
|
||
بن الصامت، سعد بن عبادة، المنذر بن عمرو، أبو الهيثم بن التيهان، ونقب
|
||
النبي صلى الله عليه وسلم على النقباء أسعداً.
|
||
|
||
تسمية من جمع القرآن حفظاً
|
||
|
||
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، أبي، معاذ بن جبل،
|
||
أبو الدرداء، زيد بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، قال ابن سيرين: وتميم الداري،
|
||
وقال القرطبي: وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب.
|
||
|
||
تسمية من كان يفتي
|
||
|
||
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد
|
||
الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبي، ومعاذ، وعمار، وحذيفة، وزيد بن ثابت،
|
||
وأبو الدرداء، وأبو موسى، وسلمان.
|
||
|
||
تسمية من تأخر موته من الصحابة
|
||
|
||
آخر من مات من أهل العقبة: جابر بن عبد الله بن عمرو، ومن أهل بدر: أبو
|
||
اليسر، ومن المهاجرين: سعد بن أبي وقاص، وهو آخر العشرة موتاً، وآخر من مات
|
||
بمكة من الصحابة: ابن عمر، وبالمدينة: سهل بن سعد بن معاذ، وبالكوفة: عبد
|
||
الله بن أبي أوفى، وبالبصرة: أنس بن مالك، وبمصر: عبد الله بن الحارث بن
|
||
جزء، وبالشام: عبد الله بن يسر، وبخراسان: بريدة، وآخر الناظرين إلى رسول
|
||
الله صلى الله عليه وسلم موتاً: أبو الطفيل عامر بن واثلة.
|
||
|
||
تسمية فقهاء المدينة السبعة
|
||
|
||
سعيد بن المسيب، والقسم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة، وعبيد الله بن
|
||
عبد الله، وعروة، وسليمان بن يسار.
|
||
|
||
منتخب من ذكر الأوائل
|
||
|
||
أول من خلق الله القلم، أول جبل وضع في الأرض: أبو قبيس، أول مسجد وضع في
|
||
الأرض: المسجد الحرام، أول ولد آدم: قابيل، أول من خط وخاط: إدريس، أول من
|
||
اختن وضاف: إبراهيم، أول من ركب الخيل وتكلم بالعربية: إسماعيل، أول من عمل
|
||
القراطيس: يوسف، أول من سرد الدروع وقال أما بعد: داود، أول من صبغ
|
||
بالسواد: فرعون، أول من دخل الحمام وعمل الصابون: سليمان، أول من طبخ
|
||
بالآجر: هامان.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أول من سيب السوايب: عمرو بن لحي، أول من سن الدية مائة من الإبل: عبد
|
||
المطلب، أول من قطع في السرقة في الجاهلية: وقضى بالقسامة وخلع نعليه عند
|
||
دخول الكعبة: الوليد بن المغيرة، أول من قضى في الخنثى من حيث يبول: عامر
|
||
بن الظرب، أول عربي قسم الذكر مثل حظ الأنثيين: عامر بن جشم.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أول ما نزل من القرآن: "اقرأ باسم ربك"، أول آية نزلت في القتال: "أذن
|
||
للذين يقاتلون"، أول من أسلم من الرجال: أبو بكر، ومن الصبيان: علي، ومن
|
||
الموالي: زيد، ومن النساء: خديجة، ومن الأنصار: جابر بن عبد الله بن رباب،
|
||
أول من هاجر إلى الحبشة: حاطب بن عمرو، وإلى المدينة: مصعب بن عميرة، ومن
|
||
النساء: أم كلثوم بنت عتبة، أول من بايع ليلة العقبة: أسعد بن زرارة، أول
|
||
من بايع بيعة الرضوان: أبو سنان الأسدي، أول من أذَّن: بلال، أول من بنى
|
||
مسجداً في الإسلام: عمار، أول من سل سيفاً في الإسلام: الزبير، أول من عدا
|
||
به فرسه في سبيل الله: عبد الله بن جحش، وهو أول من دعا يا أمير المؤمنين،
|
||
أول شهيد في الإسلام: سمية.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أول ظهار كان في الإسلام: ظهار أوس بن الصامت من المجادلة، أول خلع كان في
|
||
الإسلام: خلع حبيبة بنت سهل بن ثابت بن قيس، أول لعان كان في الإسلام: لعان
|
||
هلال بن أمية مع زوجته، أول مرجوم كان في الإسلام: ماعز، أول من سن الصلاة
|
||
عند القتل: خبيب، أول من أوصى بثلث ماله: البراء ابن معرور، أول من دفن
|
||
بالبقيع: عثمان ابن مظعون.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أول من جمع القرآن: أبو بكر، أول من قص: تميم، أول من وضع النحو: أبو
|
||
الأسود، أول من نقط المصحف: يحيى بن يعمر.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أول ما يرفع من الناس: الخشوع، أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، أول
|
||
الآيات: طلوع الشمس من مغربها، أول من تنشق عنه الأرض: نبينا وهو أول من
|
||
يقرع باب الجنة، وأول شافع، وأول مشفع، أول من يكسى إبراهيم، أول ما يحاسب
|
||
العبد به: الصلاة، أول أمة تدخل الجنة: أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
|
||
|
||
منتخب في ذكر المنسوبين إلى غير آبائهم
|
||
|
||
فمن المنسوبين إلى أمهاتهم: بلال بن حمامة، واسم أبيه: رباح، ابن أم مكتوم
|
||
واسم أبيه عمرو، بشير ابن الخصاصية واسم أبيه معبد، الحارث ابن البرصاء
|
||
واسم أبيه مالك، حفاف ابن ندبة واسم أبيه عمير، سعد ابن جنبة واسم أبيه
|
||
بحير، شرحبيل ابن حسنة واسم أبيه عبد الله، عبد الله ابن بحينة واسم أبيه
|
||
مالك، مالك ابن نميلة واسم أبيه ثابت، معاذ ومعوذ ابنا عفراء واسم أبيهما
|
||
الحارث، يعلى ابن سبابة واسم أبيه مرة، يعلى ابن منية واسم أبيه أمية،
|
||
وهؤلاء كلهم صحابة.\\
|
||
ومن العلماء بعدهم: إسماعيل ابن علية واسم أبيه إبراهيم، منصور ابن صفية
|
||
واسم أبيه عبد الرحمن، محمد بن عائشة واسم أبيه: حفص، إبراهيم ابن أهراسة
|
||
واسم أبيه سلمة، محمد ابن عثمة واسم أبيه خالد.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في ذكر أسماء تساوى فيها الرجال والنساء
|
||
|
||
فمن ذلك ما تساوى فيه الاسم والنسب أمية بن أبي الصلت قال فيه النبي صلى
|
||
الله عليه وسلم: "كاد أمية يسلم"، أمية بنت أبي الصلت روى حديثها ابن
|
||
إسحاق، أمية بن عبد الله: حدث عن ابن عمر، أمية بنت عبد الله: تروي عن
|
||
عائشة، عمارة بن حمزة: من ولد عكرمة، عمارة بنت حمزة: وهي التي اختصم فيها
|
||
علي وجعفر وزيد.\\
|
||
فضالة بن الفضل: حدث عن أبي بكر بن عياش، فضالة بنت الفضل: روى عنها عبد
|
||
الرحمن بن جبلة.\\
|
||
طلحة بن أبي سعيد المصري: روى عن القاسم بن محمد، طلحة بنت أبي سعيد: روى
|
||
عنها ابن أبي جبلة أيضاً.\\
|
||
هند بن المهلب: روى عنه محمد بن الزبرقان، هند بنت المهلب: حدثت عن
|
||
أبيها.\\
|
||
هبة بن أحمد شيخنا، هبة بنت أحمد: حدثت عن أحمد بن محمود.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
ومن ذلك ما يتشابه في الخط ويتباين في اللفظ مع تساوي اسم الأب: بسرة بنت
|
||
صفوان: صحابية، يسرة بن صفوان: حدث عن إبراهيم بن سعد، حمزة بن عبد الله
|
||
جماعة، جمرة بنت عبد الله: صحابية، خيثمة بن عبد الرحمن: روى عن ابن عمر،
|
||
حنتمة بنت عبد الرحمن: أخت أبي بكر بن عبد الرحمن الفقيه.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
ومن الأسماء التي تساوى فيها الرجال والنساء دون أنسابهم: أسما ابن حارثة
|
||
وأسما بن رباب: صحابيان، أسماء بنت أبي بكر وأسما بنت عميس: صحابيتان.\\
|
||
بركة أم يمن: مولاة رسول الله، بركة أم عطا ابن أبي رباح، ومن الرجال: بركة
|
||
بن الوليد: روى عن ابن عباس، وبركة بن نشيط روى عن عثمان ابن أبي شيبة.\\
|
||
بريدة بن الحصيب: صحابي، بريدة بنت بشر: صحابية.\\
|
||
جويرية بن مسهر: يروي عن علي، جويرية بن بشير: يروي عن الحسن، جويرية بن
|
||
أسماء: عن نافع، جويرية بن الحجاج: شاعر.\\
|
||
ومن النساء: جويرية أم المؤمنين، جويرية بنت زياد، جويرية بنت علقمة.\\
|
||
حميضة بن رقيم: صحابي، حميضة ابن الشمردل: تابعي، حميضة بن قيس: شاعر. ومن
|
||
النساء: حميضة بنت ياسر، حميضة بنت أبي كثير.\\
|
||
الرباب بنت البراء بن معرور، الرباب بنت كعب: أم حذيفة، الرباب بنت
|
||
النعمان: عمة سعد بن معاذ، الرباب زوجة الحسين بن علي. وفي الرجال: تابعي
|
||
يقال له رباب: سمع من ابن عباس.\\
|
||
زيد: في الرجال كثير، وزيد بنت مالك بن عميت.\\
|
||
عصيمة: حليف للأنصار من بني أسد، عصيمة: حليف لهم من أشجع: كلاهما شهدا
|
||
بدراً. ومن النساء: عصيمة بنت حبار، عصيمة بنت أبي الأفلح: مبايعتان.\\
|
||
علية بن زيد: صحابي، ومن النساء: علية بنت شريح أم السايب ابن أخت نمر،
|
||
وعلية بنت المهدي.\\
|
||
عميرة بن يثربي: قاضي البصرة لعمر بن الخطاب، عميرة بن سعد: يروي عن علي
|
||
رضي الله عنه، عميرة بن زياد: عن ابن مسعود، ومن النساء: عميرة بنت سهل،
|
||
عميرة بنت ظهير، عميرة بنت ثابت: صحابيات.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
ومما يقع الإشكال فيه: إسحاق الأزرق، وإسحاق ابن الأزرق فالأول مصري: روى
|
||
عنه الليث بن سعد، والثاني يروي عن الثوري.\\
|
||
عياش ابن الأزرق، وعباس الأزرق فالأول بالشين المعجمة: روى عنه جعفر
|
||
الفرياني، والثاني بالسين المهملة: روى عنه حماد. هاشم ابن البريد، وهاشم
|
||
البريد: فالأول كوفي: حدث عن أبي إسحاق السبيعي، والثاني بصري: روى عنه عبد
|
||
الصمد بن عبد الوارث.
|
||
|
||
منتخب من الأسماء المفردة
|
||
|
||
أحمد بن عجيان، أثال، أثان، أرطيان، أسفع، أيقع، أفلت، أكبل، أخيل، بحبح،
|
||
بسمين، بلهط، بلج، بيحرة، ثهلان، جاحل، جيب، جحدل، خنفر، خرباق، ديسم،
|
||
رعيان، زنيح، ركيح، زبيد، سرق، سياك، شبيب، شتير، شنيف، شويس، شبيم، صحار،
|
||
صمصم، ضريك، طيسلة، عتريس، عذافر، عزرب، عرعره، عسعس، عباق، فصافص، فنج،
|
||
قحذم، قريع، كركره، كهدل، لبي، لبطه، لمازه، مراجم، مشرح، معقس، مقلاص،
|
||
مليل، هلقام، المنقع، منجل، ياسم، نبتل، نسطاس، نوسجان، وقدان، هبيب، هجنع،
|
||
هداج، هرماس، هصان، ينحس، يعفر، هيطان.
|
||
|
||
منتخب من مشتبه الأسماء
|
||
|
||
أحمد: كثير: أحمد بن عجيان: شهد فتح مصر.\\
|
||
أنس: كثير، واتش جد محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني.\\
|
||
بسر: كثير، وبسر ابن أبي أرطاة: صحابي، ونشر هو محمد بن نشر الكوفي: روى عن
|
||
ابن الحنفية، ويسر أبو اليسر: صحابي، ويسر ابن أنس: متأخر، ونسر جد يحيى
|
||
ابن أبي بكير: قاضي كرمان.\\
|
||
بيان: كثير، وبنان بن محمد الزاهد، وبنّان بن يعقوب، وبتان هو سعيد بن بتان
|
||
الأيلي.\\
|
||
يزيد: كثير، وبريد بن أصرم: يروي عن علي، وتزيد بن جشم: في نسب الأمصار،
|
||
وبرند هو عرعرة بن البرند.\\
|
||
حماد: كثير، وحماد بن أيوب: روى عن حماد بن أبي سليمان.\\
|
||
جرير: كثير، وجرير: هو عبد الله بن جرير، وحريز بن عثمان، وحرير أم الحرير:
|
||
تروي عن طلحة بن مالك، وجريز بن صدقة الجريز: يروي عن شعبة.\\
|
||
جماز هو: الهيثم بن جماز، وحبيب بن جماز، ونعيم بن خمار، وعياض بن حمار،
|
||
وحماز: يروي عن ابن مسعود.\\
|
||
خباب: صحابي، وجباب بن المنذر: صحابي، وجناب بن الخشخاش: يروي عن أبي كلدة،
|
||
وجباب بن صالح، وحتات بن يحيى.\\
|
||
خبيب: كثير، حبيب: صحابي، وخبيب: صحابي، وجبيب بن النعمان بن يحيى، وجبيب
|
||
أخو حمزة الزيات.\\
|
||
خنيس بن حذافة: صحابي، وهب بن حنبش: صحابي، حبيش بن خلد: صحابي، حبيس بن
|
||
عايد: مصري.\\
|
||
نعيم: كثير، يغنم بن سالم يروي عن أنس.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
من مشتبه النسبة
|
||
|
||
الحسن البصري، طلحة بن عمرو النصري، الحسين بن الحسن النضري.\\
|
||
سفيان الثوري، محمد بن الصلت التوزي، محمد بن عمرو البوري، أبو الحسين
|
||
النوري.\\
|
||
أبو بكر الخياط، فطر بن خليفة الحتاط، مسلم الخباط: وقد جمع مسلم هذه
|
||
الصفات الثلاثة: الخزاز - جماعة -، وعبد الله ابن عون الخراز، وعيسى بن
|
||
يونس الحزاز، ويحيى ابن الجزاز.\\
|
||
أبو عمر الشيباني، أيوب بن سويد السيباني، الفضل بن موسى السيناني.\\
|
||
فرقد السبخي، سليمان بن معبد السنجي، أبو بكر السبحي، بدر الشيحي.\\
|
||
عامر الشعبي، معاوية بن حفص الشعبي، زكريا بن عيسى الشغبي.\\
|
||
حذيفة بن اليمان العبسي، عمار بن ياسر العنسي، صعق بن حزن العيسي، وتقع
|
||
النسبة في المحدثين إلى هذه الألفاظ الثلاثة، قال الحسن ابن سفيان النسوي:
|
||
كلما ورد في الحديث عبسي فهو كوفي، وعنسي فهو بصري، وعيسى فهو مصري.\\
|
||
إبراهيم بن يزيد الخوزي، محمد بن يزيد الحوزي، محمد بن يزداد الجوري، عبد
|
||
الرحمن بن علي الجوزي.
|
||
|
||
بيان أحاديث أهمل فيها تبيين الأسماء المشتبهة
|
||
|
||
حديث
|
||
|
||
روى أبو قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى وضع عن
|
||
المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع يعني الصيام، أنس هذا هو ابن مالك
|
||
القشيري.
|
||
|
||
أحاديث
|
||
|
||
روى عطاء عن أبي هريرة قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله صلى
|
||
الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى علينا أخفينا عليكم.\\
|
||
وروى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمع
|
||
حبُّ هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.\\
|
||
وروى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت
|
||
الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.\\
|
||
وروى عطاء عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في إقرأ باسم
|
||
ربك.\\
|
||
وروى عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مضى
|
||
ثلث الليل يقول الله ألا داعٍ يجاب.\\
|
||
عطاء الأول هو ابن أبي رباح، والثاني الخراساني، والثالث ابن يسار، والرابع
|
||
ابن ميناء، والخامس مولى أم صبية.
|
||
|
||
أحاديث
|
||
|
||
روت عمرة عن عائشة قالت: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث
|
||
النساء بعده لمنعهن المسجد كما منع نساء بني إسرائيل.\\
|
||
وروت عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة فسألتها: ما سمعت من رسول الله صلى
|
||
الله عليه وسلم يقول في الفرار من الطاعون? قالت: سمعته يقول: كالفرار من
|
||
الزحف.\\
|
||
وروت عمرة قالت: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة فمررنا بالمدينة
|
||
ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حجره فكانت أول قطرة قطرت على هذه الآية:
|
||
فسيكفيكهم الله. قالت عمرة: فما مات منهم رجل سوياً.\\
|
||
وروت عمرة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن
|
||
الوِصال.\\
|
||
عمرة الأولى هي بنت عبد الرحمن الأنصارية، والثانية بنت قيس العدوية،
|
||
والثالثة بنت أرطاة، والرابعة يقال لها الطاخية.
|
||
|
||
أحاديث
|
||
|
||
روى حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع في النخل صوتاً
|
||
فقال ما هذا? فقال يوبرون النخل، فذكر الحديث.\\
|
||
وروى حماد: عن ثابت عن أنس قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد
|
||
الرحمن صُفْرة فقال: ما هذا? قال: تزوجت، قال: أَوْلِم.\\
|
||
روى حماد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل أمتي
|
||
مثل المطر.\\
|
||
حماد الأول ابن سلمة، والثاني ابن زيد، والثالث الأبح.\\
|
||
واعلم أن مثل هذه الأسماء المشتبهة إذا لم يصرح في الحديث ببيانها لم يفرق
|
||
بينها إلا الناقد المجود.\\
|
||
وفي الفرق بينها فائدة عظيمة، وهي أن بعض الرواة ثقة، ومشبهه في الاسم يكون
|
||
ضعيفاً، فيطلب الفرق لذلك، مثاله: أن يروي قتادة عن عكرمة، وهو يروي عن
|
||
عكرمة مولى ابن عباس، وذاك ثقة وعن عكرمة بن خالد وهو ضعيف، وكذا قول وكيع:
|
||
حدثنا النضر عن عكرمة: وهو يروي عن النضر بن النضر بن عربي وهو ثقة، وعن
|
||
النضر بن عبد الرحمن - وهو ضعيف - ومثله قول حفص بن غياث بن أشعث عن الحسن،
|
||
وهو يروي عن أشعث بن عبد الملك - وهو ثقة، وعن أشعث بن سوار - وهو ضعيف.
|
||
|
||
منتخب من المتفق والمفترق
|
||
|
||
أنس بن مالك خمسة: اثنان من الصحابة أبو حمزة الأنصاري، وأبو أمية الكعبي،
|
||
والثالث أبو مالك الفقيه، والرابع كوفي، والخامس حمصي.
|
||
|
||
أسامة بن زيد ستة: أحدهم مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني تنوخي،
|
||
والثالث ليثي، والرابع كلبي، والخامس شيرازي، والسادس مولى لعمر.\\
|
||
أحمد بن جعفر بن حمدان أربعة في طبقة واحدة: أحدهم دينوري، والثاني طرسوسي،
|
||
والثالث قطيعي، والرابع سقطي.\\
|
||
جابر بن عبد الله سبعة: أحدهم ابن عمرو، والثاني ابن رئاب صحابيان، والثالث
|
||
سلمى، والرابع محاربي، والخامس غطفاني، والسادس مصري، والسابع بصري.\\
|
||
الخليل بن أحمد خمسة: ثلاثة بصريون، والرابع أصبهاني، والخامس سجزي.\\
|
||
سعيد بن المسيب ثلاثة: أحدهم مدني، والثاني بلوي، والثالث شيرازي.\\
|
||
عبد الله بن المبارك ستة: أحدهم مروزي، والثاني خراساني، والثالث بخاري،
|
||
والرابع جوهري، والباقيان من أهل بغداد.\\
|
||
عمر بن الخطاب سبعة: أحدهم أمير المؤمنين، والثاني كوفي، والثالث بصري،
|
||
والرابع اسكندراني، والخامس سجستاني، والسادس راسبي، والسابع عنبري.\\
|
||
عثمان بن عفان اثنان: أحدهما أمير المؤمنين، والثاني سجزي.\\
|
||
علي بن أبي طالب ثمانية: أحدهم أمير المؤمنين، والثاني بصري، والثالث
|
||
جرجاني، والرابع أستراباذي، والخامس تنوخي، والسادس بكراباذي، والسابع
|
||
بغدادي، والثامن يقال له الدهان.\\
|
||
عمر بن حصين أربعة: أحدهم صحابي، والثاني ضبي، والثالث بصري، والرابع
|
||
أصبهاني.\\
|
||
فضيل بن عياض اثنان: أحدهما مصري، والثاني مكي.\\
|
||
يحيى بن معاذ ثلاثة: أحدهم نيسابوري، والثاني رازي، والثالث تستري.\\
|
||
يوسف بن إسباط ثلاثة: أحدهم كوفي، والثاني حمصي، والثالث سلمي.
|
||
|
||
الباب الرابع:
|
||
|
||
في ذكر عيون التواريخ
|
||
|
||
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الله تعالى
|
||
التربةَ يوم السبت وخلق الجبال فيها: يوم الأحد، وخلق الشجر فيها: يوم
|
||
الاثنين، وخلق المكروه: يوم الثلاثاء، وخلق النور: يوم الأربعاء، وبث فيها
|
||
الدواب: يوم الخميس، وخلق آدم: يوم الجمعة بعد العصر.\\
|
||
قال علماء التاريخ: الأرض كلها على صخرة، والصخرة على منكبي ملك، والملك
|
||
على حوت، والحوت على الماء، والماء على متن الريح.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أقاليم الأرض سبعة: فالإقليم الأول الهند، والثاني إقليم الحجاز، والثالث
|
||
إقليم مصر، والرابع إقليم بابل، والخامس إقليم الروم والشام، والسادس بلاد
|
||
الترك، والسابع بلاد الصين.\\
|
||
وأوسط الأقاليم: إقليم بابل وهو أعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق الذي
|
||
هو سرة الدنيا، وبغداد في أوسط هذا الإقليم، فلاعتداله اعتدلت ألوان أهله،
|
||
فسلموا من شقرة الروم، وسواد الحبش، وغلظ الترك، وجفاء أهل الجبال، ودمامة
|
||
أهل الصين، وكما اعتدلوا في الخلقة، لطفوا في الفطنة.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
قال علماء التواريخ: جميع ما عرف في الأرض من الجبال مائة وثمانية وتسعون:
|
||
من أعجبها جبل سرنديب، وطوله مائتان ونيف وستون ميلاً وفيه أثر قدم آدم حين
|
||
هبط، وعليه سنا البرق، لا يذهب صيفاً، وحوله ياقوت، وفي واديه الماس الذي
|
||
يقطع الصخور، ويثقب اللؤلؤ، وفيه العود والفلفل، ودأبه المسك، ودابة
|
||
الزباد.\\
|
||
وجبل الرد الذي فيه السد، طوله سبعمائة فرسخ وينتهي إلى البحر المظلم
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
قالوا: في الأرض سبعمائة معدن، ولا ينعقد الملح إلا في السبخ، ولا الجص إلا
|
||
في الرمل والحصى، والبحر الأعظم محيط بالدنيا، والبحار تستمد منه.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
قالوا: وعاش آدم ألف سنة، وولدت له حواء أربعين ولداً، في كل بطن ذكر
|
||
وأنثى، فأولهم قابيل، وتوأمته قليما، ولم يمت آدم حتى رأى من ولده وولد
|
||
ولده أربعين ألفاً، وانقرض نسلهم، غير نسل شيت، ثم انقرض النسل، وبقي أولاد
|
||
نوح وهم: سام، وحام، ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو الزنج، ويافث أبو
|
||
الروم والترك، ويأجوج ومأجوج نوع من الترك.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في تسمية الحواريين
|
||
|
||
شمعون الصفا، وشمعون القناني، ويعقوب بن زندي، ويعقوب بن حلقي، وقولوس،
|
||
ومارقوس، وأندراوس، وبرثملا، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
كان أول ملوك الفرس: دارا: ملك نحواً من مائتي سنة، ثم ملك بعده خمسة
|
||
وعشرون: منهم امرأتان، وكان آخر القوم يزدجرد، هلك في زمان عثمان، وكان
|
||
ملكهم خمسمائة سنة وكسراً.
|
||
|
||
وكان أظرفهم ولاية ذو الأكتاف، فإنه لا يعرف من ملك وهو في بطن أمه غيره،
|
||
لأن أباه كان قد مات ولا ولد له، وإنما كان هذا حملاً، فقال المنجمون هذا
|
||
الحمل يملك الأرض، فوضع التاج على بطن الأم، وكتب منه إلى الآفاق، وهو
|
||
جنين، وسمي سابوراً وإنما لقب بذي الأكتاف لأنه حين ملك كان ينزع أكتاف
|
||
مخالفيه، وهو الذي بنى الإيوان، وبنى نيسابور وسجستان والسوس، وما زال
|
||
الملك ينتقل بعده فيهم حتى ملك أنشروان، وكان أحزمهم، وكان له اثنا عشر ألف
|
||
امرأة وجارية، وخمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحداً، وفي زمانه ولد نبينا
|
||
صلى الله عليه وسلم، ومات لثمان سنين مضت من مولد نبينا صلى الله عليه
|
||
وسلم، ولما دخل المسلمون المدائن، أحرقوا ستر باب الإيوان، فأخرجوا منه ألف
|
||
ألف مثقال ذهباً.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
أربعة تناسلوا، رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو قحافة، وابنه أبو
|
||
بكر، وابنه عبد الرحمن، وابنه محمد، ويكنى أبا عتيق.\\
|
||
أربعة أخوة كان بين كل واحد منهم وواحد عشر سنين: أولاد أبي طالب: طالب
|
||
وعقيل، وجعفر، وعلي، فكان طالب أسن من عقيل عشر سنين، وعقيل أسن من جعفر
|
||
بعشر سنين، وجعفر أسن من علي بعشر.\\
|
||
ولا يعرف أخوان تباعدا في السن مثل موسى بن عبيدة الربذي وأخيه عبد الله بن
|
||
عبيدة، فإن عبد الله أسن من موسى بثمانين سنة.\\
|
||
ومن العجائب: ثلاث أخوة ولدوا في سنة واحدة، وقتلوا في سنة واحدة وكانت
|
||
أعمارهم ثماني وأربعين سنة: يزيد، وزياد، ومدرك، بنو المهلب ابن أبي
|
||
صفرة.\\
|
||
ومن العجائب: أربعة أنفس رزق كل واحد منهم مائة ولد، أنس بن مالك، وعبد
|
||
الله بن عمر الليثي، وخليفة السعدي، وجعفر بن سليمان الهاشمي.\\
|
||
ومن العجائب: ثلاثة بنو أعمام كلهم كانوا في زمان واحد، كل واحد منهم اسمه
|
||
علي، ولهم ثلاثة أولاد كل واحد منهم اسمه محمد، والآباء والأبناء علماء
|
||
أشراف، وهم: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن عبد الله بن
|
||
العباس، وعلي بن عبد الله بن جعفر.\\
|
||
ومن العجائب: أنه في ليلة السبت لأربع بقين من ربيع الأول سنة تسعين ومائة،
|
||
مات الهادي، واستخلف الرشيد، وولد المأمون.\\
|
||
ومن العجائب: أنه سلم على الرشيد بالخلافة عمه سليمان بن المنصور وعم أبيه
|
||
المهدي، وهو العباس بن محمد، وعم جده المنصور، وهو عبد الصمد بن علي، وقال
|
||
له عبد الصمد يوماً: يا أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعم أمير
|
||
المؤمنين وعم عم أمير المؤمنين وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم
|
||
الرشيد، والعباس عم سليمان، وعبد الصمد عم العباس.\\
|
||
ومن العجائب: أن عبد الصمد حج بالناس سنة خمسين ومائة، وقد حج قبله يزيد بن
|
||
معاوية سنة خمسين: وهما في النسب إلى عبد مناف سواء، لأن يزيد هو ابن
|
||
معاوية بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وعبد الصمد بن علي
|
||
بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وقد سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية، كلهم ابن خليفة: المنتصر ابنه، ومحمد
|
||
ابن الواثق، وأحمد بن المعتصم، وموسى بن المأمون، وعبد الله بن الأمير،
|
||
وأبو أحمد بن الرشيد، وأبو العباس بن الهادي، والمنصور بن المهدي.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
وقد ولي الخلافة: أخوان، وثلاثة، وأربعة، فأما الأخوان: فالسفاح والمنصور،
|
||
والهادي والرشيد، والواثق والمتوكل ابنا المعتصم، والمسترشد والمقتفي، وأما
|
||
الثلاثة: فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد، والمكتفي والمقتدر والقاهر
|
||
بنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر، وأما الأربعة فلم
|
||
يكونوا إلا بني عبد الملك.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
من العجائب المتعلقة بالنساء
|
||
|
||
*من ذلك أن امرأة شهد لها بدراً سبعة بنين مسلمين وهي: عفراء بنت عبيد،
|
||
تزوجها الحارث بن رفاعة، فولدت له معاذاً ومعوذاً، ثم تزوجها بكير فولدت له
|
||
إياساً وخالداً، وعاقلاً، وعامراً، ثم رجعت إلى الحارث فولدت له عوفاً،
|
||
فشهدوا كلهم بدراً، ويخرج من هذا جواب المسائل هل تعرفون أربعة أخوة لأب
|
||
وأم شهدوا بدراً مسلمين?.\\
|
||
ومن هذا الجنس، امرأة كان لها أربعة أخوة وعمَّان شهدوا بدراً، فأخوان وعم
|
||
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوان وعم مع المشركين، وهي هند بنت
|
||
عتبة بن ربيعة، فالأخوان المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير، والعم
|
||
المسلم: معمر بن الحارث، والأخوان المشركان: الوليد بن عتبة وأبو عزيز،
|
||
والعم المشرك: شيبة بن ربيعة.\\
|
||
ومن العجائب: أن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان كان له أربع بنات:
|
||
عبدة، وعائشة، وأم سعيد، ورقية، تزوجهن أربعة من الخلفاء: تزوج عبدة الوليد
|
||
بن عبد الملك، وعائشة سليمان، وأم سعيد يزيد بن عبد الملك، ورقية هشام.\\
|
||
وكان لهذا الرجل - أعني عبد الله بن عمرو - ولد اسمه محمد - كان يقال له
|
||
الديباج لحسنه - وكان لمحمد بنت اسمها حفصة لا يعرف امرأة ولدها رسول الله
|
||
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير والحسين وابن
|
||
عمر سواها، أما ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فإن أم أبيها
|
||
فاطمة بنت الحسين بن علي، وأم الحسين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
|
||
وسلم، ومن طريق الحسين بن علي ولادته لها وولادة علي لها، وأما ولادة أبي
|
||
بكر لها، فإن أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير، وأم عروة أسماء بنت
|
||
أبي بكر الصديق، ومن طريق عروة ولدها الزبير، وأما ولادة عمر لها، فإن أم
|
||
جدها عبد الله زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فمن هذه الطريق ولادة
|
||
عمر لها، وأما ولادة عثمان لها، فمن طريق أبيها، وأما ولادة طلحة، فإن
|
||
جدتها من قبل أبيها هي أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.\\
|
||
ومن العجائب: امرأة ولدت خليفتين، وهن ثلاث: الأولى: ولادة بنت العباس
|
||
العبسية، تزوجها عبد الملك بن مروان، فولدت له: الوليد وسليمان فوليا
|
||
الخلافة، والثانية: شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد، تزوجها الوليد بن عبد
|
||
الملك، فولدت له: يزيد وإبراهيم فوليا الخلافة، والثالثة: الخيزران: ولدت
|
||
للمهدي الهادي والرشيد.*
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في الجدوب وعموم الموت
|
||
|
||
أجدبت الأرض في سنة ثماني عشرة فكانت الريح تسفي تراباً كالرماد، فسمي عام
|
||
الرمادة، وجعلت الوحوش تأوي إلى الأنس، فآلى عمر ألا يذوق سمناً ولا لبناً
|
||
ولا لحماً حتى يحيى الناس واستسقى بالعباس فسقوا، وفيها كان طاعون عمواس،
|
||
مات فيه أبو عبيدة، ومعاذ، وأنس.\\
|
||
وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة وماتت أم أميرهم فما وجدوا من
|
||
يحملها.\\
|
||
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفاً، وفي
|
||
الثاني نيف وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث خمد الناس.\\
|
||
وفي سنة تسع عشرة وثلاث مائة كثر الموت، وكان يدفن في القبر الواحد
|
||
جماعة.\\
|
||
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة ذبح الأطفال، وأكلت الجيف، وبيع العقار
|
||
برغيفان، واشتري لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم.\\
|
||
وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة عمت الأمراض البلاد، فكان يموت أهل الدار
|
||
كلهم.\\
|
||
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة أصاب أهل البصرة حر، فكانوا يتساقطون موتى
|
||
في الطرقات.\\
|
||
وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عم القحط، فأكلت الميتة، وبلغ المكوك من
|
||
بزر البقلة سبع دنانير، والسفرجلة والرمانة ديناراً، والخيارة واللينوفرة
|
||
ديناراً، وورد الخبر من مصر بأن ثلاثة من اللصوص نقبوا داراً فوجدوا عند
|
||
الصباح موتى، أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على
|
||
الثياب المكورة.\\
|
||
وفي السنة التي تليها وقع وباء، فكان تحفر زبية لعشرين وثلاثين فيلقون
|
||
فيها، وتاب الناس كلهم وأراقوا الخمور، ولزموا المساجد.\\
|
||
وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وقع الوباء، وبلغ الرطل من التمر الهندي أربعة
|
||
دنانير.\\
|
||
وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة اشتد الجوع والوباء بمصر، حتى أكل الناس
|
||
بعضهم بعضاً، وبيع اللوز والسكر بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، وخرج
|
||
وزير صاحب مصر إليه فنزل عن بغلته، فأخذها ثلاثة فأكلوها، فصلبوا، فأصبح
|
||
الناس لا يرون إلا عظامهم تحت خشبهم وقد أكلوا.\\
|
||
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة وقع الموت في الدواب حتى إن راعياً قام إلى
|
||
الغنم وقت الصباح ليسوقها فوجدها كلها موتى.
|
||
|
||
فصل
|
||
|
||
في الزلازل والآيات
|
||
|
||
زلزلت الأرض على عهد عمر في سنة عشرين، ودامت الزلازل في سنة أربع وتسعين:
|
||
أربعين يوماً، وقعت الأبنية الشاهقة، وتهدمت أنطاكية.
|
||
|
||
وفي سنة أربع وعشرين ومائتين زلزلت فرغانة فمات فيها خمسة عشر ألفاً.\\
|
||
وفي السنة التي تليها رجفت الأهواز، وتصدعت الجبال، وهرب أهل البلد إلى
|
||
البحر والسفن ودامت ستة عشر يوماً.\\
|
||
وفي السنة التي تليها مطر أهل تيما مطراً وبرداً كالبيض، فقتل بها ثلاثمائة
|
||
وسبعين إنساناً، وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك، اعف عن عبادك، ونظروا
|
||
إلى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع، وعرضها شبر، ومن الخطوة إلى الخطوة خمسة
|
||
أذرع أو ست، فاتبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتاً ولا يرون شخصاً.\\
|
||
وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين رجفت دمشق رجفة حتى انقضت منها البيوت وسقطت
|
||
على من فيها، فمات خلق كثير، وانكفأت قرية في الغوطة على أهلها، فلم ينج
|
||
منهم إلا رجل واحد، وزلزلت أنطاكية فمات منها عشرون ألفاً.\\
|
||
وفي السنة التي تليها هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها فاتصلت نيفاً وخمسين
|
||
يوماً، وشملت بغداد والبصرة والكوفة وواسط وعبادان والأهواز، ثم ذهبت إلى
|
||
همدان، فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى الموصل، فمنعت الناس من السعي، فتعطلت
|
||
الأسواق، وزلزلت هراة فوقعت الدور.\\
|
||
وفي سنة ثمان وثلاثين وجه طاهر بن عبد الله إلى المتوكل حجراً سقط بناحية
|
||
طبرستان، وزنه ثمانمائة وأربعون درهماً، أبيض، فيه صدع، وذكروا أنه سمع
|
||
لسقوطه هدة أربع فراسخ في مثلها، وأنه ساخ في الأرض خمسة أذرع.\\
|
||
وفي سنة أربعين ومائتين خرجت ريح من بلاد الترك، فمرت بمرو فقتلت خلقاً
|
||
كثيراً بالزكام، ثم صارت إلى نيسابور، وإلى الري، ثم إلى همذان وحلوان، ثم
|
||
إلى العراق، فأصاب أهل بغداد وسر من رأى حمى وسعال وزكام، وجاءت كتب من
|
||
المغرب أن ثلاث عشرة قرية من قرى القيروان خسف بها، فلم ينج من أهلها إلا
|
||
اثنان وأربعون رجلاً سود الوجوه فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا أنتم
|
||
مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها.\\
|
||
وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء، وجعلت تتطاير شرقاً وغرباً
|
||
كالجراد، من قبل غروب الشمس إلى الفجر، ولم يكن مثل هذا إلا عند ظهور رسول
|
||
الله صلى الله عليه وسلم.\\
|
||
وفي السنة التي تليها رجمت قرية يقال لها السويدا ناحية مصر بخمسة أحجار،
|
||
فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة
|
||
أرطال، وزلزلت الري وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصبهان وقم وقاشان كلها في
|
||
وقت واحد، وزلزلت الدامغان فهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفاً، وتقطعت جبال،
|
||
ودنا بعضها من بعض، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، فهلك من أهلها، وسار
|
||
جبل باليمن، عليه مزارع، حتى أتى مزارع قوم آخرين، ووقع طائر أبيض دون
|
||
الرخمة وفوق الغراب على دلبة بحلب، لسبع مضين من رمضان فصاح: يا معشر
|
||
الناس، اتقوا الله، الله، الله، حتى صاح أربعين صوتاً ثم طار، وجاء من الغد
|
||
فصاح أربعين صوتاً ثم طار، فكتب صاحب البريد بذلك، وأشهد خمسمائة إنسان
|
||
سمعوه، ومات رجل في بعض كور الأهواز فسقط طائر أبيض على جنازته، فصاح
|
||
بالفارسية والخورية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده.\\
|
||
وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت أنطاكية، فسقط منها ألف وخمسمائة دار،
|
||
ووقع من سورها نيف وتسعون برجاً، وسمع أهلها أصواتاً هائلة، من كوى
|
||
المنازل، وسمع أهل تنيس صيحة هائلة، دامت فمات منها خلق كثير، وذهبت جيلة
|
||
بأهلها.\\
|
||
وفي سنة خمسين وثلاثين ومائتين مطرت قرية حجارة بيضاء وسوداء.\\
|
||
وفي سنة ثمان وثمانين زلزلت دنبل في الليل، فأصبحوا، ولم يبق من المدينة
|
||
إلا اليسير، فأخرج من تحت الهدم خمسون ومائة ألف ميت.\\
|
||
وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة عدل الحاج عن الجادة خوفاً من العرب، فرأوا في
|
||
البرية، صور الناس من حجارة، ورأوا امرأة قائمة على تنور وهي من حجارة،
|
||
والخبز الذي في التنور من حجارة.\\
|
||
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة هبت ريح بفم الصلح، شبت بالتنين، خرقت دجلة،
|
||
حتى ذكر أنها باتت أرضها، وهلكت خلقاً كثيراً، واحتملت زورقاً منحدراً،
|
||
وفيه دواب، فطرحته في أرض جوخى.\\
|
||
وفي سنة عشرين وأربعمائة جاء برد هائل، ووقعت بردة، حزرت بمائة وخمسين
|
||
رطلاً، فكانت كالثور النائم.\\
|
||
وفي سنة أربع وثلاثين زلزلت تبريز، فهدم سورها وقلعتها، وهلك تحت الهدم
|
||
خمسون ألفاً.
|
||
|
||
وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة كانت بأذربيجان زلازل، انقطعت منها
|
||
الحيطان، فحكى من يعتمد على قوله، إنه كان قاعداً في إيوان، فانفرج حتى رأى
|
||
السماء من وسطه ثم عاد.\\
|
||
وفي سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة بفلسطين هلك فيها خمسة عشر ألفاً،
|
||
وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت، وغاب الحر مسيرة يوم، فساخ في
|
||
الأرض، فدخل الناس يلتقطون، فرجع عليهم فأهلك خلقاً كثيراً منهم.\\
|
||
وفي سنة اثنتين وستين خسف بأيلة.\\
|
||
وفي سنة ست وخمسمائة سمع ببغداد صوت هدة عظيمة في أقطار بغداد في الجانبين،
|
||
قال شيخنا أبو بكر ابن عبد الباقي أنا سمعتها، فظننت حائطاً قد وقع، ولم
|
||
يعلم ما ذاك، ولم يكن في السماء غيم فيقال رعد.\\
|
||
وفي سنة سبع وقعت زلزلة بناحية الشام، فوقع من سور الرها ثلاثة عشر برجاً،
|
||
وخسف بسميساط وقلب بنصف القلعة.\\
|
||
وفي سنة إحدى عشرة زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة، فكانت الحيطان تمر
|
||
وتجيء.\\
|
||
وفي سنة خمس عشرة وقع الثلج ببغداد، فامتلأت منه الشوارع والدروب، ولم يسمع
|
||
قبله بمثله.\\
|
||
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة كانت زلزلة بجنزة أتت على مائتي ألف وثلاثين
|
||
ألفاً فأهلكتهم، وكانت في مقدار عشرة فراسخ في مثلها.\\
|
||
وفي السنة التي تليها خسف بجنزة وصار مكان البلد ماء أسود، وقدم التجار من
|
||
أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهليهم، وزلزلت حلوان فتقطع الجبل، وهلك
|
||
خلق كثير.\\
|
||
وفي سنة اثنين وخمسين وخمسمائة كانت زلازل بالشام في ثلاثة عشر بلداً من
|
||
بلاد الإسلام، فمنها ما هلك كله، ومنها ما هلك بعضه.
|
||
|
||
الباب الخامس
|
||
|
||
في ذكر المواعظ
|
||
|
||
وهذا الباب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول يختص بذكر القصص، والقسم الثاني
|
||
فيه المواعظ والإشارات مطلقاً.
|
||
|
||
القسم الأول في القصص
|
||
|
||
وهو المختص بذكر القصص، وفيه ست وعشرون قصة
|
||
|
||
الفصل الأول
|
||
|
||
في قصة آدم عليه السلام
|
||
|
||
اعلموا أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام آخر الخلق، لأنه مهد الدار قبل
|
||
الساكن، وأقام عذره قبل الزلل، بقوله في "الأرض" فظنت الملائكة أن تفضيله
|
||
بنفسه، فضنت بالفضل عليه، فقالوا "أتجعل فيها" فقوبلوا بلفظ "إني أعلم"
|
||
فلما صوره، ألفاه كاللقا، فلما عاين إبليس تلك الصورة، بات من الهم في
|
||
سورة، فلما نفخ فيه الروح، بات الحاسد ينوح، ثم نودي في نادي الملائكة
|
||
"اسجدوا لآدم" فتطهروا من غدير "لا علم لنا" وغودر الغادر بخساً بكبرياء
|
||
"أنا خير" ثم حام العدو حول حمى المحمي، فلولا سابق القدر، ما قدر عليه،
|
||
فلما نزل إلى الأرض، خدخد الفرح، بدمع الترح، حتى أقلق الوجود فجاء جبريل،
|
||
فقال: ما هذا الجهد? فصاح لسان الوجد: للخفاجي:
|
||
|
||
| ما رحلت العيش عن أرضكم | | فرأت عيناي شيئاً حسـنـا |
|
||
| هل لنا نحوكم مـن عـودة | | ومن التعليل قولي هل لنـا |
|
||
|
||
يا آدم لا تجزع من كأس خطإ كان سبب كيسك، فلقد استخرج منك داء العجب،
|
||
وألبسك رداء النسك، لو لم تذنبوا: للمتنبي:
|
||
|
||
| لعل عتبك محمود عواقـبـه | | *فربما صحت الأجسام بالعلل * |
|
||
|
||
لا تحزن لقولي لك "اهبط منها" فلك خاتمتها، ولكن اخرج منها إلى مزرعة
|
||
المجاهدة، وسق من دمعك، ساقية لشجرة ندمك، فإذا عاد العود أخضر، فعد:
|
||
للبحتري:
|
||
|
||
| إن جرى بيننا وبينك عتـب | | أو تنأت منا ومنك الـديارُ |
|
||
| فالغليل الذي عهدت مقـيم | | *والدموعُ التي شهدت غزارُ * |
|
||
|
||
ما زالت زلة الآكلة تعاده، حتى استولى داؤه على أولاده، فنمت هينمة
|
||
الملائكة، بعبارة نظر العاقبة، فنشروا مطوى "أتجعل" قرعوا بعصي الدعاوي،
|
||
ظهور العصاة، فقيل لهم: لو كنتم بين أفاعي الهوى وعقارب اللذات لبات سليمكم
|
||
سليماً، فأبوا للجرآة إلا جرجرير الدعاوي، وحدثوا أنفسهم بالتقى بالتقاوي،
|
||
فقيل: نقبوا عن خيار نقبائكم، وانتقوا ملك الملكوت، فما رأوا فيما رأوه
|
||
لمثلها مثل هاروت وماروت، فأبى لسفر البلاء بالبلية، فما نزلا حتى نزلا من
|
||
مقام العصمة، فنزلا منزل الدعوى، فركبا مركب البشرية، فمرت على المرئيين
|
||
امرأة يقال لها الزهرة، بيدها مزهر زهرة الشهوة، فغنت الغانية بغنة اغن،
|
||
فرأت قيان الهوى، فهوى الصوت في صوت قلب قلبيهما، فقلبهما عن تقوى التقويم،
|
||
فانهار بناء عزم هاروت، وما رهم حزم ماروت، فأراداها على الردى فراوداها،
|
||
وما قتل الهوى نفساً فوداها، فبسطت نطع التنطع على تحت التخيير، إما أن
|
||
تشركا وإما أن تقتلا، وإما أن تشربا، فظنا سهولة الأمر في الخمر، وما فطنا،
|
||
فلما امتد ساعد الخلاف فسقى فسقاً، فدخلا سكك السكر، فزلا في مزالق الزنا،
|
||
فرآهما مع الشخصية شخص، فشخصا إليه فقتلا، فكشت فتنتهما في فئة الملائكة،
|
||
فاتخذوا لتلك الواردة، ورداً من تضرع "ويستغفرون لمن في الأرض".
|
||
|
||
الفصل الثاني
|
||
|
||
في بناء الكعبة
|
||
|
||
لما علا كعب الكعبة على سائر البقاع بقاع العلم، أبرزتها كف الإيجاد
|
||
كالكاعب، قبل وجود الأرض، وكان آدم أول من ساس الأساس، ثم بيّت للبيت
|
||
البيات، طواف الطوفان، فحل ما حل أزرار حلل الحلل، فلما هاجر الخليل بهاجر
|
||
وابنها، أوضع بهما فوضعهما هنالك، وتولى راضياً بمن تولاه، يوم حرقوه،
|
||
فقالت هاجر: الله أمرك بهذا? قال: نعم، فرجعت متوكئة على منسأة التوكل على
|
||
من لا ينسى، فجعلت تشرب ما معها من ماء، وترضع لبنها ابنها، فلما نفدا جعل
|
||
إسماعيل يتلوى على رمض رمضان الصوم، فانطلقت لتبذل الجهود في مأمور "فامشوا
|
||
في مناكبها" فصعدت بأقدام الصفا على الصفا، فلما أطلت الطلة على الطلل،
|
||
توكفت طل روح ينقع الغلة، ثم جدت فجدت الجدد بالجد هابطة، فلما طرف طرف
|
||
سيرها طرف طرف الوادي، رفعت طرف ذراعها، ثم وسعت خطاها وسعت للجهد بجهد
|
||
ذراعها، ثم أتت المرأة المروة، وعادت إلى الصفا سبعا، فلذلك أمر المكلف أن
|
||
يسعى، لأنه أثر قدم مقدام، لتصيب الأقدام، نصيباً من مواطي "فبهداهم اقتده"
|
||
فسمعت صوتاً من صوب، فنزل الملك ليزيل النازلة، فهيا نزل النزيه، فزمزم ماء
|
||
زمزم، ونزا نزواً لانز نزاً، فحصحص الماء في صحصح الحصى، فامتدت كف الحرص،
|
||
فلفقت كالحوض، فقيل لها ليس هذا الماء من كيس كسبك فما هذا المذاق من حرص
|
||
فعلك، ولو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً، فمرت رفقة من جُرهم، جرَّهم سؤال
|
||
"فاجعل أفئدة من الناس" فأقاموا.\\
|
||
واشتاق الخليل إلى ابنه، فاستاق راحلة الرحيل، فاشترط لسان غيرة سارة، أن
|
||
لا تزال عن مكانة "وإبراهيم الذي وفَّى" فقدمت زوجة إسماعيل إليه المقام
|
||
فقدت فيه قدمه وغابت رجل الرجل فحولته إلى يساره، فسرت إليه اليسرى، فهيت
|
||
دليل الإرشاد بالقاصدين "واتخِذوا من مقام إبراهيم مُصلَّى" فلما أمرا
|
||
ببناء البيت حار من لا يعلم مراد الآمر، فإذا سحابة تسحب ذيل الدليل، قد
|
||
قدَّها المهندس القدري على قدر البيت، فوقفت فنادت يا إبراهيم: علِّم على
|
||
ظلي، فلما علَّم كما علِم، هبت فذهبت فسُرَّ بما فُسِّر له من مشكل الشكل،
|
||
فذلك سرُّ "وإذا بوَّأْنا" فجعلا مكان استراحة البناء المعنى "ربنا تقبَّل
|
||
منا" فلما فرغا، فغرا فم السؤال، يرتشفان ضرع الضراعة "وأرنا مناسكنا" فلما
|
||
شرفت الكعبة بإضافة "وطهِّرا بيتي" قصدها فوج الفيل، فقيل مرادهم، لما
|
||
باتوا على ما بيتوا، أقبل الطير الذي رمى كالغمام، فكانت قطراته للحصاد، لا
|
||
للبذر، فأصبح لزرع الأجساد كالمنجل الهاشم، ليكون معجزاً لظهور نبي بني
|
||
هاشم، فأمسوا في بيدر الدِّيّاس "كعصفٍ مأكول".
|
||
|
||
الفصل الثالث
|
||
|
||
في قصة نوح عليه السلام
|
||
|
||
لما عم أهل الأرض العمى عما خلقوا له، بعث نوح بجلاء أبصار البصائر، فمكث
|
||
يداويهم "ألف سنة إلا خمسين عاماً" فكلهم أبصر ولكن عن المحجة تعالى، فلاح
|
||
لللاحي عدم فلاحهم، فولاهم الصلا يأساً من صلاحهم. وبعث شكاية الأذى، في
|
||
مسطور "إنهم عصوني" فأذن مؤذن الطرد، على باب دار إهدار دمائهم "إنه لن
|
||
يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن" فقام نوح في محراب "لا تذر" فأتته رسالة "أن
|
||
اصنع" ونادى بريد الإعلام بالغضب "ولا تخاطبني" فلما أن هال كئيب الإمهال،
|
||
وانقطع سلك التأخير. غربت شمس الانتظار، فادلهمت عقاب العقاب فلما انسدلت
|
||
الظلمة، وفات النور "فار التنور" فقيل يا نوح: قد حان حين الحين، فاحمل
|
||
"فيها من كل زوجين اثنين"، فتخلف خلف نوح خلف من ولده، فمد يد الحنو ليأخذ
|
||
بيده "يا بني اركب معنا" فأجاب عن ضمير خايض في مساء المساوي "سآوي" فرد
|
||
عليه لسان الوعيد "لا عاصم" فلما انتقم من العصاة بما يكفي، كفت كف النجاة
|
||
كفة الأرض بقسر "ابلعي" وقلع جذع جزع السماء في وكف دمعها بظفر "أقلعي"
|
||
ونوديت نجاة الجودي جودي، بإنجاء غرقى السير، وزود الهالكون في سفر الطرد
|
||
زاد "وقيل بُعداً".
|
||
|
||
الفصل الرابع
|
||
|
||
في قصة عاد
|
||
|
||
لما تجبر قوم عاد في ظل ظلل ضلالهم حين أملى الأمل، وطول البقاء وزوى ذكر
|
||
زوالهم، ومروا في مشارع عذاب الملاهي، ناسين من عذابها، رافلين في حلل
|
||
الغفلة بالأمنية عن المنية وآدابها، أقبل هود يهديهم، ويناديهم في ناديهم
|
||
"اعبدوا الله" فبرزوا في عتو "من أشدُّ منّا قوة" فسحب سحاب العذاب، ذيل
|
||
الأدبار، بإقباله إلى قبالتهم، فظنوه لما اعترض عارض مطر، فتهادوا تباشير
|
||
البشارة، بتهادي بشارة "هذا عارض ممطرنا" فصاح بلبل البلبال فبلبل "بل هو
|
||
ما استعجلتم به" فكان كلما دنا وترامى، ترى ما كان "كأن لم يكن" فحنظلت
|
||
شجرات مشاجرتهم هوداً، فجنى من جنى، من جنا ما جنى في مغنى "فما أغنى عنهم
|
||
سمعهم" فراحت ريح الدبور، لكي تسم الأدبار بكي الإدبار، فعجوا منها عجيج
|
||
الأدبر، فلم تزل تكوي تكوينهم، بميسم العدم، وتلوي تلوينهم إلى حياض دم
|
||
الندم، وتكفأ عليهم الرمال، فتكفي تكفينهم، وتبرزهم إلى البراز، عن صون
|
||
حصون، كن يقيناً يقينهم فإذا أصبحت أخذت تنزع في قوس "تنزع الناس" وإذا
|
||
أمست، أوقعت عريضهم في عرض "كأنهم أعجاز نخل" فما برحت بارحهم عن براحهم،
|
||
حتى برّحت بهم، ولا أقلعت حتى قلعت قلوع قلاعهم، فدامت عليهم أفة وداء، لا
|
||
تقبل فداء "سبع ليال وثمانية أيام حسوماً" فحسوا ما آذاقهم من سوء ما حسوا
|
||
ما، ونسفوا في قفر "ألا بعداً" إلى يم "واتبعوا" فلو عبرتَ في معبر
|
||
الاعتبار، لترى ما آل إليه مآلهم، لرأيت التوى، كيف التوى عليهم، وكف النوى
|
||
كيف نوى الدنو إليهم، فانظر إلى عواقب الخلاف فإنه شاف كاف.
|
||
|
||
الفصل الخامس
|
||
|
||
في قصة ثمود
|
||
|
||
لما أعرضت ثمود عن كل فعل صالح، بعث إليهم للإصلاح، صالح، فتعنت عليه ناقة
|
||
أهوائهم بطلب ناقة، فخرجت من صخرة صماء تقبقب ثم فصل عنها فصيلٌ يرغو،
|
||
فأرتعت حول نهي نهيهم عنها في حمى حماية "ولا تمسوها" فاحتاجت إلى الماء،
|
||
وهو قليل عندهم، فقال حاكم الوحي "لها شِرْب" فكانت يوم وردها، تقضي دين
|
||
الماء، بماء درها، فاجتمعوا في حلة الحيلة، على شاطئ غدير الغدر، فدار قدار
|
||
حول عطن "فتعاطى" فصاب عليهم صيّب صاب صاع صاعقة العذاب الهون، فحين دنا
|
||
وديدن، دمغهم دمار فدمدم، فأصبحت المنازل، لهول ذلك النازل "كأن لم تغن
|
||
بالأمس".
|
||
|
||
الفصل السادس
|
||
|
||
في قصة الخليل عليه السلام
|
||
|
||
كان الكهنة قد حذرت نمرود وجود محارب غالب، ففرق بين الرجال والنساء، فحمل
|
||
به على رغم أنف اجتهاده، فلما خاض المخاض في خضم أم إبراهيم وجعلت بين خيف
|
||
الخوف وحيز التحيز تهيم، فوضعته في نهر قد يبس، وسترته بالحلفاء ليلتبس،
|
||
وكانت تختلف لرضاعه، وقد سبقها رضاع "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل" فلما
|
||
بلغ سبع سنين، رأى قومه في هزل "وجدنا آباءنا" فجادلهم فجدّلهم فجدلهم
|
||
وأبرز نور الهدى في حجة "ربي الذي يحيي ويميت" فقابله نمرود، بسهى السهو في
|
||
ظلام "أنا أحيي" فألقاه كاللقا، على عجز العجز، بآفات "فأت بها، فبهت" ثم
|
||
دخل دار الفراغ "فراغ عليهم" فجردوه من بُرد بَرد العدل، إلى حر "حرِّقوه"
|
||
فبنوا لسفح دمه بنياناً إلى سفح جبل، فاحتطبوا له على عجل العجل، فوضعوه في
|
||
كفة المنجنيق، فاعترضه جبريل، في عرض الطريق فناداه وهو يهوي في ذلك الفلا:
|
||
ألك حاجة? قال: أما إليك فلا، فسبق بريد الوحي إلى النار، بلسان التفهيم
|
||
"كوني برداً وسلاماً على إبراهيم".
|
||
|
||
الفصل السابع
|
||
|
||
في قصة الذبيح عليه السلام
|
||
|
||
لما ابتلي الخليل بالنمرود فسلم، وبالنار فسلم، امتد ساعد البلاء إلى الولد
|
||
المساعد، فظهرت عند المشاورة نجابة "افعل ما تؤمر" وآب يوصي الأب: اشدد
|
||
باطي ليمتنع ظاهري من التزلزل، كما سكن قلبي مسكن السكون، واكفف ثيابك عن
|
||
دمي لئلا يصبغها عندمي فتحزن لرؤيته أمي، واقرأ السلام عليها مني، فقال:
|
||
نعم العون أنت يا بني ثم أمر السكين على مريئي المرء فما مرت، غير أن حسرات
|
||
الفراق للعيش أمرت، فطعن بها في الحلق مرات، فنبت، لكن حب حب الرضا في حبة
|
||
القلب نبت، يا إبراهيم من عادة السكين أن تقطع، ومن عادة الصبي أن يجزع،
|
||
فلما نسخ الذبيح نسخة الصبر، ومحا سطور الجزع، قلبنا عادة الحديد، فما مر
|
||
ولا قطع، وليس المراد من الابتلاء أن نعذب، ولكن نبتلي لنهذب.\\
|
||
أين المعتبرون بقصتهما في غصتهما، لقد حصحص الأجر في حصتهما، لما جعلا
|
||
الطاعة إلى الرضا سُلّماً، سل ما يؤذي فسلما، وكلما كلما حاجب كلم كل ما به
|
||
تذبحان، فصد ما به صدما، بينا هما على تل "وتلَّه" جاء بشير "قد صدَّقتَ
|
||
الرؤيا" فارتد أعمى الحزن بصيراً بقميص "وفديناه". ليس العجيب أمر الخليل
|
||
بذبح ولده، وإنما العجب مباشرة الذبح بيده، ولولا استغراق حب الأمر لما هان
|
||
مثل هذا المأمور.
|
||
|
||
الفصل الثامن
|
||
|
||
في قصة ذي القرنين
|
||
|
||
قطع ذي القرنين الأرض وأقطعها فمر سالكاً مسلكاً ما فت سبسبه فتى "فأتْبع
|
||
سبباً" فشمر مشمراً ما تلفت، حتى لفت شملة جمع شمله بالشمس في عين حمئه،
|
||
فلما أفرغ غرب الغرب على غارب الغربة مشى نحو المشارق، ولم يزل يحوز
|
||
الكنوز، ويجوز إلى قتل من يجوز، إلى أن طلعت طلايعه الطلعة على مطلع الشمس،
|
||
فأبرز نير عدله المشرق في المَشرِق، ثم رأى باقي عرضه في دمه مقدار مقدرته
|
||
كالدين، فسلك بين السدين، فلما حشى حشا الجبلين بالزبر، ولج المفسدون قسر
|
||
قصراهم، على مضض "فما استطاعوا" عجباً له كم اقتنى من أصقع وأقنف، وكم أسعف
|
||
بأغشى وأسعف وكم لطى له من لطيم وأخيف، وكم سعى به من أكسع، وقفز به من
|
||
أقفز، ومشى به في محجة المشرق محجل، وطرق به طريق المغرب مغرب، كم صحبه من
|
||
سايف ونابل وسالح، كم تبعه من في السلاح كافر، غير شاك في الصلاح ولا كافر،
|
||
فما درأ عنه الأد المودى له مود، ولا دارى عن داره الدوائر دارع، ولا رد
|
||
عنه ورد ولا كميت، إذ ورد عليه ما تركه كميّت، ولا فرّ به من منيته سابق،
|
||
ولا سكيت، فكأنه إذ مات ما تحرك على حارك فرس، ولا شاك شاكلته بشولحة عقب،
|
||
بل مر كأنه لم يكن، وذل للموت وقبلها لم يهن، فتلمح آخر الدنيا إن كنت
|
||
تدري، وانظر في أي بحر إلى الهلاك تجري، وأصخ لخطاب الخطوب، وافهم ما يجري،
|
||
وكن على أهبة فهذي الركاب تسري.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| أو ما رأيت وقائع الـدهـر | | أفلا تسيء الظن بالعمـرِ |
|
||
| بينا الفتى كالطودِ تمنـعـه | | *هضباته والعصْب ذي الأثْرِ * |
|
||
| يأبى الدنيةَ في عشـيرتـه | | ويجاذبُ الأيدي على الفخرِ |
|
||
| وإذا أشار إلـى قـبـائلـه | | حشدتْ عليه بأوجـهٍ غُـرِّ |
|
||
| زل الزمان بوطء أخمصـه | | ومواطئ الأقدام للعـثْـرِ |
|
||
| نزع الإباءَ وكان شملـتـه | | وأقرَّ إقراراً على صُغـرِ |
|
||
| صدْعُ الردى أعيى تلاحـمـه | | مَن ألحم الصدفين بالقِـطـرِ |
|
||
| جرّ الجياد على الوجى ومضى | | أمماً يدق السهل بـالـوعـرِ |
|
||
| حتى التقى بالشمس مغـمـده | | في قعر منقطعٍ من البحـرِ |
|
||
| ثم انثنت كفُ المـنـون بـه | | كالضغث بين الناب والظُفـرِ |
|
||
| لم تشتجر عنه الـرمـاح ولا | | رد القضاءَ بمالـه الـدثـرِ |
|
||
| جمع الجنود وراءه فكأنـمـا | | لاقته وهو مُضيِّعُ الظـهـرِ |
|
||
| وبنى الحصون ممتعاً فكأنمـا | | أمسى بمـضـيعة ولا يدري |
|
||
| ويرى المعابل للعدى فكأنمـا | | لحمامه كـان الـذي يبـري |
|
||
| أودى وما أودت مـنـاقـبـه | | ومن الرجال مُعمّرُ الـذكـرِ |
|
||
| إن التوقي فضل مـعـجـزة | | فدعِ القضاء يقُـدُّ أو يفـري |
|
||
| تحمي المطاعم للبـقـاء وذي | | الآجال ملؤ فروجها تحـزي |
|
||
| لو كان حُفظ النفس ينفعـهـا | | كان الطبيب أحق بالعـمـرِ |
|
||
| الــداء داء لا دواء لـــه | | سيان ما يوبي ومـا يُمـري |
|
||
|
||
الفصل التاسع
|
||
|
||
في قصة قوم لوط
|
||
|
||
لما تهاوى قوم لوط في هوة أهوائهم وتنادوا في جهات جهلهم، "أخرِجوا آلَ
|
||
لوط" بعثت الأملاك لانتزاع ملاك الحياة من أيديهم، فنزلوا من منزل لوط منزل
|
||
النزيل، وهم في أفسح بيت نبي من الكرم، غير أن حارس حِذْرِه ينادي "وضاق
|
||
بهم ذرعاً" فخاف من قومه أذاهم "فإذا هم يهرعون" فأخذ يدافع، تارة بمشورة
|
||
"هؤلاء بناتي" وتارة بتقاة "فاتقوا الله" وتارة بسؤال "ولا تُخْزون" وتارة
|
||
بتوبيخ "أليسَ منكم" فلما كلَّ كلُّ سلاحه، وأعيته جهات جهاده، أن برمز "لو
|
||
أن لي بكم قوة" فحجبهم جبريل بحجاب "فطمسنا" وانتاشه من أسر الغنم بلفظ
|
||
"فأسرِ" فلما علم أن الملأ ملائكة، تشوق إلى تعجيل التعذيب، فنادت عواطف
|
||
الحلم "أليس الصبح بقريب" فسار بأهله على أعجاز نجائب النجاة، إلا عجوز
|
||
العجز عن عرفان المعجز فإنها لحقت بالعجزة، فلما لاح مصباح الصباح، احتمل
|
||
جبريل قرى من جنى على قرى جناحه، فلم ينكسر في وقت رفعهم إناء، ولم يرق في
|
||
صعود صعودهم ماء، فلما سمع أهل السماء نباح كلابهم أسرعت كف القلى بهم في
|
||
انقلابهم، فتفكروا بالقلب، كيف جوزوا على قلب الحكمة بالقلب، ثم بعث إليهم
|
||
سحاب فشصا بالشصائص واحزال ثم ال إليهم، فاكفهرت بالغضب أرجاؤه، وأحومت
|
||
بالسخط أرجاؤه، وابذعرت فعرت بوارقه، وارتتقت في جو الجوى جوبه، واستقلت
|
||
على قلل قلاقل الردى أردافه، فارتجز بأرجوزة الرجز قبل أن يهمي فهمهم، في
|
||
دوى بأدواء في دو دورانه فأظلم، وركد كيده فلم تكد قلوعه تقلع حتى قلعهم
|
||
حينه حين أثجم، فما أرك ولا دث ولا بغض. بل قطقط فأفرط، وعم عميمه حين
|
||
أغمط، فتقاطر على قطرهم من قطرة قطر الحجارة، وبغتهم في غرة غرتهم بالغرور
|
||
حين شن الغارة، تالله لقد ضكضك العذاب، فضعضعهم فتضعضعوا، وانقض بقضه
|
||
وقضيضه، فقضقض عظام عظامهم، وقطعها فتقطعوا، وسار بهم على طرفسان عقاب
|
||
العقاب، إلى عوطب العطب فاهرمعوا، وكانوا في كن صافي الصفاة، فمروا إلى مر
|
||
الملق فانفرنقعوا، وهمس هميسعهم وهل لمثلهم إلا الوهل والوهى، ولات حين
|
||
مناص فادرنقعوا، وبرقط المخرنشم بعد أن بهنس، وبلطط فبلطح وحزن المبرنشق
|
||
بعد أن زهزق، فبلسم وكلح، فأجيل على ذلك الجيل، سجل السجيل، فما برح حتى
|
||
برح، ودار هاتف العبرة، على دارس دارهم ينادي "ولقد تركنا منها آيةً".\\
|
||
فليحذر العازمون على طروق طريقهم من وعيد "وما هي مِنَ الظالمين ببعيد" قبل
|
||
غصص الجرض، وألم الحرض، عند حلول المرض، حين يعتقل اللسان، ويتحير الإنسان،
|
||
وتسيل الأجفان، ويزول العرفان، وتنشر الأكفان، فيا عجباً. كيف ألفى لذة
|
||
العيش الفاني الفان، وقد مر فأمر كل ما كان "كلُّ من عليها فان".
|
||
|
||
الفصل العاشر
|
||
|
||
في قصة يوسف عليه السلام
|
||
|
||
تمكن الحسد من قلوب أخوة يوسف، أرى الظلوم مال الظالم في مرآة "إني رأيت
|
||
أحد عشر كوكباً" فتلطفوا بخداع "ما لك لا تأمنّا" وشوقوا يوسف إلى رياض
|
||
"نرتع ونلعب" فلما أصحروا أظهروا المقت له، ورموا بسهم العدوان مقتله، ففسخ
|
||
نهار رفقهم به ليلَ انتهارهم له، فصاح يهودا، في بقايا شفق الشفقة وأغباش
|
||
غيابة الجب "لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابةِ الجُب" فلما ألقوه، وقالوا
|
||
هلك، جاء ملك من عند ملك، يقول: ستبلغ أملك "لتنبئنَّهُم" فعادوا عمن عادوا
|
||
كالأعشى "عِشاءً يبكون" ولطخوا قميصه الصحيح "بدمٍ كَذِب" فلاحت علامة
|
||
سلامة القميص كي يظهر كيدهم، فقال حاكم الفراسة "بل سوَّلتْ".\\
|
||
فلما ورد وارد السيارة، باعوا الصدفة ولم يتلمحوا الدرة، واعجبا لقمر قومر
|
||
به، فلما وصل إلى مصر تفرس فيه العزيز، فأجلسه على أعزاز "أكرمي" فشغف قلب
|
||
سيدته وفرى "فراودته" فسار بأقدام الطبع في فلاة غفلات "همَّت به وهمَّ
|
||
بها" رد "لولا أن رأى" فأنقذ قوى الفرار وما استبقى "فاستبقا" فانبسطت يد
|
||
العدوان وامتدت "وقدَّت" فلما بانت حجته في إبان "وشهد شاهد" أخذت تزكي
|
||
مصراة الإصرار، بيمين يمين "ولئن لم يفعل" فاختارت درة فهمه، صدفة الحبس
|
||
لجهل الناقد "ربِّ السجن أحبُّ إليَّ" فلما ضاق قفص الحصر، على بلبل الطبع
|
||
ترنم بصوت "اذكرني" فعوقب بإيثاق باب "فلبث في السجن" فلما آن أوان الفرج،
|
||
خرج إلى الملك.\\
|
||
هذا ويعقوب مفترض فراش الأسى على حزن الحزن، لا يستلذ نوماً ولا سِنة،
|
||
ثمانين سنة، حتى نحل البدن، وذهب البصر:
|
||
|
||
| لم يبق بعدكم رسم ولا طلـلُ | | إلا وللشوق في حافاته عملُ |
|
||
| إذا شممت نسيماً من بلادكـم | | *فقدت عقلي كأني شاربٌ ثملُ * |
|
||
|
||
فلما عمَّ عامُ القحط أرض كنعان، خرج أخوته لطلب الميرة، فدخلوا عليه في
|
||
ظلام ظلمهم، فرآهم المظلوم بعين "لتنبئنَّهم" وخفي عليهم نعمة "اقتلوا
|
||
يوسف" فأقبل عليهم سائلاً، وأقبل الدمع سايلاً وتقلقل تقلقُلَ الواجد،
|
||
ليسمع أخبار الوالد:
|
||
|
||
| إيه أحاديث نعمان وسـاكـنـه | | *إن الحديث عن الأحباب أسمارُ * |
|
||
| أفتش الريح عنكم كلما نفحـت | | *من نحو أرضكم نكباء معطارُ* |
|
||
|
||
فقالوا: جئنا من أرض كنعان، ولنا شيخ يقال له يعقوب، وهو يقرأ عليه السلام،
|
||
فلما سمع رسالة أبيه، انتفض طائر الوجد لذكر الحبيب:
|
||
|
||
| وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى | | *فهيج أحزان الفؤاد ومـا يدري* |
|
||
|
||
فرد السلام قلبه قبل لسانه، وشغله وكف شانه عن شانه، وقال مقول إبدائه
|
||
بعبارة صعدائه:
|
||
|
||
| خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى | | فلاقى به ليلاً نسيم ربـى نـجـدِ |
|
||
| فإن بذاك الجو حـبـاً عـهـدتـه | | *وبالرغم مني أن يطول به عهـدي* |
|
||
|
||
ثم إنه طلب آخاه، فاحتالوا بحجة "مُنع منّا الكيل" فلما حملوا حال بينهم
|
||
وبينه، بحيلة "جعل السقاية" فلما دخل وقت التهمة "أذَّن مؤذِّن" فعادوا إلى
|
||
أبيهم بشجى على شجن، وقرحٍ على جرح، وعقر على عقر في عقر، فقام وقد تقوس،
|
||
وعسى على باب "عسى" ثم بعثه لطف "لا تقنطوا" على أن بعثهم برسالة
|
||
"فتحسَّسوا" فلما رجعوا دخلوا من قفر الفقر، فاستقلوا في ساحة الضر، ينادون
|
||
على غليل عليل الذل "وتصدق علينا" تالله لقد جوزيت أيد، مدها تغشرم
|
||
"وشَرَوْهُ" أن مدت في طريق ذل "وتصدّق علينا" فلما عرفوه اعترفوا، فمحى ما
|
||
اقترفوا بكف "لا تثريب" فرفع من موائد تلك الفوائد نصيب الوالد "اذهبوا
|
||
بقميصي" فهبت نسايم الفرح، فتوغلت في خياشيم مريض كالفرخ، من فُرَج الفرج،
|
||
فخر ركام الزكام، عن منخر الضر، فنادى مدنف الوجد "إني لأجد":
|
||
|
||
| نشدتك اللـه يا نـسـيم | | ما فعلت بعدنا الرسومُ |
|
||
| هل استهلت بها الغوادي | | ونمقت روضها الغيومُ |
|
||
| وهل بها من عهدت فيها | | بعد على حاله مـقـيمُ |
|
||
| علل بروح الوصال صبا | | أنفاسه للجري سمـومُ |
|
||
| وعد فسلم علـى أنـاس | | ما أنا من بعدهم سلـيمُ |
|
||
| واشرح لهم حال مستهام | | أنت بأشواقـه عـلـيمُ |
|
||
| وقل غريب ثوى بأرض | | في غيرها قلبه يهـيمُ |
|
||
| يكابدُ الشوق حين يمسي | | وتعتري قلبه الهمـومُ |
|
||
| أحبابنا تنقضي الليالـي | | وما انقضت تلكم الكلومُ |
|
||
| ذاك اللديغ الذي عهدتم | | بعد على حاله سقـيمُ |
|
||
| أصبح من فقركم وحيداً | | فلا خليل ولا حمـيمُ |
|
||
| لم تجر ذكر الفراق إلا | | حن كما حنت الرزومُ |
|
||
|
||
فلما كشف يعقوب فدام الوجد، بكف "إني لأجد" أحدقت به عواذل "تالله تفتؤ"،
|
||
تالله لو وجدوا ما وجد ما أنكروا ما عرف.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| هل لكما من عـلـمِ | | بالطارق الـمـلـمِ |
|
||
| سرى على الدياجـي | | سُرى أخيه النجـمِ |
|
||
| يشقُّ نجداً عـرضـاً | | من شخصه بسهـمِ |
|
||
| فنوّر الليلَ وليسـت | | من ليالـي الـتَّـمِّ |
|
||
| خذ يا نسيم عـنـي | | تحيتي ولـثـمـي |
|
||
| وهنهم بـوجـدهـم | | من الكرى وعُدْمي |
|
||
| قالوا هجرتَ أرضَهم | | أهجرُها برغمـي |
|
||
| قد وصلت إلى الحشا | | رسلكُمُ بالـسـقـمِ |
|
||
| فلـم تـدع واسـطةً | | بين دمي ولحمـي |
|
||
| عج كي ترى رسوماً | | ثلاثة فـي رســمِ |
|
||
| سوَّى النحول بينـنـا | | تعرفنا بـالـوهـمِ |
|
||
| خط هـلال لــيلة | | ودارهم وجسمـي |
|
||
|
||
الفصل الحادي عشر
|
||
|
||
في قصة أيوب عليه السلام
|
||
|
||
جُمع لأيوب بين كثرة المال وحسن الأعمال، فملا مدحُه بالوفاق الآفاق،
|
||
فأثارت تلك الآثار حسداً من إبليس قد تقادم منذ آدم، فقال: يا رب أن سلطني
|
||
عليه، ألقيته في الفتنة، فألفيته في الفئة المفتونين، فقيل: قد سلطناك على
|
||
ماله من مال، فمال إلى جميع عفاريته، ففرقهم في تمزيق ماله، وتولى هو
|
||
رَمْيَ بيته على بنيه، ثم أتى في صورة معلمهم يعلمه، فرأى ذلك لا يؤلمه،
|
||
أنصت العدو ليسمع عربدة السكر، فإذا أيوب يتلو آيات الشكر، فصاح بلسان
|
||
حسده، سلطني على جسده، فسلطه وقد سبقه الصبر، فتقطع الجسم وداد: وما تقطع
|
||
رسم الوداد، فأخرجه أهل قريته، لقرح قرحه إلى قرواح كناسة، فرموه كسيراً
|
||
كالكسرة وكساء كساده عندهم أعلى عندنا من أغلى كسوة كسرى، فلم يزل ما نزل
|
||
به حتى بدا حجابُ بطنه، وكان يبصر عظامه ومعاه معاً.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ما اختص مني السقام جارحة | | كل جهاتي أغراض منتبـل |
|
||
| إذا لحاظي لجسمي امتعضت | | من الضنا قال قلبي احتمـل |
|
||
|
||
فدام هذا البلاء عليه سنين، وفِدام الصمت عن الشكوى على فيه تبين، ولم يبق
|
||
غير اللسان للذكر، والقلب للفكر، فلو أصغى إلى نطق حاله سمع فهم، أو سأله
|
||
عن وجده رب قلب لسمع من الذماء الذما يناجي به الحق.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| محا بعدكم تلك العيون بكاؤهـا | | وغالَ بكم تلك الأضالع غولُها |
|
||
| فمن ناظرٍ لم تبقَ إلا دموعـهُ | | ومن مهجةٍ لم يبق إلا غليلهـا |
|
||
| دعوا لي قلباً بالغـرام أذيبـه | | *عليكم وعينا في الطلول أجيلها * |
|
||
|
||
فلما كع إبليس، لقي زوجته في صورة متطبب، فقال: عندي دواؤه، بشرط أن يقول
|
||
بشفتيه شفيتني. فجاءت تدب، وقد أنساها طول البلاء تدبر المعنى، فأخبرت من
|
||
قد خبر عدو العدو، فغضب المؤدب على تلميذ ما يقوم بطول الصحبة، فحلف لئن
|
||
شفي، ليجلدنها مئة، فبينا المرء يكابد المر، مر به صديقان له، فقالا: لو
|
||
علم الله من هذا خيراً، ما بلغ به هذا الأمر، فما شد على سمعه أشد من ذلك،
|
||
فخر على عتبة "ولا تُشْمِت" واستغاث بلفظ "مَسَّنيَ" وصاح بإدلال "لو أقسم"
|
||
فجاء بجبريل برسالة "اركض" وليس العجب لو ركض جبريل إنما العجب أن يركض
|
||
العليل، فركضت خيل النعم عند ركضته فردت، وما غار الماء ما أغير عليه من
|
||
نعمته، فنسي بنسيم العافية، ما ألمَّ من ألم، وردت يد المنة، كل ما مر منه
|
||
وذهب، وكان نثار الرضا على واديه، بعد أن جرى وادي جرادى من ذهب، وأقبلت
|
||
زوجته، وعليه يمين ضربها، وما كان يحسن في مقابلة صبرها، فأقبل لسان الوحي
|
||
يتلو فتوى الرحمة، ويراعي ما سبق من مراعاة رحمة "وخذ بيدك ضِغثاً" تالله
|
||
ما ضره ما أكل من جسده الدود، لما اختال في ثوب مودود، وأصبح مصطحباً شراب
|
||
السرور، من جود الجود، فرنت قيان الفرح، إذ غنت السنة المدح لا يعود، وفاح
|
||
عبير الثناء فزاد نشره على كل عود "إنَّا وجدناه صابراً نعم العبد".
|
||
|
||
الفصل الثاني عشر
|
||
|
||
في قصة شعيب عليه السلام
|
||
|
||
لما رأى شعيب شعب شعاب قومه قد امتلأت بالجور، صعد منبر التذكير بالإنعام،
|
||
ولكن بين الأنعام، فخوّفهم من قحم قحل القحط في إشارة "إني أراكم بخير"
|
||
فتلقوه باستهزاء "أصلواتك" ومدوا نحوه باع النخوة "لنخرجنك" وتعللوا بحجة
|
||
"ما نفقه" وانتهوا إلى عتو "فأسقِط علينا" فلما اسمهر ظلام ظلمهم، اسحنكك
|
||
ليل إدبارهم، واسلنطح نهار هلاكهم، فحقحق إليهم ما حق عليهم من محقهم، فأضل
|
||
على ظلل ضلالهم "عذاب الظلّة" فارتجت أرجاء بيوتهم، برج الرجفة، وشدت عليهم
|
||
شدة الحر، فهربوا إلى البر، فإذا سحابة تسحب ذيل برد البرد، فتنادوا هلموا
|
||
إلى راحة الروح، فلما تم اجتماعهم في قصر الحصر، وظنوا أنها من حر وقتهم
|
||
وَقَتْهم، نزلت بهم نار فأحرقتهم، فساروا إلى جهنم في أسر أدبارهم، وسار
|
||
بعد بعدهم في إدبارهم، نذير التحذير من تبديرهم، وعابهم في عقاب عقابهم
|
||
"ألا بُعداً لمدين" فليحذر العصاة مثل أفعى أفعالهم، وليتق أعمى البصيرة
|
||
شبه أعمالهم، وليخف المطففون من أخذ التطفيف في مكيالهم، وليسمعوا نذير
|
||
العبرة، فقد أوحى إليهم بشرح أعمالهم.
|
||
|
||
الفصل الثالث عشر
|
||
|
||
في ذكر بداية موسى عليه السلام
|
||
|
||
كانت الكهنة أخبرت فرعون بوجود موسى، فأطلق الموسى في ذبح الأطفال، فلما
|
||
اتهمت أم موسى بالوضع، أوضع الحرس إلى بيتها بالطلب، فأدركها عند العلم
|
||
الدهش، فألقته في التنور إلقاء الحطب، فلما عادت فرأته قد سلم شاهدت في ضمن
|
||
ما صنعت أثر "واصطنعتك" فكانت سلامته من النار نقداً لأجل احتمل لأجله
|
||
وعداً لنجاة يوم أليم، لما سعت بتابوته إلى البحر، ارتعشت يد التسليم
|
||
فأمسكها، فصاح شجاع الشجاعة بملء فيه: أن اقذفيه فيه، فصدرت بعد إلقائه
|
||
بصدر قد لوى به لواعج الاشتياق، لا يعلم قدر ما به، إلا من قد رمي به،
|
||
فتلقاها بالبشر بشير "إنّا رادُّوه" فلم تزل أمواج اليم، تيمم به مسالك
|
||
القدر، إلى أن خبت به خيل النيل، فشرعت في تناوله مشرعة دار فرعون، فألقته
|
||
في برية "فالتقطه" فلما فتحوا التابوت أسفر عن مسافر على نجيب النجابة، قد
|
||
جعل زاده في مزود "ولتُصنع" ووشح قلادة الحب قد رصعت بدر "وألقيتُ" فقام
|
||
فرعون على أقدام الإقدام على قتله، فخرجت آسية من كمين أتباعه، تنطق عن
|
||
لسان "سبقت لهم" وتنادي في مخدع خديعة الحرب "قرة عين لي ولك" وتجمع في
|
||
كلامها ما هو فرد في لغة الغدر "عسى أن ينفعنا" فلم يزل فرعون في أغباش
|
||
غرور يذبح، حتى طلع غرر صبح "ونريد أن نمنّ" فلما قص شوق أمه جناح صبرها،
|
||
قالت لأخته "قصيه فبَصُرَت به" في حريم "وحرّمنا" فدنت فدندنت حول حلة
|
||
الحيلة، بحول "هل أدلكم" فلما حفظت باب المكر، بحارس "يكفلونه لكم" دخل
|
||
طفيلي الوجد من باب "وهم له ناصحون" فجاءت بأمها يؤمها دليل الطرب، فكادت
|
||
إذ حضرت تحضر في ميدان "لتبدي به" فكبحها لجام "لولا أن ربطنا" فخافت لسان
|
||
جهرها لما خافت، فسل من أيديهم إلى سلم تسليمها، فقر في حجر "كي تقر عينها"
|
||
وترنمت بلابل الوصال فأخرست بلابل الفراق.\\
|
||
فربي موسى في ربى فرعون، ونمى بين نمارقه، إلى أن آن أوان مشاجرته، فجرى
|
||
القدر بقتل القبطي، ليكون سبباً في سر سير "ولما توجّه" فسعى على أرجاء
|
||
رجاء "عسى ربي" فتزود مزود "ولما ورد" فتجمع شمل الصهر بواسطة "إنَّ أبي"
|
||
فبقي ضمان الوفاء إلى أمانة "فلما قضى موسى الأجل" فتلمح معنى "قال لأهله
|
||
امكثوا" فيبدو في بادية الحيرة أنيس "إني آنست" فترامى كف الطمع إلى مرامي
|
||
"لعلِّي آتيكم" فأطل على طلل الطلب أقدام "فلما أتاها" فتلقط ثمار التكلم
|
||
من غير كلفة "وهزي" تساقط من جني جنات التجلي "إني أنا الله".
|
||
|
||
الفصل الرابع عشر
|
||
|
||
في تكليم الله عز وجل موسى
|
||
|
||
عليه السلام
|
||
|
||
لما خرج موسى بأهله من مدينة مدين، انطلق طلق الطلق بزوجته فما زال يكادح
|
||
المقادح فلم تور، لأن عروس نار الطور لما همت بالتجلي، نوديت النيران بلسان
|
||
الغيرة من المشاركة "غضى" فقام على أقدام التحيرة، فهتف به أنيس "آنس"
|
||
فأنس:
|
||
|
||
| يا حار إن الركب قد حاروا | | فاذهب تجسس لمن النـارُ |
|
||
| تبدو وتخبو إن خبت وقفوا | | وإن أضاءت لهم سـاروا |
|
||
|
||
فشمر موسى عن ساق القصد وساق، فلما أتى النادي "نودي" فحين ذاق لذة
|
||
التكليم، جرح قلبه نصل الشوق، فلم يداوه إلا طبيب "وواعدنا".
|
||
|
||
| ليالينا بـذي الأثـلاث عـودي | | *ليورق في ربى الأثلاث عودي * |
|
||
| فإن نسيم ذاك الـشـيح أذكـى | | لديَّ من انتشاقي نشـر عـودِ |
|
||
| وإن حديثكم في القلب أحـلـى | | وأغيب نغمة من صوت عـودِ |
|
||
|
||
فبعث في حرب فرعون، فلم يزل مشغولاً بالجهاد، إلى أن قبر القتيل في لحد
|
||
اليم، فطلب قومه كتاباً يضبط شاردهم ويرد نادهم، فأمره الله أن يصوم ثلاثين
|
||
ليلة، نهاره وليله فأمسك على مسك الإمساك بكف الكف في الوصال، فدام فِدامُ
|
||
فيه عن مطمع المطعم، فقيد فقيد قوت الوقت، فصار في قيء ذكر الوعد، فما
|
||
انقضت الليالي حتى انقضت ظهر البصر، فقام لتراى جلال الوفاء بالأمر، فلاح
|
||
في مطلع فلاح القصد، فبادر يسعى على أقدام الحب، إلى زيادة ربع الحب، فكاد
|
||
يقله قلقلة الوجد، فوجد الهواء متغير الريح، في عرضة الفم، فصاح به فصيح
|
||
لسان الحزم من وراء رأي العزم: يا موسى غير أثراً لازم، فتناول مضغة من
|
||
النبات فمضغها، فقيل له: أيها الصائم عن أمرنا، لم أفطرت برأيك? فقال: وجدت
|
||
لفمي خَلوفاً، وما أردت بفعلي خلافاً، فقيل: ما علمت أن فور فورة الخلوف من
|
||
قدر الإمساك، أطيب عندنا من فارة فارة المسك، إنا لننظر إلى قصد الفاعل لا
|
||
إلى صورة الفعل، الدم نجس مجتنب، لكنه في حق الشهيد شهي "زملوهم بكلومهم
|
||
ودمائهم" فرجع موسى عاكفاً على معتكف كف كفه "فتم ميقات ربه" وأحضر حظيرة
|
||
القدس، فنسي الأنس، مما آنس من الأنس:
|
||
|
||
| فكل شيء رآه ظنه قـدحـاً | | *وكل شخص رآه ظنه الساقي * |
|
||
|
||
فلما دارت في دائرة دار الحب كؤوس للقرب، وسمع النداء وسط النادي بلا
|
||
واسطة، وسيط له من وسيط أقداح المنى في المناجاة بلا وسيط، طاب له شراب
|
||
الوصال من أوطاب الخطاب، في أواني سماع الكلام، فناداه توق شوقه:
|
||
|
||
| أوان أنـت فـي هـذا الأوان | | *عن الراح المروق في الأواني * |
|
||
|
||
رأى على الغور وميضاً فاشتاق، ما أجلب البرق لدمع الأماق فصاح لسان الوجد
|
||
"أرني" فرد شارد شحذان الشوق على الطوى بطوق "لن تراني" إلا أن جزع الفطام
|
||
سكن شعله بتعلة "ولكن" فلما تجلى جل جلاله للجبل مر، فخر موسى في بحر الصعق
|
||
فرقاً، فرقي فرقه ذروة "سبحانك تبت إليك" ما انبسط موسى يقول أرني إلا
|
||
ببسط، سلني ولو ملح عجينك، ولو تركه مع رعيه الغنم في شعب شعيب لما جال في
|
||
ظنه ذلك الطمع، ولكنه استدعاه بالنداء، وآنسه بالتقريب، وباسطه بالتكليم.
|
||
|
||
| فلما عاين الحـيرة | | *حادى جملي حارا * |
|
||
|
||
كان موسى يطوف في بني إسرائيل، ويقول من يحمّلني رسالة إلى ربي? ما كان
|
||
مراده إلا أن يطول الحديث مع الحبيب:
|
||
|
||
| فقلت له رد الحديث الذي انقضى | | وذكراك من ذاك الحـديث أريدُ |
|
||
| يحدد تذكار الحـديث مـودتـي | | فذكرك عندي والحـديث جـديدُ |
|
||
| أنـاشـده ألا أعـاد حـديثــه | | *كأني بطيء الفهم حـين يعـيدُ* |
|
||
|
||
مات موسى قتيل شوق "أرني" فلما جاز عليه نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة
|
||
المعراج، ردده في الصلوات، ليسعد برؤية من قد رأى:
|
||
|
||
| وإني لآتي أرضكم لا لحـاجة | | لعلي أراكم أو أرى من يراكم |
|
||
| إن تشق عيني فطالما سعـدت | | عين رسولي وفاز بالنـظـر |
|
||
| وكلما جاءني الرسـول لـهـم | | رددت شوقاً في طرفه نظري |
|
||
| تظهر في طرفه محاسنـهـم | | قد أثرت فيه أحـسـن الأثـرِ |
|
||
| خذ مقلتي يا رسـول عـارية | | *فانظر بها واحتكم على بصري * |
|
||
|
||
?الفصل الخامس عشر
|
||
|
||
في قصة الخضر عليه السلام
|
||
|
||
لما علا شرف الكليم بالتكليم كل شرف، قال له قومه أي الناس أعلم? فقال:
|
||
أنا. ولم يقل فيما أعلم، فابتلي فيما أخبر به واعلم، فقام بين يدي الخضر،
|
||
كما يقوم بين يدي السليم الأعلم، فابتدأ بسؤال "هل أتبعك" فتلقاه برد "لن"
|
||
وكم أنّ موسى من لن. أمر قومه بالإيمان فقالوا "لن نؤمن" وقعوا في التيه
|
||
فقالوا "لن نصبر" ندبوا إلى الجهاد فصاحوا "لن ندخلها" طرق باب أرني فرده
|
||
حاجب "لن"، دنا إلى الخضر للتعلم فلفظه بلفظ "لن" ثم زاده من زاد الرد بكف
|
||
"وكيف تصبر" فلما سامحه على نوبة السفينة، وواجهه بالعتاب في كرة الغلام،
|
||
أراق ماء الصحبة في جدال الجدار "هذا فراق بيني وبينك" ثم فسر له سر
|
||
المشكل، فجعل يشرح القصص فصلاً فصلاً، بمقول قائل يقول فصلاً، وكلما ذكره
|
||
أصلاً أصلى، لم يبق لموسى عين تراه أصلاً، وكلما سل من حر للعتاب نصلاً،
|
||
صاح لسان حال موسى: كم نصلى? فألقى تفسير الأمور على الكليم وأملى، والقدر
|
||
يقول: أهو أعلم أم لا? فعلم موسى ويوشع أي عبد أمّا منذ ابتدأ بالشرح
|
||
بأمّا، ثم أخذ لسان العتاب، يذكر منسى موسى، أتنكر خرق سفينة? لظاهر إفساد
|
||
تضمن ضمنه صلاح "ولكم في القصاص حياة" أو تنكر? إتلاف شخص دنى لإبقاء دين
|
||
شخصين? أو كرهت إقامة الجدار، لشح أهل القرية بالقرا أفاردت من الأصفياء?
|
||
معاملة البخلاء بالبخل، أما تلمحت سر? صل من قطعك، لقد أنكرت ما جرى لك
|
||
مثله، حذرت يوم السفينة من الغرق، فصحت بإنكار "أخرقتها" أنسيت يوم?
|
||
"فألقيه في اليم" أنكرت قتل نفس بغير نفس، أنسيت يوم? "لو كره" نهيت عن عمل
|
||
بلا أجر، أنسيت يوم "فسقى لهما" فلما بان البيان، خرج الخضر من باب الدعوى،
|
||
وأخرج يده من ملك التصرف وأحال الحال على الغير "وما فعلته عن أمري".\\
|
||
وهذه القصة قد حرضت على جمع رحل الرحيل في طلب العلم، وعلمت كيفية الدب في
|
||
كف كف الاعتراض على العالم، وصاح فصيح نصيحها بذي اللب: دع دعواك فعلى دعوى
|
||
الكليم ليم، وفوق كل ذي علم عليم.
|
||
|
||
الفصل السادس عشر
|
||
|
||
في قصة بلعام وموسى
|
||
|
||
أيها المتعبد: خف من الفتن ولا تأمن، كم قد أخذ أمنٌ من مأمن، إنه لم ينج
|
||
من غطامط بحر الفتن الأعظم حافظ الاسم الأعظم، بل عام بلعام، رفل في حلل
|
||
النعم كالنعم، غافلاً يتعامى عن النعم، وكانت بنية نية تعب تعبده على رمل
|
||
الريا، فجرت تحتها أنهار التجربة، فانهار بنيانها فتخرب، كان على دينار
|
||
دينه ورقة رقة، فأعجب نضره نواظر الناظرين، فلما حكه المنتقد على حجر الحجر
|
||
افتضح بين أهل الحجى، وكان ظاهره لثقا بالتقى، وباطنه باطية لخمر الهوى،
|
||
فلقد خبأ الخبايث في طي الطويات، فلما أراد المقدر تنبيه جاره على جوره،
|
||
تقدم إلى القدر بهتك ستره، فآتاه وهو في عقر عقار الهوى، يعاقر عقار الريا
|
||
وقد رفعت عقيرتها عاقر الفهم إلى أن عقر بعقر قلبه فعاد عقيراً، فدعه القدر
|
||
إلى صف صفصف الدعوى، وأرسل عليه لإصراره صرصر العجب، فمزقت جلبات التعبد،
|
||
فصيره عصفها عصفاً فانكشف عوار عورته فعوى، فإذا به كلب غفور، وقصة إقصائه
|
||
أن القدر ساق الكليم إلى محاربة فساق بلدته، فقالوا له: اشحذ موسى الدعاء
|
||
على موسى، فمج فوه مجمجة التمنع، فخوفوه بنحت خشبة، فخشته خشية الخلق، فخرج
|
||
حتى أتى على أتان فلما قفا وقفت ليقف سير عزمه، فضرى بضربها حتى أضرَّ بها،
|
||
فقامت في المحجة تتكلم بالحجة عليه، لم تضربني? وهذه نار تمنع الماشية
|
||
المشي، فرجع إلى ملكهم فأخبره خبره، وما نقل العتب المقصود ولا خبره، فألجأ
|
||
الملك إلى صلب عزمه إلى أمر صلب، إما الدعاء عليهم وإما الصلب، فخرج فأتبعه
|
||
الشيطان، فما كان إلا أن بلغ المكان "فكان من الغاوين" تالله ما عدا عليه
|
||
العدو، إلا بعد أن تولى عنه الولي، فلا تظنن أن الشيطان غلب، وإنما العاصم
|
||
أعرض، وإن شككت فاسمع هاتف القدر، مخبراً عن عزة القادر "ولو شئنا لرفعناه
|
||
بها".
|
||
|
||
الفصل السابع عشر
|
||
|
||
في قصة قارون
|
||
|
||
كان قارون غاية في فقهه وفهمه، وكان في النسب إلى موسى ابن عمه، فلما فاضت
|
||
الدنيا عليه، فاضت نفس علمه، وكانت مقاليد خزاين خزاياه وقر ستين بغلاً،
|
||
غير أن الذي فاته بما ناله أعلى وأغلى، سحب ذيل "فبغى" فقام قومه قومة بزجر
|
||
"لا تفرح" وألقوا إليه نصائح "وابتغ، ولا تنس، وأحسن، ولا تبغ".
|
||
|
||
فركب يوماً في وقت اقتداره في أربعة آلاف مقاتل، وسم الهوى يعمل في
|
||
المقاتل، وركب معه في معمعته ثلاثمائة جارية، وقد أنساه سفه الأمل أن سفينة
|
||
الأجل جارية، فلما غلا وعلا، حط إلى حضيض "فخسفنا به" فقال الجاهلون: إنما
|
||
بادر موسى بادرته، لأخذ بدرة بيداره فقال حاكم الغيب لإزالة الريب "وبداره"
|
||
فقال موسى: يا أرض خذيه. فاستخذت لأمره. فسرت بسريره، فناشده قارون بالرحم
|
||
فما رحم، فأخذته لتقدمه حتى غيبت قدمه، فما زال يردد القول حتى غاب الغبي
|
||
الغني، وإنه ليخسف به كل يوم قدر قامة، فلا تظنن أن ذم الجزاء قد رقي منه،
|
||
إن الدنيا إذا طلعت على الطغام تطغى، وإذا بغى نكاحها على العفاف تبغى، ثم
|
||
إنها تقصد هلك محبها وتبغى، وكم عذلت في فتكها بالفتى الفتي وتلغي، أما
|
||
دردرها فغرت? فلما فرغت فغرت فاها فرغت للظعن، أما سحبت قرون قارون? مع
|
||
أقرانه. إلى القران في قرن، أما كفكفت كف مكفوف محبها فارتك فن ما يكون فيك
|
||
في كفن، تالله لقد لقي الغبي الغني غب غبواته، فلما انجلى غيهب غيمه، رأى
|
||
الغين والغبن نعوذ بالله من الخذلان.
|
||
|
||
الفصل الثامن عشر
|
||
|
||
في قصة داود عليه السلام
|
||
|
||
لما حلي داود حلية النبوة، ولُقن فصل فصل الخطاب، أطرب شدو شكره سمع
|
||
القبول، فمتعه إقطاع "يا جبال أوِّبي معه والطير" فأعجبته سلامة العصمة،
|
||
فتجهز للإجهاز على جرحي الزلل، فرماهم بسهم، لا نغفر للخطائين، والقدر قد
|
||
أترع له مما سيعض له الأنامل ملء الإناء، فابتلى بالذنب حتى نكس رأس
|
||
الرياسة على عتبة الذل، ودب إلى داود المعاصي دبيب الدبا من حيث ما دبر،
|
||
رماه سهم ليالي القضاء في درع ليالي الفتن. فقضى عليه فما قدر على رده
|
||
"وقدِّر في السرد":
|
||
|
||
| وإذا رامي المقـادير رمـى | | *فدروع المرء أعوان النصال * |
|
||
|
||
ظن لقوة لقوة عصمته لقاء قرن الهوى، فلاحت له في حم دعواه حمامة من ذهب،
|
||
فذهب يصيدها، فوقع في عين شرك عينه.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ظنَّ غداة الخيف أن قد سلبهـا | | *لما رمى سهماً وما أجرى دما * |
|
||
| فعاد يستقـري حـشـاه فـإذا | | فؤاده من بينها قـد عُـدمـا |
|
||
| لم يدر من أين أصيب قلـبـه | | *وإنما الرامي درى كيف رمى * |
|
||
|
||
طاف على بابه طبيب الألطاف، فأراد استخراج النصل من باطن الشغاف، فجئنا على
|
||
عتبة عتابه، بأعتوبة "خصمان" فقضى على نفسه في صريح "لقد ظلمك" فبينا هو
|
||
يلاحظ لفظ القضية، المعا معا معاني المعاصي ففطن، ففت بالفتى الفاتن فتن
|
||
فتياه "وظن داود أنما فتناه" فنزل عن مركب العز إلى مس مسجد الذل، وافترش
|
||
فراش من قد أسا في دار الأسا، وخلع خلع الفرح لجلباب الحزن، وزرّ زرزر
|
||
مانقة الخوف على شعار القلق، فأسكت الحمايم بنوحه، وشغلها عن صدحها بصوته،
|
||
فبالغ حريق الندم في سويدا قلبه، وأقلق الأفئدة بشجى شجنه، ومات خلق كثير
|
||
من الخلق بترنم شجوه وصوته، وشرب عرق العشب من عين عينه، وحشى سبعة فرش
|
||
رماداً، ثم رمى داء الحشا، بعد أن فرشها فرشها، وكان يقول في مناجاته: إلهي
|
||
خرجت أسأل أطباء عبادك. أن يداووا لي جرح خطيئتي فكلهم عليك يدلني، إلهي
|
||
أمدد عيني بالدموع، وضعفي بالقوة، حتى أبلغ رضاك عني.\\
|
||
....:
|
||
|
||
| يا من تجنب صبري من تجـنـبـه | | *هب لي من الدمع ما أبكي عليك به * |
|
||
| حتى متى زفراتي في تصاعـدهـا | | إلى الممات ودمعي في تصـوبـه |
|
||
| ولي فـؤاد إذا لـج الـغـرام بـه | | *هام اشتياقاً إلى مقـيا مـعـذبـه* |
|
||
|
||
ما زال يغسل العين من عين العين، ولسان العتاب يقول: يا بعد اللقا، وكلما
|
||
رفع قصة غصة جاء الجواب بزيادة الجوى، وهو يستغيث وينادي، حتى أقلق الحاضر
|
||
والبادي:
|
||
|
||
| إن شفيعي إليك مـنـي | | *دموع عيني وحسن ظني * |
|
||
| فبالذي قـادنـي ذلـيلاً | | إليك إلا عفوت عـنـي |
|
||
|
||
الفصل التاسع عشر
|
||
|
||
في قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس
|
||
|
||
ركب سليمان يوماً مركب الريح، فراحت بوادره على وادي النمل، فندت نملة
|
||
فنادت أخواتها بنداء "لا يحطمنكم" فحملته أريحية سكر الشكر على طرب "فتبسم
|
||
ضاحكاً" وذلك أنها بلفظ "يا" نادت "أيها" نبهت "النمل" عينت "أدخلوا" أمرت
|
||
"مساكنكم" نصت "لا يحطمنكم" حذرت "سليمان" خصت "وجنوده" عمت "وهم لا
|
||
يشعرون"، عذرت، فلما فصل طالوت ملكه بالجنود عن وادي النمل، وقع في مفازة
|
||
لا يرى فيها على ماء علماً، فجاش جاش الجيش لفقرهم في القفر إلى الماء
|
||
الما، وكان الهدهد يدلهم على الماء فغاب، فتواعده بلفظ "لأعذبنّه" فجاء
|
||
ببهت ذكي "أحطت بما لم تحط به" فحمله كتاباً، فألقاه من قاره، بمنقاره،
|
||
فرأت اليقظى بيقظان فهمها كتاباً مختوماً، كلاماً عجيباً، وحاملاً غريباً،
|
||
فصادها العقل والفهم فصاداها، فاستشارت قومها فأوموا إلى الحرب بلفظ "نحن
|
||
أولو قوة" فعلمت أن من جنده الطير لا يقاوم، وبعثت ما يفرق به بين الدعوة
|
||
والدعوى "وإني مرسلة إليهم بهدية" واعجبا للذهب إذا ذهب سهمه لا يخطي،
|
||
وللرشا إذا رشت مزالق أقدام العقول لا تبطي.\\
|
||
....:
|
||
|
||
| لا يغرنك من الـم | | رء إزارٌ رقعـهْ |
|
||
| وقميص فوق كعب | | الساق منه رفعـهْ |
|
||
| وجبـينٌ لاح فـيه | | أثر قد خـلـعـه |
|
||
| أره الدرهم تعرف | | غيه أم ورعــه |
|
||
|
||
فلما بدت هوادي هديتها، صاح سليمان بعز "أتمدونني بما" فلما صح عندها ما
|
||
يدعو إليه وثبت، وثبت على أقدام الطلب، وهيأت مراكب القصد، ورحلت في هجير
|
||
شمس الهدى على نجائب الهجرة، فلما سمع سليمان برحيلها، أراد تقوية دليلها،
|
||
فنادى في نادي عفاريته، مستعرضاً جند بطشها "أيُّكم يأتيني بعرشها" فلما
|
||
جيء به ستره بقرام "نكِّروا" ثم ابتلاها، ليرى ذكاها "أهكذا عرشك" ثم صرح
|
||
بلفظ "ادخلي الصرح" فشبه لها لضعفها عن لطافة كاس ساقيها، فكشفت عن ساقيها،
|
||
فلما وصلت وسلمت، أسلمت فسلمت، وحلت قبل أن حلت نطاق النطق، فنثرت خرزات
|
||
نظامه على نظم العذر "إني ظلمت نفسي وأسلمتُ مع سليمان لله رب العالمين".
|
||
|
||
الفصل العشرون
|
||
|
||
في قصة مريم وعيسى عليهما السلام
|
||
|
||
كانت أم مريم جنة قد حنت إلى ولد، فكبر عليها امتناعه واستولى الكبر، فرأت
|
||
يوماً طائراً يغذو فرخاً فرحاً، فرجى أملها اليؤوس فرحاً فرجاً، فسألت عند
|
||
هذه القضية ولديها ولداً، فلما علمت بالحمل أكسبها السرور ولهاً، فوهبته
|
||
بلسان النذر لمن وهبه لها، فقال القدر: يا ملك التصوير، صور الحمل أنثى،
|
||
ليبين أثر الكرم في قبول الناقص.\\
|
||
فلما وضعتها وضعتها بأنامل الانكسار عن سرير السرور، فإن لسان التلهف لما
|
||
ألقى على الفايت "إني وضعتُها أنثى" فجير كسرها جابر "فتقبلّلَها" وساق
|
||
عنان اللطف إلى ساق زرعها، فربا في ربى "وأنبتها" فانطلقت بها الأم تأم بيت
|
||
المقدس، فلبس القوم لامهم في حرب "يُلقون أقلامهم" فثبت قلم زكريا إذا وثبت
|
||
الأقلام فكفتها وكفلها، فأراه المسبب غناها عن السبب. بآية "وجد عندها
|
||
رزقاً" فرباها من ربها فنشأت لا ترى إلا ربها.
|
||
|
||
فانتبذت يوماً من أهلها، فأقبل نحو ذلك البري البري بريد "فأرسلنا" فتحصنت
|
||
الحصان بحصن "إني أعوذ" فانزوى إلى زاوية "إنما أنا رسول ربك" وأخبرها
|
||
بالتحفة في لفظ "ليهب" فأقيمت فأقيمت في مهب ريح الروح، فتنفست الكلمة من
|
||
كمين الأمر، فنفخ جبريل في جنب الدرع جيب، فمرت المرأة حاملاً في الوقت،
|
||
فلما علمت ألمت بما حمل عليها الحمل، فأخرجها الحياء الحي عن الحي، فلما
|
||
فاجأها وقت الوضع، فاجأها المخاض إلى الجذع، تحيرت من وجود ولد، وما فجرت،
|
||
فجرت عين الدمع، فصاح لسان الخفر، بلفظ الندب "يا ليتني مت قبل هذا"
|
||
فأجابها الملك، عن أمر من ملك "أن لا تحزني" وأجرى لها في أواني الأوان
|
||
سرى، كما وهب لها من الغلمان سرى فسرى عن سرها وجود الظهور، وأنس الظاهر،
|
||
فسرا، وأريت آية تدل على من قدر القدرة في مقام "وهُزّي" فهزت جذم جذع مايل
|
||
مثل الحطب، فتساقط عليها في الحال رطب الرطب، فأخذها الجوى، في إعداد
|
||
الجواب، فقيل لها "كلي" كل الكل، إلى من له الكل، كنت بمعزل من وجود الولد،
|
||
فكوني بمعزل من إقامة العذر، فالذي تولى إيجاده يقيم عذر العذرا، لا تعجبي
|
||
من وجود حمل سافر عن أرض القدرة، فلم يصلح أن ينزل إلا بمنزل، أركانه على
|
||
عمد "إن الله اصطفاك وطهركِ واصطفاكِ" فلما سكتت وسكنت، بعد أن قعدت وقامت،
|
||
أقامت أيام النفاس فانقضت وفاتت "فأتت بها قومه تحمله" فنادوا من أندية
|
||
التوبيخ، إذ ما شاهدوا قط أختها "يا أخت هارون" فأضجروا مريضاً قد ضنى من
|
||
أنين "إني" على فراش "يا ليتني مت" فلما شارت أرى الرأي. أشارت إليه، فأخذت
|
||
السنة تعجبهم تعج بهم "كيف نكلِّم" فكأنها قالت لهم: أنا طريق وهذا مر بي،
|
||
والمسافر يسأل عن الطريق لا الطريق عن المسافر، فقام عيسى يمخض أوطاب
|
||
الخطاب على منبر الخطابة، فأبرز بالمخض محض إبريز الإقرار "إني عبد الله"
|
||
وأومى إلى وجوده من غير أب، في إشارة "وبراً بوالدتي" وكانت واسطة عقده
|
||
"ومبشراً برسول".\\
|
||
فلما تم له سن الشباب، جلس على باب المعجزة، يعطي العافية العافية، ويبرئ
|
||
الأكمه والأبرص، فربما ألفى ببابه خمسين ألفاً يؤمونه في كل يوم، ولقد فرك
|
||
الدنيا فطلقها أي تطليق، وأبغضها ولا كبغض الرافضي الصديق، فغزاها بجند
|
||
الزهد بين مسرح وملجم، وفتك بها كما فتك بالتقى ابن ملجم، ما التفت إليها
|
||
قط وجه عزمه، ولا صافحا يوماً كف قلبه، ولا غازلها يوماً لسان فكره فلم
|
||
يعرف حقيقة ما حوى سوى الحواريين، فشمروا عن ساق العزائم، في سوق بدن
|
||
الأبدان إلى منى المنى، تحن بلفظ "نحن أنصار الله" وكتبوا في عقد العقايد
|
||
"آمنا بالله" فعدلوا بها إلى عدل "واشهد بأنّا مسلمون".\\
|
||
ثم إن اليهود اجتمعوا في بيت "ومكروا" فزلزل عليهم بيد "ومكر الله" فدخل
|
||
عيسى خوخة، فدخل خلفه ذو دخل فألقى عليه شبهه، فحاق بالمرء مرّ مراده، وصاح
|
||
فيه حاكم القدر جود مراقيها.
|
||
|
||
الفصل الحادي والعشرون
|
||
|
||
في قصة يحيى بن زكريا عليه السلام
|
||
|
||
لما قام زكريا عليه السلام بإقامة الإقامة لمريم، رأى وكيل الغيب يسبقه
|
||
بالإنفاذ على يد القدرة في كنّ كن، وكان إذا خرج ثم جاء فاجأ ثم الثمار قد
|
||
نمت، فكم قد ألفى الفاف الفاكهة الفايقة لا في حينها، فتلمح بعين زرقاء
|
||
الفهم، فرأى نفقة الجارية جارية، وكيس الأسباب على ختمه، فصاح لسان الدهش
|
||
"أنّى لكِ هذا" فأحالت الحال على المسبب "هو من عند الله" فنبهت هذه الآية
|
||
راقد طمعه، بعد أن طال وسنه سبعين سنة، فسن على سنة وجهه ماء رجاء ماء آسن
|
||
مما لم يتسنه وقام الدردح بعد أن تقعوس وتسعسع وعسى على باب عسى في محراب
|
||
"دعا زكريا ربه" فسرى بسره سراً، لئلا ينسب إلى فن من أفن، وكتب قصة "لا
|
||
تذرني فرداً" وشكا ما شيك به مما حل من حل التركيب وشيكاً، في كلمات هن
|
||
"وهن العظم مني" فلما أورد في قصته، ما يريد حملها بريد الرجاء، إلى من عود
|
||
العود العود فكشف الجوى في الجواب، لله دره خدم حتى شاب، ثم طلب نابياً على
|
||
الباب، فأصبح ميت أمله بوجود يحيى، فمشى لمشاهدة وجه القدرة، وقد حال
|
||
بينهما سفر العادات، إلى أن لفظ بلفظ "إني" وهتف به هاتف "هو عليَّ هيِّن"
|
||
فسأل علماً على ما يعلم به وجود الحمل، لحمل نفسه على الشكر، فوعد بسجن
|
||
اللسان، مع سلامة اللسان، إلا عن ذكر الرحمن، ليكون حج نطقه مفرداً.
|
||
|
||
فلما ولد له يحيى، لم يبلغ مبلغ يافع، إلا وهو ولد نافع، كان صبا الصبا
|
||
تميل بالصبيان ولا تهزه، فإذا قالوا له هلم بنا فلنلعب، قال: إنما خلقنا
|
||
للتعب لا للعب، فقط له القدر قطاً من عصام العصمة ما قط لأحد، فما خطا إلى
|
||
خطأ ولا هم، ولقد رمى الدنيا عن يد التمسك، وعلا عن فضولها على قلل التقلل،
|
||
فكان عيش عيشه العشب، واقتنع بمسوك الحيوان عن السب والشف والمشبرق، وشغله
|
||
عن رقش نقش القشيب والدمقس ما لف مما لفق، ولقد دوى في دو فؤاده غيم الغيم
|
||
فغدا الغدق يدق إلى أن فاض قليب قلبه، فانقلبت عيناه بقلب كالعيون حتى فرت،
|
||
فحفرت في أخدود الخدود مجرى، ولم يزل معول دمه يحفر ركية خده، حتى بدت فيه
|
||
أضراس فيه، يا عجباً من بكاء من ما عصى ولا هم، وضحك من كتابه بالذنوب قد
|
||
ادلهم، فلما قارب الوفاة وفات العدو، علم من آفات النقل في المواطن
|
||
المخصوصة، بوحش الوحشة، فتخلص فيها من أسد البلاء، كما حمى من ذنب الذنب
|
||
"يوم وُلد ويوم يموت ويوم يُبعث حياً".
|
||
|
||
الفصل الثاني والعشرون
|
||
|
||
في قصة أهل الكهف
|
||
|
||
كان رقم "كتب في قلوبهم الإيمان" قد علا على كهف قلوب أهل الكهف، فلما نصب
|
||
ملكهم شرك الشرك، بان لهم خيط الفخ ففروا، وخرجوا من ضيق حصر الحبس إلى
|
||
الفضاء فضاء لهم، فما راعهم في الطريق إلا راع وافقهم، فرافقهم كلبه،
|
||
فأخذوا في ضربه لكونه ليسوا من ضربه، فصاح لسلط حاله لا تطردوني لمباينتي
|
||
جنسكم، فإن معبودكم ليس من جنسكم، أنا في قبضة إيثاركم أسير، أسير إن سرتم،
|
||
وأحرس إن نمتم، فلما دخلوا دار ضيافة العزلة، اضطجعوا على راحة الراحة من
|
||
أرباب الكفر، فغلب النوم القوم "ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً" وكانت الشمس
|
||
تحول عن حلتهم لحراسة حلتهم من بلاء بلي، وأعينهم مفتوحة لئلا تذوب بأطباق
|
||
الأطباق، ويد اللطف تقلب أجسادهم لتسلم من أفن عفن، وجرت الحال في كلبهم،
|
||
على ما جرت بهم، فكأنه في شرك نومهم قد صيد "بالوصيد".\\
|
||
فخرج الملك بجم جمعه في طلابهم فإذا بهم، فسد الباب وما وعى على وعاء مسك،
|
||
فأضاع حتى ضاع بيد الملك في بيد الهلك، فانساب راع إلى سبسبهم، ففتح باب
|
||
الكهف ليحوز الغنم، فهب الهواء فهب الراقد، فترنم أحدهم بلفظ "كم لبثتم"
|
||
فأجابه الآخر "يوماً" ثم رأى بقية الشمس نقية فاتقى بالورع ورطات الكذب،
|
||
فعاد يتبع أوب "أو بعض يوم" فلما قفلوا من سفر النوم إلى ديار العادة، زاد
|
||
تقاضي الطبع بالزاد، فخرج رئيسهم في ثوب متنكر، فضلت معرفته المعاهد، فأقبل
|
||
يتهم اليقظة، فمد إلى بايع الطعام باعه، فما باعه، وظن أنه قد وجد كنزاً،
|
||
ولقد وجد كنز "وزدناهم هدى" فحمله القوم إلى الوالي، فقال إنه لمالي، فما
|
||
لكم ومالي? كنا فتية أكرهنا على فتنة فخرجنا عشية أمس، فنمنا في باطن كهف،
|
||
فلما انتبهنا خرجت لأبتاع للأتباع قوت القوت، فسار القوم معه في عسكر
|
||
التعجب، فسمع إخوانه جلبة الخيل، في جلبة الطلب، فتجاوبوا بأصوات التوديع،
|
||
وقاموا إلى صلاة مودع، فدخل تمليخا فقص عليهم نبأهم، فعادوا إلى مواضع
|
||
المضاجع، فوافتهم الوفاة، وفات لقاؤهم وسدلت عليهم حجاب الرعب، كف "لو
|
||
اطّلعت".\\
|
||
إخواني ليس العجب من نائم لم يعرف قدر ما مر من يومه، وإنما العجب من نائم
|
||
في يقظة عمره.\\
|
||
....:
|
||
|
||
| أما والله لو عـرف الأنـام | | لما خُلقوا لما غفلوا وناموا |
|
||
| لقد خُلقوا لِما لو أبصـرتـه | | *عيون قلوبهم ساحوا وهاموا * |
|
||
| ممات ثم قبر ثـم حـشـر | | وتوبيخ وأهـوال عِـظـامُ |
|
||
| يوم الحشر قد خُلقت رجالٌ | | فصلوا من مخافته وصاموا |
|
||
| ونحن إذا أمرنا أو نهـينـا | | كأهل الكهف أيقـاظ نـيامُ |
|
||
|
||
الفصل الثالث والعشرون
|
||
|
||
*في بداية أمر نبينا ورضاعه صلى الله عليه وسلم *
|
||
|
||
خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من أرضى الأرض أرضاً، وأصفى الأوصاف وصفاً،
|
||
وصين آباؤه من زلل الزنا، إلى أن صدفت بتلك الدرة صدفة آمنة، فوثبت لرضاعه
|
||
ثويبة، ثم قضت باقي الدين حليمة، فقام نباته مستعجلاً على سوقه، مستعجلاً
|
||
قيام سوقه، فنشأ في حجر الكمال كما نشأ، فشأى من شأى منشأ.
|
||
|
||
قدمت حليمة والجدب عام في العام، فعرض على المرضعات فأبين لليتم، فراحت به
|
||
حليمة إلى حلتها، فثاب لبنها ولبن راحلتها، فباتوا البركة روائه رواء، وهب
|
||
على مباركهم نسيم نسمة مباركة، فلما ظعنت الظعاين أتت أتانها تؤم أمام
|
||
الركب، فلما حلوا حللهم. كانت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب، وراعي
|
||
حليمة يعيد الغنم بالغنم.\\
|
||
فبينا الصبي مع الصبيان، هبت صبا الجبر بجبريل، فجاءه فجأة فشق عن القلب،
|
||
ثم شقه وما شق عليه، فعلق بيده من باطية باطنه علقة، فقال هذا حظ الشيطان،
|
||
وقد قطعنا علقه ثم أعاد قلبه بعد أن قَلَبَه، وما به قلبة، فبقي أثر المخيط
|
||
في صدره، باقي عمره لإظهار سورة "ألم نشرح".\\
|
||
فلما بلغ ست سنين، ألوى الموت بالوالدة، فجد في كفالته الجد، ثم طلب الموت
|
||
عبد المطلب، فما أبى الطالب، ولا اشتغل بأوصابه حتى أوصى به أبا طالب، فخرج
|
||
به وقد زانه كالتاج تاجراً، فتيمم باليتيم منزل تيماء، فرآه بحيراء ببحرته
|
||
فقرأ سمات النبوة من شمايل "يعرفونه" فشام برق فضله فلاح من شيمة شامته،
|
||
فقال لعمه: احفظ هذه الشامة من شامت.\\
|
||
وما زال نشره يضوع ولا يضيع، إلى أن تمخضت حامل النبوة في إبان التمام،
|
||
وآثر الطلق طلاق الخلق، فتحرى غار حراء للفراغ فراغ إليه الملك، فأغار حبل
|
||
الوصال في ذلك الغار، فأفاض عليه حلة "اقرأ" فأفاض إلى حلة "زمِّلوني"
|
||
فسكّنت خديجة غلته، بعلة إنك لتصل الرحم ثم انطلقت به إلى ورقة فقرأ من
|
||
ورقة سيماه نقش فضله، فتيقظ لفهم أمره إذ ناموا، فقال: هذا الناموس الذي
|
||
نزل على موسى، ولقد عرفه الأحبار في الكنايس، والرهبان في الصوامع، وأنذر
|
||
به الرئي وأخبر به التابع.\\
|
||
فكانت تسلم عليه قبل النبوة الأحجار، وتبشره بما أولاه مولاه الأشجار، وكان
|
||
خاتم النبوة بين كتفيه، وسرايا الرعب تترك كسرى كالكسرة بين يديه، ألبس
|
||
أهاب الهيبة وتوج تاج السيادة، وضمخ بأذكى خلوق أزكى الأخلاق، وأحل دار
|
||
المداراة، واجلس على صفحة الصفح ولقم لقم لقمان الحكيم، ووضعت له أكواب
|
||
التواضع، وأديرت عليه كؤوس الكيس متضمنة حلاوة الحلم، ختامها مسك النسك،
|
||
وأعطى لقطع مفازة الدنيا جواد الجود، ونوول قلم العز فوقع على صحائف الكد،
|
||
"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، كان يعود المريض، ويجيب دعوة المملوك،
|
||
ويجلس على الأرض، ويلبس الخشن، ويأكل البشع، ويبيت الليالي طاوياً، يتقلب
|
||
في قعر الفقر، ولسان الحال يناديه: يا محمد نحن نضن بك عن الدنيا لا بها
|
||
عنك.\\
|
||
ولقد شارك الأنبياء في فضائلهم وزاد، أين سطوة "لا تذر" من حلم "اهد قومي"
|
||
أين انشقاق البحر: من انشقاق القمر، أين انفجار الحجر من نبع الماء من بين
|
||
الأصابع، أين التكليم عند الطور من قاب قوسين، أين تسبيح الجبال في أماكنها
|
||
من تقديس الحصى في الكف، أين علو سليمان بالريح من ليلة المعراج، أين إحياء
|
||
عيسى الأموات من تكليم الذراع، كل الأنبياء ذهبت معجزاتهم بموتهم، ومعجزة
|
||
نبينا الأكبر، قائمة على منار "لأنذركم به ومن بلغ" تنادي "فأتوا بسورة من
|
||
مثله" ولقد أعرب عن تقدمه من تقدمه، "آدم ومن دونه تحت لوائي" لو كان موسى
|
||
وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتّباعي، فإذا نزل عيسى صلى مأموماً، لئلا يدنس
|
||
بغبار الشبهة وجه "لا نبي بعدي".\\
|
||
فهو أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وخطيب الخلائق إذا وفدوا، ومبشر القوم إذا
|
||
يأسوا، الأنبياء قد سكتوا لنطقه، والأملاك قد اعترفوا بحقه، والجنة والنار
|
||
تحت أمره، والخزان داخلون في دائرة حكمه، وكلام غيره قبل قوله لا ينفع
|
||
وجواب الحبيب له "قُل تُسمَع" فسبحان من فض له من الفضائل ما فضله، وكسب من
|
||
حلل الفخر الجم ما جمله، جمع الله بيننا وبينه في جنته، وأحيانا على كتابه
|
||
وسنته.
|
||
|
||
الفصل الرابع والعشرون
|
||
|
||
قصة الغار والصديق
|
||
|
||
لما أغارت قريش خيل الحيل على الرسول، خرج إلى غار لو دخله غيره كان غرراً،
|
||
فغريت قريش بالطلب، فنبتت شجرة لم تكن قبل. قبل الباب، فأظلت المطلوب،
|
||
وأضلت الطالب، وجاءت عنكبوت فسدت فسدّت باب الطلب، حاكت وجه الغار فحاكت
|
||
ثوب نسجها فحاكت ستراً، ثم حمى اللطف الحمن، بحمامتين فما كان إلا أن سكنتا
|
||
من الغار فماً، فما بان المستتر فاتخذتا عشاً، فغشى ما غشى من غشاء العشا،
|
||
على أبصار المقتفين فصاروا كالأعشى، فراغ الأعداء نحو تلك الناحية، فرأوا
|
||
دليل فراغ الغار الغار، فعادوا عن من عادوا، عوداً بحتاً بلا بخت، فقال
|
||
الصديق عن حر الوجد، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "ما ظنك
|
||
باثنين الله ثالثهما".\\
|
||
فلما رحلا لحقهما سُراقة، فسرقت الأرض قوايم فرسه، فلما رأى أرضاً صلداً قد
|
||
فرست الفرس، فرست إلى بطنها ببطنها، أشربت نفسه علم اليقين بظنها، فأخذ
|
||
يعرض المال على من قد رد مفاتيح الكنوز، ويقدم الزاد إلى شبعان "أبيت عند
|
||
ربي" فجازا على خيمة أم معبد، فأصحت شاتها، وأصبحت تشهد، فوصلا إلى يثرب
|
||
على نجائب السلامة، وفات الخير مكة، وفاءت المدينة بالكرامة.
|
||
|
||
الفصل الخامس والعشرون
|
||
|
||
في قصة أهل بدر
|
||
|
||
لما بادر بدر الشريعة بالخروج إلى بدر، رأى في أصحابه قلة فارتقى قلة
|
||
"وشاورهم" فقام المقداد عن قوله قومة، لحق متابعة المبايعة، فقال: لو سرت
|
||
إلى برك الغماد لتابعناك فما لبث الرسول أن صار يطلب بالخطاب الأنصار، ففطن
|
||
لسعادته سعد بن معاذ، فقال: لو خضت البحر لخضنا، فرأى المصطفى في الأعداء
|
||
العدد والعدة، والتفت إلى المسلمين فوجد إذ ما وجد، فاستقبل قبلة الطلب،
|
||
واقتضى كريماً ما ماطل، فانتدب مدد العون بلا عون، فأقبلت سحابة تسحب ذيل
|
||
النصر، فسمع المشركون منها حمحمة الخيل فحموا، وانقلبت قلوبهم من يحمومها
|
||
حماً، فنزلت الملائكة مع الإلفين، جبريل في ألفين، وميكائيل في ألفين،
|
||
وأسرى إسرافيل في ألف مرد مردفين، فعدلوا كالغمايم، قد سدلوا العمايم،
|
||
وأرسلت قريش رايداً، فعاد بتأثير سالقي، فحذر القوم العزل سهام العزايم،
|
||
فأثر عتبه في عتبة، وكان يشيب خوفاً شيبة، وأحكم حزام الحزم حكيم بن حزام،
|
||
وأبى للجهل أبو جهل:
|
||
|
||
| فلزهم الطراد إلى قـتـالٍ | | أحد سلاحهم فيه الـفـرارُ |
|
||
| مضوا متسابقي الأعضاء فيه | | لأرجلهم بأرؤسهم عِـثـارُ |
|
||
|
||
فلما قلبوا إلى القليب، قام الرسول على رأس الرس ينادي الرؤساء حين رسوا
|
||
بلسان "فانتقمنا" عن جواب "إن تستفتحوا" لتصديق "وينصرك الله" في مضمون "هل
|
||
ثُوِّب" يا فلان ويا فلان: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً".\\
|
||
ذكر من شهد بدراً على الحروف حرف الألف أبي بن كعب، أبي بن ثابت، أوس بن
|
||
ثابت، أوس بن خولي، أوس بن الصامت، أسعد بن يزيد، أنس بن معاذ، الأرقم،
|
||
أربد، أسيرة، إياس.\\
|
||
حرف الباء بشير بن البراء، بشير بن سعيد، بلال، بحاث، بسبس.\\
|
||
حرف التاء تميم بن يعار، تميم مولى خراش، تميم مولى بني غنم.\\
|
||
حرف الثاء ثابت بن أرقم، ثابت بن ثعلبة، ثابت بن خلد، ثابت بن عمرو، ثابت
|
||
بن هزال، ثعلبة بن حاطب، ثعلبة بن عمرو، ثعلبة بن غنمة، ثقيف.\\
|
||
حرف الجيم جابر بن خالد، جابر بن عبد الله بن رئاب، جبار، جبير، جبر.\\
|
||
حرف الحاء الحارث بن أنس، الحارث بن أوس، الحارث بن خزمة، الحارث بن ظالم،
|
||
الحارث قيس، الحارث بن النعمان، حارثة بن الحمير، حارثة بن سراقة، حارثة بن
|
||
النعمان بن رافع، حارثة بن النعمان بن نفيع، حاطب بن أبي بلتعة، حاطب بن
|
||
عمرو الحباب، حبيب الحرام، حريث، حصين، حمزة.\\
|
||
حرف الخاء خالد بن البكير، خالد بن زيد، خالد بن قيس، خلاد بن رافع، خلاد
|
||
بن سويد، خلاد بن عمرو، خليد، خباب بن الأرت، خباب مولى عتبة، خبيب بن
|
||
يساف، خارجة، خليفة، خنيس، خولي.\\
|
||
حرف الدال ليس فيه أحد.\\
|
||
حرف الذال ذكوان، ذو الشمالين.\\
|
||
حرف الراء رافع بن الحارث، رافع بن عنجدة، رافع بن المعلى، رفاعة بن رافع،
|
||
رفاعة بن عبد المنذر، رفاعة بن عمرو، الربيع، ربيعة، ربعي، رجيلة.\\
|
||
حرف الزاي زيد بن أسلم، زيد بن حارثة، زيد بن الخطاب، زيد بن سهل، زيد بن
|
||
وديعة، زياد بن كعب، زياد بن لبيد، الزبير.\\
|
||
حرف السين
|
||
|
||
سعد بن خولة، سعد بن الربيع، سعد بن سهل، سعد بن عثمان، سعد بن مالك، سعد
|
||
بن معاذ، سعد القاري، سعيد بن قيس، سهل بن حنيف، سهيل بن رافع، سهيل بن
|
||
عتيك، سهل بن عدي، سهل بن قيس، سهيل بن بيضاء، سليم بن الحارث، سليم بن
|
||
عمرو، سليم بن قيس، سليم بن ملحان، سليم أبو كبشة، سلمة بن أسلم، سلمة بن
|
||
ثابت، سلمة بن سلامة، سالم بن عمير، سالم مولى أبي حذيفة، سراقة بن عمرو،
|
||
سراقة بن كعب، سماك بن خرشة، سماك بن سعد، سنان بن صيفي، سنان بن أبي سنان،
|
||
سويبط، سواد بن رزين، سواد بن غرية، السايب، سبيع، سفين، سليط.\\
|
||
حرف الشين شجاع، شماس.\\
|
||
حرف الصاد صالح، صفوان.\\
|
||
حرف الضاد ضمرة، الضحاك.\\
|
||
حرف الطاء الطفيل بن الحارث، الطفيل بن مالك، الطفيل بن النعمان.\\
|
||
حرف الظاء ليس فيها أحد.\\
|
||
حرف العين عبد الله أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، عبد
|
||
الله بن مسعود، عبد الله أبو سلمة، عبد الله أنيس، عبد الله بن ثعلبة، عبد
|
||
الله بن جبير، عبد الله بن جحش، عبد الله بن الجد، عبد الله بن الربيع، عبد
|
||
الله بن رواحة، عبد الله بن زيد، عبد الله بن سراقة، عبد الله بن سلمة، عبد
|
||
الله بن سهل، عبد الله بن سهيل، عبد الله بن طارق، عبد الله بن عبيد الله
|
||
بن أبي عبد الله بن عبد مناف، عبد الله بن عبس، عبد الله بن عرفطة، عبد
|
||
الله بن عمرو، عبد الله بن عمير، عبد الله بن قيس بن خلدة، عبد الله بن قيس
|
||
بن صخر، عبد الله بن مخرمة، عبد الله بن مظعون، عبد الله بن النعمان، عبد
|
||
الرحمن بن جبر، عبد الرحمن بن عبد الله، عبد الرحمن بن عوف، عبيد بن أوس،
|
||
عبيد بن زيد، عبيد بن أبي عبيد، عبيدة بن الحارث، عباد بن بشر، عباد بن
|
||
قيس، عباد بن الخشخاش، عبد ربه، عتبة بن أبي ربيعة، عتبة بن زيد، عتبة بن
|
||
غزوان، عتبة بن عبد الله، عقبة بن عامر، عقبة بن وهب بن ربيعة، عقبة بن وهب
|
||
بن كلدة، عمر بن إياس، عمرو بن ثعلبة، عمرو بن سراقة، عمرو بن طلق، عمر بن
|
||
معاذ، عمر بن أبي سرح، عمير بن الحارث، عمير بن الحمام، عمير بن عامر، عمير
|
||
بن عوف، عمير بن مالك، عمير بن معبد، عمار، عمارة، عامر بن أمية، عامر بن
|
||
البكير، عامر بن الجراح، عامر بن ربيعة، عامر بن سلمة، عامر بن فهيرة، عامر
|
||
بن مخلد، عاصم بن ثابت، عاصم بن العكير، عامر بن قيس، عصيمة الأشجعي، عصيمة
|
||
الأنصاري، عوف بن أثاثة، عوف بن عفرا، عاقل، عايذ، عبس، عدي، عنترة، عويم،
|
||
عياض، عثمان بن مظعون.\\
|
||
حرف الغين غنام.\\
|
||
حرف الفاء الفاكه، وفروة.\\
|
||
حرف القاف قيس بن أبي صعصعة، قيس بن عمرو، قيس بن محصن، قيس بن مخلد،
|
||
قتادة، قدامة، قطبة.\\
|
||
حرف الكاف كعب بن حماز، كعب بن زيد، كعب بن عمرو، كناز.\\
|
||
حرف اللام ليس فيه أحد.\\
|
||
حرف الميم مالك بن التيهان، مالك بن ثابت، مالك بن الدخشم، مالك بن ربيعة،
|
||
مالك بن عمرو أبو حبة، مالك بن عمرو أخو ثقيف، مالك بن عمرو بن خيثمة، ملك
|
||
بن قدامة، ملك بن مسعود، مسعود بن خلدة، مسعود بن الربيع، مسعود بن سعد
|
||
الحارثي، مسعود بن سعد الزرقي، معاذ بن جبل، معاذ بن عفراء، معاذ بن ماعص،
|
||
المنذر بن عمرو، المنذر بن قدامة، المنذر بن محمد، معتب بن حمراء، معتب بن
|
||
عبدة، معتب بن قشير، معبد بن عبادة، معبد بن قيس، محرز بن عامر، محرز بن
|
||
نضلة، معوذ بن عفراء، معوذ بن عمرو، مبشر، المحذر، محمد بن سلمة، مدلاج،
|
||
مرثد، مصعب، معقل، معمر، معن، المقداد، مليل، مهجع.\\
|
||
حرف النون النعمان بن ثابت، النعمان بن سنان، النعمان بن عمرو، النعمان بن
|
||
عبد عمرو، النعمان بن عصر، النعمان بن مالك، النعمان بن أبي خزمة، نصر،
|
||
نوفل.\\
|
||
حرف الواو وهب بن سعد، وهب بن محصن، وافد، وديعة، وذقة.\\
|
||
حرف الهاء هاني، هشام، هلال.\\
|
||
حرف الياء يزيد بن الحارث، يزيد بن رقيش، يزيد بن عامر، يزيد بن المزين،
|
||
يزيد بن المنذر.\\
|
||
وممن يعرف بكنيته ولا يعرف باسمه أبو الحمراء، أبو خزيمة، أبو سبرة، أبو
|
||
مليل.\\
|
||
وامتنع من شهود بدر ثمانية لأعذار، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
|
||
سهامهم وأجورهم فكانوا كمن شهدها: عثمان، وطلحة، وسعيد، والحارث بن حاطب،
|
||
والحارث بن الصمة، وخوات، وعاصم بن عدي، وأبو لبابة.\\
|
||
فهؤلاء البدريون بجملتهم، حشرنا الله في زمرتهم.
|
||
|
||
الفصل السادس والعشرون
|
||
|
||
في تزويج علي بفاطمة عليهما السلام
|
||
|
||
كان للنبي صلى الله عليه وسلم بنات فضلتهن فاطمة، وزوجات سبقنهن عائشة،
|
||
وذلك أن اختيار القدر لا يحابي في التساوي، تُسقى بماء واحد "ونفضِّل بعضها
|
||
على بعض في الأكُل" لما نهض عليّ لخطبتها، طرق بأنامل رجائه أرجاء باب
|
||
الخطبة، فمشى إليه الآذن بالأذن على عجل العجل، فقد صدق الرغبة قبل نقد
|
||
الصداق، فعقد العقد على درع لينبّه على جهاد الهوى، وجهزت بالإجهاز على عدو
|
||
الزهد، ولم يرض لها جهاز الدنيا، لموافقة البضعة التي هي منه، فحلاها
|
||
الرسول بحلية "فاطمة بضعة مني" وعقد لها عقداً خرزات نظامه "إن الله ليغضب
|
||
لغضبك، ويرضى لرضاك"، وبعث بين يديها وصايف "غُضُّوا أبصاركم" ونصب لها سدة
|
||
"ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة"، وأدخلها على الزوج في حلل
|
||
الحالية عليها قناع القناعة، تسعى في فضاء الفضائل إلى خلوة الخلة، حتى
|
||
أجلست على منصة النص، فأمر الله تعالى ليلة عرسها، شجر الجنان، فحملت حللاً
|
||
وحلياً فنثرته على الملائكة، وليس المراد بذلك الملك، ولكن ليعلم رضى
|
||
الملك.\\
|
||
يا عجباً، نثرت الحلل لأجل من فراشه جلد كبش، هلا حلت له منه حلة، كلا مركب
|
||
الملك أحلى من أن يحلى، فدخل عليها الرسول، فاستدعى بإناء من ماء، فدعا فيه
|
||
بالبركة، ثم رش على حبيبين بلا غش، فلما طاب لعلي ذلك الوقت، سأل الرسول
|
||
سؤال سكران من شراب الوصل: يا رسول الله أنا أحب إليك أم هي? ففصل الحاكم
|
||
بين خصوم الحب، فقال: هي أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها، فلما حازت بما
|
||
حازت قناطر الفضل، صين وجه الكمال بخال الخلل في العيش، فأقوى على الأقوى
|
||
ففر الفقر، فصيح بفصيح خطاب الشرع: يا علي قم لكسب قوت الوقت، فخرج يسعى
|
||
على أرض الرضا، بين أعلام الصبر، فبات يسقي نخلاً إلى الفجر بشيء من الشعير
|
||
على وجه الأجر، فلما جاء به وأصلح للأكل قام سايل على باب البذل، فنادى: يا
|
||
أهل نادي الندى والفضل، أطعمونا أطعمكم الله من الفضل، فثارت رياح الارتياح
|
||
للإيثار، فأثارت سحاباً يقطر من قطرته قطر جور الجود، فسأل سيله بقدر وادي
|
||
الود، فلما تروت بالماء أشجار الأنس، صدحت على ورقها ورق القدس وأغنى عن
|
||
غرايب صدح المد "ويُطعِمون الطعام على حُبِّه" ثم أخبر الحق، عن مضمون
|
||
القصد "إنما نطعمكم لوجه الله" فلو رأيت القوم يوم القيامة، في ظل "فوقاهم
|
||
الله" وقد اكتست أجساد وكست بكسا الضنك غضارة العيش على حلل الخفض،
|
||
واستراحت أيد تفرق أيدها من طحن الرجاء ونزع الدلو، "متكئين فيها" هذا من
|
||
حصاد بذر النذر.\\
|
||
ولقد عجب العلماء من شرح هذا الأجر واستظرفوا عدم ذكر الحور في هذا الذكر،
|
||
فبقوا متحيرين في جير الفكر، فنودوا من بطنان وادي الفضل، بأن ذلك لفضل فضل
|
||
زهراء الأنس، غير عليها من ذكر الغير، وإنما أثرا على الطفلين، لأنهما
|
||
غصنان من شجرة "أبيت يطعمني ربي" وبعض من جملة "هي بضعة مني" وفرخ البط
|
||
سابح، وذكاة الجنين كذكرة أمه.
|
||
|
||
القسم الثاني في المواعظ
|
||
|
||
وهو المشتمل على المواعظ والإرشادات مطلقاً وهو مائة فصل
|
||
|
||
الفصل الأول
|
||
|
||
في قوله تعالى "هو الأول والآخر" يذكر فيه التوحيد
|
||
|
||
أول ليس له مبدأ، آخر جل عن منتهى، ظاهر بالدليل، باطن بالحجاب، يثبته
|
||
العقل ولا يدركه الحس، كل مخلوق محصور، بحد مأسور في سور قطر، والخالق بائن
|
||
مباين يعرف بعدم مألوف التعريف، ارتفعت لعدم للشبه الشبه، إنما يقع الإشكال
|
||
في وصف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا
|
||
يزال فما للحس معه مجال، عظمته عظمت عن نيل كف الخيال.\\
|
||
كيف يقال له كيف، والكيف في حقه محال، أنى تتخايله الأوهام وهي صنعه، كيف
|
||
تحده العقول وهي فعله، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه، انقطع سير الفكر، وقف
|
||
سلوك الذهن، بطلت إشارة الوهم، عجز لطف الوصف، عشيت عين العقل، خرس لسان
|
||
الحس، لا طور للقدم في طور القدم، عز المرقى فيأس المرتقى، بحر لا يتمكن
|
||
منه غايص، ليل لا يبين للعين فيه كوكب:
|
||
|
||
| مرام شط مرمى العقل فيه | | فدون مداه بـيد لا تـبـيد |
|
||
|
||
جادة التسليم سليمة، وادي النقل بلا نقع، انزل عن علو غلو التشبيه، ولا تعل
|
||
قلل أباطيل التعطيل، فالوادي بين جبلين، المشبه متلوث بفرث التجسيم،
|
||
والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص هو التنزيه، تخمّر في نفوس
|
||
الكفار حب الأصنام، فجاء محمد فمحا ذلك بالتوحيد، وتخمر في قلوب المشبهة حب
|
||
صورة وشكل، حييت فمحوتها بالتنزيه "والعلماء ورثة الأنبياء" ما عرفه من
|
||
كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى، والمعطل أعمى.\\
|
||
فما ينزه عنه فم، فيما يجب نفيه بثم جل وجوب وجوده عن رجم لعل، سبق الزمان
|
||
فلا يقال كان إذ، تمجد في وحدانيته عن زحام مع، تفرد بالإنشاء فلا يستفهم
|
||
عن الصانع بمن، أبرز عرايس المخلوقات من كنّ كن، بث الحلم فلم يعارض بلم،
|
||
تعالى عن بعضية من، وتقدس عن ظرفية في، وتنزه عن شبه كان، وتعظم عن نقص لو
|
||
أن، وعز عن عيب إلا أن، وسما كماله عن تدارك لكن.\\
|
||
إن وقف ذهن بوصفه صاح العز جز، إن سار فكر نحوه قالت الهيبة عد، إن قعد
|
||
اللسان عن ذكره قال القلب قم، إن تجبر متكبر قال القهر شم، إن سأل محتاج
|
||
قال الإنعام رش، إن تعرض فقير قال الوفر فر، إن سكت مذنب حيا قال الحلم قل،
|
||
إن بعد ذو خطاء نادى اللطف إبْ، نثر عجايب النعم وقال للكل خذ.\\
|
||
من بيان عظمته "رفيع الدرجات" من أثر قسره "تُسبِّح له السماوات" توقيع
|
||
أمره "يأمر بالعدل" واقع زجره "ينهى عن الفحشاء" ينادي على باب عزته "لا
|
||
يُسأل" يصاح على محجة حجته "لمن الأرض ومن فيها" ينذر جاسوس علمه "ما يكون
|
||
من نجوى ثلاثة" يقول جهبذ طوله "وإن تعدُّوا نعمة الله" يترنم منشد فضله
|
||
"لا تقنطوا".\\
|
||
سبحان من أقام من كل موجود دليلاً على عزته، ونصب علم الهدى على باب حجته،
|
||
الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته، وكل موافق ومخالف يمشي تحت
|
||
مشيئته، إن رفعت بصر الفكر ترى دائرة الفلك في قبضته، وتبصر شمس النهار
|
||
وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته، والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب
|
||
تسخير سطوته، فمنها رجوم للشياطين ترميهم فترميهم عن حمى حمايته، ومنها
|
||
سطور في المهامه يقرؤها المسافر في سفر سفرته، وإن خفضت البصر رأيت الأرض
|
||
ممسكة بحكمة حكمته، كل قطر منها محروس بأطواده عن حركته، فإذا ضجت عطائها
|
||
ثار السحاب من بركة بركته، ونفخ في صور الرعد لإحياء صور النبات من حفرته،
|
||
فيبدو نور النور يهتز طرباً بخزامى رحمته، فإذا استوى على سوقه. زادت في
|
||
سوقه نعامى نعمته، ويفتق يد الإيجاد بأنامل القدرة أكمام النبات عن صنعة
|
||
صبغته، فيرفل في حلى حلل الحال الحالية إلى معبر عبرته، وتصدح الورق على
|
||
الورق كل بتبليغ لغته، والأشجار معتنقة ومفترقة على مقدار إرادته، صنوان
|
||
وغير صنوان، هذا بعض صنعته "ويُسبِّح الرعد بحمد والملائكة من خيفته".\\
|
||
نظر بعين الاختيار إلى آدم فحظي بسجود ملائكته، وإلى ابنه شيث فأقامه في
|
||
منزلته، وإلى إدريس فاحتال بإلهامه على جنته، وإلى نوح فنجا من الغرق
|
||
بسفينته، وإلى هود فعاد على عاد شؤم مخالفته، وإلى صالح فتمخضت صخرة
|
||
بناقته، وإلى إبراهيم فتبختر في حلة خلته، وإلى إسماعيل فأعان الخليل في
|
||
بناء كعبته، وإلى إسحق فافتكه بالفداء من ضجعته، وإلى لوط فنجاه وأهله من
|
||
عشيرته، وإلى شعيب فأعطاه الفصاحة في خطبته، وإلى يعقوب فرد حبيبه مع
|
||
حبيبته، وإلى يوسف فأراه البرهان في همته، وإلى موسى فخطر في ثوب مكالمته،
|
||
وإلى إلياس فاليأس للناس من حالته، وإلى داود فألان الحديد له على حدته،
|
||
وإلى سليمان فراحت الريح من في مملكته، وإلى أيوب فيا طوبى لركضته، وإلى
|
||
يونس فسمع نداه في ظلمته، وإلى زكريا فقرن سؤاله ببشارته، وإلى يحيى فتلمح
|
||
حصير الحصور على سدة سيادته، وإلى عيسى فكم أقام ميتاً من حفرته، وإلى
|
||
محمد، فخصه ليلة المعراج رؤيته.\\
|
||
وأعرض عن إبليس فخزي ببعده ولعنته، وعن قابيل فقلب قلبه إلى معصيته، وعن
|
||
نمرود فقال أنا أحيي الموتى ببلاهته، وعن فرعون فادعى الربوبية على جرأته،
|
||
وعن هامان فأين رأيه? يوم اليم في وزارته، وعن قارون فخرج على قومه في
|
||
زينته، وعن بلعام فهلك بل عام في بحر شقوته، وعن برصيصا فلم تنفعه سابق
|
||
عبادته، وعن أبي جهل فشقي مع سعادة أمه وابنه وابنته، هكذا جرى تقديره من
|
||
يوم "لا أبالي" في قسمته "ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته".
|
||
|
||
الفصل الثاني
|
||
|
||
* ودين الحق" نذكر فيه فضل نبينا صلى الله عليه وسلم *
|
||
|
||
لم يزل ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم منشوراً وهو في طي العدم، توسل به
|
||
آدم، وأخذ له ميثاق الأنبياء على تصديقه، في بعض درسه علم إدريس، في ضمن
|
||
وجده حزن يعقوب، في سر جده صبر أيوب، في طي خوفه بكاء داود، بعض غنى نفسه
|
||
يزيد على ملك سليمان، غير بعيد خل خلاله خلة الخليل، ونال تكليم موسى،
|
||
واسترجع له النظر عند قاب قوسين، فهو جملة الجمال، وكل الكمال، وواسطة
|
||
العقد، وزينة الدهر، يزيد على الأنبياء زيادة الشمس على البدر، والبحر على
|
||
القطر، فهو أصدرهم وبدرهم، وعليه يدور أمرهم، قطب فلكهم، عين كتيبتهم،
|
||
واسطة قلادتهم، نقش فصهم، بيت قصيدتهم، حاتمهم، خاتمهم:
|
||
|
||
| شمس ضحاها هلال ليلتها | | در تقاصيرها زبرجدها |
|
||
|
||
لما رأى تخليط قريش في دعوى الشرك فر في بادية الهرب فتحرى غار حراء في
|
||
الفرار للفراغ، فراغ إليه فجاء مزاحم "اقرأ" يا راهب الصمت تكلم، قال لسان
|
||
العجز البشري: لست بقارئ، فحم لما حم فزمزم بلفظ "زمِّلوني" فصاح الملك "يا
|
||
أيها المزَّمِّل" يا أطيب ثمار كن، يا محمولاً عليه. ثقل قل "قم".\\
|
||
لما بعث الملك الملك إلى نبينا برسالة "اقرأ" فتر الوحي بعدها مدة، مات قوس
|
||
الشوق فرمت الكبداء الكبد، بكبد أعجز المكابدة، فكان يهم لما يلقي بإلقاء
|
||
نفسه من ذروة الجبل، فإذا بدا له جبريل بدله، ثم رميت الشياطين عند مبعثه
|
||
بأسهم الشهب، عن قوس "ويُقذفون من كل جانب" فمروا إلى المغارب، ومشوا إلى
|
||
المشارق، ليقطعوا سبسب السبب، فجرت ريح التوفيق، بمراكب بعضهم إلى تهامة،
|
||
فصادفوه في الصلاة، فصادفوه قلوب القوم، فصاحت ألسنة الوجد "إنّا سمعنا
|
||
قرآناً عجبا".\\
|
||
تحركت لتعظيمه السواكن، فحن إليه الجذع، وسبح الحصى، وتزلزل الجبل وتكلم
|
||
الذيب، كل كنى عن شوقه بلغاته. فمرضت قريش بداء الحسد فقالوا مجنون، يا
|
||
محمد، هذا نقش يرقانهم لا لون وجهك.\\
|
||
لما أخذ في سفر "أسرى" فنقل إلى المسجد الأقصى، برز إليه عباد الأنبياء من
|
||
صوامعهم، فاقتدوا بصلاة راهب الوجود، ثم خرج فعرج فعرضت عليه الجنة والنار،
|
||
حتى عرف الطبيب عقاقير الأدوية، قبل تركيب الأدوية، يل لها من ليلة، قل غرب
|
||
حد سيف "أتجعل فيها" ظنت الملائكة أن الآيات تختص بالسماء، فإذا آية الأرض
|
||
قد علت.\\
|
||
أقبلت رؤساء الأملاك، تحيي الرئيس الأكبر، فرأى في القوم ملكاً نصفه من ثلج
|
||
ونصفه من نار، فعجب لاجتماع الضدين، فقيل لا تعجب فعندك أعجب منه، لو وزن
|
||
خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، كان جبريل دليل البادية فلما وصل إلى مفازة ليس
|
||
فيها علم يعرفه، علم ابن أجود أن الصدق أجود، فقال: ما أنت وربك، فإذا قامت
|
||
القيامة، فموسى صاحبه، وعيسى حاجبه، والخليل في عسكره، وآدم ينادي بلسان
|
||
حاله يا ولد صورتي، ويا والد معناي، ما صعد من بحور الأكوان أشرف من درة
|
||
نبينا صلى الله عليه وسلم، طرة غرته أحسن من جمال يوسف، لعاب فيه أشفى من
|
||
البرء، شمس شرعه لا يدركها كسوف ناسخ، قمر دينه لا يدخل في محاق.\\
|
||
كل الأنبياء في القيامة تقول نفسي نفسي، وهو يقول أمتي أمتي، فإذا سجد، قيل
|
||
ارفع رأسك، وقل تُسمَع، كم بين ذل محب، وإدلال محبوب، الحيوانات تذل في طلب
|
||
القوت، والفيلة تتملق حتى تأكل، يا من هو في جملة جنود هذا الشجاع، أيحسن
|
||
بك? كل يوم هزيمة.
|
||
|
||
لولا جد أصحابه في جهادهم وشجاعتهم في صفوف قتالهم، لافتضح المتأخرون،
|
||
فالحمد لله على اليزل، كانوا بالليل رهباناً وبالنهار فرساناً، قطع الرسول
|
||
طمع من طمع في لحاقهم بحسام "ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" وكيف تنال
|
||
مرتبة السابق بشيء وقر في صدره? أو منقبة المهيب والعدو يفرق من ظله? أو
|
||
مقام الوقور فالملائكة تستحي منه? أو فضيلة مزاحم النفس في منزلة كهارون من
|
||
موسى: يأس والله الكهول من مقارنة سيدَيْ كهول أهل الجنة، كما لم تطمع
|
||
الشباب في مزاحمة سيدَيْ شباب أهل الجنة، متى التهبت في صحابة الأنبياء?
|
||
عزيمة كحمرة جمرة حمزة، أو علا على العلاء علي، كعلاء علي، لقد فاز بلقب
|
||
الصدق طلحة الجود، كما سعد بالفضل وحوارى الزبير، وسما بصلاة النبي صلى
|
||
الله عليه وسلم خلفه ابن عوف، كما قرت بلفظ فداك أبي وأمي عين سعد، ونجا
|
||
بالشهادة له بالجنة سعيد، كما عز ابن الجراح بلقب الأمين، ولم يذكر باسمه
|
||
بالقرآن غير زيد، وأين في الموالي مثل سالم وسلمان? ومن في الزهاد كمصعب
|
||
وابن مظعون، وإنه لمسعود عبد الله ابن مسعود، وطوبى ثم طوبى لخباب وصهيب،
|
||
ويا شرف المؤمنين بصوت بلال، ويكفي فخراً: "كوني فخراً لعمار" وأي بيت يشبه
|
||
بيت أبي أيوب? ومن زين القراء إلا أبي بن كعب? ومن في النقباء كابن زرارة
|
||
وابن الربيع? وأنى في الفقهاء مثل معاذ? ومن له زهد كزهد أبي ذر? والفخر
|
||
لبني هاشم بالعباس، وكفى للبصراء قائداً ابن أم مكتوم، وإنه لقدوة المؤثرين
|
||
أبو الدحداح، ومن في قوام الليل مثل تميم? ومن صبر على القتل صبر خبيب?
|
||
كلهم أخيار، وجميعهم أبرار، ولا مثل صاحب الغار، وأين نظير فُتّاح الأمصار?
|
||
ومن يشبه قتيل الدار? ولقد افتقروا إلى المجاهد بذي الفقار، بحب هؤلاء ترجى
|
||
الجنة وتتقى النار.\\
|
||
إن الله تعالى لما حلى محمداً حلية التنزه، خلع عليه خلعةً هي الإسلام،
|
||
وأعطاه منشوراً هو القرآن، ولواءً هو النصر، فأبو بكر صدَّق النبوة، وعمر
|
||
أظهر الرسالة وعثمان جمع المنشور، وعلي حمل السيف لما جلا الرسول عروس
|
||
الإسلام، لم يكن بد من نثار، نثر عمر نصف ماله، فرمى أبو بكر بالكل، فقام
|
||
عثمان يجهز جيش العسرة، بوليمة العرس، فعلم على حال الغيرة، فبت طلاق
|
||
الضرة، ثم رأى بعض جهاز الدنيا المطلقة عنده. وهو الخاتم. فسلم وما سلم:
|
||
|
||
| خطوا وأقلامهم خطية سـلـب | | فهم على الخيل أميون كتـاب |
|
||
| إن أحسنوا كلما واخلو لقوا ذمماً | | *واخشوشنوا شيماً فالقوم أعراب * |
|
||
|
||
الفصل الثالث
|
||
|
||
في قوله تعالى "وأذِّن في الناس بالحج"
|
||
|
||
لما تكامل بناء البيت، أرسل الله تعالى إلى خليله، أدِّ رسالة "وأذِّن"
|
||
فَعَلا على أبي قبيس، ونادى في جميع الوجوه: إن ربكم قد بنى لكم بيتاً
|
||
فحجوه، فأجاب من جرى القدر بحجه: لبيك اللهم لبيك. فكان ذلك اليوم. أخاً
|
||
ليوم "ألست بربكم":
|
||
|
||
| لما رأيت منـاديهـم ألـم بـنـا | | شددت ميزر إحرامي ولـبـيتُ |
|
||
| وقلتُ للنفس جدي الآن واجتهـدي | | وساعديني كهذا مـا تـمـنـيتُ |
|
||
| لو جئتكم زائراً أسعى على بصري | | *لم أقض حقاً وأي الـحـق أديتُ* |
|
||
|
||
قطع القوم بيد السفر "بشقِّ الأنفس" فوافقهم الركاب "وعلى كلِّ ضامرٍ":
|
||
|
||
| دعِ المطايا تنسم الجنوبـا | | إن لها لنبـأ عـجـيبـا |
|
||
| حنينها وما اشتكت لوبـا | | يشهدان قد فارقت حبيبا |
|
||
| ما حملت إلا فتى كئيبـا | | يسر مما أعلنت نصيبـا |
|
||
| لو غادر الشوق لنا قلوبـا | | أذن لأثرنا بهن النـيبـا |
|
||
| *إن الغريب يسعد الغريبا * | | |
|
||
|
||
واعجبا من حنين النوق، كأنها قد علمت وجد الركاب، تارة تجد في السير، وتارة
|
||
تتوقف، وتارة تذل وتطأطئ العناق، وتارة تمرح، كأنها قد استعارت أحوال
|
||
العارفين:
|
||
|
||
| اذكراها في سراها ما عراهـا | | فغدت تنفخ شوقاً في براهـا |
|
||
| تقطع البر وتنسى ما جـنـى | | سيرُها والسيرُ أمرٌ قد براهـا |
|
||
| كلما ظنت مني قـد قـربـت | | وتدانت دارها طار كـراهـا |
|
||
| أسعداها يا خلـيلـي عـلـى | | *ما دعاها في الهوى أو فدعاها * |
|
||
| ذكرا ما زال من عهد الصبـى | | خلياها والصبا فهو رضاهـا |
|
||
| غنها يا أيهـا الـحـادي لـهـا | | بالحمى أو بالنقا وانظر سراهـا |
|
||
| نح عنها السوط يكفي شـوقـهـا | | قد رأت في نفسها ما قد كفاهـا |
|
||
| باعها الوجد بكثـبـان الـنـقـي | | عجباً إذ باعها كيف اشتـراهـا |
|
||
| أتراها علمـتْ مـن حـمـلـتْ | | ليتها قد عرفت من في ذراهـا |
|
||
| أنتَ إن لاحت لك العـلام قـف | | فهي المقصود لا شيء سواهـا |
|
||
| قف على الوادي وسل عن كبدي | | كبدي واكبـدي مـاذا دهـاهـا |
|
||
| يا رفـيقـي اهـديانـي دارهـم | | ودعاني ودعـانـي وثـراهـا |
|
||
| أنا مقـتـول بـسـهـم غـرب | | قوسه خيف مني أو ما زماهـا |
|
||
| حُرِّم الصيد علـى مـن حـجـه | | *فانظرا إلى مهجتي من قد رماها * |
|
||
| اكتبا في لوح قبري عشـتـمـا | | *مهجة ماتت وما هالت منـاهـا* |
|
||
|
||
أمر المحرمون بالتعري. ليدخلوا بزي الفقراء، فيبين أثر "وما أموالكُم":
|
||
|
||
| من أعلم السايق العنيف بهم | | بأن روحي تساق مع أبله |
|
||
| وأن دمعي يروي ركايبهـم | | *لولا دم في انسكاب منهمله * |
|
||
|
||
تالله لقد جمعوا الخير، ليلة جمع، ونالوا المنى إذ دخلوا منى:
|
||
|
||
| لله در منى وما جـمـعـت | | وبكا الأحبة ليلة الـنـفـرِ |
|
||
| ثم اغتدوا فرقاً هنا وهـنـا | | يتلاحظون بأعين الـذكـرِ |
|
||
| ما للمضاجع لا تلايمـنـي | | *وكأن قلبي ليس في صدري * |
|
||
|
||
حج جعفر الصادق فأراد أن يلبي فتغير وجهه، فقيل: مالك يا ابن رسول الله?
|
||
فقال: أريد أن ألبي فأخاف أن أسمع غير الجواب.\\
|
||
وقف مطرف وبكر، فقال مطرف: اللهم لا تردهم من أجلي، وقال بكر: ما أشرفه من
|
||
مقام لولا أني فيهم.\\
|
||
وقام الفضيل بعرفة، فشغله البكاء عن الدعاء، فلما كادت الشمس تغرب، قال:
|
||
واسؤتاه منك وإن عفوت.\\
|
||
وقف بعض الخائفين على قدم الإطراق والحياء فقيل له: لم لا تدعو? فقال: ثم
|
||
وحشة. قيل: فهذا يوم العفو عن الذنوب? فبسط يده فوقع ميتاً.\\
|
||
....:
|
||
|
||
| وانزل الوادي بـأيمـنـه | | إنـه بـالـدمـع مـلآن |
|
||
| وارم بالطرف العقيق فلي | | ثم أوطـار وأوطـــان |
|
||
| وانشد القلب المشوق عسى | | يرجع المفقود نـشـدان |
|
||
| وابك عني ما استطعت إذا | | ما بدا للطرف نعـمـان |
|
||
| واقره عني السلام فكـأن | | قلـبـي فـيه سـكـان |
|
||
| لا تزدني يا عذول جـوى | | أنا بالأشـواق سـكـران |
|
||
|
||
حج الشبلي. فلما رأى مكة قال:
|
||
|
||
| أبطحاء مكة هذا الذي | | أراه عياناً وهذا أنـا |
|
||
|
||
ثم غشي عليه فلما أفاق قال:
|
||
|
||
| هذه دارهم وأنت محـب | | *ما بقاء الدموع في الإماق * |
|
||
|
||
حج قوم من العباد فيهم عابدة فجعلت تقول: أين بيت ربي? أين بيت ربي?
|
||
فيقولون ألا ترينه:
|
||
|
||
| إذا دنت المنازل زاد شوقي | | ولا سيما إذا دنت الخـيام |
|
||
|
||
فلما لاح البيت، قالوا هذا بيت ربك، فخرجت تشتد وتقول: بيت ربي. بيت ربي.
|
||
حتى وضعت جبهتها على البيت، فما رفعت إلا ميتة:
|
||
|
||
| هاتيك دارهـم وهـذا مـاؤهـم | | *فاحبس ورد وشرقت إن لم تسقني * |
|
||
|
||
أودعت إقرارك يوم السبت الحجر الأسود، وأمرتُك بالحج لتستحي بالتذكير من
|
||
نقض العهد، الحجر صندوق أسرار المواثيق، مستمل لما أملى المعاهد، مشتمل على
|
||
حفظ العهد، فاستلم المستملي المشتمل، ليعلم أن إقرارك لا عن إكراه، لا تنس
|
||
عهدي فإني لا أنساك:
|
||
|
||
| فلا تحسبوا أنـي نـسـيت ودادكـمُ | | فإني وإن طال المدى لست أنساكـمُ |
|
||
| حفظنا وضـيعـتـم وداداً وحـرمةً | | *فلا كان من في هجرنا اليوم أغراكمُ * |
|
||
|
||
كم شخص أشخصه الوجد في الحج، فكاد نشابة المواثيق قبل تقبيله تقتله، فلما
|
||
قضى الناسك المناسك، ورجع باقي سهم الشوق إليه في قلب منى المنى:
|
||
|
||
| يكاد يمسكه عرفان راحـتـه | | *ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم * |
|
||
|
||
أخواني: ذكر تلك الأماكن يعمل في القلب قبل السمع، كأنها قد خلقت من طين
|
||
الطبع، لسلع سلع لسع، ليس لعسل لعس: للمهيار:
|
||
|
||
| هل مجابٌ يدعو مبدِّد أوطا | | ري بجمع يرد أيام جمعِ |
|
||
| أو أمين القوى أحمِّلـه هـمـا | | ثقـيلاً يحـطُّـه دون سـلـعِ |
|
||
| فافرُجا لي عن نفحةٍ من صبـاه | | طال مدى لها الصليف ورفعي |
|
||
| إن ذاك النسيم يجري على أرضٍ | | ثراها في الريح رقيةُ لَـسْـعِ |
|
||
| كم زفير علمت منـه حـمـام | | *الدوح ما كان من حنين وسجعِ* |
|
||
|
||
وآخجل المتخلف، وآسف المسوف، أين حسرات البعد? أين لذعات الوجد?.\\
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| أتظن الورق في الأيك تغـنِّـي | | إنها تضمر حزناً مثل حـزنـي |
|
||
| لا أراك الله نـجـداً بـعـدهـا | | أيها الحادي بنا إن لم تجـبـنـي |
|
||
| هل تباريني إلى بـث الـجـوى | | *في ديار الحي نشوي ذات غصن * |
|
||
| هب لها السبق ولـكـن زادنـا | | أننا نبكي علـيهـا وتـغـنـي |
|
||
| يا زمان الخيف هل مـن عـودة | | يسمح الدهر بها من بعد ضـنِّ |
|
||
| أرضينـا بـثـنـيات الـلـوى | | عن زرود يا لها صفقة غـبـنِ |
|
||
| سل أراك الجزع هل مرت بـه | | مزنة روت ثراه غير جفـنـي |
|
||
| وأحاديث الغضا هل عـلـمـت | | *أنها تملك قلبـي قـبـل أذنـي* |
|
||
|
||
يا عجباً لمن يقطع المفاوز ليرى البيت فيشاهد آثار الأنبياء، كيف لا يقطع
|
||
نفسه عن هواه? ليصل إلى قلبه فيرى آثار "ويسعني". لمحمد بن أحمد الشيرازي:
|
||
|
||
| إليك قصـدي لا لـلـبـيت والأثـر | | ولا طوافي بـأركـان ولا حـجـرِ |
|
||
| صفاء دمعي الصفالي حين أعـبـره | | وزمزمي دمعة تجري من البصـرِ |
|
||
| عرفانكم عرفاتي إذ مـنـي مـنـن | | وموقفي وقفة في الخوف والحـذرِ |
|
||
| وفيك سعيي وتعميري ومـزدلـفـي | | *والهدى جسمي الذي يغني عن الجزرِ * |
|
||
| ومسجد الخيف خوفي من تباعـدكـم | | ومشعري ومقامي دونكم خـطـري |
|
||
| زادي رجائي لكم والشوق راحلـتـي | | *والماء من عبراتي والهوى سفـري* |
|
||
|
||
الفصل الرابع
|
||
|
||
إخواني: قد نمى إليكم أمر من نما، وسامي وصال الوسام وسما، وافتخر بالنسب
|
||
والنشب وانتمى، كيف بارزه من أبرزه، عن الحمى، فبات بعد الري يشكو الظما،
|
||
وقد رأيتم ما جرى، فانتظروا مثل ما. لابن المعتز:
|
||
|
||
| يا نفس ويحك طال ما | | أبصرت موعظة وما |
|
||
| نفعتك فاخشي وانتهى | | وعليك بالتقوى كمـا |
|
||
| فعل الأناس الصالحون | | وبادري فلـربـمـا |
|
||
| سلم المبادر واحـذري | | يا نفس من سوف فما |
|
||
| خدع الشقي بمثلـهـا | | إياك منهـا كـلـمـا |
|
||
| ناجت مكايدها ضمـير | | ك إنما هـي إنـمـا |
|
||
| خطرت وكم قتـلـت | | *وأهلكت النفوس وقلما * |
|
||
| تغنـي أمـانـيهـا إذا | | حضر الردى فكأنمـا |
|
||
| لم يحيي مـن لاقـى | | منيته فيا عجبـا أمـا |
|
||
| في ذاك معتـبـر ولا | | شاف يبصر من عمى |
|
||
| يا ذا المنى يا ذا المنى | | عش ما بدا لك ثم مـا |
|
||
|
||
يا سكران الهوى. أما آن الصحو? يا ساطراً قبح الخلاف. أما حان المحو? أين
|
||
الراحلون? كانوا بالأمس، صحت حجة الموت فبطلت حجة النفس، واعتقلهم حاكم
|
||
البلى على دين الرمس، وكف أكف الحس، بعد تصرف آلة الخمس، واستوعر عليهم
|
||
الحصر. واستطال الحبس وأصبحت منازلهم "كأنْ لم تغنَ بالأمس".\\
|
||
يا قليل اللبث، خل العبث، كم حدث جدث في حدث? يا موقناً بالرحيل وما اكترث،
|
||
اقبل نصحي. ورم الشعث.
|
||
|
||
| إذا نلت من دنياك خيراً ففز بـه | | *فإن لجمع الدهر من صرفه شتا * |
|
||
| فكم من مشت لم يصيف بأهلـه | | *وآخر لم يدركه صيف إذا شتى* |
|
||
|
||
انتهب نثار الخير. في مكان الإمكان، قبل أن تدخل في خبر كان، قبل معاينة
|
||
الهول المخوف الفظيع، وتلهف المجدب على زمان الربيع، إنما أهل هذه الدار
|
||
سفر، لا يحلون عقد الركاب إلا في غيرها، فاعجبوا لدار قد أدبرت والنفوس
|
||
عليها والهة، ولأخرى قد أقبلت والقلوب عنها غافلة.
|
||
|
||
| والله لو كانت الدنيا بأجمعـهـا | | تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا |
|
||
| ما كان من حق حر أن يذل لها | | *فكيف وهي متاع يضمحل غدا * |
|
||
|
||
يا مكرماً بحلية الإيمان. بعد حلة الإيجاد، وهو يخلقها في مخالفة الخالق،
|
||
كم من نعمة نعمة? في ترف ترف، وما يخف عليك ذكر شكر. يا عبد السوء ما تساوي
|
||
قدر قدرتك، لا كانت دابة لا تعمل بعلفها، إلى متى يخدعك المنى? ويغرك
|
||
الأمل? ويحك. افتح عينيك متى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي، فاعلم أنه
|
||
قد مسخ.\\
|
||
ما زالت الدنيا مرة في العبرة، ولكن قد مرض ذوقك، لسان قلبك في عقلة غفلة،
|
||
وسَمْعُ فهمك مسدود عن الفطنة بقطنة. وبصر بصيرتك محجوب بعشا عمى، ومزاج
|
||
تقواك منحرف عن الصحة، وأما نبض الهوى فشديد الخفقان، سارت أخلاط الأمل في
|
||
أعضاء الكسل فتثبطت عن البدار، وقد صارت المفاصل في منافذ الفهوم. سدداً،
|
||
وما يسهل شرب مسهل، ويحك اجتنب حلواء الشره فإنها سبب حمى الروح، خل خل
|
||
البخل فإنه يؤذي عصب المرؤة، إن عولجت أمراضك فعولجت، وإلا ملكت فأهلكت، لو
|
||
احتميت عن أخلاط الخطايا لم تحتج إلى طبيب، من ركب ظهر التفريط نزل به دار
|
||
الندامة ألم تسمع أن داود كان قد أعطي نعمة نغمة. كان يقف لها الماء فلا
|
||
يسير والطير وقوف الأسير، فامتدت يد الغفلة، فقدت قميص العصمة، فأثر زلله
|
||
حتى في التلاوة، أعرض المعمار عن المراعاة، فتشعب منزل الصفا، وانقطعت
|
||
جامكية العسكر، فتفرقت جنود "أوِّبي" كان يؤتى بالإناء ناقصاً، فيتمه
|
||
بالدموع.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ما لي شرقتُ بماء ذي الأثل | | *هل كدَّر الوُرَّادُ من قبلي?* |
|
||
| أما بان سكان فاملـح لـي | | *ما كنت قبل البين أستحلي?* |
|
||
| ما ابيض لي في الدار بعدهمُ | | *يومٌ وهل دارٌ بـلا أهـلِ?* |
|
||
| رحلوا بأيامي الرقاق علـى | | آثارهم وبعيشي السـهـلِ |
|
||
|
||
كان عيش عيشه خضراً، فأحالت الحال سنة الهجر، فكأن أيام الوصال كانت سنة،
|
||
وكاد يقطع باليأس، لولا التقاء الخضر باليأس.
|
||
|
||
| أرقي قد رق لي من أرقي | | ورثى لي قلقي من قلقي |
|
||
| وبكائي من بكائي قد بكـا | | *وتشكت حرقي من حرقي * |
|
||
|
||
كان داود إذا أراد النياحة، نادى مناديه في أندية المحزونين فيجتمعون في
|
||
مآتم الندوب، فتزداد الحرق بالتعاون.\\
|
||
للعباس بن الأحنف:
|
||
|
||
| يا بعيد الدار عن وطنه | | *مفرداً يبكي على شجنهْ * |
|
||
| كلما جدَّ النحـيب بـه | | زادت الأسقام في بدنهْ |
|
||
| ولقد زاد الفؤاد شجـىً | | هاتفٌ يبكي على فننهْ |
|
||
| شاقه ما شاقني فبكـى | | كلنا يبكي على سكنـهْ |
|
||
|
||
يا مذنبين مصيبتنا في التفريط واحدة وكل غريب للغريب نسيب يا مترافقين: في
|
||
سفر الطرد. انزلوا للنياحة في ساحة، اندبوا طيب أوطان الوصل، واستغيثوا من
|
||
هجير الهجر، لعل الغم ينقلب غمامة، تظل من لفخ الكرب.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| أين فـؤادي إذا بـه الـبـعــد | | وأين قلبي أمـا صـحـا بـعـد |
|
||
| حدا بذكـر الـعـقـيق سـايقـه | | فطار شوقـاً بـلـبـه الـوجـد |
|
||
| جسم ببغداد لـيس تـصـحـبـه | | روح وروح يضمـهـا نـجـد |
|
||
| يا لفؤاد ما يستريح مـن الـكـر | | ب لـه كـل لـحـظة وقــد |
|
||
| آه لعيش قد كـنـت أصـحـبـه | | لو كـان يومـاً لـفـــايت رد |
|
||
| أروح في حبكـم ووا قـلـقـي | | وهكـذا أشـتـكـي إذا أغـدوا |
|
||
| كل زماني جزر عن الوصل أشكو | | ه فـهـلا تـنـاوب الـمـــد |
|
||
| يا سعد زدني جوى بـذكـرهـم | | يا سعد قل لي فـديت يا سـعـد |
|
||
| بلغهـم مـا أجـن مـن حـرق | | وقل وحدث بـبـعـض مـا يدو |
|
||
| وقل رأيت الأسـير فـي قـلـق | | وقال لي حـرمة ولـي عـهـد |
|
||
| ثم فسلـهـم والأمـر أمـرهـم | | يقول مولى ويصمـت الـعـبـد |
|
||
|
||
الفصل الخامس
|
||
|
||
أيتها النفس تدبري أمرك وتأملي، ومثلي بين ما يفنى ولا تعجلي، لقد ضللت
|
||
طريق الهدى فقفي واسألي، وآثرت وهنا، ما يؤرث وهنا لا تفعلي، يا غمرة من
|
||
الشقا، ما أراها تنجلي، اتبع الهوى والهوى علي وليس لي، أريد حياة نفسي
|
||
ونفسي تريد مقتلي، يا جسداً قد بلى. بما قد بلى.
|
||
|
||
| نخطو وما خطونا إلا إلى الأجل | | وننقضي وكأن العمر لم يطل |
|
||
| والعيش يوذِننا بالمـوت أولـه | | ونحن نرغب في الأيام والدول |
|
||
|
||
| يأتي الحمام فينسى المرء منـيتـه | | ونستقر وقد أمسكن بـالـطـول |
|
||
| لا تحسب العيش ذا طول فتتبعـه | | *يا قرب ما بين عنق المرء والكفل * |
|
||
| سلّى عن العيش أنا لا نـدوم لـه | | وهون الموت ما نلقى من العلـل |
|
||
| لنا بما ينقضي من عمرنا شـغـل | | وكلنا علق الأحشاء بـالـغـزل |
|
||
| ونستلذ الأمـانـي وهـي مـردية | | *كشارب السم ممزوجاً مع العسل* |
|
||
|
||
أخواني: أوقدوا أدهان الأذهان في ليل الفكر، صابروا سني الجدب لعام الخصب
|
||
تعصروا، فمن أدلج في غياهب ليل العلى. على نجايب الصبر، صبح منزل السرور في
|
||
السر، ومن نام على فراش الكسل، سال به سيل التمادي إلى وادي الأسف،
|
||
الرجولية قوة معجونة في طين الطبع، والأنوثية رخاوة، ولد السبع عزيز الهمة،
|
||
وابن الذئب غدار، وكل إلى طبعه عايد، الجد كله حركة، والكسل كله سكون، إذا
|
||
أردت أن تعرف الديك من الدجاجة حين يخرج من البيضة، فعلقه بمنقاره، فإن
|
||
تحرك فديك، وإلا فدجاجة، فُتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث
|
||
العزم، يا من قد بلغ أربعين سنة، وكل عمره نوم وسنة، يا متعباً في جمع
|
||
المال بدنه، ثم لا يدري لمن قد أخزنه? اعلم هذه النفس الممتحنة، إنها
|
||
بكسبها مرتهنة ألا يعتبر المغرور بمن قد دفنه? كم رأى جباراً فارق مسكنه?
|
||
ثم سكن مسكن مسكنة.\\
|
||
أيا راحلين بالإقامة، يا هالكين بالسلامة، أين من أخذ صفو ما أنتم في كدره?
|
||
أما وعظكم في سيره بسيره? بلى. قد حمل بريد الإنذار أخبارهم، وأراكم تصفح
|
||
الآثار آثارهم.
|
||
|
||
| وحدثتك الليالي أن شيمـتـهـا | | تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا |
|
||
| وكن على حذر منها فقد نصحت | | وانظر إليها تر الآيات والعبرا |
|
||
| فهل رأيت جديداً لم يعد خلـقـاً | | *وهل سمعت بصفو لم يعد كدرا * |
|
||
|
||
حبال الدنيا خيال تغر الغر، المتمسك بها. يلعب بلعاب الشمس، الدنيا كالمرآة
|
||
الفاجرة لا تثبت مع زوج. فلذلك عنت طلابها..
|
||
|
||
| ميزت بين جمالها وفعالـهـا | | فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي |
|
||
| حلفت لنا أن لا تخون عهودها | | *فكأنما حلفت لنا أن لا تفـي* |
|
||
|
||
محبة الدنيا محنة، عيونها بابلية، كم تفتح باب بلية? ولا حيلة كحيلة، من
|
||
عين كحيلة، كم أفردت من أرفدت? كم أخمدت من أخدمت? كم فللت من ألفت? كم
|
||
أفقرت من أرفقت? كم فارقت من رافقت? كم قطعت من أقطعت? فعلها في التكدير
|
||
كله هكذا، فإن آثرت الصفا فما في الزهد أذى، وإن أردت القذى، فالق ذا.
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| تعجب من صبري على ألوانهـا | | *في وصلها طوراً وفي هجرانها * |
|
||
| ورهاء من كـلـفـهـا وثـيقة | | كلّفها ما لـيس مـن أديانـهـا |
|
||
| تسلط البلوى على عشـاقـهـا | | تسلُّط الحِنثِ على أيمـانـهـا |
|
||
| الود في القلب ودعـوى ودِّهـا | | لا يتعدى طرفَيْ لـسـانـهـا |
|
||
| فكما أعطـتـك فـي مـحـبة | | زيادةً فاقطع على نقصانـهـا |
|
||
| وقفتُ أسترجـع يومَ بـينـهـا | | قلباً شجاعاً طاح في أظعانهـا |
|
||
| ولـم يكـن مـنـي إلا ضـلّة | | *نِشدانُ شيءٍ وهو في ضمانهـا* |
|
||
|
||
يا من إذا أصبح، طلب المعاش بالشهوات، وإذا أمسى انقلب إلى فراش الغفلات،
|
||
أين أنت من أقوام نصبوا الآخرة نصب أعينهم فنصبوا، فوفر النصب نصيبهم "إنّا
|
||
أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار".\\
|
||
قال بعض السلف: لقيت رجلاً في برية، فقلت من أين? فقال: من عند قوم "لا
|
||
تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" قلت: وإلى أين? قال: إلى قوم "تتجافى
|
||
جنوبهم عن المضاجع".
|
||
|
||
| بنفسي من غداة نايت عنهم | | *تركت القلب عندهم رهينا * |
|
||
| أما لك أيها القلب اعتبـار | | *بما فعل الهوى بالعاشقينا* |
|
||
|
||
ملأوا مراكب القلوب متاعاً لا ينفق إلا على الملك، فلما هبت رياح الدجى
|
||
دفعت المراكب.\\
|
||
لأبي إسحاق الغزي:
|
||
|
||
| إذا الصبا سحبت أذيالهـا سـحـراً | | على العقيق وقرت في ربى أضم |
|
||
| وحرشت بين بان الجزع ظـالـمة | | وشيحه وجرت في الضال والسلـم |
|
||
| تنفس الوجد وارتاح المشوق وعـا | | ش الروح بالروح بعد الأخذ بالكظم |
|
||
|
||
يا سوق الأكل أين أرباب الصيام? يا فرش النوم أين حراس الظلام? درست والله
|
||
المعالم ووقعت الخيام، قف بنا على الأطلال.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| أين سكانك? لا أين هـمُ | | أحجازاً سلوكها أم شئاما |
|
||
| قد وقفنا بعدهم في ربعهم | | *فنبهناه استلاماً والتزاما* |
|
||
|
||
أترى أي طريق سلكوا? أترى أي شعب أخذوا?.
|
||
|
||
| حمامة الواديين ما الخبـر | | *أعرسوا بالفرات أم عبروا * |
|
||
|
||
ما وصل القوم إلى المنزل. إلا بعد طول السرى، ما نالوا حلاوة الراحة إلا
|
||
بعد مرارة التعب.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| لو قَرُبَ الدر على جلابـه | | *ما لجّج الخايص في طِلابه * |
|
||
| ولو أقام لازماً أصـدافَـه | | لم تكن التيجان في حسابـه |
|
||
| ما لؤلؤ البحر ولا مرجانـه | | إلا وراء الهول من عُبابـه |
|
||
| من يعشق العلياء يلق عندها | | ما لقي المحب من أحبابـه |
|
||
|
||
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك، حتى صبرت سبيكته على التردد على النار،
|
||
فنفت عنها كل كدر، ثم صبرت على تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها على
|
||
السكة، فحينئذٍ ظهر عليها رقم النقش "كتب في قلوبهم الإيمان".
|
||
|
||
| كم أحمل في هواك ذلاً وعنـا | | *كم أصبر فيك تحت سقم وضنا * |
|
||
| لا تطردني فليس لي عنك غنا | | هذا نفسي إذا أردت الثمـنـا |
|
||
|
||
من طلب الأنفس، هجر الألذ، من اهتم بالجوهر نسي العرض، يا صفراء يا بيضاء
|
||
غرى غيري.
|
||
|
||
| من أجل هواكم عشقت العشقا | | قلبي كلف ودمعتي ما ترقـا |
|
||
| في حبكم يهون ما قد ألـقـى | | *ما يحصل بالنعيم من لا يشقى * |
|
||
|
||
يا معشر التائبين "اصبروا وصابروا ورابطوا" مكابدة البادية تهون عند ذكر
|
||
منى المضحى في بوادي الجوع والمعشى بوادي السهر إلى أن تلوح بوادي القبول،
|
||
إن ونت في السير ركائبكم. فأقيموا حداة العزم تدلج.
|
||
|
||
| البين يا أيدي المطايا الـبـينـا | | لا تتشكى شوطك البـطـينـا |
|
||
| يا حادييها من نمـير عـامـر | | خذا بها عن حاجـر يمـينـا |
|
||
| حلا على وادي الغضى نسوعها | | وارخيا بـرامة الـوضـينـا |
|
||
| رُدا بها ماء الـعـذيب عـلـه | | يشفى ويطفي داءها الدفـينـا |
|
||
| واستخبرا بالجزع أنفاس الصبا | | *أين استقل الجيرة الغـادونـا* |
|
||
|
||
يا مطروداً عن صحبة الصالحين، امش في أعراض الركب، وناشد حادي القوم، لعله
|
||
يتوقف لك.
|
||
|
||
| يا حادي العيس اصخ لمدنـف | | متـيم لـجَّ بـه الـغــرامُ |
|
||
| إذا وقفتَ في ثنيات الـلـوى | | ولا الـديار والــخـــيامُ |
|
||
| وافترت الرياض عن أزهارها | | عقيب ما قد رحل الغـمـامُ |
|
||
| وهبت الريح فهب شيحـهـا | | وانتبه الحـوذان والـثـمـامُ |
|
||
| فقف قليلاً نـتـزود نـظـرة | | تحيى بها الأرواح والسـلامُ |
|
||
|
||
الفصل السادس
|
||
|
||
أخواني: انتبهوا من رقدات الأغمار، وانتبهوا لحظات الأعمار، وقاطعوا الكسل
|
||
فقد قطع الأعذار، واسمعوا زواجر الزمن فما داجي الدجى ولقد بهر النهار،
|
||
وخذوا بالحزم فقد شقي تلف من رضي بشفا جرف هار.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| تفوز بنا المنون وتسـتـبـد | | ويأخذنا الـزمـان ولا يَرُد |
|
||
| وانظر ماضياً في أثر ماضٍ | | لقد أيقنتُ أن الأمـر جـد |
|
||
| رويداً بالفرار من المـنـايا | | فليس يفوتها الساري المُجِدُّ |
|
||
| فأين ملوكنا الماضون قِدمـاً | | أعدوا للنوائب واستـعـدوا |
|
||
| أعارهم الزمانُ نعيم عـيش | | *فيا سرعان ما استلبوا وردوا * |
|
||
| هم فرطٌ لنا فـي كـل يوم | | نمدهمُ وإن لم يسـتـمـدوا |
|
||
|
||
العمر يسير وهو يسير، فاقصروا عن التقصير في القصير، أما دراك دراك قبل
|
||
امتناع الفكاك، حذار حذار قبل قدوم القرار، أما يحرك سوق الرهب سوق الهرب?
|
||
أما يحث التعليم على الدأب الأدب? أليس الزمان يعير ثم يغير? وهب إنه وهب،
|
||
أما ضرب الدهر? فاستحال الضرب، مر العمر والغمر مشغول عما ذهب بالذهب، كم
|
||
فارق من رافق فسلا من سلا بالسلب، أين الفهم? فقد المعنّى المعنى وعج
|
||
العجب، أين الثمرة? أيتها .. في الغرب، حالت غمايم الهوى، بينكم وبين شمس
|
||
الهدى، وغدا ما في يومكم ينسيكم غداً حتى كأن الرحيل حديث خرافة، أو كان
|
||
الزاد يفضل عن المسافة.\\
|
||
أيها الشيوخ: آن الحصاد، أيها الكهول: قرب الجداد، أيها الشباب: كم جرد
|
||
الزرع جراد.
|
||
|
||
| يا ابن آدم لا تغررك عـافـية | | عليك شاملة فالعمر مـعـدود |
|
||
| ما أنت إلا كزرع عند خضرته | | *بكل شيء من الأوقات مقصود * |
|
||
| فإن سلمت من الآفات أجمعهـا | | *فأنت عند كمال الأمر محصود* |
|
||
|
||
واعجبا!.. يتأمل الحيوان البهيم العواقب، وأنت لا ترى إلا الحاضر، ما تكاد
|
||
تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى البرد، ولا بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر، ومن هذه
|
||
صفته في أمور الدنيا "فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا" هذا الطائر إذا علم
|
||
أن الأنثى قد حملت، أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع، أفتراك ما علمت
|
||
قرب رحيلك إلى القبر? فهلا بعثت لك فراش تقوى "فلأنفسهم يمهدون" هذا
|
||
اليربوع لا يتخذ بيتاً إلا في موضع طيب مرتفع، ليسلم من سيل أو حافر، ثم لا
|
||
يجعله إلا عند أكمة أو صخرة، فإذا أتى من باب دفع برأسه مارق وخرج.\\
|
||
اسمع يا من قد ضيق على نفسه الخناق في فعل المعاصي، فما أبقى لعذر موضعاً،
|
||
يا مقهوراً بغلبة النفس صل عليها بسوط العزم، فإنها إن علمت جدك استأسرت
|
||
لك، امنعها ملذوذ مباحها ليقع الصلح على ترك الحرام، فإذا ضجت لطلب المباح
|
||
"فإمّا منّاً بعدُ وإمّا فداء" الدنيا والشيطان خارجيان، خارجان عليك
|
||
خارجان عنك، فالنفس عدو مباطن، ومن آداب الجهاد "قاتِلوا الذي يَلونكم" ليس
|
||
من بارز المحاربة كمن كمن، ما دامت النفس حية تسعى، فهي حية تسعى، أقل فعل
|
||
لها تمزيق العمر بكف التبذير، كالخرقاء وجدت صوفاً، أخل بها في بيت الفكر
|
||
ساعة، وانظر، هل هي معك أو عليك? نادها بلسان التذكرة، يا نفس ذهب عرش
|
||
بلقيس، وبلي جمال شيرين، وتمزق فرش بوران، وبقي نسك رابعة، يا نفس صابري
|
||
عطش الهجير يحصل الصوم، وتحزمي تحزم الأجير فإنما هو يوم:
|
||
|
||
| جد في الجد قد تولى العـمـر | | كم ذا التفريط قد تدانى المـر |
|
||
| أقبل فعسى يُقبل منك الـعـذر | | *كم تبني وكم تنقض كم ذا الغدر * |
|
||
|
||
يا هذا ذرات الوجود تستدعيك إلى الموجد، ورسايل العتاب على انقطاعك متصلة،
|
||
فما هذا التوقف?
|
||
|
||
| كم كم ذا الهجر وافتراق الأحباب | | هل بعد البعد للذي غـاب إياب |
|
||
| كم قد خطت إليكم الكف كتـاب | | خلوا العتب ثم ما جاء جـواب |
|
||
|
||
يا هذا! دبر دينك كما دبرت دنياك، لو علق بثوبك مسمار رجعت إلى وراء
|
||
لتخلصه، هذا مسمار الإضرار قد تشبث بقلبك، فلو عدت إلى الندم خطوتين تخلصت،
|
||
هيهات صبي الغفلة كلما حرك نام، يا مجنون الهوى أما مارستان العزلة، وقيد
|
||
الحمية، ومعالجة سلاسل التقوى، ومرافقة بشر ومعروف، وإلا فمارستان جهنم، في
|
||
أنكال العقوبة، وصحبة إبليس، لا بد من جرم عزم، يؤخذ بالحزم لينتصر من عايث
|
||
الشره، سلطان الأزم، من رق لبكاء الطفل لم يقدر على فطامه، كل يوم تحضر
|
||
المجلس يقف لك الشيطان على الباب، فإذا خرجت كما دخلت قال فديت من لا يفلح،
|
||
وأسفي كم تطلب الخضر وما ترى إلا اليأس، ويحك اعرف ما ضاع منك، وابك بكاء
|
||
من يدري قيمة الفايت، وصح في السحر
|
||
|
||
| إن كان عهود وصلكم قد درست | | فالروح إلى سواكم ما أنسـت |
|
||
| أغصان هواكم بقلبي غرسـت | | *منوا بلقـائكـم وإلا يبـسـت* |
|
||
|
||
واستنشقت ريح الأسحار لأفاق قلبك المخمور وتخايلت قرب الأحباب أقمت المآتم
|
||
على بعدك.
|
||
|
||
| ما أشوقني إلى نسـيم الـرنـد | | يشفي سقمي إذا أتى من نجـد |
|
||
| والشيح فإنه مـثـير الـوجـد | | *شوقي شوقي له ووجدي وجدي * |
|
||
|
||
كان بعض السلف يقول في مناجاته: إلهي! إنما أبكي لما قسمت الأقسام. جعلت
|
||
التفريط حظي فأنا أبكي على بختي.
|
||
|
||
| قد كنت من قبل النوى | | مما ألاقي جـزعـا |
|
||
| تركتموني بـعـدكـم | | أشرب دمعي جرعا |
|
||
|
||
أخواني. تعالوا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا، ونبعث مع قاصدي الحبيب
|
||
رسالة محصر لعلنا باجر المصاب. إن لم يرجع المفقود، يا أرباب القلوب
|
||
الضايعة "اذهبوا فتحسَّسوا من يوسف".
|
||
|
||
| هذي معالمهـم ومـا | | *لي منذ بان القوم عهد * |
|
||
| واها لعيش بالحمـى | | لو كان لي يوماً يرد |
|
||
| ويلي أحظِّـي كـلـه | | من حبكم هجر وصد |
|
||
|
||
الفصل السابع
|
||
|
||
أخواني: ذهبت الأيام، وكتبت الآثام، وإنما ينفع الملام متيقظاً والسلام.
|
||
|
||
| وعـظـتـنـا بـمـرهــا الأيام | | وارتـنـا مـصـيرنـا الأرجـامُ |
|
||
| ودعتنا المنون في سنة الـغـفـلة | | هبـوا واسـتـيقـظـوا يا نـيام |
|
||
| ليت شعري ما يتقي المرء والرامي | | له الموت والخـطـوب سـهـامُ |
|
||
| منهل واحـد شـرايعـه شـتـى | | علـيه لـلـواردين ازدحـــامُ |
|
||
| نتحاماه ما استطـعـنـا وتـحـدو | | نا إلـيه الـشـهـور والأعـوامُ |
|
||
| وإذا راعـنـا فـقـيد نـسـينـاه | | تناسي مـا راعـهـن الـسـوامُ |
|
||
| أوقوفاً على غـرور وقـد زلـت | | بمـن كـان قـبـلـنـا الأقـدامُ |
|
||
| ووراء المصير في هـذه الأجـدا | | *ث دار يكون فـيهـا الـمـقـامُ* |
|
||
|
||
يا من صحيفته بالذنوب قد خفت، وموازينه لكثرة العيوب قد حفت، يا مستوطناً
|
||
والمزعجات قد ذفت، لا تغتر بأغصان المنى وإن أورقت ورفت، فكأنك بها قد صوحت
|
||
وجفت، أما رأيت أكفاً عن مطالبها قد كفت? أما شاهدت عرايس الأجساد إلى
|
||
الإلحاد زفت? أما عاينت سطور الأجسام في كتب الأرجام قد أدرجت ولفت، أما
|
||
أبصرت قبور القوم? في رقاع بقاع القاع قد صفت، من عرف تصرف الأيام لم يغفل
|
||
الاستعداد، إن قرب المنية، ليضحك من بعد الأمنية، ما جرى عبد في عنان أمله
|
||
إلا عثر في الطريق بأجله.\\
|
||
أخواني خلفنا نتقلب في ستة أسفار، إلى أن يستقر بنا المنزل، السفر الأول،
|
||
سفر السلالة من الطين، والثاني سفر النطفة من الصلب، والثالث من البطون إلى
|
||
الدنيا، والرابع، من الدنيا إلى القبور، والخامس من القبور إلى العرض،
|
||
والسادس إلى منزل الإقامة، فقد قطعنا نصف الطريق، وما بعد أصعب.\\
|
||
أخواني. السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات،
|
||
والطاعات رؤس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والريح الجنة، والخسران النار،
|
||
لهذا الخطب شمر المتقون عن سوق الجد في سوق المعاملة، كلما رأوا مراكب
|
||
الحياة تخطف في بحر العمر شغلهم هول ما هم فيه عن التنزه في عجائب البحر،
|
||
فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي،
|
||
فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الدهر.\\
|
||
المهيار:
|
||
|
||
| زمّوا المطايا فدمع العين منطلـق | | *والقلب عان وراء الخوف مأسورُ * |
|
||
| فلم يهبهب بأولى الزجر سائقهـم | | حتى تشابك مهتوك ومسـتـورُ |
|
||
| فغلّسوا من زرود وجه يومـهـم | | وحطّهم لظلال البان تـهـجـيرُ |
|
||
| وضمنوا الليل سلعاً إذ رأوه وقـد | | *غنت على فتنى سلع العصافـير* |
|
||
|
||
أملهم أقصر من فتر، منازلهم أفقر من قبر، نومهم أعز من الوفاء، السهر عندهم
|
||
أحلى من رقدة الفجر، أخبارهم أرق من نسيم السحر، آماقهم بالدموع دامية،
|
||
والهموم على الجوانح جوانح، لأنفسهم أنفاس، من مثلها يهيج البهيج، روض
|
||
رياضتهم مطلول الخمايل، يحدث ريّاً عنهم، فالرايحة رائجة بالخير.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| يا سايق الأظعان إن مع الصَّبا | | خبراً لو أنك للصبا تتوقـفُ |
|
||
| هبّت بعارفة تسوق من الحمى | | *أرجاً بريّا أهلـه يتـعـرّفُ* |
|
||
|
||
خذ حديث القوم جملة واقنع بالعنوان، كواكب هممهم في بروج عزائمهم، سيارة.
|
||
ليس فيها زحل، ناموا في الدجى على مهاد القلق، فلما جن الليل. جن الحذر،
|
||
فاستيقظت عين. ما تهنأت بطعم الرقاد.
|
||
|
||
| كفى سائقاً بالشوق بين الأضالع | | لهيب اشتياق ثم فيض مدامع |
|
||
|
||
فركبوا عيس القصد، وركبوا الجادة، فلما غنت الحداة، رنت الفلاة، فأعربت
|
||
أبيات الشعر، عن أبيات الشعر، فعصفت رياح الزفرات من قلب المشوق، فانقلع
|
||
شكر الدمع، فلو رأيت وَكْفَ شؤونهم قلت قد انقطع شريان الغمام، هذا. يعاتب
|
||
نفسه على التقصير، وهذا يتفكر في هول المصير، وهذا يخاف من ناقد بصير،
|
||
منازل تعبدهم متناوحة، وفي كل بيت منهم نايحة، تائبهم أبكى من متمم، ومحبهم
|
||
أتيم من مرقش، ومشتاقهم أقلق من قيس، وكلهم قد بات بليل النابغة التائب
|
||
يقول أنا المقر على نفسي بالخيانة، أنا الشاهد عليها بالجناية.
|
||
|
||
| اعف عني واقلني عن عثرتي | | يا عتادي لملمات الـزمـن |
|
||
| لا تعاقبني فقد عـاقـبـنـي | | ندم أقلق روحي في البـدن |
|
||
| لا تطير وسناً عن مقـلـتـي | | أنت أهديت لها حلو الوسـن |
|
||
| يا حبيبي بلسان الـعـربـي | | *ولسان الفارسي يا دوست من * |
|
||
|
||
والمتعبد يبكي على الفتور بكاء الثكلى بين القبور، ويندب زمان الوصال
|
||
ويتأسف على تغير الحال.\\
|
||
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم فكدرته يد الأيام حين صفا.\\
|
||
والخائف ينادي ليت شعري ما الذي أسقطني من عينك? قلت: "هذا فراق بيني
|
||
وبينك"?.
|
||
|
||
| لأية عـــلة ولأي حــــال | | *صرمت حبال وصلك عن حبالي * |
|
||
| وعوضت البعاد من الـتـدانـي | | ومر الهجر من حلو الوصـال |
|
||
| فإن أك قد جنيت علـيك ذنـبـاً | | ولم أشعر بـقـول أو فـعـال |
|
||
| فعاقبنـي عـلـيه بـأي شـيء | | *أردت سوى الصدود فما أبالـي* |
|
||
|
||
وصريع المحبة يستغيث وينادي، حتى أقلق الحاضر والبادي.
|
||
|
||
| تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي | | *وللناس أشجان ولي شجن وحدي * |
|
||
| أحبكم ما دمت حـياً وإن أمـت | | *فواكبدي من ذا يحبكم بـعـدي* |
|
||
|
||
وقتيل الشوق يتعلق بما يرى، ويتشبث بما يسمع، يرتاح إلى السهر ومقصوده
|
||
غيره، وإلى الشجر ومغنين طيره.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| أيا بانة الغور عطفاً شُـفـيت | | وإن كنتُ أكني وأعني سواكِ |
|
||
| أحبكِ من أجل من تعلـمـين | | لو أني أراه كمـا قـد أراكِ |
|
||
| ذكرت ويا لهفي هل نـسـيتُ | | لياليَ أسمـرُهـا فـي ذراكِ |
|
||
| كفى الوجد أني إذا ما استرحت | | إلى اسمك عمّيتُـه بـالأراكِ |
|
||
| إذا الصد أرضاكِ فهو الوصال | | فإني فعلت فـأهـلاً بـذاكِ |
|
||
|
||
الفصل الثامن
|
||
|
||
الشهوات تغر وتعر، وتمر عيش العواقب وتمر، وتبكي عين الندم أضعاف ما تسر،
|
||
ألا يقظ? ألا حذر? ألا حر?
|
||
|
||
| هل الدهر إلا ما عرفنا وأدركـنـا | | فجايعه تبقى ولـذاتـه تـفـنـى |
|
||
| إذا أمكنـت فـيه مـسـرة سـاعة | | *تولت كمر الطرف واستخلفت حزنا * |
|
||
| إلى تبعات في المعـاد ومـوقـف | | نود لديه أننـا لـم نـكـن كـنـا |
|
||
| حصلنا على هـم وإثـم وحـسـرة | | وفات الذي كنا نـلـذ بـه عـنـا |
|
||
| كأن الذي كنـا نـسـر بـكـونـه | | *إذا حققته النفس لفظ بلا معـنـى* |
|
||
|
||
أن المواعظ قد أفصحت وأعربت، غير أن الزخارف للواحظ قد أدهشت وأعجبت، وإنما
|
||
تقطع مراحل الجد بالعزم والصبر، ونظر اللبيب المجد إلى آخر الأمر، أو ليس
|
||
الصحيح بعرض عارض الأسقام والأوصاب? أوما المسرور بالعرض كالغرض لسهام
|
||
المصاب? أو ما يكفي من الزواجر? كف كف الأحداث مبسوط الأمل، أما يشفى من
|
||
البيان? عيان الأعيان. في الأجداث خالين بالعمل أين من فاق قمم الشرف? فعزل
|
||
وولى، أما ذاق ألم المنصرف? فنزل وولى أين من نشا، في علي ونهى وندى? سلب
|
||
ولم يشأ، حلى ولهى وجدى، أين المسرور بشهوات أمسه، حزن، أين المغرور بلذات
|
||
نفسه غبن:
|
||
|
||
| فيا آملاً أن يخلد الـدهـر كـلـه | | *سل الدهر عن عاد وعن أختها إرم * |
|
||
| إذا ما رأت الشيء يبليه عـمـره | | ويفنيه أن يبقى ففـي دائه عـقـم |
|
||
| يروح ويغدو وهو من موت غبطة | | وموت فناء بين فكين من جـلـم |
|
||
| تحد لنا أيدي الـزمـان شـفـاره | | ونرتع في أكلائه رتعة الـنـعـم |
|
||
| نراع إذا ما الموت صاح فنرعوي | | وإن لم يصح يوماً براتعنا خضـم |
|
||
| ألا إن بالأبصار عن عبرة عـمـى | | ألا إن بالأسماع عن عظة صمـم |
|
||
| سيكشف عن قلب الغبي غطاؤه | | *إذا حتفه يوماً على صدره جثم* |
|
||
|
||
يا معتقداً دار القلعة قلعة، أما تراها تميد بسكانها، والشاهد ما يشاهد
|
||
عواصف الحوادث تنسف جمال المقتنى، ومعاول الزمان تهدم مشيد المبتنى، وكلما
|
||
ارتفع كثيب أمل وهال انهال، يا مهلكاً نفسه التي لا قيمة لها لأجل دينا لا
|
||
وقع لها، إلى كم هذا الحرص? وما تنال غير المقدور، أما رأيت مرزوقاً لا
|
||
يتعب? ومتعباً لا يرزق. هذا موسى في تقلقل "أرني" وما أري، ومحمد يزعج عن
|
||
منامه. وما طلب "قضاها لغيري وابتلاني بحبها" واعجباً يطلب موسى التجلي،
|
||
فيمنع ويرزق الجبل.
|
||
|
||
| أراك الحمى قل لي بأي وسيلة | | توسلت حتى قبلتك ثغورهـا |
|
||
|
||
لقد أنضى الحرص مطية عمرك، وما وصلت بلد الأمل، لو قنعت الذبابة بطرف ظرف
|
||
العسل ما تلفت، لو عرفت قيمة نفسها رخصت أو غلت ما أوغلت، شقايق اللذة.
|
||
تروق بصر الحس، وسن العواقب تضحك من المغرور، يا دني الهمة أعجبتك خضرة على
|
||
مزبلة، فكيف لو رأيت فردوس الملك? قنعت بخسايس الحشايش والرياض معشبة بين
|
||
يديك، تقدم بالرياضة خطوات وقد وصلت.
|
||
|
||
| الغور يا ركابنا الـغـور إذن | | *أن صدق الرايد في هذا الخبر * |
|
||
| وإن حننت للحمـى وروضـه | | فبالغضا ماء وروضات أخـر |
|
||
|
||
الهمم تتفاوت في جميع الحيوانات، العنكبوت من حين يولد ينسج لنفسه بيتاً
|
||
ولا يقبل منة الأم، والحية تطلب ما حفره غيرها. إذ طبعها الظلم، الغراب
|
||
يتبع الجيف، والأسد لا يأكل البايت، الكلب ينضنض لترمى له لقمة، والفيل
|
||
يتملق حتى يأكل، للصيد كلاب، وللمدبغة كلاب، أين الأنفة? النحل يغضب فيترضى
|
||
من لجاج، والخنفساء تطرد فتعود، الاختبار يظهر جواهر الرجال، بعثت بلقيس
|
||
إلى سليمان هدية لتسبر بها قدر همته، فإن رأتها قاصرة، علمت أنها لا تصلح
|
||
للمعاشرة، وإن رأتها عالية تطلب ما هو أعلى، تيقنت أنه يصلح.\\
|
||
يا هذا الدنيا هدية بلقيس فهل تقبلها? أو تطلب ما هو أنفس. ويحك أحسن ما في
|
||
الدنيا قبيح، لأنه يشغل عما هو أحسن منه، أترى? لو ابتليناك بترك عظيم كيف
|
||
كنت تفعل? إنما رددناك عن دنس، ومنعناك من كدر، ثم ما علمت أن الثواب على
|
||
قدر المشقة، ويحك إن الأرباح الكثيرة في الأسفار البعيدة، الصبر والهوى
|
||
ضرتان فاختر إحدى الضرتين، فما يمكن الجمع من دام به الخمار. في ديار
|
||
الهوى، لم يفتح عينيه إلا في منازل البلى، من غرق بنهر المعلى طفا تحت
|
||
البلد، واعجباً، اعدم نظر العقل بمرة? أو بعينه رمد، لو قيل لك ارم ثوبك
|
||
على هدف مرمى لم تفعل إشفاقاً عليه، وهذا دينك في عرض عرضك، قد تمزق من نبل
|
||
الهوى، لو قيل: زد في النفقه خفت على المال وقد حفت في إنفاق العمر على
|
||
معشوق البطالة، رميت يوسف قلبك في جب الهوى، وجئت على قميص الأمانة بدم
|
||
كذب، ويحك! كلما أوغلت في الهوى زاد التعرقل. ويحك! ما يساوي النصاب
|
||
المسروق قطع اليد. مجلسنا بحر، والفكر غواص يستخرج الدر، ومراكب القلوب
|
||
تسير إلى بلد الوصل، وأنت تقف على الساحل "وترى الفلك مواخر فيه" إن قعر
|
||
جهنم لبعيد، ولكن همتك أسفل منه، خنقنا دخان التخويف، افتحوا للرواح:
|
||
|
||
| إلى كم عتاب يسد الفـضـا | | *سلام عليكم مضى ما مضى * |
|
||
|
||
الفصل التاسع
|
||
|
||
الزمان أنصح المؤدبين، وأفصح المؤذنين، فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا
|
||
بألفاظه.
|
||
|
||
| فكم هذا التصامم والتعـامـي | | وكم هذا التغافل والتـوانـي |
|
||
| لو أنا قد فهمنا عـن خـراب | | الديار مقالها لـم يبـن بـان |
|
||
| ويجني العيش كل أذى ويهوى | | فيا للعيش يعشق وهو جـان |
|
||
| فلله الأولى درجوا جمـيعـاً | | وزادهم النجاء من الـهـوان |
|
||
| وما علقوا من الدنيا بـشـيء | | سوى بلغ بأطراف البـنـان |
|
||
| ولما أن رضوا شعث النواصي | | تقي وهبوا التصنع للغوانـي |
|
||
|
||
لله در العارفين بزمانهم إذ باعوا ما شانهم بإصلاح شأنهم، ما أقل ما تعبوا
|
||
وما أيسر ما نصبوا، وما زالوا حتى نالوا ما طلبوه شمروا عن سوق الجد في سوق
|
||
العزائم، ورأوا مطلوبهم دون غيره ضربة لازم، وجادوا مخلصين فربحوا إذ خسر
|
||
حاتم، وأصبحوا منزل النجاة وأنت في اللهو نايم، متى تسلك طريقهم، يا ذا
|
||
المآثم? متى تندب الذنوب? ندب المآتم، يا رجالاً ما بانت رجوليتهم إلا
|
||
بالعمايم. يا أخوان الأمل قد بقي القليل وتفنى المواسم، أين أنت من القوم?
|
||
ما قاعد كقائم.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| صحب الله راكبين إلى الـعـز | | طريقاً من المـخـافة وعـرا |
|
||
| شربوا الموت في الكريهة حلواً | | *خوف أن يشربوا من الضيم مُرّا * |
|
||
|
||
أنف القوم من مزاحمة الخلق في سوق الهدى، وقوي كرب شوقهم فلم يحتملوا حصر
|
||
الدنيا، فخرجوا إلى فضاء العز في صحراء التقوى، وضربوا مخيم الجد في ساحة
|
||
الهدى، وتخيروا شواطي أنهار الصدق فشرعوا فيها مشارع البكا، وانفردوا
|
||
بقلقهم فساعدهم ريم الفلا، وترنمت بلابل بلبالهم في ظلام الدجا، فلو رأيت
|
||
حزينهم لطلب الرضا، على جمر الغضا، فيا محبوساً عنهم في سجن الحرص والمنى،
|
||
إن خرجت يوماً من سجنك لترويح شجنك. من غم البلوى عرج بذاك الوادي.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| عارضا بي ركب الحجاز أسائله | | متى عـهـده بـأيام سـلـعِ |
|
||
| واستملاّ حديث من سكن الخيف | | ولا تكتـبـاه إلا بـدمـعـي |
|
||
| فاتني أن أرى الديار بطرفـي | | فلعلي أعي الديار بسمـعـي |
|
||
| كلما سُلَّ من فـؤادي سـهـمٌ | | عاد سهم لهم مضيض الوَقْـعِ |
|
||
| من معبد أيام جمع علـى مـا | | كان منهـا وأين أيام جـمـع |
|
||
| طالب بالعراق ينشد هـيهـات | | زماناً أضـلـه بـالـجـزع |
|
||
|
||
يا معوقاً عنهم بكثرة الحوادث، خلص الماء من ضيق الأنابيب، وانظر كيف يسرع?
|
||
إلى متى تألف عش، الصبا سافر مع الرجال. لو عبرت بطن النجف لاستنشقت ريح
|
||
الحجاز، حدث نفسك بأرض نجد يهن علينا عبور العقبة، ذكرها قرب منى. وقد درجت
|
||
المدرج.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| من بمنىً وأين جيران منـىً | | كانت ثلاثاً لا تكون أربـعـا |
|
||
| سلبتموني كبـداً صـحـيحةً | | أمس فردّوها عليّ قِطَـعـا |
|
||
| عدمت صبري فجزعت بعدكم | | ثم ذهلت فعدمت الجـزعـا |
|
||
| ارتجعوا إلى ليلة بـحـاجـرٍ | | إن تم في الفايت أن يُرتجعـا |
|
||
| وغفلة سرقتها من زمـنـي | | بلعلع سقى الغمام لعـلـعـا |
|
||
|
||
يا صبيان التوبة، هلالكم خفى، فدوموا على المعاملة يصر بدراً لا بد من ضيف
|
||
"ولنبلونكم" الطبع يحن إلى المألوف، والولد يطلب ما يشتهي، والزوجة تروم
|
||
سعة النفقة، والورع يختم كيس التصرف "هنالك ابتُلي المؤمنون وزُلزلوا
|
||
زلزالاً شديداً" أيدي صبيان التوبة في أفواههم بعد طعم الرضاء، بينا ليل
|
||
زللهم قد عسعس، إذ صبح يوم توبتهم قد تنفس، فكلما احترقت قلوبهم بالخوف،
|
||
تعرضوا بنسمات الرجاء للعفو.
|
||
|
||
| لا عدا الروح من تهامة أنفا | | *ساً إذا استروحت تمنيت نجدا * |
|
||
|
||
يا صبيان التوبة، طبيبكم متلطف، تارة بالتشويق، وتارة بالتخويف. هذه الطير
|
||
إذا انشق بيضها عن الفراخ علم الأب والأم إن حوصلة الفرخ لا تحتمل الغذاء،
|
||
فينفخان الريح في حلقه لتتسع الحوصلة، ثم يعلمان أن الحوصلة تفتقر إلى دبغ
|
||
وتقوية، فيأكلان من صاروج الحيطان وهو شيء فيه ملوحة كالسبخ، ثم يزقانه
|
||
إياه، فإذا اشتدت الحوصلة زقياه الحب، فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه
|
||
بعض المنع فإذا جاع لقط، فإذا رأياه قد استقل باللقط ضرباه بالأجنحة إذا
|
||
سألهما الزق.\\
|
||
فتأملوا تدبيري لكم في المواعظ، الطفل لا يصبر عن الرضاع ساعة، فإذا صار
|
||
رجلاً صبر عن الطعام يومين، إنما تقع الكلفة بقدر الطاقة، لما كان الطاير
|
||
يحتاج أن يزق فرخه، لم يحمل عليه إلا تدبير بيضتين، ولما كانت الدجاجة تحضن
|
||
ولا تزق كان بيضها أكثر، ولما كانت الضبة لا تحضن ولا تزق صارت تبيض ستين
|
||
بيضة، وتحفر لهن وتترك التراب عليهن، وبعد أيام تنبشهن فيخرجن، كلما قوي
|
||
الحامل زيد في الحمل في أول مقام يقول "يحب التوَّابين" وفي أوسطه بعيني ما
|
||
يتحمل المتحملون، وفي المقام الأعلى كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام
|
||
عني. كان أبو سليمان الداراني يبكي حتى ينبت الريع من عينيه، وكان عطاء
|
||
السلمي يبكي حتى لا يقدر أن يبكي.
|
||
|
||
| يا منفذاً ماء الجفـون | | وكنت أنفقه علـيه |
|
||
| إن لم تكن عيني فأنت | | أعز من نظرت إليه |
|
||
|
||
كانوا إذا ضيق الخوف عليهم الخناق نفسوه بالرجاء، فكان أبو سليمان يقول:
|
||
إلهي إن طالبتني بذنوبي طالبتك بكرمك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك
|
||
لأخبرنهم أني كنت أحبك، وكان يحيى بن معاذ يقول: إن قال لي يوم القيامة
|
||
عبدي ما غرك بي، قلت: إلهي برك بي.
|
||
|
||
| تجاسرت فكاشفتـك | | لما غلب الصـبـر |
|
||
| فإن عنفني الـنـاس | | *ففي وجهك لي عذر * |
|
||
| لأن البدر محـتـاج | | إلى وجهك يا بـدر |
|
||
|
||
الفصل العاشر
|
||
|
||
أخواني: الدنيا غرارة غدارة، خداعة مكارة، تظن مقيمة وهي سيارة، ومصالحة
|
||
وقد شنت الغارة.
|
||
|
||
| نح نفساً عن القبيح وصنهـا | | وتوق الدنيا ولا تأمننـهـا |
|
||
| لا تثق بالدني فما أبقت الدنيا | | لحى وديعة لم تخـنـهـا |
|
||
| إنما جئتها لتستقبل المـوت | | وأسكنتها لتخرج عـنـهـا |
|
||
| ستخلى الدنيا ومـا لـك إلا | | ما تبلغت أو تزودت منهـا |
|
||
| وسيبقى الحديث بعدك فانظر | | خير أحدوثة تكون فكنهـا |
|
||
|
||
كأنك الموت وقد خطف، ثم عاد إلى الباقي وعطف، تنبه لنفسك يا ابن النطف، فقد
|
||
حاذى الرامي الهدف، إلى كم تسير في سرف? ليت هذا العزم وقف، تؤخر الصلاة ثم
|
||
تسيئها كالبرق إذا خطف، أتجمع سوء كيلة مع حشف? الجسد أتى والقلب انصرف، يا
|
||
من باع الدر واشترى الخزف، أبسط بساط الحزن على رماد الأسف عليك حافظ
|
||
وصابط، ليس بناس ولا غالط، يكتب الألفاظ السواقط وأنت في ليل الظلام
|
||
خابط.\\
|
||
يا من شاب إلى كم تغالط? ابك ما مضى ويكفي الفارط، ما للعيون قد أخلفت
|
||
أنواؤها? وكثر نظرها إلى الحرام فقل بكاؤها، ما للقلوب المريضة? قد عز
|
||
شفاؤها، سأكتب ضمان الآمال وأين وفاؤها? آه لأمراض نفوس قد يئس طبيبها،
|
||
ولأصوات مواعظ قد خرس مجيبها، هبت والله دبور الذنوب فتركت الأجسام بلا
|
||
قلوب، أين الفهم والتأمل? إن لم يكن جميل فليكن تجمل، أخواني قد دنا
|
||
الترحل، لا بد وشيكاً من التحول.\\
|
||
رقيبكم يا غافلين لا يغفل، أتذكرون الذنوب بلا تململ، يا من يعد بالتوبة كم
|
||
تمطل? يا ملازماً للهوى كم تعدل? المعاصي سم والقليل منه يقتل.\\
|
||
يا هذا الدنيا وراءك والأخرى أمامك، والطلب لما وراءك هزيمة. إنما يعجب
|
||
بالدنيا من لا فهم له، كما أن أضغاث الأحلام تسر النائم لعب الخيال يحسبها
|
||
الطفل حقيقة، فأما العقل فيعلم ما وراء الستر.
|
||
|
||
| رأيت خيال الظل أكبر عبـرة | | *لمن هو في علم الحقيقة راق * |
|
||
| شخوص وأشباح تمر وتنقضي | | جميعاً وتفنى والمحرك باقي |
|
||
|
||
كم أتلفت الدنيا بيد حبها في بيد طلبها، كم ساع إليها سعي الرخ ردته
|
||
معكوساً رد الفرازين، الدنيا نهر طالوت، والفضائل تنادي: "فمن شرب منه فليس
|
||
مني" فإذا قامت الفاقة مقام ابن أم مكتوم أبيحت لها رخصة "إلا من اغترف"
|
||
فأما أهل الغفلة فارتووا، فلما قامت حرب الهوى، ثبطتهم البطنة، فنادوا
|
||
بألسنة العجز "لا طاقة لنا" وأقبل مضمن الجد فحاز قصب السبق، كل الشر في
|
||
الشره، واللذة خناق من عسل، من تبصر تصبر، الحزم مطية النجح، الطمع مركب
|
||
التلف، التواني أبو الفقر، البطالة أم الخسران، التفريط أخو الندم، الكسل
|
||
ابن عم الحسرة، ما يحصل برد العيش إلا بحر التعب، ما العز إلا تحت ثوب
|
||
الكد، على قدر الاجتهاد تعلو الرتب، لما صابر النضو مشقة السير معرضاً عن
|
||
أعرض المطاعم، زين بالجلال يوم العبد، ولما تكاسلت البخاتي ميلاً إلى كثرة
|
||
العلف وقع ببختها الذبح، سابق الطير مكرم، والديك الحاذق بالصباح مطلق، إذا
|
||
صب في القنديل ماء ثم صب عليه زيت صعد الزيت فوق الماء، فيقول الماء: أنا
|
||
ربيت شجرتك فأين الأدب? لم ترتفع علي? فيقول الزيت: أنت في رضراض الأنهار
|
||
تجري على طريق السلامة، وأنا صبرت على العصر وطحن الرحا وبالصبر يرتفع
|
||
القدر، فيقول الماء: ألا أني أنا الأصل، فيقول الزيت: استر عيبك فإنك لو
|
||
قارنت المصباح انطفأ.\\
|
||
يا بعيداً عن المجاهدة قد اقتسم الرعيل الأول النفل، أما ترى أسلاب الهوى
|
||
كيف يبيعها أربابها في سوق الافتخار بالنض "ذلك ليعلم أني لم أخنه
|
||
بالغيب".\\
|
||
يا من قد انحرف عن جادتهم، كم أحركك بسوط الشوق في شوط السوق، سهم عزمك بلا
|
||
ريش، إنما يقع الرمي بين يديك. يا مخنث العزيمة أقل ما أبقى في الرقعة
|
||
البيذق، فلما نهض تفرزن، رأى بعض الحكماء برذونا سيتقي عليه، فقال لو هملج
|
||
هذا لركب، متى همت أقدام العز بالسلوك اندفع من بين يديها ما يسد القواطع،
|
||
ومتى هاب الغايص موج البحر لم يطمح له في نيل الدر، يا من عقد عزمه
|
||
بأنشوطة، والهوى يمدها للحل، إن عزفت من عزيمتك الثبوت في صف المجاهدة،
|
||
وإلا فاحذر هتكة الهزيمة.\\
|
||
كان ذو البجادين يتيماً، فلما عمه الفقر كفله عمه، فنازعته النفس إلى
|
||
الإسلام، فهم بالنهوض، فإذا بقية المرض مانعة، فقعد على انتظار العم،
|
||
فانتهى المرض، فصارت الهمة عزيمة، فنفذ الصبر فناداه صدق الوجد.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| إلى كم حبسها تشكو المضـيقـا | | إثرها ربما وجـدت طـريقـا |
|
||
| أجلْها تطلب القصوى ودعْـهـا | | *سُدىً يرمي الغروبُ بها الشروقا * |
|
||
| أتعقلها وتقـنـع بـالـهـوينـا | | تكون إذن بذلّتـهـا خـلـيقـا |
|
||
| ولم يشفق على حـسـبٍ غـلام | | *يكون على ركائبـه شـفـيقـا* |
|
||
|
||
فقال: يا عم كيف انتظر سلامتك بإسلامك وما أرى زمن زمنك ينشط، فقال: والله
|
||
لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك، فصاح لسان الشوق نظرة من محمد أحب إلي من
|
||
الدنيا وما فيها، هذا مذهب المحبين، إجماعاً من غير خلاف:
|
||
|
||
| ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها | | تريد أم الدنيا وما في خباياها |
|
||
| لقال تراب من غبار نعالـهـا | | *ألذ إلى نفسي وأشفى لبلواها* |
|
||
|
||
فلما تجرد لطلب الثواب، جرده العم من الثياب، فناولته الأم بجاداً فقطعه
|
||
لسفر الوصل، فائتزر وارتدى، وغدا في هيئة "ربَّ أشعثَ أغبر":
|
||
|
||
| سنة الأحباب واحدة | | فإذا أحببت فاستنن |
|
||
|
||
فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة، فتبع ساقة الأحباب على ساق، والمحب لا
|
||
يرى طول الطريق إنما يتلمح المقصد:
|
||
|
||
| ألا أبلغ الله الحمى مـن يريده | | *وبلغ أكتاف الحمى من يريدها * |
|
||
|
||
فحمل جلدة فوق جلدة، إلى أن نزل منزل التلف، فنزل الرسول في حفرته يمهد له
|
||
اللحد لمأمور "إذا رأيت لي طالباً، فكن له خادماً" وجعل يقول: اللهم، إني
|
||
أمسيت راضياً عنه فارض عنه، فصاح ابن مسعود: ليتني كنت صاحب الحفرة:
|
||
|
||
| كذاك الفخر يا همم الرجال | | *تعالَيْ فانظري كيف التعالي * |
|
||
|
||
الفصل الحادي عشر
|
||
|
||
أيتها النفس، أقلعي عن الجناح وتوبي، وراجعي إلى الصلاح وأوبي، أيتها النفس
|
||
قد شان شاني عيوبي، أيتها الجاهلة تكفيني ذنوبي:
|
||
|
||
| يا ويح نفسي من تتابع حوبـتـي | | لو قد دعاني للحساب حسـيبـي |
|
||
| فاستيقظي يا نفس ويحك واحذري | | حذراً يهيج عبرتي ونـحـيبـي |
|
||
| واستدركي ما فات منك وسأبقى | | سطوات موت للنفوس طلـوب |
|
||
| وابكي بكاء المستغيث واعولـي | | إعوال عان في الوثاق غـريب |
|
||
| هذا الشباب قد اعتللت بلـهـوه | | أفليس ذا يا نفس حين مشـيبـي |
|
||
| هذا النهار يكـر ويحـك دائبـاً | | *يجري بصرف حوادث وخطوبِ * |
|
||
| هذا رقيب ليس عنـي غـافـلاً | | يحصي علي ولو غفلت ذنوبـي |
|
||
| أوليس من جهـل بـأنـي نـائم | | *نوم السفيه وما ينـام رقـيبـي* |
|
||
|
||
آه لنفسي تركت يقينها وتبعت آمالها، ما لها? جهلت ما عليها وما لها، أما
|
||
ضربت العبر? بأخذ أمثالها أمثالها، من لها? إذا نازلها الموت فغالها، وأخذ
|
||
منها ما نالها وقد أنى لها، ليتها تفقدت أمورها، أو شهدت أحوالها، تحضر
|
||
المجالس بنية، فإذا قامت بدا لها، ويحها لو ترى أجزآءا من مالها لهالها.\\
|
||
لابن المعتز:
|
||
|
||
| وكم دهى المرء من نفسـه | | فلا تؤكلـن بـأنـيابـهـا |
|
||
| وإن مكنت فرصة في العدو | | فلا تبدو فعلـك إلا بـهـا |
|
||
|
||
قال أبو زيد: رأيت الحق في المنام، فقلت: يا رب كيف أجدك? قال: فارق نفسك
|
||
وتعال.\\
|
||
جاء رجل إلى أبي علي الدقاق، فقال: قد قطعت إليك مسافة، فقال: ليس هذا المر
|
||
بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد حصل لك مقصود، لو عرفت منك نفسك
|
||
التحقيق لسارت معك في أصعب مضيق، لكنها ألفت التفاتك، فلما طلبت قهرها،
|
||
فاتك، هلا شددت الحيازم، وقمت قيام حازم، وفعلت فعل عازم، وقطعت على أمر
|
||
جازم، تقصد الخير ولكن ما تلازم:
|
||
|
||
| ويعرف أخلاق الجـبـان جـوادُه | | فيجهده كـراً ويرهـبـه ذعـرا |
|
||
| ومن كل تطلاب المعالي بصـدره | | *بحد حلو ما يعطاه من غير هامرا * |
|
||
|
||
حريم العزم الصادق حرام على المتردد، متى تحزم العزم هزم، لو رأيت صاحب
|
||
العزم وقد سرى حين رقدت السراحين، بهمة تحل فوق الفرقد فلنفسه نفاسة ولإنفه
|
||
إنفة، سهم الشهم مفوق عرضة الغرض.\\
|
||
كان الفضيل ميتاً بالذنوب، وابن أدهم مقتولاً بالكبر، والسبتي هالكاً
|
||
بالملك، والجنيد من جيد الجند، فنفخ في صور المواعظ، فدبت أرواح الهدى في
|
||
موتى الهوى، فانشقت عنهم قبور الغفلة، وصاح إسرافيل الاعتبار "كذلك يحيي
|
||
الله الموتى" إنما سمع الفضيل آية، فذلت نفسه لها واستكانت، وهي "كانت"
|
||
إنما زجر ابن أدهم بكلمة كلمت قلبه فانقلب، هايف عاتبه ولام أخرجه من بلخ
|
||
إلى الشام كانت عقدة قلوبهم بأنشوطة، ومسد قلبك كله عقد، لاحت للقوم، جادة
|
||
السلوك "قالوا ربنا الله ثم استقاموا".\\
|
||
هيهات منك غبار ذلك الموكب، ركبوا سفين العزم فهبت لهم رياح العون، فقطعوا
|
||
بالعلم لجج الجهل، فوصلوا إلى إقليم أرض الفهم فأرسلوا على ساحل بلد الوصل،
|
||
إذا استصلح القدر أرض قلب قلبها بمحراث الخوف وبذر فيها حب المحبة، وأدار
|
||
لها دولاب العين، وأقام ناطور المراقبة، فتربى زرع التقى على سوقه، أصفهم
|
||
عند من? انثر الدر على دمن:
|
||
|
||
| بلغ سلامي بالغوير جيرة | | *قلبي وإن حالوا إليهم تائق * |
|
||
| فارقتهم كرهاً وليت أنني | | للروح من دونهم مفارق |
|
||
| ولست أنساهم وإن تقطعت | | بالبعد فيما بيننـا عـلايق |
|
||
|
||
يا نفس، عند ذكر الصالحين تبكين، وعند شرح جدهم تأنين، وإذا تصورت طيب
|
||
عيشهم تحنين، فإذا عرفت قيامهم بالخدمة تنكبين.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| أمن خفوق البرق ترزمينـا | | حِنِّي فما أمنعك الحنـينـا |
|
||
| سيري يميناً وسراك شـأمةً | | فضلة ما تتـلـفّـتـينـا |
|
||
| نعم تُشاقين وأشـتـاق لـه | | ونعلن الوجد وتكتـمـينـا |
|
||
| فأين منا اليوم أو منك الهوى | | وأين نجد والمـغـوِّرينـا |
|
||
|
||
لما اشتغل القوم بإصلاح قلوبهم أعرضوا عن إصلاح أبدانهم، عري أويس حتى جلس
|
||
في قوصرة، وقدم بشر من عبادان وهو متشح بحصير.\\
|
||
للسموءل:
|
||
|
||
| إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه | | فكـل رداء يرتـديه جـمـــيل |
|
||
| وإن هو ل يحمل على النفس ضيمها | | فليس إلى حسن الثـنـاء سـبـيل |
|
||
|
||
كان أويس يلتقط النوى فيبيعه بما يفطر عليه، فإذا أصاب حشفة ادخرها
|
||
لإفطاره، ويجمع الخرق من المزابل فيغسلها في الفرات ويرقعها ليستر عورته،
|
||
ويفر من الناس فلا يجالسهم، فقالوا مجنون، لا تصح المحبة، حتى يمحي الاسم
|
||
المعروف، باسم متجدد، فإن اسم قيس نسي، وعرف بالمجنون:
|
||
|
||
| لولا جنوني فـيك مـا | | *قعد العواذل لي وقاموا * |
|
||
| أولى يلوم العـاذلـون | | وليس لي قـلـي يلام |
|
||
|
||
بني أهل أويس له بيتاً على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السنون لا يرون له
|
||
وجهاً، وكان إذا خرج يمشي ضرب الصبيان عقيبه بالحجارة حتى تدمي، وهو ساكت
|
||
ولسان حاله يقول:
|
||
|
||
| ولقيت في حبيك ما لم يلقـه | | *في حب ليلى قيسها المجنون * |
|
||
| لكنني لم أتبع وحش الـفـلا | | كفعال قيس والجنون فنـون |
|
||
|
||
لقي بعض الجند إبراهيم بن أدهم في البرية، فقال له: أين العمران? فأومى
|
||
بيده إلى المقابر، فضربه فشج رأسه، فقيل له: هذا ابن أدهم فرجع يعتذر إليه
|
||
فقال له إبراهيم: الرأس الذي يحتاج إلى اعتذارك تركته ببلخ:
|
||
|
||
| عزى ذلي وصحتي في سقمـي | | *يا قوم رضيت بالهوى سفك دمي * |
|
||
| عذالي كفوا فمن ملامي ألـمـي | | *من بات على وعد اللقا لـم ينـم* |
|
||
|
||
مر رجل بابن أدهم وهو ينظر كرماً فقال: ناولني من هذا العنب فقال ما أذن لي
|
||
صاحبه، فقلب السوط وضرب رأسه، فجعل يطأطئ رأسه، ويقول: اضرب رأساً طالما
|
||
عصى الله:
|
||
|
||
| من أجلك قد جعلت خدي أرضاً | | للشامت والحسود حتى ترضى |
|
||
| مولاي إلى متى بهذا أحـظـى | | *عمري يفنى وحاجتي ما تقضى * |
|
||
| لو قطعني الغـرام إربـاً إربـاً | | ما ازددت على الملام إلا حبـا |
|
||
| لا زلت بكم أسير وجد صـبـا | | حتى أقضي على هواكم نحبـا |
|
||
|
||
كان ابن أدهم يستغيث من كرب وجده، ويبول الدم من كثرة خوفه، فطلب يوماً
|
||
سكوناً من قلقه، فقال: يا رب إن كنت وهبت لأحد من المحبين لك ما يستريح به،
|
||
فهب لي، فقيل له في نومه: وهل يسكن محب بغير حبيبه?
|
||
|
||
| الجسم يذيبه الأسى والسـهـد | | والقلب ينوبه الجوى والكمد |
|
||
| هم قد وجدوا وهكذا ما وجدوا | | ما جن بهم مثل جنوني أحـد |
|
||
| شوق وجوى ونار وجد تقـد | | مالي جلد ضعفت ما لي جلد |
|
||
|
||
الفصل الثاني عشر
|
||
|
||
عجباً لذكر الموت كيف يلهو? ولخائف الفوت وهو يسهو، ولمتيقن حلول الليل ثم
|
||
يزهو، وإذا ذكرت له الآخر مر يلغو.\\
|
||
لأبي العتاهية:
|
||
|
||
| إني أرقت وذكر الموت أرَّقني | | فقلتُ للدمع: أسعدني فأسعدني |
|
||
| إن لم أبك لنفسي مشعراً حزنـاً | | قبل الممات ولم آسف لها فمن |
|
||
| يا من يموت ولم تحزنه موتتـه | | ومن يموت فما أولاه بالحـزن |
|
||
| لمن أثْمِّرُ أموالي وأجمِّـعـهـا | | لمن أروح لمن أغدو لمن لمن |
|
||
| لمن سيرفع بي نعشي ويتركني | | *في حفرتي ترب الخدين والذقن * |
|
||
|
||
يا غافلاً عن الموت وقد لدغه، أخذ قرينه فقتله ودمغه، تأمل صنع الدهر
|
||
بالرأس إذ صبغه، بأي حديث ترعوي أو بأي لغة? كم رأيت مغروراً قبلك? كم
|
||
شاهدت منقولاً مثلك? من أباد أقرانك? ومن أهلك أهلك? لقد نادى الموت وقال:
|
||
أخذتم أماني يا أهل الأماني والآمال، أين من كان في روح وسعة? نقلته إلى
|
||
مكان ما وسعه، أين من كان يسري آمناً في سربه، أما قيل للتلف? خذه وسر به،
|
||
أما عاقبة الألفة فرقة? أما آخر جرعة اللذة شرقة? أما ختما الفرح قلق
|
||
وحرقة? أما زاد ذي المال إلى القبر خرقة? أعِرْ سمعك الأصوات، فهل تسمع إلا
|
||
فلاناً مات? أجل بصرك في الفلوات فهل ترى إلا القبور الدارسات?
|
||
|
||
| قوض الموت طود عزهم الشا | | مخ قسراً والدهر ذو حدثـان |
|
||
| واستـرد الـذي أعـار ولـلأ | | يام ظهراً خـشـونة ولـيان |
|
||
| وإذا صاح صايح الموت في قو | | م غدوا كل واحد في مـكـان |
|
||
|
||
يا ساكناً مسكن من قد أزعج، يا شارباً فضلة من شرق، تصحو في المجلس ساعة من
|
||
خمار الهوى، ثم تسليك حميا الكأس، هيهات ليس في البرق اللامع مستمتع لمن
|
||
يخوض الظلمة، كم أعطف عطفك بلجام العظة إلى عطفة اليقظة، فإذا انقضى المجلس
|
||
عاد الطبع "ثانيَ عطْفِه" وتأبى الطباع على الناقل يا من قد لجج في لجة
|
||
الهوى، قارب الساحل في قارب، دنا رحيل الرفقة وما اشتريت للمير قوت ليلة،
|
||
كلما جد اللعب فتر النشاط في الجد، صحح نقدة عملك فقد انقرضت أيام الأسبوع،
|
||
جوّد غزل عزمك، فلربما لم تسامح وقت الوزن، صابر غبش العيش فقد دنا فجر
|
||
الأجر.\\
|
||
انتبه الاغتنام عمرك، فكم يعيش الحيوان? مد بحر القدرة، فجرى بمراكب الصور،
|
||
فرست على ساحل إقليم الدنيا فعاملت في موسم الحياة مدة الجزر، ثم عاد المد
|
||
فرد إلى برزخ الترب، فقذف محاسن الأبنية في حفر اللحود، وسيأتي طوفان البعث
|
||
عن قرب، فاحذر أن تدفع دونك سفينة النجاة، فتستغيث وقت الفوت ولا عاصم كأنك
|
||
بك في قبرك، على فراش الندم وأنه والله لأخشن من الجندل.\\
|
||
فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك، وادخر من وقت قدرتك لزمان عجزك،
|
||
واعتبر رحلك قبل رحيلك، مخالفة الفقر في القبر إلى لازم الأخذ "أن تقول
|
||
نفسٌ يا حسرتا".\\
|
||
يا هذا. مثل لنفسك صرعة الموت، وما قد عزمت أن تفعل حينئذ وقت الأسر،
|
||
فافعله وقت الإطلاق.\\
|
||
لقيس بن ذريح:
|
||
|
||
| أتبكي على لبنى وأنت تركتهـا | | فكنت كآت حتفه وهو طـائع |
|
||
| فيا قلب خبرني إذا شطت النوى | | *بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع * |
|
||
|
||
كأنك بحرب التلف قد قامت على ساق، وانهزمت جيوش الأمل وإذا بملك الموت قد
|
||
بارز الروح، يجتذبها بخطاطيف الشدائد من تيار أوتار العروق، وقد أوثق كتاف
|
||
الذبيح، وحار البصر لشدة الهول وملائكة الرحمة عن اليمين، قد فتحوا أبواب
|
||
الجنة، وملائكة العذاب عن الشمال قد فتحوا أبواب النار وجميع المخلوقات
|
||
تستوكف الخبر، والكون كله قد قام على صيحة، إما أن يقال: سعد فلان، أو شقي
|
||
فلان، فحينئذ تتجلى أبصار "الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري" ويحك تهيأ
|
||
لتلك الساعة، حصل زاداً قبل العوز.\\
|
||
للصمة القشيري:
|
||
|
||
| تمتع من شميم عرار نجد | | *فما بعد العشية من عرار * |
|
||
|
||
وا أسفاه من حياة على غرور، وموت على غفلة، ومنقلب إلى حسرة، ووقوف يوم
|
||
الحساب بلا حجة.\\
|
||
يا هذا، مثل نفسك في زاوية من زوايا جهنم وأنت تبكي أبداً، وأبوابها مغلقة
|
||
وسقوفها مطبقة وهي سوداء مظلمة، لا رفيق تأنس به، ولا صديق تشكو إليه، ولا
|
||
نوم بريح ولا نفس، قال كعب إن أهل النار ليأكلون أيديهم إلى المناكب، من
|
||
الندامة على تفريطهم، وما يشعرون بذلك. يا مطروداً عن الباب، يا مضروباً
|
||
بسوط الحجاب، لو وفيت بعهودنا، ما رميناك بصدودنا، لو كاتبتنا بدمع الأسف،
|
||
لعفونا عن كل ما سلف.
|
||
|
||
| ولو أنهم عند كشف القنـاع | | وحل العقود ونقض العهودِ |
|
||
| وخلعهم لـعـذار الـحـياء | | ولبسهم لبـرود الـصـدودِ |
|
||
| أناخوا بأبـوابـنـا سـاعة | | *وأجروا مدامعهم في الخدودِ * |
|
||
| لعدنا سراعاً إلى وصلـهـم | | وقلنا قلوب المحبين عودي |
|
||
|
||
الفصل الثالث عشر
|
||
|
||
كم أخرج الموت نفساً من دارها لم يدارها، وكم أنزل أجساداً بجارها لم
|
||
يجارها، وكم نقل ذاتاً ذات أخطاء بأوزارها، وكم أجرى عيوناً كالعيون بعد
|
||
بعد مزارها.
|
||
|
||
| يا مغرماً بوصال عيشٍ ناعـم | | ستصد عنه طائعاً أو كارهـا |
|
||
| إن المنية تزعج الأحرار عن | | *أوطانهم والطير عن أوكارها * |
|
||
|
||
أخواني: قد حام الحمام حول حماكم، وصاح بكم إذ خلا النادي وناداكم، وأولاكم
|
||
من النصح حقكم، فما أحقكم بالتدبر وأولاكم، وهو عازم على اقتناصكم، وما
|
||
المقصود سواكم. كم أخلى الموت داراً فدارا? أما استلب كسرى بن دارا? أدارى
|
||
لما أخذ داراً? أما ترك العامر قفاراً? أما أذاق الغصص المر مراراً? لقد
|
||
جال يميناً ويساراً? فما حابى فقراً ولا يساراً.\\
|
||
يا هذا، مطايا العمر قد أعنقت وأنت في مسامرة الأمل، معاول الساعات تهدم
|
||
حايط الأجل، فرايس المهج في مضابث أسد المنايا، أسنة القنا مشرعة ولا درع،
|
||
عقارب الخدع دائمة للسع، غير أن خدران الغفلة يمنع الإحساس بسريان السم، آه
|
||
من مثاقف ما ينتهي عن القتل، الناس في الدنيا ككيزان الدولاب، فالشاب مثل
|
||
الممتلي، والكهل قد فرغ بعضه، والشيخ لم يبق فيه شيء. الشاب المتقي في مقام
|
||
"يحبهم" والكهل المنحط في مرتبة "خَلَطوا عملاً صالحاً" والشيخ في حيز
|
||
"تجدني عند المنكسرة قلوبهم".\\
|
||
يا من قد انطوى برد شبابه، وخبيت خلع تلفه، وبلغت سفينته ساحل سفره، قف على
|
||
ثنية الوداع، فلم تبق إلا ساعة تتغنم، لو فتحت عين اليقظة لرأيت حيطان
|
||
العمر قد تهدمت، فبكيت على خراب دار الأجل. صاح ديك الإيقاظ في سحر ليل
|
||
العبر، فما تيقظت فستنتبه، إذا نعق الغراب البين بين البين.
|
||
|
||
| ومشتت العزمات ينفق عمره | | حيران لا ظفر ولا أخفـاق |
|
||
|
||
لا في الشباب وافقت، ولا في الكهولة رافقت، ولا في الشيب أفقت، ولا من
|
||
العتاب أشفقت، فكأنك ما آمنت بالمعاد ولا صدقت.\\
|
||
يا مقيماً على الهوى وليس بمستقيم، يا مبذراً في بضاعة العمر متى يؤنس منك
|
||
رشد? يا أكمة البصر، لا حيلة فيها لعيسى، يا طويل الرقاد ولا نوم أهل
|
||
الكهف، كيف يفلح من هو والكسل كندمائي جذيمة?.\\
|
||
الدنيا مضمار سباق، والليل سرى، وطلب الراحة تحنث:
|
||
|
||
| فلا تحسبوا أن المعالي رخـيصة | | ولا أن إدراك العلى هين سهـل |
|
||
| فما كل من يسعى إلى المجد نالـه | | *ولا كل من يهوى العلا نفسه تعلو * |
|
||
|
||
من تذكر حلاوة العاقبة نسي مرارة الصبر، الرجولية بالهمة لا بالصورة، نزول
|
||
همة الكساح حطه في بئر الأنجاس، قنديل الفكر في محراب قلبك مظلم، فاطلب له
|
||
زيت خلوة، وفتيلة عزم بينك وبين المتقين حبل الهوى، نزلوا بين يديه ونزلت
|
||
خلفه، فاطو فضل منزل تلحق، لو علوت نشز الجد، بانت بانة الوادي.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| إن كنت ممن يطلع الوادي فسلْ | | بين البيوت عن فوادي ما فعلْ |
|
||
| عز هـواكِ فـأذلَّ جَـلَــدي | | والحب ما رقَّ له الجَلْـد وذلّ |
|
||
| أين ليالينا على الخـيف وهـل | | *يرد عيشاً فائتاً قـولـك هـل* |
|
||
|
||
يا مقيداً بقيود الطرد، الق نفسك في الدجى على باب الذل، وقل إلهي، كم لك
|
||
سواي ومالي سواك، فبفقري إليك وعناك عني، ألا عفوت عني.
|
||
|
||
| أيا منعماً لم يزل محسـنـاً | | برى جسدي سخطك الدائمُ |
|
||
| إلى النحر مني مضمـومة | | يداي كما يفعـل الـنـادمُ |
|
||
| يزل الحليم ويكبو الجـواد | | *وينبو عن الضربة الصارمُ * |
|
||
|
||
يا هذا، ليس في المياه ما يقلع آثار الذنب من ثوب القلب إلا الدموع، فإن
|
||
نضبت ولم يزل الأثر فعليك بالاغتراف من بحر الاعتراف.
|
||
|
||
| ودعت قلبي حين ودعتـهـم | | وقلت يا قلبي عليك السـلامُ |
|
||
| وصحتُ بالنوم انصرف راشداً | | *فإن عيني بعدهـم لا تـنـامُ* |
|
||
|
||
أحضر نادي المتهجدين ونادهم طوبى لكم وجدتم قلوبكم فارحموا من لا يجد:
|
||
|
||
| إذا وصلتم إلى وادي العقيق سلوا | | *عن حال منقطع أودى به السهر * |
|
||
| وفتشوا عن فؤاد هـائم قـلـق | | *قد ضاع مني فلا عين ولا أثـر* |
|
||
|
||
أنجع الوسائل الذل، وأبلغ الأسباب في العفو البكاء، والعي عن ترتيب العذر
|
||
بلاغة المنكسر.
|
||
|
||
| يا من أشكو إليه ما يعـلـمـه | | والدمع يذيع كلمـا أكـتـمـه |
|
||
| هذا المسكين من ترى يرحمـه | | قد هان عليه كلـمـا يؤلـمـه |
|
||
| بالجسم من السقام ما يحرضـه | | *والقلب يذوب من جوى يمرضه * |
|
||
| ما قد حكم الإله من ينـقـضـه | | *قد أعوزني الصبر فمن يقرضه * |
|
||
|
||
الفصل الرابع عشر
|
||
|
||
لقد خوفنا الموت بمن أخذ منا، ونعلم هجومه علينا وقد آمنا، ما أذكرتنا
|
||
المواعظ فما لنا ما لنا:
|
||
|
||
| لا ترقدن لعينك السـهـر | | *وانظر إلى ما تصنع العبرُ * |
|
||
| انظر إلى عبر مـصـرفة | | ما دام يمكن طرفك النظرُ |
|
||
| فإذا جهلت ولم تجد أحـداً | | فسل الزمان فعنده الخبـرُ |
|
||
| فإذا نظرت تريد معتـبـراً | | فانظر إليك ففيك معتبـرُ |
|
||
| أنت الذي تنعاه خلـقـتـه | | ينعاه منه الشعر والبشـرُ |
|
||
| يا من يؤمل أنت منتـظـر | | أملاً يطول ولست تنتظـرُ |
|
||
| ماذا تقول وأنت في غصصٍ | | ماذا تقول وذوقك الـمـدرُ |
|
||
| ماذا تقول وقد لحقت بـمـا | | يجري عليه الريح والمطرُ |
|
||
| كم قد عفتْ عين لهـا أثـر | | درستْ ويُدرس بعدها الأثرُ |
|
||
|
||
يا من يشيع ببدنه الميت، فأما قلبه ففي البيت، أتخلى بين المودود والدود?
|
||
وتعود إلى المعاصي حين تعود، هلا أجلت بالبال ذكر البالي? وقلت للنفس
|
||
الجاهلة: هذا لي، من زار القبور والقلب غافل وسعى بين الأجداث والفكر ذاهل
|
||
وشغله عن الاعتبار لهو شاغل فهو قتيل قد أسكره القاتل:
|
||
|
||
| وما أعطى الصبابة ما استحقت | | عليه ولا قضى حق المنـازل |
|
||
| ملاحظها بعين غير عـبـرى | | وزايرها بجسم غير نـاحـل |
|
||
|
||
شيّع الحسن جنازة فجلس على شفير القبر فقال: إن أمراً هذا آخره لحقيق أن
|
||
يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله، لحقيق أن يخاف آخره.\\
|
||
أخواني، كيف الأمن? وهذا الفاروق يقول: لو أن لي طلاع الأرض ذهباً وفضة
|
||
لافتديت بها، كيف الأمن? من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر? لما طعن
|
||
عمر قال لابنه ضع خدي على التراب فوضعه فبكا حتى لصق الطين بعينيه وجعل
|
||
يقول: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي، ودخل عليه كعب، وكان قد قال له إنك
|
||
ميت إلى ثلاثة أيام، فلما رآه أنشد
|
||
|
||
| وواعدني كعب ثلاثـاً بـعـدهـا | | ولا شك أن القول ما قاله كعـب |
|
||
| وما بي حذار الموت إني لـمـيت | | *ولكن حذار الذنب الذي يتبعه الذنب * |
|
||
|
||
واعجباً من خوف عمر مع كماله وأمنك مع نقصانك، قيل لابن عباس: أي رجل كان
|
||
عمر? فقال: كان الطائر الحذر الذي كان له بكل طريق شركاً.\\
|
||
يا مسدود الفهم بكثرة الشواغل أحضر قلبك لحظة للعظة، يا جامداً على وضع
|
||
طبعه، تحرك إلى قطر التذكرة، يا عبد الطمع طالع ديار الأحرار، ما أطول غشية
|
||
غفلتك فلمن تحدث? قلبك في غلاف غفلة وفطنتك في غشاوة غباوة، وحبل عزمك
|
||
الجديد حديد، لو خرج عقلك من سلطان هواك، عادت الدولة عادة، لو صح مزاجك
|
||
فطرتك طعم النصح في فمك، المفروض عنك مرفوض، وكلام النصيح صوت الريح.\\
|
||
يا تلميذ الهوى اخرج من وصف التبعية، يا مقيد الوجود في فناء الفناء قامت
|
||
قيام الملامة وما تسمع، لقد ضحل صوت النصيح، ولكن صلخ صماخ السمع مانع.\\
|
||
يا هذا، لو وقف مرضك رجونا لك البرء، ولكن المرض يزيد وقوة العزم تضعف:
|
||
|
||
| متى يلتقي الآلاف والعيس كلما | | تصعد من واد هبطن إلى واد |
|
||
|
||
يا مقبلاً على المعاصي أدبرت، ويحك إذا أخرجت من يديك فمن يحصل? كم تعد
|
||
بالتوبة ولا تفي? ويحك إن اللذة بالعقوبة لا تفي، ضمانك عقيم، ووعدك عاقر،
|
||
إذا أقمت بناء توبة اكتريت ألف نقاض، ويحك لا تفعل، فإنه ما سحب أحد ذيل
|
||
الهوى إلا وتعثر، اكتب قصة الندم بمداد الدمع، وفي الحال تصل:
|
||
|
||
| سألت ودمع العين سـايل | | *ودعت وداعي البين شاغل * |
|
||
| فأجاب دمعي وهـو فـي | | صفق الأسى سحبان وائل |
|
||
| أعرضت عنك فما تـروم | | وبنت منك فمن تواصـل |
|
||
| لم يبق من سنن الـهـوى | | إلا الوقوف على المنازل |
|
||
|
||
يا مشرداً عن الأوطان إلى متى ترضى بالتمردك? للقطاة أفحوص، ولابن آوى
|
||
مأوى، منذ خمسين سنة تجدف في العبور إلى ساحل التوبة وما تلحق الشط، قوة
|
||
الأمل عقدة في وجه منشار الجد، الرياء عيب في رئة الإيمان، يسل المرض إلى
|
||
السل، شدة الحرص على الفاني سدة في كبد اليقين، ومن صبر على مرارة الدواء
|
||
عوفي:
|
||
|
||
| السقم على الجسم له تـرداد | | والصبر يقل والهوى يزداد |
|
||
| ما أبعد شقتي وما لـي زاد | | *ما أكثر بهرجي ومالي نفاد * |
|
||
|
||
يا أرباب الدنس يا أوساخ الذنوب "هذا مُغْتَسَلٌ بارد وشراب" لا تقنعوا بصب
|
||
ماء التوبة على الظاهر، بلوا الشعر وانقوا البشرة، ما لم تسبح بدمع عينيك
|
||
لم تأت بسنة الغسل:
|
||
|
||
| فلو داواك كل طبيب داء | | *بغير كلام ليلى ما شفاكا * |
|
||
|
||
أبلغ المراهم لجراح الذنوب الندم، وأوطأ فراش المعتذر القلق، وأسرع الأوقات
|
||
إجابة السحر، فاطرد عن عينيك لذة النوم، وناد في نادي الأسى مع القوم:
|
||
|
||
| يا من بسهامه لقلبي جرحـا | | *صل مشتاقاً بغيركم ما فرحا * |
|
||
| ما ناح له مطوق أو صدحـا | | *إلا شرب الدمع وعاف القدحا * |
|
||
|
||
يا نائماً طول الليل ما تحس برد السحر? لقد نم النسيم على الزهر، ودلت
|
||
أغاريد الحمام، على دنو الفجر، صاح الديك فلم تنتبه، وأعاد فلم تفق، فقوى
|
||
ضرب الجناحين لطماً على غفلتك.
|
||
|
||
| صفق أما ارتياحه لسنا الفجر | | وأما على الـدجـا أسـفـا |
|
||
| يا مـطـولاً بـالـقـــيام | | مسـتـلـذاً بـالـمـنـام |
|
||
| قم فـقـد فــاتـــك يا | | مغبـون أربـاح الـكـرام |
|
||
| وخلـوا دونـك بـالـمـو | | لى وفـازوا بـالـمــرام |
|
||
| وكذا تـسـبـقـك الـقـو | | م إلـى دار الـســـلام |
|
||
|
||
الفصل الخامس عشر
|
||
|
||
أخواني، الدنيا دار الآفات، الإثم بقي والإلتذاذ فات، بينا نرى فيها الغصن
|
||
خضراً متمايلاً ذابلاً ذابلي.
|
||
|
||
| يا أيهذا الذي قـد غـره الأمـل | | ودون ما يأمل التنغيص والأجـل |
|
||
| ألا ترى أنما الدنـيا وزينـتـهـا | | *كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا * |
|
||
| حتوفها رصد وعيشـهـا نـكـد | | وصفوها كدر وملـكـهـا دول |
|
||
| تظل تفزع بالروعات ساكـنـهـا | | فما يسوغ له عـيش ولا جـذل |
|
||
| كأنه للمنـايا والـردى غـرض | | تظل فيه سهام الدهر تنتـضـل |
|
||
| والنفس هاربة والموت يتبعـهـا | | وكل عثرة رجل عندها جـلـل |
|
||
| والمرء يسعى بما يسعى لوارثـه | | *والقبر وارث ما يسعى له الرجل* |
|
||
|
||
أخواني، ألبسوا الدنيا جنة الهجر، واسمعوا فيها من مواعظ لزجر، واحبسوها
|
||
يوماً صممتموه للأجر، وصابروا ليل البلى فما أسرع إتيان الفجر، فلا تبيعوا
|
||
اليقين بالظن فحرام بيع المجر.\\
|
||
لقد أبصرت عيون الفطن في نهار المشيب سبل الرحيل، وسمعت آذان الفجر بقعقعة
|
||
الصلب الصلب أذان التخويل، لله در أقوام بادروا أيامهم وحاذروا آثامهم،
|
||
جعلوا الصوم طعامهم والصمت كلامهم، فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى والقلوب
|
||
في رياض الملكوت ترعى، قاموا لخوف القيامة بالأوامر، ووقفوا أنفسهم على
|
||
الخير، ما توقفوا كالموامر، هجروا بالصيام لذيذ الهوى في الهواجر وصمت
|
||
اللسان كأنه مقطوع في الحناجر بالخناجر، وجرى الدمع واصباً، حتى قد محا
|
||
المحاجر، متى تطرق طريقهم? قبل طروق الطوارق، هذا ذئب السقام قد عوى
|
||
للعوائق، يا من أعماله فيما خلا للخلائق، كم داواك الطبيب? وكم رقا
|
||
بالرقايق? أين من ربا في الربى، ونما بين النمارق، أبرزهم حادي الموت لما
|
||
حدا من الحدايق، وأمال مستقيمهم فالتوى فهل من هذا التوى أنت واثق? ويحك إن
|
||
الدنيا سراب مخلف فإن وجد شراب أعطش، أزدهت فدهت على أنها تذم وتضم، كم
|
||
عقدت لمحبها عقد عهدها? فلما حلت عنده حلت، إنها لعجوز وهي في عينك كالقمر،
|
||
وقد قمر هواها قلبك فما أبقى منه إلا قلب قمر. للشريف الرضي:
|
||
|
||
| شَرَتِ الفؤادَ رخيصةً أعلاقُهُ | | *ومضى يَعَضُّ بنانه المغبونُ * |
|
||
|
||
أفنيت عمرك في طلبها وما حصل بيدك منها إلا ما حصل بيد قيس من ليلى.
|
||
|
||
| صحا كل عذري الغرام عن الهوى | | *وأنت على حكم الصبـابة نـازلُ* |
|
||
|
||
*ول الدنيا ظهرك تنص الآخرة لك نقابها، تعر عن الدنيا تعز، وخذ قدر البلغة
|
||
وجز تفز، إلى متى زنبيل حرصك على كاهل همتك وأنت تسعى في مزابل طمعك، تحش
|
||
وقود الحطام لنار هواك وقد أقمت موقداً من الشره لا يفتر، أما علمت أنه
|
||
كلما ترقى دخان أتون الهوى في برابخ الحس سود وجه القلب، أنت في جمع الحطام
|
||
نظير الزبال، وفي فعل الخير غلام الخبال عالم الهمم مختلف الأجناس هذا
|
||
الشفنين لا يقرب غير زوجته أبداً، فإن ماتت لم يتزوج أبداً وكذلك الأنثى
|
||
والدجاجة مع أي ديك كان.*
|
||
|
||
كلامي يدور حول ستور سمعك، وموانع الهوى تحجبه أن لا يصل فلو قد وصل إلى
|
||
القلب أثّر، عضت رجلاً حية فلم يعلم أنها حية فلم يتغير، فلما أخبر أنها
|
||
حية مات، لأنه حين أخبر انفتحت مسامه. فوصل السم إلى القلب. يا أطروش الهوى
|
||
صاحب من يسمع، يا عمي البصيرة امش مع من يبصر، تشبه بالصالحين تعد في
|
||
الجملة، هذا الطاووس يحب البساتين فهو يوافق الأشجار، إذا ألقت ورقها ألقى
|
||
ريشه، فإذا اكتست اكتسى، لو سرت في حزب المتقين خطوات لعرفوا لك حق الصحبة،
|
||
يا من كان لهم رفيقاً فأصبح لا يعرف لهم طريقاً، اطلب اليوم أخبارهم واتبع
|
||
في السلوك آثارهم فإن وقعت ببعضهم حملك إلى أرضهم.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| في شغل عن الرقاد شـاغـل | | من هاجه البرق بسفح عاقـل |
|
||
| يا صاحبي هذي رياح ربعهـم | | قد أخبرت شمائل الشـمـائل |
|
||
| نسيمهم سحيري الريح فـمـا | | تشـبـهـه روايح الأصـائل |
|
||
| ما للصبا مولعة بذي الصـبـا | | أو الصبا فوق الغرام القاتـل |
|
||
| ما للهوى العذري في ديارنـا | | أين العذيب من قصور بابـل |
|
||
| لا تطلبوا ثأراً بنا يا قـومـنـا | | دماؤنا في أذرع الـرواحـل |
|
||
| لله در العيش في ظـلالـهـم | | ولي وكم أسار في المفاصـل |
|
||
| واطربي إذا رأيت أرضـهـم | | هذا وفيها دميت مقـاتـلـي |
|
||
| يا طرة الشيح سقيت أدمعـي | | ولا ابتليت في الهوى بما بلى |
|
||
| ميلك عن زهو وميلي عن أساً | | *ما طرب المخمور مثل الثاكل * |
|
||
|
||
يا من قد كثر تردده إلى المجلس ولم تزل قسوة قلبه لا تضجر، فللدوام أثر،
|
||
جالس البكائين يتعد إليك حزنهم، فتأثير الصحبة لا يخفى، أما ترى دون البقل
|
||
أخضر? يا من يشاهد ما يجري على الخائفين ولا ينزعج، أقل الأقسام أن يبكي
|
||
رحمة لهم، إذا رأيت الثكلى تتقلقل فلا بد من رحمة الجنس.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ولما وقفنا في الديار تشابهت | | جسومٌ براهنَّ البِلى وطلول |
|
||
| فباكٍ بداءٍ بين جنبيه عارفٌ | | *وباكٍ بما جر الفراقُ جهول * |
|
||
|
||
كان العاصي قتيل عشق الدنيا، فكشف له بالمخوفات نقاب المحبوبة فسلا، ثم
|
||
جليت عليه بالمشوقات محاسن الآخرة فمال الجيد إلى الجيد.
|
||
|
||
| ألفيتها وللحـدا تـغـريد | | برامة إن ذكرت زرود |
|
||
| ولاح برق بثنيات الحمى | | تشيمه للأعين الرعـود |
|
||
| فمالت الأعناق منها طرباً | | كما يميل الناشد المنشود |
|
||
| هيهات يخفي ما به متيم | | دموعه بوجده شـهـود |
|
||
|
||
أتدرون ما أوجب اصفرار هذا التائب? ومن أي شراب سكر هذا الشارب? وأي كتاب
|
||
أقدم هذا الغائب?
|
||
|
||
| كلمـا زاد كـربـه | | في هوى من يحبهُ |
|
||
| طار نحو الحبيب من | | شدة الشوق قلـبـه |
|
||
| دنف كاد ينقـضـي | | بيد البين نـحـبـه |
|
||
| خبرونا عن العقـيق | | متى سار ركـبـه |
|
||
|
||
الفصل السادس عشر
|
||
|
||
يا من نسبه معرق في الموتى، وقد وعظوه وإن لم يسمع صوتاً، أدرك أمرك فما
|
||
تأمن فوتاً.\\
|
||
لأبي نواس:
|
||
|
||
| ألا كلُّ حي هالك وابن هالـك | | وذو نسب في الهالكين عريق |
|
||
| فقل لغريب الدار إنك راحـلُ | | إلى منزل نأى المحل سحـيق |
|
||
| وما تعدم الدنيا الدنية أهلـهـا | | شواظ حريق أو دخان حريق |
|
||
| تجرع فيها هالكاً فقد هـالـك | | وتشجى فريقاً منهم بـفـريق |
|
||
| فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها | | قراراً فما دنياك غير طـريق |
|
||
| إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له | | عن عدو في ثـياب صـديق |
|
||
| عليك بدار لا يزال ظلالـهـا | | ولا يتأذى أهلها بـمـضـيق |
|
||
| فما يبلغ الراضي رضاه ببلغة | | ولا ينفع الصادي صداه بريق |
|
||
|
||
يا راقداً وق أوذن بالرحيل، يا مشيد البنيان في مدارج السيول، بادر العمل
|
||
قبل انقضاء العمر، لا تنس من يعد الأنفاس للقائك
|
||
|
||
| وما هي إلا ليلة ثـم يومـهـا | | *ويوم إلى يوم وشهر إلى شهر * |
|
||
| مطايا يقربن الجديد إلـى الـبـلـى | | ويدنين أشلاء الصحيح إلى القـبـر |
|
||
| ويتركن أزواج الـغـيور لـغـيره | | *ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر * |
|
||
|
||
يا عجباً، أما تعلم ما أمامك? فتهيأ للرحيل وأصلح خيامك، وتأهب للردى واقطع
|
||
قطع المدى مدامك، واجتهد أن ينشر الإخلاص في المحل الأعلى أعلامك، وأحضر
|
||
قلبك وسمعك وإن ملا من لامك، وإياك والفتور فإني أرى الدواء دوامك، اطلب ما
|
||
شئت بالعزم وأنا زعيم لك بالظفر، من عزم على أمر هيأ آلاته، لما كان شغل
|
||
الغراب الندب على الأحباب لبس السواد قبل النوح.
|
||
|
||
| أنفت شقة المهامة أن تـق | | طع إلا بالشد والتـرحـال |
|
||
| وأبى المجد أن ينال بغير ال | | جد فلتنتبه عقول الرجـال |
|
||
|
||
إذا وقعت عزيمة الإنابة في قلب من "سبقت لهم منا الحسنى" قلعت قواعد الهوى
|
||
من مسناة الأمل، ركب ابن أدهم يوماً للصيد وقد نصب له فخ "يهديهم ربهم"
|
||
حوله حب "يحبهم" فصيد قبل أن يصيد، سمع هاتفاً يقول ما لهذا خلقت ولا بهذا
|
||
أمرت، فكانت تلك العظة شربة نقضت قولنج الهوى يا له من سهم ألقاه عن قربوسه
|
||
وبوسه، كان راقد الفهم في ليل الغفلة، مشغولاً بأحلام المنى، فصيح به قم
|
||
فقام، فقيل له سر فاستقام.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| رأى على الغور وميضاً فاشتاق | | *ما أجلب البرق لماء الإمـاق* |
|
||
|
||
وعظه خطيب اليقظة فوصلت ملامته إلى سمع الأنفة، فنهضت حمية الرجولية، يا
|
||
ابن أدهم مبارزة الصيد أول مراتب الشجاعة، أفترضى أن تستأسر لثعلب الهوى?
|
||
يا ابن أدهم قتلك حب الدنيا فثر لأخذ الثأر، إن كانت لك عزيمة يا ابن أدهم
|
||
فهذا الكميت وهذا الأدهم فصادف التحريض حريضاً فنهض.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| ذكرتماني طلب الـفـضـائل | | أيقظتما مني غـير غـافـل |
|
||
| قوما فقد مللت من إقامـتـي | | *والبيض أولى بي من المعاقل * |
|
||
| شنا بي الغـارات كـل لـيلة | | وعوداني طرف العـوامـل |
|
||
| إن كان لا بد من الموت فمت | | تحت ظلال الأسل الذوابـل |
|
||
|
||
هتف به متقاضي الشوق: يا ابن أدهم دخلت شهور الحج فما قعودك ببلخ? فرحل
|
||
الراحلة وراح، لاحت له نار الهدى فصاح في جنود الهوى: "إنِّي آنست" فتجلى
|
||
له أنيس "تجدني" فغاب عن وجوده، فلما أفاق من صعقة وجده وقد دك ظور نفسه،
|
||
صاح لسان الإنابة "تُبتُ إليك".
|
||
|
||
| رويداً أيها الحـادي | | *سقيت الرايح الغادي * |
|
||
| فتلك الدار قد لاحت | | وهذا الربع والوادي |
|
||
|
||
فلما خرج عن ديار الغفلة، أومأت اليقظة إلى البطالة.\\
|
||
لابن المعتز:
|
||
|
||
| سلام على اللذات واللهو والصبى | | سلام وداع لا سـلام قـــدوم |
|
||
|
||
يا ابن أدهم لو عدت إلى قصرك فعبدت فيه، قال العزم كلا ليس للمبتوتة نفقة
|
||
ولا سكنى.
|
||
|
||
| أحن إلى الرمل اليمانـي صـبـابة | | وهذا لعمري لو رضـيتُ كـئيب |
|
||
| ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى | | *وبالريح لم يسمع لهـن هـبـوب* |
|
||
|
||
أمرضه التخم فاستلذ طعم الجوع، وحمل جلده على ضعف جلده خشونة الصوف
|
||
|
||
| حملتم جبال الحب فوقـي وإنـنـي | | *لأعجز عن حمل القميص واضعف * |
|
||
|
||
لاح له جمال الآخرة فتثبتت في النظر عين اليقين، فتمكن الحب من حبة القلب
|
||
فقام يسعى في جمع المهر من كسب الفقر، طال عليه انتظار اللقا فصار ناطور
|
||
البساتين، تقاضته المحبة باقي دينها فسلم الروح في الغربة، هذا ثمن الوصل
|
||
فتأخر يا مفلس.
|
||
|
||
| دون المعالي مرتقى شاهق | | فطر إلى ذروتـه أوقـع |
|
||
| من لم يخض غمرتها لم يشد | | قواعد المجد ولـم يرفـع |
|
||
|
||
كان إبراهيم إسكندري الهمة فاحتقر قصير بلخ في جنب ما أمل، فانتخب سوابق
|
||
العزم وسار في جند الجد حتى قطع ظلمات الطبع، وبلغ إلى مطلع شمس لا تغرب،
|
||
شكا إليه صفاء القلب من يأجوج وساوس النفس، فاستغاث بحامي المسكن فقيل له:
|
||
شد سد العزم، فاستظهر بعد الزبر بالقطر، ثم انفرد من جند جوارحه فوقع بعين
|
||
الحياة في السر فعاش بالتوفيق أبد الدهر.
|
||
|
||
| أما تقومون كذا أو فاقعـدوا | | *ما كل من رام السماء يصعدُ * |
|
||
| نام على الهون الذليل ودرى | | جفن العزيز لم بات يسهـدُ |
|
||
| أخفهم سعـياً إلـى سـودده | | أحقهـم بـان يقـال سـيدُ |
|
||
|
||
|
||
|
||
| عن تعب أو رد سـاق أو لا | | ومسحت غرة سـبـاق يد |
|
||
| لو شرف الإنسان وهو وادع | | *لقطع الصمصام وهو مغمدُ * |
|
||
|
||
الفصل السابع عشر
|
||
|
||
الدنيا دار المحن ودائرة الفتن، ساكنها بلا وطن واللبيب قد فطن.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| من مال إلى الدنيا وصبـا | | قد أمعن في الفاني طلبـا |
|
||
| خذ ما يبقى كيلا تشـقـى | | واتبع حقاً ودع اللـعـبـا |
|
||
| وذر الدنيا فلكم قـتـلـتْ | | مكراً بسهام هوى وصبـا |
|
||
| برت ورعت فإذا اجتمعت | | خدعت حتى قطعت إربا |
|
||
| يا عاشقها كم قد نصـبـت | | لهلاكك فاحذرها سبـبـا |
|
||
| يا آمنها كم قد سـلـبـت | | ولـداً بـراً أمـاً وأبــا |
|
||
| أفأين الجار أما قـد جـار | | فجارته حـتـى ذهـبـا |
|
||
| أم أين التراب أما تربـت | | خداه أما سكن الـتـربـا |
|
||
| كم خدت خداً في الأخـدود | | وقدت قداً منـتـصـبـا |
|
||
| كم ثغر ملتثـم ثـلـمـت | | قد كان لراشفه ضـربـا |
|
||
| فسقته المر لـدى جـدث | | وكذاك الدهر إذا ضربـا |
|
||
| وأتت قصراً يحوي نصراً | | فغدا وقصـاراه خـربـا |
|
||
| ومليكاً في صولة دولـتـه | | *أضحى في الحفرة مغتربا * |
|
||
| عرج بأمدار على الآثـار | | وسل طللاً أمسى شجبـا |
|
||
| ينبيك بـأنـهـم رحـلـوا | | وثوى من بعدهم الغربـا |
|
||
| بينا الإنسـان يرى رأسـاً | | فهوى رأساً فغدا ذنـبـا |
|
||
| فتأمـل عـاقـبة الـدنـيا | | فلعلك تصبح مجتـنـبـا |
|
||
| وتدبر ما صنعت فـلـقـد | | أبدت بصنايعها عـجـبـا |
|
||
| ينساك الأهل إذا رجعـوا | | عن قبرك لا تسمع كذبـا |
|
||
| تركوك أسيراً إذ ذهـبـوا | | بتراب ضريحك محتجبـا |
|
||
| وغدوا فرحين بما أخـذوا | | وغدوت باتمك محتقـبـا |
|
||
| وترى أعمالك قد حضرت | | فتنكس رأسك مكـتـئبـا |
|
||
| فكر في الذنب وما احتقبت | | كفاك عليك وما اكتسـبـا |
|
||
| كم بت على ذنب فـرحـاً | | وغدوت على ذنب طربـا |
|
||
| وعلمت بـأن الـلـه يرى | | فأسأت ولم تحسـن أدبـا |
|
||
| فأعد الزاد فمـا سـفـر | | كالموت ترى فيه نصبـا |
|
||
| وأفق والعمر بـه رمـق | | فكأن قد فات وقد ذهـبـا |
|
||
|
||
يا كثير الدرن والدنس، يا من كلما قيل أقبل انتكس، يا من أمر بترك ما يفنى
|
||
لما يبقى فعكس، جاء الأجل وحديث الأمل هوس، يا مؤثراً على الصواب عين
|
||
الغلط، يا جارياً في أمره على أقبح نمط، يا مضيعاً وقته المغتم الملتقط، أي
|
||
شيء بقي بعد الشمط? أتنسى ما سلف لك وفرط? وأبوك بزلة واحدة هبط، ما عندك
|
||
من التوبة خير ولا لها فيك أثر، تنوب من الذنب، فإذا بدا لك بدا لك.\\
|
||
من علم أن عندنا حسن المآب آب، من خاف الجزاء بما في الكتاب تاب، من حذر
|
||
اليم العذاب ذاب، من سار في طريق الإيجاب انجاب، من ذكر فعل الموت بالأب
|
||
والجد جد، من تفكر في مرارة الكأس كاس، ويحك دع محبة الدنيا، فعابر السبيل
|
||
لا يتوطن واعجباً تضيع منك حبة فتبكي وقد ضاع عمرك وأنت تضحك، تستوفي مكيال
|
||
هواك وتطفف في كيل صلاتك "ألا بُعداً لمدين" تقف ببدنك في المحراب، ووجهك
|
||
ملتفت للجراب، ما يصلح مثلك في الجرب، أنت تفضح صف الجهاد، ما تحسن الزردية
|
||
على مخنث خمسين سنة في مكتب التعليم وما حذقت، أبا جاد غداً توبخ وقت عرض
|
||
الألواح "ألم نعمركم" بضاعتك أيام عمرك وقد انتهبها قطاع الطريق، ورجعت إلى
|
||
بيت الأسف بأعدال فارغة، فانظر لعله تخلف فيها شيء تعامل به، فبقية عمر
|
||
المؤمن لا قيمة له.
|
||
|
||
| سقيا لزماننا الذي كان لـنـا | | وافقرى أبعد ذا الفقر غنى |
|
||
| مر أسرع ما توقع البين بنا | | *واقرب منيتي وما نلت منى * |
|
||
|
||
كان فضالة بن صيفي كثير البكاء، فدخل عليه رجل وهو يبكي فقال لزوجته ما
|
||
شأنه? قالت: زعم أنه يريد سفراً بعيداً وماله زاد.\\
|
||
يا هذا الآخرة دار سكانها الأخلاق الجميلة، فصادقوا اليوم سكانها لتنزلوا
|
||
عليهم يوم القدوم، فإن من قدم إلى بلد لا صديق له به نزل بالعراء، يا هذا
|
||
فتى العمر في خدمة البدن وحوائج القلب كلها واقفة، انهض إلى التلافي قبل
|
||
التلف، الكلف يداوى قبل أن يصير بهقاً، والبهق يلاطف قبل أن يعود برصاً،
|
||
أما سمعت في بداية الزلل "إذا مسَّهم طائف" وفي وسطه "كلا بل ران على
|
||
قلوبهم" وفي آخره "أم على قلوب أقفالها" أتبكي على معاصيك? والإصرار يضحك،
|
||
أتخادع التوبة? وإنما تمكر بدينك.
|
||
|
||
| رأيتُ الناس خداعـاً | | إلى جانب خـداع |
|
||
| يعيشون مع الـذئب | | *ويبكون مع الراعي * |
|
||
|
||
ويحك حصل كبريت عزيمة قبل أن تقدح نار توبة وقبل نزول الحرب تملأ الكمائن
|
||
ويحك، لا تطمع أن تخرج إلى فضاء قلبك حتى تتخلص من ربقات نفسك، كيف لا
|
||
يفتقر إلى الرياضة لإزالة الكدر? من أول غذائه دم الطمث، ابك على ظلام قلبك
|
||
يضيء، إذا بكت السحاب إلى الربى تنسمت.\\
|
||
يا هذا، تسمع بالكيمياء وما رأيته صح قط، اجمع عقاقير التوبة في بوتقة
|
||
العزم، وأوقد تحتها نار الأسى على ما سلف، فإن تصعد منها نفس أسف، صار نحاس
|
||
نحوسك ذهب سعادة، أترى في بستاننا اليوم أثمر? قد توجه صلاحه، كأني أشم ريح
|
||
كبد محترقة، أي قلب قد لفحته نار الوجد? ففاح نسيمه، أحسن مظلوم في سلك
|
||
الاعتذار خرز الذل، أحلى نطق يلج سمع القبول الاستغفار، أطرب كلام يحرك قلب
|
||
الرحمة التملق.
|
||
|
||
| يا من بصدودهم لقلبي جرحـوا | | وازداد بي الغرام لما نـزحـوا |
|
||
| ما جدت بهم وهم بهجري سمحوا | | هذا المطروح كم ترى يطـرحُ |
|
||
|
||
قال عبد الله بن مرزوق لغلامه عند الموت: احملني فاطرحني على تلك المزبلة،
|
||
لعلي أموت عليها فيرى ذلي فيرحمني.
|
||
|
||
| عودوا وتعطفوا على قلب كئيب | | لو جيب لبان فيه حزن ووجيب |
|
||
| يدعى للموت في هواكم فيجـيب | | *من أمل مثل فضلكم كيف يخيب * |
|
||
|
||
المذنب يأوي إلى الذل والبكا كما يأوي الطفل إلى الأبوين، بكى أبوكم آدم
|
||
على تفريطه حتى جرت الأودية من دموعه، كان كلما ذكر الجنة قلق، وكلما رأى
|
||
الملائكة تصعد، يحترق تذكر المعاهد فحن.
|
||
|
||
| والذي بالبين والبـعـدُ بـلانـي | | *ما جرى ذكر الحمى إلا شجاني * |
|
||
| حبذا أهل الحمى مـن سـاكـن | | شفني الشوق إليهم وبـرانـي |
|
||
| كلما رمت سـلـواً عـنـهـم | | جذب الشوق إليهم بعـنـانـي |
|
||
| أحسد الطير إذا طـارت إلـى | | أرضهم أو أقلعت للـطـيران |
|
||
| أتمنى أنـنـي أصـحـبـهـا | | نحوهم لو أنني أعطى الأمانـي |
|
||
| لا تزيدوني غرامـاً بـعـدكـم | | خل بي من بعدكم ما قد كفاني |
|
||
| ذهب العمر ولم أحـظ بـكـم | | وتقضي في تمنيكـم زمـانـي |
|
||
| يا خليلي احفظا عهـدي الـذي | | كنتما قبل النوى عاهدتمـانـي |
|
||
| واذكراني مثل ذكري لـكـمـا | | فمن الإنصاف أن لا تنسيانـي |
|
||
| وسلا من أنـا أهـواه عـلـى | | أي جرم صد عني وجفـانـي |
|
||
|
||
الفصل الثامن عشر
|
||
|
||
أيها المشغول باللذات الفانيات، متى تسعد لملمات الممات? متى تستدرك هفوات
|
||
الفوات? أتطمع مع حب الوسادات في لحاق السادات? وأنى تجعل مثلهم? أنى،
|
||
وهيهات.
|
||
|
||
| يا مدمن اللذات ناس غـدرهـا | | اذكر تهجم هـادمِ الـلـذاتِ |
|
||
| احذر مكايده فهـن كـوامـنٌ | | في كرك الأنفاس واللحظـات |
|
||
| تمضي حلاوة ما احتبقت وبعده | | تبقى عليك مرارة التبـعـات |
|
||
| يا حسرة العاصين يوم معادهم | | ولو أنهم سيقوا إلى الجـنـات |
|
||
| لو لم يكن إلا الحياء من الـذي | | *ستر الذنوب لأكثروا الحسرات * |
|
||
|
||
يا عظيم الجرأة يا كثير الانبساط، ما تخاف عواقب هذا الإفراط? يا مؤثر
|
||
الفاني على الباقي غلطة لا كالأغلاط، ألك صبر يقاوم ألم السياط? ألك قدم
|
||
يصلح للمشي على الصراط? أيعجبك لباس الصحة? كلا، وثوب البلا يخاط بداء
|
||
المتون، داء أعيى على بقراط. كم رحل الموت? على غارب اغتراب، كم ألحق ترباً
|
||
بالأتراب في سفر التراب، إنما الموت مخرنبق ليقول، ومجرمز ليغول.
|
||
|
||
| وكم من فتى يمسي ويصبح آمناً | | *وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري * |
|
||
|
||
يا شدة الوجل عند حضور الأجل، يا حسرة الفوت عند حضور الموت، يا خجلة
|
||
العاصين يا أسف المقصرين.\\
|
||
للحجاج:
|
||
|
||
| إلى حتفي سعى قدمي | | *أرى قدمي أراق دمي * |
|
||
| فما انفـك مـن نـدم | | وهان دمي فها ندمي |
|
||
|
||
استلب زمانك يا مسلوب! وغالب الهوى يا مغلوب! وحاسب نفسك فالعمر محسوب،
|
||
وامسح قبيحك فالقبيح مكتوب، واعجباً لنائم وهو مطلوب، ولضاحك وعليه ذنوب.
|
||
|
||
| ألا ذكِّراني قبل أن يأتي الـمـوتُ | | وبيني لجثماني بدار البلـى بـيتُ |
|
||
| وعرفني ربي طريق سـلامـتـي | | وبصَّرني لكنني قـد تـعـامـيتُ |
|
||
| وقالوا مشيب الرأس يحدو إلى البلى | | *فقلت أراني قد قربـت فـأدنـيت* |
|
||
|
||
أين الدموع السواجم? قبل المنايا الهواجم، أين القلق الدائم? للذنوب
|
||
القدايم، أترى آثرت الملاوم? في هذه الأقاوم، أيها القاعد والموت قائم
|
||
أنائم أنت عن حديثنا أم متناوم? لا بد والله من ضربة لازم، تقرع لها سن
|
||
نادم، لا بد من موج هول متلاطم، ينادي فيه نوح الأسى لا عاصم، لا بد من سقم
|
||
السالم ينسى فيه يا أم سالم.
|
||
|
||
| يا من سينأى عن بنيه | | كما نأى عنه أبـوه |
|
||
| مثل لنفسك قولهـم | | جاء اليقين فوجهوه |
|
||
| وتحللوا من ظلمـه | | قبل الممات وحللوه |
|
||
|
||
يا مؤخراً توبته بمطل التسويف "لأي يومٍ أُجِّلتْ" كنت تقول إذا شئت تبت
|
||
فهذي شهور الصيف عناقد انقضت، قدر أن الموت لا يأتي إلا بغتة! أليس مرض
|
||
الموت يبغت? ويحك قد نفذ السليط، فاستدرك ذبالة المصباح، في كل يوم تضع
|
||
قاعدة إنابة، ولكن على شفا جرف هار، كم تعزم على طاعة وتوبة، يا ليلى الهوى
|
||
ما تبصر توبة، تبيت من العزم في شعار أويس، فإذا أصبحت أخذت طريق قيس تنقض
|
||
عرى العزايم عروة عروة، كل صريع في الهوى رفيق عروة، كم تدفن كثيراً من
|
||
الأعزة? وما يرجع كثير عن حب عزة.
|
||
|
||
| جنونك مجنون ولست بواجد | | *طبيباً يداوي من جنون جنون * |
|
||
|
||
خلق قلبك صافياً في الأصل، وإنما كدرته الخطايا، وفي الخلوة يركد الكدر،
|
||
تلمح سبب هذا التكدير، فما يخفى الحال على متلمح، كنت مقيماً في دار
|
||
الإنابة نظيفاً، فسافرت في الهوى فعلاك وسخ، أفلا تحن إلى النظافة? ألا
|
||
يحرك البدوي ذكر نجد? طال مرضك واليوم بحران، أتدري ما البحران? تجتمع
|
||
القوة والمرض فيختصمان، فإن تحلبته جاءت العافية، وإن تحلبها فالهلاك، هذه
|
||
ساعة بحرانك، والعقل يقاوم الهوى، فانظر من يغلب? واعجباً كيف يستأسر أسد
|
||
لثعلب? يا مستهاناً في خدمة النفس، اخرج إلى ديار القلب تعز، الفيلة في
|
||
الهند عوامل تنقل رجال القوم وتخدمهم، فإذا خرجت إلى من يعرف قدرها. أكرمت،
|
||
العود في بلاده خشب، فإذا سوفر به إلى طالب الطيب أعز، تفاح أصبهان في بلده
|
||
فاكهة، فإذا جيء به إلى العراق، دل على الطباع اللطيفة بريحه. الفهد في
|
||
الصحراء بهيمة، فإذا وقع بيد من يعرفه، غضب فيترضى، البازي في البرية طائر،
|
||
فإذا صيد فسريره كف الملك.\\
|
||
يا مختار الكون وما يعرف قدر نفسه، أما أسجدت الملائكة بالأمس لك? وجعلتهم
|
||
اليوم في خدمتك، لما تكبر عليك إبليس، وقد عبدني سنين طردته، أفتصافيه على
|
||
خلافي? "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" أنا القائل قبل وجود أبيك
|
||
للملائكة "إني جاعلٌ في الأرض خليفة" اطلعوا من خوخات تعبدكم، فانظروا ما
|
||
أصنع? أخذت قبضة من تراب، فصببت عليها قطرات من ماء "مرج البحرين يلتقيان"
|
||
قال التراب والماء: وأي قدر لنا? فنزل دار تواضعهما عزيز "ونفخت فيه من
|
||
روحي" فانضم صدف بحر البدن على در القلب، فانعقد فصار عرشاً لصفة
|
||
"ويسعني".\\
|
||
خلا المثقف بالطفل داخل البيت، فسطر في لوح سره العلم "كتب في قلوبهم
|
||
الإيمان" وأخرجه يوم التخيير وقد حذق المكتوب "فقال أنبئهم بأسمائهم" ثم
|
||
قيل له، لا يحتمل موضع الخلع، وجوده ذر البذر، فاخرج إلى عالم الطبع، أكلت
|
||
يا دودة القز، فاذهبي إلى الغزل، وتشاغلي بالنسج، فنزل إلى دار المجاهدة،
|
||
فظهر من ثمرة شجرته، صبر الخليل، وثبوت الذبيح، وجهاد يوسف، وكمال محمد صلى
|
||
الله عليه وسلم، ثم جاء أولياء في هذه الدولة، فخجلت عند زهدهم الرهبة، لا
|
||
بل سبقوا تعبد الملائكة، قال سري: ما فاتني ورد قط فقدرت على إعادته، وذاك
|
||
أن الزمان الذي مضى فيه وظيفة أخرى.
|
||
|
||
| ما لي شغل سواه ما لي شغـل | | *ما يصرف عن هواه قلبي عذل * |
|
||
| ما أصنع إن جفا وخاب الأمـل | | *مني بدل ومنه مـا لـي بـدل* |
|
||
|
||
كانت رابعة العابدة، تقوم من أول الليل، وتقول:
|
||
|
||
| قام المحب إلى المؤمل قومه | | *كاد الفؤاد من السرور يطير * |
|
||
|
||
فإذا انقضى الليل، صاحت: واحرباه، واسلباه.
|
||
|
||
| ذهب الظلام بأنسه وبألفه | | ليت الظلام بأنسه يتجدد |
|
||
|
||
دخلوا على زجلة العابدة، فكلموها في الرفق بنفسها، فقالت: والله لأصلين لله
|
||
ما أقلتني جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي. ولأبكين ما حملت الماء عيناي.
|
||
|
||
| لا أقبل نصحكم فخلوا عـذلـي | | *ما أعذب في الغرام طعم القتل * |
|
||
| إن طل دمي فكم محب مثلـي | | *قد ضرج باللحاظ لا بالنـبـل* |
|
||
|
||
أين أنت والأحباب? كم بين القشور واللباب? لصردر:
|
||
|
||
| هل مدلج عنده من مبكر خبر | | *وكيف يعلم حال الرائح الغادي * |
|
||
|
||
يا معجباً بتعبده، تأمل فضائل السابقين، وقد هدرت شقاشق كبرك النظر في
|
||
سيرهم قرظ يجفف عفن الرعونة، مضى والله هل المعاني، وتخلف أرباب الدعاوي.
|
||
|
||
| هاتيك ربوعهم وفيها كانوا | | بانوا عنها فليتهم ما بانوا |
|
||
| ناديت وفي حشاشتي نيران | | يا قوم متى تحول السكان |
|
||
|
||
الفصل التاسع عشر
|
||
|
||
عجباً لراحل مات وما تزود للرحلة، ولمسافر ماج وما جمع للسفر رحلة، ولمنتقل
|
||
إلى قبره لم يتأهب للنقلة، ولمفرط في أمره لم يستشر عقله.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| لا مرية في الردى ولا جـدلُ | | العمر دين قضـاؤه الأجـلُ |
|
||
| للمرء في حتف أنفه شـغـل | | فما تريد السـيوف والأسـلُ |
|
||
| يفرى الدجى والضحى بأسلحة | | سيان فيها الدروع والحـلـلُ |
|
||
| كأس أديرت على لـذاذتـهـا | | عُدّل فيها الزعاف والعسـلُ |
|
||
| كل إلـى غـاية يصـير ولا | | تمييز إلا الإسراع والمَـهَـلُ |
|
||
| والناس ركب يهوون حثـهـم | | ولا يُسـرُّون أنـهـم نـزلُ |
|
||
| وسوف تطوى مسافة ذملـت | | بقاطعـيهـا ركـائب ذلـلُ |
|
||
| كيف يعد الدنيا لـه وطـنـاً | | من هو عنها ينأى وينتـقـلُ |
|
||
| نسخو بأعمارنا ونبـخـل بـا | | لمال فتبَّ السخاء والبـخـلُ |
|
||
| أضاع راقي الداء العضال كما | | ضيع في سمع عاشق عـدَلُ |
|
||
| ولو نجا الهائب الجبـان مـن | | الموت نجا في أقدامه البطلُ |
|
||
| ما أسلموا هذه النفـوس إلـى | | الأجداث إلا إذا ضاقت الحيلُ |
|
||
| ضرورة ذلت القـروم لـهـا | | وقد تقود المصاعب الجـدلُ |
|
||
| ومن حذار تبوأ الكدية الضب | | وأوفى الشواهـق الـوعـل |
|
||
| يقاد في عزه الخبعثنة الضـا | | ري ويدهي في ذله الجُعَـلُ |
|
||
| وهل يردُّ الأحباب أن ظعنـوا | | *على محب أن يندب الطلـلُ* |
|
||
|
||
أخواني، مر الأقران على مدرجة، وخيول الرحيل للباقين مسرجة سار القوم إلى
|
||
القبور هملجة وباتت أرواح من الأشباح مستخرجة، إلى كم هذا التسويف
|
||
والمجمجة? بضائعكم كلها بهرجة، وطريقكم صعبة عوسجة، وستعرفون الخبر وقت
|
||
الحشرجة.\\
|
||
يا من قد ساخ في أوساخ، إلى كم تملى? تعبت النساخ، يا من ضيع الشباب، وما
|
||
يسمع العتاب وقد شاخ، بادر صبابة القوى، فاستدرك باقي الطباخ، وتأهب للرحيل
|
||
فما هذه الدنيا بمناخ، كم بات مزمار في بيت فأصبح فيه الصراخ، أين من حصن
|
||
الحصون واحترس وعمر الحدائق واحترس، ونصب سرير الكبر وجلس، وظن بقاء للنفس
|
||
فخاب الظن في نفس، نازله الموت، وتركه في ظلام ظلمة بين العيب والدنس،
|
||
فالعاقل من بادر الندامة، فإن السلامة خلس.\\
|
||
لابن المعتز:
|
||
|
||
| ألا من لقلب في الهوى غير منـتـه | | *وفي الغي مطواع وفي الرشد مكره * |
|
||
| أشـاوره فـي تـوبة فـيقــول لا | | *فإن قلت تأتي فتنة قال: أين هـي?* |
|
||
|
||
سابقة القدر قضت لقوم بدليل "سبقت لهم" وعلى قوم بدليل "غلبتْ علينا" تلقيح
|
||
"سبقت" نور قلوب الجن "فقالوا سمعنا قرآناً عجبا" وخذلان "غلبت" أعمى بصائر
|
||
قريش "فقالوا أساطير الأولين" إذا هزت صوارم القدر، تقلقلت رقاب المقربين
|
||
غضب على قوم فلم تنفعهم الحسنات، ورضي عن قوم فلم تضرهم السيئات، ما نفعت
|
||
عبادة إبليس، ولا ضر عناد السحرة.\\
|
||
هبت عواصف الأقدار في بيداء الأكوان، فنقلت الوجود وعم الخبر، فلما ركدت
|
||
الريح، إذا أبو طالب غريق في لجة الهلاك وسلمان على ساحل السلامة، والوليد
|
||
بن المغيرة يقدم قومه في التيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم، وأبو جهل في
|
||
رقدة المخالفة، وبلال ينادي الصلاة خير من النوم، لما قضيت في القدم سلامة
|
||
سلمان، أقبل يناظر أباه في دين قد أباه، فلم يعرف أبوه جواباً إلا القيد،
|
||
وهذا الجواب المرذول قديم من يوم "حرقوه" فنزل به ضيف "ولنبلونكم" فنال
|
||
بإكرامه مرتبة "سلمان منا" سمع أن ركباً على نية السفر، فسرق نفسه من حرز
|
||
أبيه، ولا قطع، فوقف نفسه على خدمة الأدلاء وقرف الأذلاء، فلما أحس الرهبان
|
||
بانقطاع دولتهم، سلموا إليه أعلام الأعلام على علامات نبينا، وقالوا أن
|
||
زمنه قد أظل فاحذر أن تضل، وأنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين
|
||
حرتين، فلو رأيتموه قد فلى الفلا والدليل شوقه، وخلى الوطن خلاء يزعجه
|
||
توقه.\\
|
||
لأبي العلاء المعري:
|
||
|
||
| وأبغضت فيك النخل والنخل يانـع | | *وأعجبني من حبك الطلح والضال * |
|
||
| وأهوى لجراك السماوة والغضـا | | *ولو أن ضيفـيه وشـاة وعـذال* |
|
||
|
||
رحل مع رفقة لم يرفقوا "فشروه بثمن بخس" فابتاعه يهودي بالمدينة، فلما رأى
|
||
الحرتين توقد خَرُشَوْقه، وما علم المنزل بوجد النازل.\\
|
||
للمتنبي:
|
||
|
||
| *أيدري الرَّبع أيّ دم أراقـا?* | | *وأيَّ قلوب هذا الركب شاقى * |
|
||
| لنا ولأهلـه أبـداً قـلـوب | | *تلاقي في جسومٍ ما تلاقـى* |
|
||
|
||
فبينا هو يكابد ساعات الانتظار، قدم البشير بقدوم البشير وسلمان في رأس
|
||
نخلة، فكاد القلق يلقيه، لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم "أن كادت لتبدي
|
||
به" ثم عجل النزول، ليلقى ركب السيارة.
|
||
|
||
| خليلي من نجد قفا بي على الربى | | *فقد هب من تلك الرسوم نسـيم* |
|
||
|
||
فصاح به المالك: مالك ولهذا? انصرف إلى شغلك، فأجاب لسان وجده، كيف انصرافي
|
||
ولي في داركم شغل فاخذ يضربه، فأخذ لسان حاله يترنم، لو سمع الأطروش.
|
||
|
||
| خليلي لا والله ما أنا منكما | | *إذا علم من آل ليلى بداليا* |
|
||
|
||
فلما لقي الرسول عرض نسخة الرهبان بكتاب الأصل، فوافق ووافق، يا محمد أنت
|
||
تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان، أبو طالب إذا سئل عن اسمه، قال عبد مناف،
|
||
وإذا انتسب افتخر بالآباء، إذا ذكرت الأموال عد الإبل، وسلمان، إذا سئل عن
|
||
اسمه قال عبد الله وعن نسبه، قال ابن الإسلام، وعن لباسه قال التواضع، وعن
|
||
طعامه قال الجوع، وعن شرابه قال الدموع، وعن وساده قال السهر، وعن فخره قال
|
||
"سلمان منا" وعن قصده، قال: "يريدون وجهه".\\
|
||
للشبلي:
|
||
|
||
| إن بيتاً أنت سـاكـنـه | | *غير محتاج إلى السرج * |
|
||
| وعـلـيلاً أنـت زائره | | قد آتاه الله بـالـفـرج |
|
||
| وجهك المأمول حجتنـا | | يوم يأتي الناس بالحجج |
|
||
|
||
الفصل العشرون
|
||
|
||
يا من يمشي على ظهور الحفر، ويرى السابقين إلى بيوت المدر، لو أصغى سمع
|
||
التدبير، سمع العبر، كفى بالموت واعظاً يا عمر.\\
|
||
لأبي العتاهية:
|
||
|
||
| وعظتْكَ أجداثٌ ضمت | | ونعتك أزمنة خـفـت |
|
||
| وتكلمتْ عن أعـظـم | | تبلى وعن صور شتت |
|
||
| وارتك قبرك في القبور | | وأنت حيٌّ لم تـمـتْ |
|
||
|
||
يا سادراً في سكر سروره، يا سادلاً ثوب غروره، كأنك بك قد اقتعدت غارب
|
||
الغربة، واستبدلت بالأثواب التربة، سيقسم مالك من لا يحمدك، وستقدم على من
|
||
لا يعذرك، غداً يرجع الحبيبان عنك، حبيبك من أهلك يقسم حبيبك من مالك، وأنت
|
||
في قفر الفقر إلى ما أسلفت، تبكي على ما خلفت، بين أناس كلهم أسير الفرق،
|
||
وجميعهم على مهاد القلق.
|
||
|
||
| محلة سفر كـان آخـر زادهـم | | إليه متاع من حنوط ومن خرق |
|
||
| إلى منزل سوى البلى بين أهلـه | | *فلم تستبن فيه الملوك من السوق * |
|
||
|
||
إلى متى تبقى بدائك? أهذا الذي تفعله برائك? لقد حل فناؤك بفنائك، وأخبر
|
||
انتقاض بنائك بنمائك، وأن وراءك طالباً لا تفوته، وقد نصب لك علم لا تجوز،
|
||
فما أسرع ما يدركك الطالب، وما أعجل ما تبلغ العلم، أخواني، هذا الموت
|
||
غداً، يقول للرحيل غد، كيف بكم إذا صاح إسرافيل? في الصور بالصور، فأسمع
|
||
العظام البالية تحت المدر، فاجتمعت من بطون السباع، وحواصل الطير، فقامت
|
||
تبكي على فوات الخير، وسار الخلائق كلهم حفاة عراة، كل منهم مشغول بما
|
||
عراه، وقد رجت الأرض وبست الجبال، وذهلت العقول وشاب الأطفال.
|
||
|
||
| أيا نفس حقك أن تجزعـي | | ويا عين إياك أن تهجعـي |
|
||
| ويا أذن إن دعاك الـهـوى | | فإياك إياك أن تسمـعـي |
|
||
| وبالله يا جفن عيني القـريح | | ضرج بفيض الدما أدمعي |
|
||
| ويا كل جارحة لي علـيك | | حفيظ فابكي ونوحي معيد |
|
||
| يسير بنا الدهر من موضع | | ترحل عنه إلى مـوضـع |
|
||
| إلى حيث لا العين فيه ترى | | *ولا الأذن إن خاطبوها تعي * |
|
||
| فيا ويلنا من طريق هنـاك | | طويل بعيد المدى مسبـع |
|
||
|
||
يا أهل الذنوب والخطايا ألكم صبر على العقوبة? "كلا إنها لظى" إذا شاهدت من
|
||
اشترى لذة ساعة بعذاب سنين "تكاد تميَّز من الغيظ" من أراد أن ينجو منها
|
||
فليتب "من قبل أن يتماسا" كيف أمن العصاة? "وإن منكم إلا واردها" كيف نسوا
|
||
غب الزلل? "ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".\\
|
||
أخواني، مثلوا أهل الجنة "يوم نحشر المتقين" "ونورهم يسعى بين أيديهم"
|
||
ومعهم توقيع "لا خوفٌ عليهم" فلما وصلوا إلى الجنان "وفُتحت أبوابها"
|
||
وبدأهم الخزنة "سلام عليكم طبتم" وبشروهم بالبقاء الدائم "فادخلوها خالدين"
|
||
وقرأت الأملاك من سجل الأملاك مبلغ الثمن "بما صبرتم" وجميع المرادات داخلة
|
||
في إقطاع "ما تشتهي أنفسكم" وقد استرجح في الميزان "ولدينا مزيد" وأتم
|
||
التمام "وما هم منها بمخرجين".
|
||
|
||
| وهذا السرور بتلك الكرب | | وهذا النعيم بذاك التعـب |
|
||
|
||
ويحك ميز بعقلك وحسك بين الدارين، وأحضر الذنب والعقاب والمح العاقبتين،
|
||
هذا الحيوان البهيمي ينظر في العواقب، الإبل يأكل الحيات فيشتد عطشه فيحوم
|
||
حول الماء ولا يشرب لعلمه أن الماء ينفد السموم إلى أماكن لا يبلغها
|
||
الطعام، ومن عادته أن يسقط قرنه كل سنة وهو سلاحه فيختفي إلى أن ينبت، هذه
|
||
الحية، تختفي طول الشتاء بالأرض، فتخرج وقد عشى بصرها، فتحكه بأصول
|
||
الرازايانج لأنه يزيل العشا، هذا الفهد إذا سمن علم أنه مطلوب وشحمه يمنعه
|
||
من الهرب فهو يستر نفسه إلى أن ينحل الشحم، هذه النملة تدخر في الصيف
|
||
للشتاء، فإذا خافت عفن الحب أخرجته إلى الهواء فإذا حذرت أن ينبت نقرت موضع
|
||
القطمير.\\
|
||
أسمعت يا مقطوع الحيلة? متى تدخر من صيف قوتك إلى شتاء عجزك? هذه السمكة
|
||
إذا حبستها الشبكة جمزت بكل قوتها لتقطع الحابس، لو نهضت بقوة العزم
|
||
لانخرقت شبكة الهوى، إذا مد النهر اغتنمت ذلك المد الزنابير، فبنت منه
|
||
بيوتاً لأنه لا يصلح لها غيره، مد بحر الشباب وما بنيت بيت جد، فحدثني ما
|
||
الذي تصنع في القحل? إن فاتك زمن المد، فمد اليد للسؤال حيلة المفلس.\\
|
||
يا محصراً عن الوصول لا يجزيه الهدى، يا منقطعاً في الطريق عن جملة الوفد،
|
||
تحامل إلى بعض خيم أهل الوصل، واشهد على وصيتك ذوي عدل، وناد في النادي
|
||
بصوت الذل.
|
||
|
||
| إذا ما وصلتم سالمين فبـلِّـغـوا | | *تحيةً من قد ظن أن لا يرى نجداً * |
|
||
|
||
وابسط في الدجى يد الطلب، فأطيب ما أكل الرجل، من كسب يده، وقل بلسان
|
||
التملق:
|
||
|
||
| أحبابنا أنا ذاكم العبـد الـذي | | راعيتموه نـاشـئاً وولـيداً |
|
||
| حالت به الأحوال بعد فراقكم | | فرمى بأسرته وجاء فـريدا |
|
||
|
||
إذا جلست في ظلام الليل بيد يدي سيدك فاستعمل أخلاق الأطفال، فإن الطفل إذا
|
||
طلب من أبيه شيئاً فلم يعطه يكن عليه.
|
||
|
||
| بلغ المنى من حل في وادي منى | | غيري فإني ما بلغت مـرادي |
|
||
| وبكيت من ألم الفراق وشقوتـي | | فبكى الحجيج بأسره والـوادي |
|
||
|
||
يا من قد نزلت به بلية الطرد، تروح إلى حديث المناجاة وإن لم تسمع منك،
|
||
وابعث رسائل الأحزان مع رياح الأسحار ولو لم تصل.
|
||
|
||
| يا نسيم الشمال بلـغ خـطـابـي | | *واشف مني الجوى بحمل الجواب * |
|
||
| طفت بساحات ذلك الربع واحمل | | ذرة من تراب ذاك الجـنـاب |
|
||
| قل لمولاي يا منى الروح والقلب | | ومن فيه ذلتي وانـتـحـابـي |
|
||
| كنت أخشى الوشاة فيك ولـكـن | | جفوة الحب لم تكن في حسابي |
|
||
|
||
الفصل الحادي والعشرون
|
||
|
||
يا ساعياً لنفسه في المهالك، دنا الرحيل ونضو النقلة بارك، متى تذكر وحشتك
|
||
بعد إيناسك? متى تقتدي من ناسك بناسك? كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك،
|
||
وانفردت عن عددك وعددك، وقتلك بسيف الندم ولم يدك، ورحلت ولم يحصل بيدك إلا
|
||
عض يدك.
|
||
|
||
| كأنك لم تسمع بأخبار من مـضـى | | ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر |
|
||
| فإن كنت لا تدري فتلـك ديارهـم | | محاها مجال الريح بعدك والقطر |
|
||
| على ذاك مروا أجمعون وهـكـذا | | يمرون حتى يستردهم الـحـشـر |
|
||
| فحتام لا تصحو وقد قرب المـدى | | وحتام لا ينجاب عن قلبك السكـر |
|
||
| بل سوف تصحو حين ينكشف الغطا | | *وتذكر قولي حين لا ينفع الذكـر* |
|
||
|
||
يا من يذنب ولا يتوب، كم قد كتبت عليك ذنوب? خل الأمل الكذوب، فرب شروق بلا
|
||
غروب، وا آسفي أين القلوب? تفرقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا
|
||
تؤوب، واعجباً الناس ضروب، متى تنته لخلاصك أيها الناعس? متى تطلب الأخرى
|
||
يا من على الدنيا ينافس? متى تذكر وحدتك إذ انفردت عن موانس? يا من قلبه قد
|
||
قسا وجفنه ناعس، يا من تحدثه الأماني دع هذه الوساوس.\\
|
||
أين الجبابرة الأكاسرة الشجعان الفوارس، أين الأسد الضواري والظباء
|
||
الكوانس، أين من اعتاد سعة القصور حبس من القبور في أضيق المحابس، أين
|
||
الرافل في أثوابه عري في ترابه عن الملابس، أين الغافل في أمله عن أجله
|
||
سلبه كف المخالس، أين حارس المال، أخذ المحروس وقتل الحارس.\\
|
||
يا مضمراً حب الدنيا إضمار الجمل الحقود، نبعث منقاش اللوم وما يصل إلى
|
||
شظايا المحبة، الدنيا جيفة قد أراحت ومزكوم الغفلة ما يدري، سوق فيها ضجيج
|
||
الهوى، فمن يسمع المواعظ.
|
||
|
||
| علمتني بهجرها الصبر عنها | | فهي مشكورة على التقبيح |
|
||
|
||
إذا أردت دواء حبها فما قل في الشربة صبر، انفرد في صومعة الزهد، واحفر
|
||
خندق الحذر، وأقم حارس الورع، ولا تطلع من خوخة مسامحة فإن البغي في الفتى
|
||
صناع.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| النجاء النجاء من أرض نجد | | قبل أن يعلق الفؤاد بوجـد |
|
||
| كم خلى غدا إليه وأمسـى | | وهو يهوي بعلوة وبهـنـد |
|
||
|
||
حصّن حصن التقى بسور القناعة، فإن لص الحرص يطلب ثمة، غريم الطبع متقاض
|
||
ملح، والشره شرك، وخمار المنى داء قاتل، بينا الحرص يمد وتر الأمل انقطع،
|
||
هل العيش إلا كأس مشوبة بالكدر ثم رسوتها الموت "فابتغوا عند الله
|
||
الرزق".\\
|
||
قال محمد بن واسع لو رأيتم رجلاً في الجنة يبكي، أما كنتم تعجبون? قالوا
|
||
بلى، قال: فأعجب منه في الدنيا رجل يضحك ولا يدري إلى ما يصير? ضحك بعض
|
||
الصالحين يوماً ثم انتبه لنفسه فقال: تضحكين? وما جزت العقبة، والله لا
|
||
ضحكت بعدها، حتى أعلم بماذا تقع الواقعة?
|
||
|
||
| يا نسيم الشمال بالله بلغ | | *ما يقول المتيم المستهام * |
|
||
| قل لأحبابنا فداكم محب | | *ليس يسلو ومقلة لا تنام * |
|
||
| كل عيش ولذة وسرور | | قبل لقياكم علي حرام |
|
||
|
||
فرغ القوم قلوبهم من الشواغل، فضربت فيها سرادقات المحبوب، فأقاموا العيون
|
||
تحرس تارة، وترش الأرض تارة، هيهات هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم
|
||
بسمع الملك.\\
|
||
لابن المعتز:
|
||
|
||
| أيها الملك الذي سهـري فـيه | | كطعم الرقاد بل هو أحـلـى |
|
||
| غرضي ما يريده بي حبـيبـي | | لو سقاني مهلاً لما قلت مهلا |
|
||
| لست أدري أطال لـيلـي أم لا | | كيف يدري بذاك من يتقـلـى |
|
||
| إن العاشقين في قصر الـلـيل | | وفي طوله عن النوم شـغـلا |
|
||
| لو تفرغت لاستطـالة لـيلـي | | أو لرعي النجوم كنت مخـلا |
|
||
| وغرام الفؤاد مذ غبت عـنـه | | *لم يحل عن هواك حاشى وكلا * |
|
||
|
||
قلوب العارفين، مملوءة بذكر الحبيب، ليس فيها سعة لغيره.
|
||
|
||
| قد صيغ قلبي على مقدار حبهم | | فما لحب سواهم فيه متسـع |
|
||
|
||
إن نطقوا فبذكره، وإن تحركوا فبأمره، وإن فرحوا فلقربه، وإن ترحوا فلعتبه.
|
||
|
||
| والله ما طلعت شمس ولا غربـت | | إلا وأنت مني قلبي ووسـواسـي |
|
||
| ولا جلست إلى قـوم أحـدثـهـم | | إلا وأنت حديثي بـين جـلاسـي |
|
||
| ولا هممت بشرب الماء من عطش | | *إلا رأيت خيالاً منك في الكـاس* |
|
||
|
||
أقواتهم ذكرى الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا
|
||
يتكلمون في غير رضاه بلفظة.
|
||
|
||
| حياتي منك في روح الوصـال | | *وصبري عنك من سلب المحال * |
|
||
| وكيف الصبر عنك وأي صبـر | | لعطشان عن المـاء الـزلال |
|
||
| إذا لعب الرجال بكـل شـيء | | رأيت الحب يلعب بالـرجـال |
|
||
|
||
كم تدرس أخبارهم وما تدرس، لئن طواهم الفناء لقد نشرهم الثناء، لو سمعتهم
|
||
في الدجا يعجون، لو رأيتهم في الأسحار يضجون، لولا نسايم الرجاء كانوا
|
||
ينضجون.
|
||
|
||
| ما لي عن وصلك اصطبار | | إليك من هجرك الفـرارُ |
|
||
| أصبحتُ ظمآن ذا جفـون | | مياه أخلافـهـا غـزارُ |
|
||
| أرومُ كتمـان مـا ألاقـي | | وبالأماقي له اشـتـهـارُ |
|
||
| ومن نسيم الصبـا إذا مـا | | هبت على أرضكم أغـار |
|
||
| آه لذكرى ديار سـلـمـى | | لا أجدبت تلـكـم الـديار |
|
||
| لهفي لعيش بهـا تـولـي | | نظير أيامه الـنـضـارُ |
|
||
| إذ أعين الدهـر راقـدات | | وفي غضون الهوى ثمارُ |
|
||
|
||
الفصل الثاني والعشرون
|
||
|
||
أيها الحاطب على أزره، وزراً وآثاماً، تنبه ترى الدنيا أحلى ما كانت
|
||
أحلاماً، كم نكس الموت فيها أعلاماً أعلى ما، كم أذل بقهره أقواماً أقوى
|
||
ما، لا كان مفتاح أمسى له الموت ختاماً.
|
||
|
||
| مَن على هذه الـديار أقـامـا | | أو صفا ملبس علـيه فـدامـا |
|
||
| عج بنا ننـدب الـذين تـولـوا | | باقتياد المنون عاماً فـعـامـا |
|
||
| تركوا كـل ذروة مـن أشـم | | *يحسر الطرف ثم حلوا الرغاما * |
|
||
| يا لحا الله مهملاً حسب الدهـر | | نؤوم الجفون عنـه فـنـامـا |
|
||
| هل لنا بالـغـين كـل مـراد | | غير ما يملأ الضلوع طعامـا |
|
||
| وإذا أعوز الحلال فشل الـلـه | | *كفا جرت إلـيهـا حـرامـا* |
|
||
|
||
التبعات تبقى واللذات تمر، وغب الأرى وإن حلا فهو مر، وكأن قد عوى في دار
|
||
العوافي ذئب الضر، وما يلهي شيء من الدنيا ويسر إلا يؤذي ويضر، وقد بانت
|
||
عيوبها، فليس فيها ما يغر وإنما يعشقها الجهول ويأنف منها الحر.
|
||
|
||
| تذل الرجال لأطماعها | | كذل العبيد لأربابهـا |
|
||
| ولا تجنين ثمار المنى | | *فتجنى الهوان بأعقابها * |
|
||
|
||
أخواني، ربما أورد الطمع ولم يصدر، كم شارب شرق قبل الري? من أخطأته سهام
|
||
المنية قيده عقال الهرم، ألا يتيقظ العاقل بأضرابه، ألا يتنبه الغافل
|
||
بأوصابه، أيسلم والرامي تحت ثيابه? يا مريضاً أتعب الأطباء ما به، كأنك
|
||
بالدنيا التي تقول مرحباً قد حلت الحبى وتفرقت أيدي سبا.\\
|
||
ويحك أخوك من عذلك لا من عذرك، صديقك من صدقك لا من صدّقك، ويحك من يطربك
|
||
يطغيك، ومالا يعنبك يعنيك، تتوب صباحاً فإذا أمسيت تحول وتعول وتقول غير
|
||
أنك تنقض ما تقول، وتتلون دائماً كما تتلون الغول.\\
|
||
يا عبد الهوى، إن دعا أمّنت وإن ادعى آمنت، كم قال لك الهوى وما سمعت، أنا
|
||
مكار وتبعت، والله لقد أفتك أضعاف ما أفدتك، ولقد أعذر من أنذر، وما قصر من
|
||
بصر، لما رأى المتيقظون سطوة الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابها لجأوا
|
||
إلى حصن الزهد، كما يأوي الصيد المذعور إلى الحرم، لاح لهم حب المشتهي،
|
||
فلما مدوا إليه أيدي التناول بان لأبصار البصائر، خيط الفخ فطاروا بأجنحة
|
||
الحذر، وصوتوا إلى الرعيل الثاني "يا ليتَ قومي يعلمون" جمعوا الرحل قبل
|
||
الرحيل، وشمروا في سواء السبيل، فالناس في الغفلات وهم في قطع الفلاة "تلك
|
||
أمة قد خلتْ" لو رأيت مطايا أجسامهم، وقد أذا بها السرى فهي تحن مما تجن
|
||
فتبكي الحداد.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| حنتْ فأذكتْ لوعـتـي حـنـينـا | | أشكو من البين وتشكـو الـبـينـا |
|
||
| قد عاث في أشخاصها طولُ السرى | | بقدر ما عـاث الـفـراق فـينـا |
|
||
| فخلها تمشي الهـوينـا طـال مـا | | أضحت تباري الريح في البرينـا |
|
||
| وكيف لا نأوي لها وهـي الـتـي | | بها قطعنا السهـل والـحـزونـا |
|
||
| إن كن لم يفصحن بالشكوى لنا | | فهن بالأرزام يشـتـكـينـا |
|
||
| قد أقرحت بما تحن كـبـدي | | إن الحزين يسعد الحـزينـا |
|
||
| وقد تياسرت بـهـن جـائراً | | عن الحمى فاعدل بها يمينـا |
|
||
| يقول صاحبي أترى آثارهـم | | نعم ولكن لا أرى القطـينـا |
|
||
| لو لم تجد ربوعهم كوجـدنـا | | للبين لم تبل كمـا بـلـينـا |
|
||
| أكلما لاح لـعـينـي بـارق | | بكت فأبدت سرى المصونـا |
|
||
| لا تأخذوا قلبي بذنب مقلتـي | | *وعذبوا الخـائن لا الأمـينـا* |
|
||
|
||
دارت قلوب القوم في دائرة الخوف، دوران الكرة تحت الصولجان فهاموا في فلوات
|
||
القلق، فمن خايف مستجير، ومن واحد يقول، ومن سكران يبث.
|
||
|
||
| إذا لعب الرجال بكل شيء | | *رأيت الحب يلعب بالرجال * |
|
||
|
||
طالت عليهم بادية الرياضة، ثم بدت بعدها الرياض، استوطنوا فردوس الأنس في
|
||
قلة طور الطلب.
|
||
|
||
| شقينا في الهوى زمناً فلمـا | | تلاقينا كأنا مـا شـقـينـا |
|
||
| سخطنا عندما جنت الليالـي | | فما زالت بنا حتى رضينـا |
|
||
| فمن لم يحيى بعد الموت يوماً | | *فإنا بعد ما متـنـا حـيينـا* |
|
||
|
||
وقفت على قبر بعض الصالحين فقلت: يا فلان، بماذا نلت تردد الأقدام إليك?
|
||
فقال: أقدمت على رد الهوى بلا تردد، فترددت إلي الأقدام، كان عطر إخلاصي
|
||
خالصاً فعبق نشره بالأرواح.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| جرتْ مع الرسم لي محاورةٌ | | فهمتُ منها ما قاله الرسـمُ |
|
||
| هل لك بالنازلين أرض منى | | *يا علَمَ الشوقِ بعدنا عِـلـمُ* |
|
||
|
||
أدلج القوم طول الليل في السرى، وخافوا عوز الماء فتمموا المزاد بالبكاء.
|
||
|
||
| سلو غير طرفي إن سألتم عن الكرى | | *فما لجفون العـاشـقـين مـنـام* |
|
||
|
||
سكن الخوف قلوبهم فإذا بها، فإذا بها في محلة الأمن، نحلوا المعرفة فتحلوا
|
||
فعمر قصر القلب للملك، وقنعت الحواشي في القاع بالخيم.
|
||
|
||
| وكم ناحل بين تلك الخيام | | تحسبه بعض أطنابهـا |
|
||
|
||
يا هذا، سرادق المحبة لا يضرب إلا في قاع فارغ نزه "فرِّغ قلبك من غيري
|
||
،أسكنه".\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| تركوا الدار فـلـمـا | | نزلوا القلب أقامـوا |
|
||
| يا خليلي اسـقـيانـي | | زمن الوجـد مـدامُ |
|
||
| وصِفا لي قلعة الركب | | ولـلـيلِ مُـقــامُ |
|
||
| ومِـنـىً أين مـنـىً | | مِنِّي لقد شط المَـرامُ |
|
||
| هل على جمع نزول | | وعلى الخيف خـيام |
|
||
|
||
بحق لا بد أن المحبين تذوب، ولسماء أعينهم تهمي وتصوب، لو حملوا جبال الأرض
|
||
مع كر الكروب، كان ذلك قليلاً في حب المحبوب.\\
|
||
لابن المعتز:
|
||
|
||
| رأى خضوعي فصدَّ عني | | فازددت ذلاً فزادتـيهـا |
|
||
| قلت له خالـياً وعـينـي | | قد أحرق الدمع ما يليهـا |
|
||
| هل لي في الحب من شبيه | | قال: وأبصرت لي شبيها |
|
||
|
||
الفصل الثالث والعشرون
|
||
|
||
أخواني، شمروا عن سوق الدأب في سوق الأدب، واعتبروا بالراحلين وسلوا السلب
|
||
قبل أن يفوت الغرض بالمرض إن عرض، فكأنكم بمبسوط الأمل قد انقبض، وبمشيد
|
||
المنى قد انتقض.
|
||
|
||
| يا ساكن الدنيا تأهّـب | | وانتظر يوم الفـراق |
|
||
| وأعد زاداً للـرحـيل | | *فسوف يحدى بالرفاق * |
|
||
| وابك الذنوب يا دمـع | | *تنهل من سحب المآق * |
|
||
| يا من أضاع زمانـه | | *أرضيت ما يفنى بباق * |
|
||
|
||
أين عزائم الرجال? أين صرائم الأبطال? تدعي وتتوانى، هذا محال.
|
||
|
||
| أشتاقكم ويحول العزم دونـكـم | | فأدعي بعدكم عنـي وأعـتـذر |
|
||
| وأشتكي خطراً بيني وبـينـكـم | | *وآية الشوق أن يستصغر الخطر * |
|
||
|
||
إن هممت فبادر، وإن عزمت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف
|
||
الآخر. قال عمر بن عبد العزيز: خلقت لي نفس تواقة، لم تزل تتوق إلى
|
||
الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة.\\
|
||
لأبي فراس:
|
||
|
||
| بدوت وأهلي حاضرون لأنـنـي | | أرى أن داراً لست من أهلها قفر |
|
||
| وما حاجتي في المال أبغي وفوره | | *إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر * |
|
||
| وقال أصيحابي الفرار أو الـردى | | فقلت هما أمران أحلاهمـا مـر |
|
||
| سيذكرني قومي إذ جـد جـدهـم | | وفي الليلة الظلماء يفتقد الـبـدر |
|
||
| ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به | | وما كان يغلو التبر لو نفق الصبر |
|
||
| ونحن أناس لا توسـط عـنـدنـا | | لنا الصدر دون العالمين أو القبـر |
|
||
| تهون علينا في المعالي نفوسـنـا | | *ومن خطب الحسناء لم يغله المهر * |
|
||
|
||
ابتليت الهمم العالية بعشق الفضائل، شجر المكاره يثمر المكارم، متى لاحت
|
||
الفريسة قذفت الغابة السبع، إذا استقام للجواد الشوط لم يحوج راكبه إلى
|
||
سوط، من ضرب يوم الوغى وجه الهوى بسهم، ضرب مع الشجعان يوم القسمة بسهم، من
|
||
اشتغل بالعمارة استغل الخراج، إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة ثم
|
||
ردفه قمر العزيمة "أشرقت الأرض بنور ربها" يا طالباً للبدعة أخطأت الطريق،
|
||
علة الراحة التعب، إن لم تكن أسداً في العزم ولا غزالاً في السبق فلا
|
||
تتثعلب، يا هذا الجد جناح النجاة وكسلك مزمن، من كد كد العبيد تنعم تنعم
|
||
الأحرار، من امتطى راحلة الشوق لم يشق عليه بعد السفر.
|
||
|
||
| على قدر أهل العزم تأتي العزائم | | *وتأتي على قدر الكرام المكارم* |
|
||
|
||
يا هذا ركائب الرحيل قد أنيخت بالجناب ولم تتحرج، وناقد البايع قائم على
|
||
الباب ونقدك بهرج، كيف يلحق السابقين كسلان أعرج? لو تنقلت على عيطموس
|
||
العزم وهوجاء الطلب وبميسجور القصد، وجعلباة السير، ومشمعلة الجد، ووصلت
|
||
الديجور بالضحى لانقطعت الديمومة القذف، ولكنك استوطأت مهاد الكسل وإبر
|
||
النحل دون العسل.\\
|
||
قيل لبعض أهل الرياضة: كيف غلبت نفسك? فقال: قمت في صف حربها بسلاح الجد،
|
||
فخرج مرحب الهوى بدافع، فعلاه على العزم بصارم الحزم، فلم تمض ساعة حتى
|
||
ملكت خيبر، وقيل لآخر: كيف قدرت على هواك? فقال: خدعته حتى أسرته واستلبت
|
||
عوده فكسرته وقيدته بقيد العزلة، وحفرت له مطمور الخمول في بيت التواضع،
|
||
وضربته بسياط الجوع، فلان يا فلان، ألك? في مجاهدة النفس نية أم النية نية?
|
||
أتعبتني وأنت أنت، يا خنشليلا في كل دردبيس، إلى متى تجول في طلب هجول? ما
|
||
نفشت غنم العيون النواظر في زروع الوجوه النواضر إلا وأغير على السرح، من
|
||
تعرض للعنقفير لقي الأمرين، المتعرض للنبلة أبله، ما عزَّ يوسف إلا بترك ما
|
||
ذل به ماعز، لو ركد كدر دهن الذهن سمت ذبالة المصباح.\\
|
||
أخواني إلى متى سكر عن المقصود? ألا صحو ساعة? أريقوا قرقف الهوى قبل هجوم
|
||
صاحب الشرطة، اكسروا الظروف ظرفاً ليعلم حسن قصدكم للتوبة، وليشغلكم ذكر
|
||
صوت الناي عن صوت الناي، والفكر في خراب المغاني عن لغات الأغاني، فكم من
|
||
شاب ما شاب، وكم من راج راج له أن خاب، ما أسرع افتراق الصاحبين إذا صاح
|
||
بين، "فمفترق جاران داراهما عمر".\\
|
||
مثل أهل الدنيا في غفلتهم وطول آمالهم كمثل الحاج، نزلوا منزلاً فقام أقوام
|
||
يقطعون الصخور ويبنون البيوت، فقال المتيقظون: ويحكم ما هذا البله? الرحيل
|
||
بعد ساعة، لو علم الورد قصر عمره ما تبسم، بينما هو ينشر بز ريحه، في شمال
|
||
البكور بزه الناطور فإذا به في زجاجة الزور، فانتبه أنت ولا تغتر بزور نسيم
|
||
الدجى يفتح مستغلق الجبند، وخوف سموم النهار يعيد اللينوفر إلى الماء، اسمع
|
||
يا من لا يحركه تشويق، ولا يزعجه تخويف.
|
||
|
||
| إذا المرء كانت له فكرة | | *ففي كل شيء له عبرة * |
|
||
|
||
تزوج صلة بن أشيم فأدخله ابن أخيه الحمام، ثم أدخل إلى المرأة وقد طيب فقام
|
||
يصلي فمد الصلاة إلى الفجر، فعاتبه ابن أخيه فقال: إنك أدخلتني أمس بيتاً
|
||
ذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتاً ذكرتني به الجنة، فما زال فكري فيهما
|
||
حتى أصبحت.
|
||
|
||
| كفى حزنـاً أن لا أعـاين بـقـعة | | من الأرض إلا ازددت شوقاً إليكم |
|
||
| وإني متى ما طاب لي خفض عيشة | | *تذكرت أياماً مضت لـي لـديكـم* |
|
||
|
||
مر بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها، فلما دخل البيت نزعوا خلقانه
|
||
وألبسوه ثياباً جدداً، فلما جن عليه الليل طلب قلبه فلم يجده فصاح: خلقاني
|
||
خلقاني، فأخذها ورجع.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| ما ساعفتني الليالي بعد بعـدهـم | | إلا ذكرت ليالينـا بـذي سـلـم |
|
||
| ولا استجد فؤادي في الزمان هوى | | إلا ذكرت هوى أيامنـا الـقـدم |
|
||
| لا تطلبن لي الأبدال بعدهـم | | *فإن قلبي لا يرضى بغيرهم * |
|
||
|
||
الفصل الرابع والعشرون
|
||
|
||
يا طويل الأمل في قصير الأجل، أما رأيت مستلباً وما كمل? أتؤخر الإنابة
|
||
وتعجل الزلل.
|
||
|
||
| يا من يعد غداً لتوبـتـه | | أعلى يقين من بلوغ غد |
|
||
| المرء في زلل على أمل | | ومنية الإنسان بالرصـد |
|
||
| أيام عمرك كلهـا عـدد | | ولعل يومك آخر العدد |
|
||
|
||
يا أخي التوبة التوبة قبل أن تصل إليك النوبة، الإنابة الإنابة قبل أن يغلق
|
||
باب الإجابة، الإفاقة الإفاقة فيا قرب وقت الفاقة، إنما الدنيا سوق للتجر،
|
||
ومجلس وعظ للزجر، وليل صيف قريب الفجر، المكنة مزنة صيف، الفرصة زورة طيف،
|
||
الصحة رقدة ضيف، الغرة نقدة زيف، الدنيا معشوقة وكيف، البدار البدار فالوقت
|
||
سيف.\\
|
||
يا غافلاً عن مصيره، يا واقفاً في تقصيره سبقك أهل العزائم وأنت في اليقظة
|
||
نائم، قف على الباب وقوف نادم، ونكس رأس الذل وقل أنا ظالم، وناد في
|
||
الأسحار مذنب وواجم، وتشبه بالقوم وإن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح
|
||
الزفرات سحاب دمع ساجم، قم في الدجا نادبا، وقف على الباب تائبا، واستدرك
|
||
من الغمر ذاهباً، ودع اللهو والهوى جانباً، وإذ لاح الغرور رأى راهباً،
|
||
وطلق الدنيا إن كنت للأخرى طالباً ولكن بلا قلب إلى أين أذهب.\\
|
||
يا من قد ضاع قلبه اطلبه في مظان إنشاد الضلال، الضايع إنما ينشد في
|
||
المجامع، فاطلب قلبك في مجالس الذكر، أو بين أهل المقابر، وربما دخلت بيت
|
||
الفكر فرأيته فأي موضع غلب على ظنك وجوده فلا تقصر في البحث عنه، هذه
|
||
النسور والرخم على كثافة طبعها إذا رأت جيشاً تبعته لما ترجو من قتال يوجب
|
||
قتلى وأخداج حامل، أفما ترجو أنت في المجلس إجابة دعوة أو حضور قلب? يا
|
||
نائماً طول الليل، سارت الرفقة، رحل القوم كلهم وما انتبهت من الرقدة، ويحك
|
||
أتدري ما صنعت بنفسك? دخلت دار الهوى فقامرت بعمرك، كنت أمس قلب أمس فتراك
|
||
في تصحيف ترى، لاحت لك العاجلة، فهمت كأنك ما فهمت فلما تبدلت تبلدت أخبرني
|
||
عن تخليطك فالطبيب لا يكذب، سجيتك تعلمني فاسمع أحدثك، استكثرت من برودات
|
||
الغفلة فقعد نشاط العزم، فلو قاومتها بحرارات الحذر لقام المقعد، أما تعلم
|
||
أن مطاعم المطامع تولد سدداً في كبد الجد، المحنة العظمى موافقة الهوى من
|
||
غير تدبر، أنت ترى ما تشتهي فتضرب الحد.\\
|
||
يا أسيراً في قبضة الغفلة، يا صريعاً في سكرة المهلة، أما يخطر بقلبك خطر
|
||
أمرك، ويحك قد وهن العظم العظيم وما شابت همة الأمل، اخلق برد الحياة وما
|
||
انكفت كف البطالة، قربت نوق الرحيل وما في المزاد زاد قدمت معابر العبور
|
||
وأنت تلهو على الساحل، أكثر العمر قد مر، وأنت تتغلغل في تضييع الغابر،
|
||
أترجح الفاني على الباقي? تثبت، ففي الميزان عين، إن حركك حظ من حظ فالحظ
|
||
الحظ الأحظ، والله لو شغلك نيل الجنة عن الحق لحظة كان في تدبيرك وكس، ويحك
|
||
أنا بدك اللازم فالزم بدك، خاصمت عنك قبل وجودك "إني أعلم" واعتذرت عنك في
|
||
زلل "فدلاهما" ولقنتك العذر "ما غرك بربك" وواصلتك برسائل "هل من سائل".
|
||
|
||
| إذا لم يكن بيني وبينك مرسل | | *فريح الصبا مني إليك رسول * |
|
||
|
||
كان بعض الأغنياء كثير الشكر، فطال عليه الأمد فبطر وعصى فما زالت نعمته
|
||
ولا تغيرت حالته، فقال: يا رب تبدلت طاعتي، وما تغيرت نعمتي، فهتف به هاتف:
|
||
يا هذا لأيام الوصال عندنا حرمة حفظناها وضيعتها.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| سَلْ بـسـلـعٍ كـان وكـنـا | | *ليت شعري ما الذي ألهاك عنّا * |
|
||
| أهوىً أحدّثْـتَـه أم كـاشـحٌ | | *دبَّ أم ذنبٌ سرى أم تتجنّـى* |
|
||
|
||
تاب رجل ممن كان قبلكم ثم نقض، فهتف به هاتف في الليل:
|
||
|
||
| سأترك ما بيني وبينك واقفاً | | فإن عدت عدنا والوداد سليم |
|
||
| تواصل قوماً لا وفاء لعهدهم | | وتترك مثلي والحفاظ قديم |
|
||
|
||
يا ناقضي العهود انظروا لمن عاهدتم، تلافوا خرق الخطاء قبل أن يتسع.
|
||
|
||
| عودوا إلى العهد عودوا | | فالهجر صعب شـديد |
|
||
| تذكرونا فمـا عـهـد | | نا لـديكـم بـعــيد |
|
||
| هل يرجع البان يومـاً | | وهل تـعـود زرود |
|
||
|
||
يا هذا أقبل علينا، تر من إقبالنا عليك العجب، احفظ الله يحفظك، اطلب الله
|
||
تجده أمامك، من كان لنا عينا على قلبه، أجرينا له جامكية أمين.
|
||
|
||
| أنت على البعد همومي إذا | | غبت أشجاني على القرب |
|
||
| لا أتبع القلب إلى غيركـم | | *عيني لكم عين وعلى قلبي * |
|
||
|
||
يا هذا حفر النهر إليك وإجراء الماء ليس عليك، احفر ساقية "فاذكروني" إلى
|
||
جنب بحر "أذكركم" فإذا بالغ فيها معول الكد، فاضت عليك مياه البحر، "فبي
|
||
يسمع وبي يبصر" الق بذر الفكر في أرض الخلوة وسق إلى ساقية من ماء الفكر،
|
||
لعلها تنبت لك شجرة "أنا جليس من ذكرني".\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يُرَنِّحُني إليكَ الشوق حتـى | | *أميل من اليمين إلى الشمالِ * |
|
||
| كما مال المُعاقِر عـاودَتْـه | | حُمَيّا الكأس حالاً بعد حالِ |
|
||
| ويأخذني لذكـراك ارتـياحٌ | | *كما نشط الأسير من العِقالِ * |
|
||
| وأيسرُ ما ألاقي أن هـمّـا | | *يُغَصِّصُني بذا الماءِ الزلالِ* |
|
||
|
||
هبت رياح الخوف فقلقلت قلوب الخائفين فلم تترك ثمرة دمع في فنن جفن، إذا
|
||
نزل آب في القلب، سكن أذار في العين.
|
||
|
||
| تبلني بجفـاً يزيد خـضـوعـي | | يكفيك أن النار بين ضلـوعـي |
|
||
| وحياة سقمي في هـواك فـإنـه | | *قسم الهوى ووحق فيض دموعي * |
|
||
| لأوكلن عليك عيني بـالـبـكـاء | | ولأعشقن عليك طول هلوعـي |
|
||
|
||
كانت مع هشام بن حسان جارية في الدار فكانت تقول: أي ذنب عمل هذا? من قتل
|
||
هذا? فتراه الليل كله يبكي.
|
||
|
||
| تركت الفؤاد علـيلاً يعـاد | | *وشردت نومي فما لي رقاد * |
|
||
|
||
كان فتح الموصلي يبكي الدموع ثم يبكي الدم، فقيل له: على ماذا بكيت الدم?
|
||
فقال: خوفاً على الدموع أن تكون ما صحت لي.
|
||
|
||
| يا من لفؤاد وامق ما يصحـو | | *قد طال لعظم ما عناه الشرح * |
|
||
| والعين لها دم ودمع سـمـح | | ذا يكتب شجوه وهذا يمحـو |
|
||
|
||
الفصل الخامس والعشرون
|
||
|
||
يا من يعظه الدهر ولا يقبل، وينذره القهر بمن يرحل، ويضم العيب إلى الشيب
|
||
وبئس ما يفعل، كن كيف شئت فإنما تجازى بما تعمل:
|
||
|
||
| دعني فإن غريم العقل لازمـنـي | | وذا زمانك فامرح فيه لازمنـي |
|
||
| ولّى الشباب بما أحببت من مـنـح | | *والشيب جاء بما أبغضت من محن * |
|
||
| فما كرهت ثوى عندي وعنفـنـي | | وما حرصت عليه حين عن فنـي |
|
||
|
||
يا جايراً، كلما قيل أقسط قسط، يا نازلاً، فسطاط الهوى، على شاطئ الشطط، يا
|
||
ممهلاً لا مهملاً ما عند الموت غلط، كم سلب وضيعاً وشريفاً سلباً عنيفاً
|
||
وخبط، أما مضغ الأرواح? فلما طال المضغ استرط، أما يكفي نذيرهم? بلى قد خوف
|
||
الفرط، تالله ما يبالي حمام الحمام أي حب لقط? أما خط الشيب خط النهي عن
|
||
الخطآء لما وخط، أما آذن الشباب بالذهاب فماذا بعد الشمط?
|
||
|
||
| ما أن يطيب لذي الرعاية للأ | | يام لا لـعـب ولا لـهـو |
|
||
| إذ كان يطرب في مسرتـه | | فيموت من أجزائه جـزو |
|
||
|
||
يا مدعواً إلى نجاته وهو يتوانى، ما هذا الفتور? والرحيل قد تدانى، يا
|
||
مقبلاً على هفواته لا يألو بهتاناً، كأنك بالدمع يجري عند الموت تهتاناً،
|
||
وشغل التلف قد أوقد من شعل الأسف نيرانا، وأنت تبكي تفريطك حتى لقد أقرحت
|
||
أجفانا، والعمل الصالح ينادي من كان أجفانا، احذر زلل قدمك، وخف حلول ندمك،
|
||
واغتنم وجودك قبل عدمك، واقبل نصحي ولا تخاطر بدمك.
|
||
|
||
| إذا ما نهاك امرؤٌ نـاصـحٌ | | *عن الفاحشات انزجر وانتهِ * |
|
||
| وإما علـوت إلـى رتـبة | | فكن حذراً بعدها أن تهـي |
|
||
| وإما ترى مهجة في الثرى | | فلا تغترر بالمنى أنت هي |
|
||
|
||
خاصم نفسك عند حاكم عقلك لا عند قاضي هواك، فحاكم العقل يدين وقاضي الهوى
|
||
يجور، كان أحد السلف إذا قهر نفسه بترك شهوة أقبل يهتز اهتزاز الرامي إذا
|
||
قرطس، لما عرف القوم قدر الحياة، أماتوا فيها الهوى فعاشوا، انتبهوا بأكف
|
||
الجد من الزمن ما نثره زمن البطالة.
|
||
|
||
| وركب سروا والليل ملق رواقـه | | على كل مغبر الطوالـع قـاتـم |
|
||
| حدوا عزمات ضاقت الأرض بينها | | فصار سراهم في ظهور العزائم |
|
||
| تريهم نجوم الليل ما يبتـغـونـه | | على عاتق الشعري وهام النعـائم |
|
||
| إذا طردوا في معرك الجد قصفوا | | رماح العطايا في صدور المكارم |
|
||
|
||
هان عليهم طول الطريق لعلمهم أين المقصد، وحلت لهم مرارات البلا حباً
|
||
لعواقب السلامة، فيا بشراهم يوم "هذا يومكم".
|
||
|
||
| قف بالديار فـهـذه آثـارهـم | | نبكي الأحبة حسرة وشـوقـا |
|
||
| كم قد وقفت بها أسائل مخبـراً | | عن أهلها أو صادقاً أو مشفقـا |
|
||
| فأجابني داعي الهوى في رسمها | | فارقت من تهوى فعز الملتقى |
|
||
|
||
يا ربوع الأحباب أين سكانك? يا مواطن الألباب أين قطانك? يا جواهر الآداب
|
||
أين خزانك? للمهيار:
|
||
|
||
| يطربني للمنازل الـيوم مـا | | أسأر عندي أيامُهـا الـقُـدُمُ |
|
||
| وتطيبني على فصاحة شكواي | | إليها ربوعُـهـا الـعُـجُـمُ |
|
||
| علي يا دار جهدُ عيني ومـا | | عليَّ عارٌ أن تبخـل الـدِّيَمُ |
|
||
| لك الرضا من جِمام أدمعهـا | | أو دمها إن سقى ثـراك دمُ |
|
||
| أما وعهد الغادين عنـكِ وأش | | جانٍ بواقٍ لي فيكِ بعـدهُـمُ |
|
||
| وما أطال المنى وأعرض من | | عيشٍ كأن اختلاسه حُـلْـمُ |
|
||
| هل هو إلا أن قيل: جُن بهـم | | نعم! على كل حـالة نَـعَـمُ |
|
||
| بتـنـا وأطـواقـنـا يد ويد | | ورسل أشواقنـا فـم وفـم |
|
||
|
||
يا هذا تنزه في أخبار المحبين إن لم تكن منهم، إن أهل الكوفة يخرجون للتفرج
|
||
على الحاج، اقعد على جانب وادي السحر لعل إبل القوم تمر بك.
|
||
|
||
| خذي على قطن يمينـا | | *فعسى أريك به القطينا * |
|
||
| مني تعلمت الحـمـام | | النوح والإبل الحنينـا |
|
||
|
||
وآسف المتقاعد عنهم، واحسرة البعيد منهم
|
||
|
||
| سلو عن فؤادي ساكني ذلك الـوادي | | فقد مر مجتازاً على يمـنة الـوادي |
|
||
| مضى يطلب الأحباب والقوم قد سروا | | فضل ومروا مسرعين مع الحـادي |
|
||
| فها أنا أبكيهم وأبـكـيه بـعـدهـم | | *وتطلبهم عيني مع الرائح الـغـادي* |
|
||
|
||
وا حاجتنا إلى رؤية القوم، ويا شدة إيثارهم البعد عنا، إن رأينا شخصاً
|
||
فأعلمتنا الفراسة أنه منهم كانت همته الهرب منا، وما ذاك إلا للتباين بين
|
||
أفعالنا وأعمالهم فلنبك على هذه الحال.
|
||
|
||
| عجبت لمـا رأتـنـي | | أندب الربع المحـيلا |
|
||
| واقفاً في الدار أبكـي | | لا أرى إلا الطـلـولا |
|
||
| كيف نبـكـي لأنـاس | | لا يملـون الـذمـيلا |
|
||
| كلما قلت اطمـأنـت | | *دارهم صاحوا الرحيلا * |
|
||
|
||
كان بعض الصالحين يتستر بإظهار الجنون فتبعه مريد فقال له: والله ما أبرح
|
||
حتى تكلمني بشيء ينفعني، فإني قد عرفت تسترك، فسجد وجعل يقول في سجوده:
|
||
اللهم سترك، فمات.
|
||
|
||
| أسميك سعدى في نسيبي تـارة | | وآونة اسمـا وآونة لـبـنـى |
|
||
| حذاراً من الواشين أن يسمعوا بنا | | وإلا فمن سعدى لديك ومن لبنا |
|
||
|
||
?الفصل السادس والعشرون
|
||
|
||
يا مخدوعاً قد فتن، يا مغروراً قد غبن، من لك إذا سوى عليك اللبن? في بيت
|
||
قط ما سكن، سلب الرفيق نذير والعاقل فطن.
|
||
|
||
| أنت في دار شتات | | فتأهب لشتـاتـك |
|
||
| واجعل الدنيا كـيومٍ | | *صمته عن شهواتك * |
|
||
| وليكن فطرك عنـد | | الله في يوم وفاتك |
|
||
|
||
إياك والدنيا فإن حب الدنيا مبتوت، واقنع منها باليسير فما يعز القوت، يا
|
||
قوت الندم يغني عن الياقوت، احذر منها فإنها أسحر من هاروت وماروت، ليس
|
||
للماء في قبضة ممسك ثبوت "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" أين من جمع المال
|
||
وملأ التخوت، تساوى تحت اللحود السادات والتحوت، ما نفعه إن جال في البأس
|
||
جالوت ولا رد عنه إن طال القوم طالوت، ولا منع أصحابه حلول التابوت، لقد
|
||
أخرج الموت من قعر اليم الحوت، قل للذين تديروا تدبروا، أين البيوت? جوزوا
|
||
على الذين جوزوا، فقد وعظ الخفوت، كم مسئول عن عذره في قبره مبهوت، لقد
|
||
أنطق الوعظ الصخور الصموت، أما يكفي زجراً أنك تموت، بادر عمراً في كل يوم
|
||
يفوت، قل أنا تائب إلى كم سكوت? قد تعودت منك النفس في المجلس، النطق
|
||
بالتوبة فهي تسخو بالكلام لعلمها أنه على غير أصل، ولو تيقنت صدق عزمك
|
||
لتوقفت عن القول، هذا العصفور إذا كان على حائط فصحت به لم يبرح فإذا أهويت
|
||
إلى الأرض كأنك تناول حجراً يلمح يدك فارغة فلم ينفر، فإذا وضعت يدك على
|
||
حجر رأى الجد ففر، يا هذا، قولك أنا تائب من غير عزم، نفخ في غير ضرم، بيض
|
||
التراب لا يخرج منه فرخ.\\
|
||
أخواني، العمر أنفاس تسير بل تطير، الأمل منام لا ترى فيه إلا الأحلام، هذا
|
||
سيف الموت قد دنا، فإن ضرب قدنا، هذا الرحيل ولا زاد عندنا، انتبهوا من
|
||
رقاد الغفلة، تيقظوا من نوم العطلة، عرجوا عن طريق البطالة، ابعدوا عن ديار
|
||
الوحشة، الفترة حيض الطباع، ووقوع العزيمة، رؤية النقا فحينئذٍ يتوجه
|
||
الخطاب بالتوجه إلى محراب الجد، أول منازل الآخرة القبر، فمن مات فقد حط
|
||
رحل السفر، وسائر الورى سائر، من كان في سجن التقى فالموت يطلقه، ومن كان
|
||
هائماً في بوادي الهوى فالموت له حبس يوثقه، موت المتعبدين عتق لهم من
|
||
استرقاق الكد ورفق بهم من تعب المجاهدة، وموت العصاة سباء يرقون به لطول
|
||
العذاب، من كان واثقاً بالسلامة من جناية فرح يفك باب السجن، لما توعد
|
||
فرعون السحرة بالصلب أنساهم أمل لقاء الحبيب مرارة الوعيد "إنّا إلى ربنا
|
||
منقلبون" يا فرعون غاية ما تفعل أن تحرق الجسم، والركب قد سرى "لا ضير" من
|
||
لاحت له منى، نسي تعب المدرج.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| متى رُفعت لها بالغور نار | | *وقرّ بذي الأراك لها قرارُ * |
|
||
| فكلُّ دمٍ أراق السير منهـا | | بحكم الشوق مطلولٌ جُبارُ |
|
||
|
||
لا بد للمحبوب من اختبار المحب "ولنبلونكم" أسلم أبو جندل بن سهيل فقيده
|
||
أبوه، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية خرج أبو جندل يرسف
|
||
في قيده، فدخل في الصحابة، فقال سهيل: هذا أول من أقاضيك عليه، فاستغاث أبو
|
||
جندل: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين، فيفتنوني عن ديني، فقال
|
||
الرسول: لا بد من الوفاء فرد إليهم، فقدمه يسعى نحوهم وقلبه يجهز جيوش
|
||
الحيل في الخلاص.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| أنذرتني أم سعدٍ أن سـعـدا | | دونها ينهد لي بالشر نَهْـدا |
|
||
| وعلى ما صفحوا أو نقمـوا | | *ما أرى لي منك يا ظبية بُدّا * |
|
||
|
||
لما أسلم مصعب بن عمير حبسه أهله، فأفلت إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فدخل على
|
||
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليه أمه، يا عاق أتدخل بلداً أنا
|
||
فيه ولا تبدأ بي? فقال: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلى الله عليه
|
||
وسلم، فأرادت حبسه، فقال: والله لئن حبستني لأحرصن على قتل من يتعرض لي،
|
||
فتركته.
|
||
|
||
| وعاذلين لحوبـي فـي مـودتـكـم | | يا ليتهم وجدوا مـثـل الـذي أجـد |
|
||
| لما أطالوا عتابي فيك قلـت لـهـم | | *لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا * |
|
||
|
||
جمع حبس التعذيب بين بلال وعمار، مصادرين على بذل الدين فزوروا نطق عمار
|
||
على خط قلبه، فلم يغرفوا التزوير، وأصر بلال على دعوى الإفلاس فسلموه إلى
|
||
صبيانهم في حديدة يصهرونه في حر مكة، ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة
|
||
ولسان محبته يقول:
|
||
|
||
| بعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقـي | | *وللشوق ما لم يبق مني وما بقى * |
|
||
|
||
وا عجباً، إيلام ذو حس على عشق يوسف? قدم الطفيل بن عمر والدوسي مكة فقالت
|
||
له قريش: لا تدن من محمد فإنا نخاف أن يفتنك، فسد أذنيه بقطنتين ثم تفكر،
|
||
فقال: والله ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فانطلق فسمع من رسول الله صلى
|
||
الله عليه وسلم فأسلم.\\
|
||
|
||
|
||
| وما كنت ممن يدخل العشق قلبه | | ولكن من يبصر جفونك يعشق |
|
||
|
||
قطعت قريش لحم خبيب، ثم حملوه إلى الجذع ليصلب، فقالوا: أتحب أن محمداً
|
||
مكانك? فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً شيك بشوكة، ثم
|
||
نادى وا محمداه.
|
||
|
||
| إن في الأسر لصبـا | | *دمعه في الخد صب * |
|
||
| هو بالـروم مـقـيم | | وله بالشام قـلـب |
|
||
|
||
لما بعث معاذ إلى اليمن، خرج الرسول يودعه، ودموع معاذ ترش طريق الوداع.
|
||
|
||
| ولما تزايلنا من الجزع وانـتـأى | | *مشرق ركب مصعد عن مغرب * |
|
||
| تبينت أن لا دار من بعد عـالـج | | *تسر وأن لا خلة بـعـد زينـب* |
|
||
|
||
كانت الدنيا بمثلهم عسلاً فتعلقمت بمثلكم، خلت الديار من الأحباب فلما فرغت
|
||
ردم الباب.\\
|
||
للنابغة:
|
||
|
||
| وقفتُ فيها أصيلاً كي أسـائلـهـا | | أعيت جواباً وما بالربع مـن أحـدِ |
|
||
| أضحت قفاراً وأضحى أهلها احتملوا | | *أخنى عليها الذي أخنى على لُـبَـدِ* |
|
||
|
||
حن ببعض أنديتهم ونادبها، وابك فقد الأحباب ونادبها.\\
|
||
للبحتري:
|
||
|
||
| إذا جزت بالغور اليماني مغربـا | | *وحاذتك صحراء الشواجر يا سعد * |
|
||
| فناد ديار العامـرية بـالـلـوى | | سقت ربعك الأنواء ما فعلت هند |
|
||
|
||
الفصل السابع والعشرون
|
||
|
||
إن الدنيا مذ أبانت محبها أبانت حالها، لقد روت وما روت، فأرت مآلها، لقد
|
||
عرف إدبارها من قد ألف إقبالها، وما اطمأنت أرضها، إلا زلزلت زلزالها.
|
||
|
||
| قل لمن فاخر بالـدنـيا وحـامـى | | قتلت قبلك سـامـاً ثـم حـامـا |
|
||
| ندفن الخِـلَّ ومـا فـي دفـنـنـا | | بعده شك ولـكـن نـتـعـامـى |
|
||
| إن قـدامـك يومـاً لـو بـــه | | *هددت شمس الضحى عادت ظلاما * |
|
||
| فانتبه من رقـدة الـلـهـو وقـم | | وانف عن عين تماديك المـنـامـا |
|
||
| صاح صح بالقبر يخبـرك بـمـا | | قد حوى واقرأ على القوم السلاما |
|
||
| فالعظيم القـدر لـو شـاهـدتـه | | *لم تجد في قبره إلا الـعـظـامـا* |
|
||
|
||
تالله لقد ركض الموت فأسرع في الركض، بث الجنود وطبق الأرض، ما حمل على
|
||
كتيبة إلا وفض، ولا صاح بجيش إلا جاش وارفض، ولا لوح إلى طائر في البرج إلا
|
||
انقض، إذا تكلمت قوسه بالنبض أسكنت النبض، بينا الحياة تعرب بالرفع جعل
|
||
الشكل الخفض، أين مصون الحصون? أزعج عنها، أين مقصور القصور? أخرج منها،
|
||
نقله هادم اللذات نقلاً سريعاً، ومقله في بحار الآفات مقلاً فظيعاً، وفرق
|
||
بينه وبين بنيه، وطرقه بطارق النقض فأنقض ما كان يبنيه، لقد ولى ولاء ذي ود
|
||
ينفعه، وبان فبان لباني الدنيا مصرعه، هجره والله من هاجر إليه، ونسيه
|
||
نسيبه وقد كان يحنو عليه، فلا صديقه صدقه في مودته، ولا رفيقه أرفقه في
|
||
شدته، حلوا والله بالبلاء في البلى، وودعهم من أودعهم ثم قلى، وانفردوا في
|
||
الأخدود بين وحش الفلا، وسألوا الإقالة فقيل: أما هذا فلا، لو نطق الموتى
|
||
بعد دفنهم لندموا على غيهم وافتهم، ولقالوا: رحلنا عن ظلم شرورنا إلى ظلم
|
||
قبورنا، وخلونا عن الأخلاء بترابنا في آفات لا ترى بنا، أفترى محبنا إذ
|
||
ظعنا، بمن اعتاض عنا? وهذا مصيرك بعد قليل، فتأهب يا مقيم للتحويل، يا
|
||
سليماً يظن أنه سليم، جوارحك جوارحك، سور تقواك كثير الثلم، وأعداؤك قد
|
||
أحاطوا بالبلد، ويحك، قبل الرمي تراش السهام، وبين العجز والتواني ينتج
|
||
التوى، يا قالي القائل للنصايح إداؤك داؤك، كيف تجتمع همتك مع غوغاء المنى
|
||
وضوضاء الشهوات، كيف تتصرف في مصالحك والشواغل للشوي غل، كم صادفت الهوى
|
||
فصدفت? لقد خدع قلبك الهوى فاسترق فاسترق، أضرّ ما عليك سوء تدبيرك، آه
|
||
للابس شعار الطرد وما يشعر به وأسفاً، لمضروب ما يحس صوت الشوط، عجباً لمن
|
||
أصيب بعقله وعقله معه، يا معثر الأقدام مع إشراق الشمس، يا فارغ البيت من
|
||
القوت في أيام الحصاد.
|
||
|
||
| أملي من أملي ما ينقـضـي | | وغرامي من غرامي قاتلـي |
|
||
| كلما أفنيتُ عـامـاً فـاسـداً | | جاء عامٌ مثله مـن قـابـل |
|
||
| كلما أملت يوماً صـالـحـاً | | *عرض المقدور لي في أملي * |
|
||
| وأرى الأيام لا تُدنـي الـذي | | أرتجي منك وتدني أجـلـي |
|
||
|
||
يا جرحى الذنوب قد عرفتم المراهم، اخرجوا من قصر مصر الهوى وقد لاحت مدينة
|
||
مدين، اطلبوا بئر الشرب وإن صد الرعاء فلعل حضور موسى يتفق، متى استقامت
|
||
لكم جادة البكاء فلا تعرجوا عنها، كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي
|
||
يبكيان الدم.
|
||
|
||
| قولوا لسكان الحـي | | تبدل الدمـع دمـا |
|
||
| وكل شهد بعـدكـم | | *قد صار مراً علقما * |
|
||
|
||
إذا تكاثفت كثبان الذنوب في بوادي القلوب، نسفها نسف أسف في نفس، يا أهل
|
||
الزلل قوموا نفس أنفسكم فقد جمع قسر القهر، بين الناقص والتام، لقد تاب
|
||
الله على المؤمنين "وعلى الثلاثة الذي خُلِّفوا".
|
||
|
||
| لست وإن أعرضتـم | | *أيأس من أن تعطفوا * |
|
||
| فلا برى وجدي بكم | | ولا أفاق الشغـف |
|
||
| وصبر يعقوب معي | | حتـى يرد يوسـف |
|
||
|
||
يا من كان له وقت طيب وقلب حسن، فاستحال خله خمراً، ابكِ على ما فقدت في
|
||
بيت الأسف.
|
||
|
||
| لعل انحدار الدمع يعقـب راحة | | *من الوجدان يطفي نجى البلابل * |
|
||
|
||
ما أحسن ما كنتَ فتغيرت، ما أجود جادتك فكيف تعثرت.
|
||
|
||
| وكنا جميعاً قبل أن يظهر الورى | | بأنعم حالي غبـطة وسـرور |
|
||
| فما برح الواشون حتى بدت لنا | | *بطون الهوى مقلوبة لظهـور* |
|
||
|
||
البكاء على الفايت معول الحزين.\\
|
||
لأبي تمام:
|
||
|
||
| وانجدتم من بعد اتـهـام داركـم | | *فيا دمع انجدني على ساكني نجد * |
|
||
| لعمري قد أخلفتم جدة الـبـكـا | | عليّ وجددتم به خلق الـوجـد |
|
||
|
||
يا معاشر المطرودين عن صحبة أهل الدين.
|
||
|
||
| تعالوا نقم مأتماً للفراق | | *ونندب إخواننا الظاعنينا * |
|
||
|
||
هلموا نرق دمع تأسفنا على قبح تخلفنا، ونبعث مع الواصين رسالة محضر لعلنا
|
||
نحظى بأجر المصيبة، أنجع المراهم لجراحات الذنوب البكاء، هتكة الدمع ستر
|
||
على الذنب.
|
||
|
||
| قد كنت أصون دمعتي فـي الأمـاق | | ستراً للحب وهو مـا لـيس يطـاق |
|
||
| حتى صاح الوجد عن صحيح الأشواق | | *ما حيلة من بلى بمهـجـر وفـراق* |
|
||
|
||
كان محمد ابن المنكدر كثير البكاء فسئل عن ذلك فقال: آية من القرآن أبكتني
|
||
"وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" كيف لا تذهب العيون من البكاء?
|
||
وما تدري ما قد أعد لها.\\
|
||
سبقت السعادة لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل كونه، ومضت الشقاوة لأبي جهل
|
||
قبل وجوده، وخوف العارفين من سوابق الأقدار قلقل الأرواح هيبة "لا يُسئل"
|
||
مع تحكم "ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هداها" قوي قلق العلماء.
|
||
|
||
| أترى سألوا لما رحـلـوا | | ماذا فعلوا أم من قتـلـوا |
|
||
| أحليف النوم أقل الـلـوم | | فعندي اليوم بهم شـغـل |
|
||
| أدنى جزعي لم يبق معـي | | قلب فيعي منذ احتمـلـوا |
|
||
| جلدي سلبوا جسدي نهبـوا | | كمدي وهبوا كبدي تبلـوا |
|
||
| لما ذرفت عيني وقـفـت | | أترى عرفت ما بي الإبل |
|
||
| ولحا اللاحي وهو الصاحي | | وهو راحي وأنا الثـمـل |
|
||
|
||
الفصل الثامن والعشرون
|
||
|
||
تيقظ لنفسك يا هذا وانتبه، وأحضر عقلك وميز ما تشتبه، أما هذا منزلك اليوم?
|
||
وغداً لست به.
|
||
|
||
| إذا ما انجلى الرأي فاحكم به | | ولا تحكمن بما يشـتـبـه |
|
||
| ونبّه فـؤادك مـن رقـدة | | فإن الموفق من ينـتـبـه |
|
||
| وإن كنتُ لم أنتبه بـالـذي | | وعظت به فانتبه أنت بـه |
|
||
|
||
لقد أمكنت الفرصة أيها العاجز، ولقد زال القاطع وارتفع الحاجز، أين الهمم
|
||
العالية وأين النجايز? أما تخاف هادم اللذات والمنى الناجز? أما اعوجاج
|
||
القناة دليل على الغامز? أما الطريق طويلة وفيها المفاوز، أما القبور قنطرة
|
||
العبور فمن المجاوز، أما يكفي في التنغيص حمل الجنايز? أما العدو محارب فهل
|
||
من مبارز? أما الأمن بعيد والهلك ناشز، والقنا مشرع والطعن واخز، تالله
|
||
تطلب الشجاعة من بين العجايز، وتروم إصلاح فارك وتقويم ناشز، إن لم يكن سبق
|
||
التصديق فلتكن توبة ماعز، ما هذه الغفلة والبلى مصيرك! وكم هذا التواني
|
||
فلقد أودى تقصيرك، أما صاح بك في سلب نذيرك، أفلا تتأهب لقدساء تدبيرك.
|
||
|
||
إبْ يا شارد الطبع من سفر الهوى، وأذب جامد الدمع بنيران الأسى، لعل شفيع
|
||
الاعتراف يسئل في أسير الاقتراف، نق عينيك من عيوبك، وخلص ذنوبك من بحر
|
||
ذنوبك، وصن صندوق فمك بقفل صمتك، واطو طيلسان لسانك عن بذلة نطقك، وأغمض
|
||
عينك عن عيبك حفظاً لدينك، واكفف كفك مكتفياً بما كفك، وابن منبر التذكير
|
||
لواعظ القلب في ساحة الصدر، وناد في شجعان العزائم ورهبان الفكر، هلموا إلى
|
||
عقد مجلس الذكر، واحذر عين العدو أن يوقع تشتيت الهم في جمع العزم، فإن
|
||
رماك القدر بسهم الفتور عن قوس الحكمة من يد لكل عامل فترة فاتق بجنة
|
||
الاعتذار، فإن ألقى كرة قلبك إلى صولجان التقليب في بيداء المؤمن مفتن فجل
|
||
في ميدان الدل فإن دب ذئب الهوى فعاث في مزرعة التقى فأقم ناطور القلق، فإن
|
||
أفلت دجال الطبع فأقام صليب الزلل وأطلق خنزير الشره فألجأ إلى حرم التوبة
|
||
واستغث بعيسى العون لعله ينزل من سماء الألطاف فيهلك الدجال ويقتل الخنزير
|
||
ويكسر الصليب، اجلس ليلة على مائدة السحر وذق طعام المناجاة تنسيك كل لذة،
|
||
أرواح الأسحار لا يستنشقها من كوم غفلة، إنها لتأتي بألطاف الحبيب ثم تعود
|
||
فيحاء تطلب رسالة، فمن لم يكتب كتاباً فماذا يبعث? لو وقفت على جادة التهجد
|
||
ليلة لرأيت ركب الأحباب لو سرت في أعراض القوم لحرك قلبك صوت الحداة، أقبلت
|
||
رياح الأسحار فاحتشمت تقبيل أقدامهم، وذكت أذيال أثوابهم.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| وأمستِ الريحُ كالغيرى تجاذبنـا | | *على الكئيب فضول الرَّيط واللَّمم * |
|
||
| يشي بنا الطـيبُ أحـيانـاً وآونةً | | يُضيئنا البرقُ مجتازاً على أَضَم |
|
||
| يُولّع الطلُّ بُرْدَيْنا وقد نسـمـت | | *رويحة الفجر بين الضال والسلم* |
|
||
|
||
حديث القوم مع الدجى يطول، يسيحون في فلوات خلواته، يندبون أطلال الحب
|
||
ويرتاحون إلى تنسمه لشدة الطرب.
|
||
|
||
| وإني لأستنشي الـشـمـال إذا جـرت | | حنينا إلى آلاف قلـبـي وأحـبـابـي |
|
||
| وأهدي مع الريح الجـنـوب إلـيهـم | | *سلامي وشكوى طول حزني وأوصابي * |
|
||
|
||
واعجباً الرسايل تحمل في الأسحار، لا يدري بها الفلك، والأجوبة ترد إلى
|
||
الأسرار لا يعلمها الملك.
|
||
|
||
| يا حبذا رند العقـيق وبـأنـه | | سقى العقيق وأهله وزمانـه |
|
||
| راقت خمايله ورق نسـيمـه | | *وصفت على عصبائه غدرانه * |
|
||
| وشكت تباريح الصبابة ورقـه | | وتمايلت بيد الصبا أفـنـانـه |
|
||
| يا مفرداً في حسنه صل مفرداً | | في حزنه لعبت به أشجانـه |
|
||
| صباً إذا ذكر العقيق وأهـلـه | | صابت مدامعه وجن جنانـه |
|
||
|
||
اجتمع المحبون في مساجد التعبد أول الليل، فرماهم الوجد في آخره على قوارع
|
||
الطرق.
|
||
|
||
| مشوا إلى الراح مشى الرخ فانصرفوا | | *والراح تهشي بهم مشي الـفـرازين* |
|
||
|
||
أرواح أزعجها الحب، وأقلقها الخوف، سبحان من أمسكها باللطف.
|
||
|
||
| قوم إذا هجروا من بعد ما وصلوا | | ماتوا وإن عاد من يهوونه بعثـوا |
|
||
| ترعى المحبين صرعن في ديارهم | | كفتية الكهف يدرون لا كم لبثـوا |
|
||
| والله لو حلف العـشـاق أنـهـم | | *موتى من الحب أو قتلى لما حنثوا * |
|
||
|
||
مجلسنا بحر، يرده الفيل والعصفور كل أناس مشربهم أطيار صناعتها في الجو
|
||
بالقلب.\\
|
||
فأين الطروب، سحائب التفهيم قد هطلت بودق البيان، أفتراها أخضرت رياض
|
||
الأذهان? نحن في روضة طعامنا فيها الخشوع وشرابنا فيها الدموع ونقلنا هذا
|
||
الكلام المطبوع، نداوي أمراضاً أعجزت بختيشوع، ونرقى الهاوي ونرقى الملسوع،
|
||
فليته كان كل يوم لا كل أسبوع.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| يا صحابي وأين منِّي صحـبـي | | فتنتهم عـيون ذاك الـسـربِ |
|
||
| كلمات أسماؤهن اسـتـعـارات | | وما هن غير طعـن وضـربِ |
|
||
| أرني ميتة تطيب بها الـنـفـس | | وقـتـلا يلـذُّ غـير الـحـبِّ |
|
||
| لا تزل بي عن العقـيق فـفـيه | | وطري إن قضيته أو نحـبـي |
|
||
| لا رعيتُ السوامَ إن قلتُ للصحبة | | *خفّي عني وللعـيس: هـبِّـي* |
|
||
|
||
وحدي أتكلم، وجدي يتألم، ألا مريد يتعلم? ألا دموع تتسلم? لابن المعلم:
|
||
|
||
| هو الحمى ومغانيه معانـيه | | *فاحبس وعان بليلى ما تعانيه * |
|
||
|
||
|
||
|
||
| ما في الصحاب أخو وجد تطارحه | | حديث نجد ولا صب تـجـاريه |
|
||
| إليك عن كل قلب في أمـاكـنـه | | ساه وعن كل دمع في مـآقـيه |
|
||
| يوهي قوى جلدي من لا أبوح به | | ويستبيح دمي مـن لا أسـمـيه |
|
||
| يبلى فما في لساني ما يعـاتـبـه | | ضعفا بلى في فؤادي مـا يداريه |
|
||
|
||
الفصل التاسع والعشرون
|
||
|
||
أخواني تفكروا في مصارع الذين سبقوا، وتدبروا مصيرهم أين انطلقوا? واعلموا
|
||
أن القوم انقسموا وافترقوا، قوم منهم سعدوا ومنهم قوم شقوا
|
||
|
||
| والمرء مثل هلالٍ عند طلـعـتـه | | يبدو ضئيلاً لطيفـاً ثـم يتـسـق |
|
||
| يزداد حتى إذا ما تـم أعـقـبـه | | كر الجديدين نقصا ثم ينـمـحـق |
|
||
| كان الشباب رداءً قد بهجـت بـه | | فقد تطاير منه للـبـلـى خـرق |
|
||
| وبات منشمراً يحدو المشـيب بـه | | كالليل ينهض في أعجازه الفلـق |
|
||
| عجبتُ والدهر لا تفنى عجـائبـه | | للراكنين إلى الدنيا وقد صـدقـوا |
|
||
| وطال ما نغصوا بالفجع ضاحـية | | *وطال بالفجع والتنغيص ما طرقوا * |
|
||
| دار تغر بها الآمـال مـهـلـكة | | وذو التجارب فيها خـائف فـرق |
|
||
| يا للرجال لمخدوع بزخـرفـهـا | | بعد البيان ومغرور بـهـا يثـق |
|
||
| أقول والنفس تدعوني لباطـلـهـا | | أين الملوك ملوك الناس والسـوق |
|
||
| أين الذين إلى لذاتـهـا ركـنـوا | | قد كان فيها لهم عيش ومرتـفـق |
|
||
| أمست مساكنهم قفراً مـعـطـلة | | كأنهم لم يكونوا قبلهـا خـلـقـوا |
|
||
| يا أهل لذات دار لا بـقـاء لـهـا | | *إن اغتراراً بظـل زايل حـمـق* |
|
||
|
||
أين من كان في سرور وغبطة? أين من بسط اليد في بسيط البسطة? لقد أوقعهم
|
||
الموت في أصعب خطة، جسروا على المعاصي فانقلبت على الجيم النقطة، بيناهم في
|
||
الخطأ خطا إليهم صاحب الشرطة، هذا دأب الزمان فإن صفا فغلطة، كم تخون الموت
|
||
منا أخوانا، وكم قرن في الأجداث أقرانا، كم مترف أبدله الموت ديدانا، وهذا
|
||
أمر إلينا قد تدانى، كم معد عوداً لعيده? صارت ثيابه أكفانا، وما شاهدنا
|
||
مصرعها وما كفانا، كم مسرور بقصره عوض من قبره أعطانا، افتراناً، هذا
|
||
الأمن، من أعطانا?
|
||
|
||
| لنمنا وصرف الدهر ليس بنائم | | خزمنا له قسراً بغير خزائم |
|
||
|
||
من سعى إلى شهواته مستعجلاً تعثر بحسك الأسف، تلمح العواقب قبل الفعل أمان
|
||
من الندم، قد عرفتم عقابيل قابيل وعلمتم حسن سرابيل هابيل:
|
||
|
||
| الشرى يوجد في أعقابه ضرب | | *خير من الأرى في أعقابه لسع * |
|
||
|
||
الهوى مطمورة ضيقة في حبس وعر ومذ خلق الهوى خلق الهوان، لا يتصرف الهوى
|
||
إلا بربع قلب فارغ من العلم، الجهل خندق يحول بين الطالب والمطلوب والعلم
|
||
يدل على القنطرة، كتابة العلم في ليل الجهل تفتقر إلى مصباح فطنة ودهن
|
||
الذهن غال، ما قدر لص قط على فطن، ومتى نام حارس الفكر انتبه لص الهوى، من
|
||
ثبت قلبه في حرب الشهوات لم يتزلزل قدمه، أول ما ينهزم من المهزوم عقله، ما
|
||
دمتَ في حرب العدو فلا تبال بالجراح، فإنه قد يصاب الشجاع، إنما المهادنة
|
||
دليل الذل، تأثيرات الذنوب على مقاديرها، وقعت غلطة من يوسف فقُدَّ القميص
|
||
وقويت زلة آدم، فخرج عرياناً من الثياب، أين عزيمة توبة ماعز? لا عزيمة
|
||
توبة، أين هم أويس لا غم قيس، ما لم يكن لك محرِّك من باطنك فالخلق تضرب في
|
||
حديد بارد.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| ظللت أكر عليه الرقي | | وتأبى عريكته أن تلينا |
|
||
|
||
ويحك، من زم جوارحه ولازم الباب كان على رجاء الوصول، فكيف بمن لازم ولا
|
||
لازم، طوبى للزهاد لقد مروا في المطلق، من يرافقني إلى ديار القوم? ما أجوز
|
||
على البلدان إنما أمضى على السماوة، وهذه خيام ليلى فأين ابن الملوح:
|
||
|
||
| هذي منازلهم ومالي | | بعد بعد القوم خبـر |
|
||
| ويلي أحظى كـلـه | | *من دونه صد وهجر * |
|
||
|
||
كان سري يدافع أول الليل فإذا جن أخذ في البكاء إلى الفجر:
|
||
|
||
| أقطع ليلى وجيش وجـدي | | *من عن شمالي وعن يميني * |
|
||
| تالله لو عـادنـي رسـول | | لعاد عن مدنـف حـزين |
|
||
| ما حيلتي فيك غـير أنـي | | أسرق من زفرتي أنينـي |
|
||
|
||
ذلوا له ليرضى، فإذا رأيتهم قلت مرضى.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| مرض بقلب ما يعاد | | وقتيل حب ما يقـاد |
|
||
| يا آخر العشـاق مـا | | أبصرت أولهـم يذاد |
|
||
| يقضي المتيم منهـم | | *نحباً ولو ردوا لعادوا * |
|
||
|
||
يأنسون في الدجى بالظلام، ويطربون بنوح الحمام، مرضى الأبدان من طول
|
||
الغرام، أصحاء القلوب مع السقام، إذا ذكرت حبيبهم رأيت المستهام قد هام.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| وأنتَ إن كنتَ رفيقاً فـأعِـد | | ذكر الحمى أطيب ما غُنّـيا |
|
||
| أعِدْ فمن آية سكان الحـمـى | | وذكرهم أن يذهب الشجونـا |
|
||
| شجواً كشجوى يا حمام ساعدي | | إن الحزين يسعد الحـزينـا |
|
||
| كم من دموع ردها صوب دم | | تخلج البرق علـى يبـرينـا |
|
||
|
||
قال الشبلي: لقيت جارية حبشية، فقلت: من أين? فقالت: من عند الحبيب، قلت:
|
||
وإلى أين? قالت: إلى الحبيب، قلت: ما الذي تريدين من الحبيب? قالت: الحبيب.
|
||
قلت: فكم تذكرين الحبيب? فقالت: ما يسكن لساني عن ذكراه حتى ألقاه:
|
||
|
||
| وحرمة الورد ما لي عنكم عوض | | *وليس لي في سواكم بعدكم غرض * |
|
||
| ومن حديثي بكم قالوا بـه مـرض | | *فقلت لا زال عني ذلك المـرض* |
|
||
|
||
رأى معروف في المنام كأنه تحت العرش، فقال الله عز وجل: ملائكتي من هذا?
|
||
فقالوا: أنت أعلم، هذا معروف قد سكن من حبك، فلا يفيق إلا بلقائك:
|
||
|
||
| فداو سقماً بجسم أنـت مـتـلـفـه | | وابرد غراماً بقلب أنت مضـرمـه |
|
||
| ولا تكلني على بـعـد الـديار إلـى | | *صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه * |
|
||
| تلق قلبي فقـد أرسـلـتـه فـرقـا | | *إلى لقـائك والأشـواق تـقـدمـه* |
|
||
|
||
الفصل الثلاثون
|
||
|
||
أخواني البدار البدار، والجد الجد، فالخصم معد، والقصم مجد:
|
||
|
||
| مكرُ الزمان علينـا غـيرُ مـأمـون | | فلا تظنن أمراً غـيرَ مـظـنـون |
|
||
| بل المخوف علينا مكرَ أنـفـسـنـا | | ذات المنى دون مكر البيض والجون |
|
||
| إن الليالـي والأيام قـد كـشـفـت | | من مكرها كل مستور ومـكـنـون |
|
||
| وحدثتنـا بـأنـا مـن فـرائسـهـا | | نواطقاً بفصـيح غـير مـلـحـون |
|
||
| واستشهدت من مضي منا فأنـبـأنـا | | عن ذاك كل لقي مـنـا ومـدفـون |
|
||
| وأم سـوء إذا مـا رام مـرتـضـع | | أخلافها صد عنها صـد مـزبـون |
|
||
| ونحن في ذاك نصيفهـا مـودتـنـا | | تباً لكل سفـيه الـرأي مـغـبـون |
|
||
| نشكو إلى الله جهلاً قد أضـر بـنـا | | بل ليس جهلاً ولكن علم مـفـتـون |
|
||
| أغوى الهوى كل ذي عقل فلست ترى | | إلا صحيحاً له أفعـال مـجـنـون |
|
||
| حتى متى نشـتـري دنـيا بـآخـرة | | سفاهة ونبـيع الـفـوق بـالـدون |
|
||
| نبني المعـاقـل والأعـداء كـامـنة | | فيها بكل طرير الحـد مـسـنـون |
|
||
| ونجمع المال نرجـو أن يخـلـدنـا | | وقد أبى قبلنـا تـخـلـيد قـارون |
|
||
| نظل نستنـفـق الأعـمـار طـيبة | | عنها النفوس ولا نسخر بمـا عـون |
|
||
| ومـا تـأخـر حـي بـعـد مـيتة | | *ألا تأخر نـقـد بـعـد عـربـون* |
|
||
|
||
يا من دعى إلى نفعه نبا ونشز، يا جامعاً لغيره ما جمع وكنز، يا متثبطاً في
|
||
الخير فإذا لاح الشر جمز، كأنك بالألم وقد ألم، فنكى ونكز، وكد التبار
|
||
الروح بالتباريح، واشتد العلز، وأخذ النفس النفس فاضطرها وحفز، ودارت في
|
||
فلك الفوت فإذا ملك الموت قد برز، فسماك بالمقبور وبالمثبور قد نبز، فتأهب
|
||
فالسعيد منا من تأهب للخير وانتهز، لقد علت سنك وانتهيت. وما انتبهت ولا
|
||
انتهيت. أتعبت ألف رايض ولم تؤد الفرايض.\\
|
||
كم ضيعت عمراً طويلاً حملت فيه وزراً ثقيلاً. كم نصب لك الموت دليلاً إذ
|
||
ساق العزيز ذليلاً، لقد حمل إلى القبور جيلاً جيلاً، ونادى في الباقين
|
||
رحيلاً رحيلا، لكن الهوى أعاد الطرف كليلا، وما كان الذي رأيت قليلا، يا
|
||
مرضاً عجيباً كم أتعبت طبيبا، لقد تنوع ضروبا فأخذ كل عضو نصيباً، إلام
|
||
يبقى الغصن رطيباً? من يرد برد الصبي قشيباً، لقد أمسى الموت قريباً،
|
||
وستبصر يوماً غريباً.\\
|
||
عجباً لك، لا الدهر يعظك، ولا الحوادث تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس
|
||
تعد منك، وأحب أمريك إليك، أعودهما بالضرر عليك.
|
||
|
||
يا هذا، من جلا بصيرته من قذى الهوى جلّى على بصره عرائس الهدى. الصور
|
||
تزاحم المعاني فمن حلها حلى بمغنى المعنى فتعلم حلها بالتدريج. كل ذرة من
|
||
الكون تخبر بلغة بليغة عن حكمة الفاطر، غير أنه لا يفهم نطق الجوامد إلا
|
||
العقل نظر الأبصار اليوم إلى الصانع بواسطة المصنوع تدريج إلى رفع الوسايط
|
||
غداً، يا محبوساً في سجن غفلته أخرج من ديار أدبارك واعبر في معبر اعتبارك،
|
||
قف على بعض بقاع قاع ترى كيف نمت خضرة حضرته بأسرار الخالق إذ تمت. تلمح
|
||
أصناف النبات في ثياب الثبات قد برزت في عيد الربيع تميس طرباً بالري، تأمل
|
||
مختلف الألوان في الغصن الواحد، فإن صباغ القدرة صناع. اسمع غناء الورق،
|
||
على عيدان العيدان. لعل مقاطع السجوع توجب رجوع المقاطع:
|
||
|
||
| ولقد تشكو فما أفهـمـهـا | | ولقد أشكو فما تفهمـنـي |
|
||
| غير أني بالجوى أعرفهـا | | *وهي أيضاً بالجوى تعرفني * |
|
||
|
||
الحمائم نواح المشتاقين قد رضيت من خلعهم بجريان الدموع:
|
||
|
||
| ناحت سحراً حمامة في غصن | | *قد جرعها الفراق كأس الحزن * |
|
||
| تبكي شجناً تلـقـتـه مـنـي | | *ما يبكي باك إلا ويروي عنـي* |
|
||
|
||
واعجباً، متى يثمر لك وجود الثمر معرفة النعم. كم تنضج الثمار وتتناولها
|
||
وثمرة عرفانك بعد فجة. ليس حظك من النبات إلا الأكل. أين التدبير لعجيب
|
||
الصنعة والصنع. يا مؤثراً ضنك الحس، على فضاء العقل. كيف تبيع صفاء للتأمل
|
||
بكدر الإهمال? من العجب أن ندعوك إلى تلمح العبر في الغير وأنت ما تبصر
|
||
نفسك، تدبر قطرة قطرة من ماء. صبت على إيقاد نار الشهوة. كيف ظهرت فيها عن
|
||
حركات اللذة? رقوم نقوش عقدتها يد القدرة. كما تظهر الصورة في ثوب
|
||
السقلاطوني عن حركات الشد.\\
|
||
تأمل نطفة مغموسة في دم الحيض، ونقاش القدرة يشق سمعها وبصرها من غير مساس.
|
||
كيف تربى في حرر مصون عن مشعب، بينا هي ترفل في ثوب نطفة اكتست رداء علقة.
|
||
ثم اكتست صفة مضغة، ثم انقسمت إلى عظم ولحم. فاستترت من يد الأذى بوقاية
|
||
جلد. ثم خرجت في سربال الكمال تسحب مطارف الطرائف. فبينا هي في صورة طفل
|
||
درجت درجة الصبي. فتدرجت إلى النطق وتشبثت بذيل الفهم. فكم من صوت بين أرجل
|
||
النقل من تحريك جلاجل العبر. في خلاخل الفكر، كلما رنت غنت ألسن الهدى في
|
||
مغاني المعاني. وكيف يسمع أطروش الغفلة? هذا بعض وصف الظاهر، فكيف لو فهمت
|
||
معنى الباطن? الآدمي كتاب مسطور. وشخصه رق منشور. قلبه بيت معمور. همه سقف
|
||
مرفوع. علمه بحر مسجور. من ينتفع بأسماعكم بعدي? وما تحسن الأيام تكتب ما
|
||
أملى.
|
||
|
||
الفصل الحادي والثلاثون
|
||
|
||
يا جامعاً المال لغيره، تاركاً للتزود في سيره، أتحظى بشر كسبك، ويحصل سواك
|
||
بخيره:
|
||
|
||
| سابق إلى مـالـك وراثـه | | ما المرء في الدنيا بلبـاث |
|
||
| كم صامت يخنق أكـياسـه | | *قد صلح في ميزان ميراث * |
|
||
|
||
أين جامع الدنيا? طرحها واطرح، أين اللاهي بها? حزن بعد أن فرح، جال في وصف
|
||
الحرب عنها فاغتيل وجرح، وظن الأمر سهلاً فإذا الرجل قد ذبح، بينا هو في
|
||
لذاته يغتبق ويصطبح برح به أمر مرحل، فما برح نزل والله لحداً ضيقاً فما
|
||
ينفسح، وصمت تحت الثرى فكأنه لم ينطق ولم يصح، وكتب على قبره ما أخّر خسر،
|
||
وما قدم ربح، وعدل إلى قصره بعد الدفن فافتتح، وأصبحت سهام الوارث في ماله
|
||
تنتطح، يا معرضاً عن الهدى والأمى متضح، أو ما حالك كهذا الحال? الذي شرح،
|
||
كأنك بك في ضيق خناقك تبكي على قبيح أخلاقك، وحبل الدموع تجري في حلبات
|
||
آماقك، وقد تحيرت عند التفاف ساقك بساقك، وأسرت لا بقيد عن حركات إطلاقك،
|
||
وناداك تفريطك: هذا بعض استحقاقك.
|
||
|
||
| لا تكـذبـن فـإنـنـي | | لك ناصح لا تكذبـنـه |
|
||
| فاعمل لنفسك ما استطع | | ت فإنها نـار وجـنة |
|
||
|
||
أخواني، كم من حريص قد جمع المال جمع الثريا? فرقته الأقدار تفريق بنات
|
||
نعش، يا ذا اللب، حدثني عنك، أتنفق العمر الشريف في طلب الفاني الرذيل?
|
||
ويحك، إن الهوى مرعاد مبراق بلا مطر، الدنيا لا تساوي نقل أقدامك في طلبها،
|
||
أرأيت غزالاً يغدو خلف كلب، الدنيا مجاز والأخرى وطن، والأوطار في الأوطان
|
||
أطوار، إيثار ما يفنى على ما يبقى برسام حاد.
|
||
|
||
ا أبناء الدنيا إنها مذمومة في كل شريعة، والولد عند الفقهاء يتبع الأم، يا
|
||
من هو في حديثها أنطق من سبحان، وفي انتقاد الدنانير أنسب من أغفل، فإذا
|
||
ذكرت الآخرة فأبله من باقل، حيلتك في تحصيلها أدق من الشعر، وأنت في
|
||
تدبيرها أصنع من النحل، وعين حرصك عليها أبصر من العقاب، وبطن أملك أعطش من
|
||
الرمل، وفم شرهك أشرب من الهيم، تجمع فيها الدر جمع الذر، يا رفيقاً في
|
||
البله لدود القز، ما انتفعت بموهبة العقل:
|
||
|
||
| كدود كدود القز ينسـج دائمـاً | | *ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه * |
|
||
|
||
ويحك، إن سرورها أقتل من السم، وإن شرورها أكثر من النمل، إنها في قلبك أعز
|
||
من النفس، وسنصير عند الموت أهون من الأرض، حرصك بعد الشيب أحر من الجمر،
|
||
أبقي عمر? يا أبرد من الثلج، يا من هو عن نجاته أنوم من فهد، ضيعت عمراً
|
||
أنفس من الدر، أنت في الشر أجرى من جواد، وفي الخير أبطأ من أعرج، تسعى إلى
|
||
العاجل سعي رث، ويمشي في الأجل مشي فرزان، الزكاة عليك أثقل من أحُد،
|
||
والصلاة عندك كنقل صخر على ظهر، وطريق المسجد في حسبان كسلك كفرسخي دير
|
||
كعب، صدرك عن حديث الدنيا أوسع من البحر، ووقت العبادة أضيق من تسعين،
|
||
معاصيك أشهر من الشمس، وتوبتك أخفى من السهي، إن عرضت خطيئة وثبت وثوب
|
||
النمر، فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب، تقدم على الظلم أقدام السبع،
|
||
وتخطف الأمانة اختطاف الحدأة، يا أظلم من الجلندي ما تأمنك غزلان الحرم، يا
|
||
كنعان الأمل، يا نمرود الحيل، يا نعمان الزلل، أنت في حب المال شبه
|
||
الحباحب، وفي تبذير العمر رفيق حاتم، تمشي في الأمل على طريق أشعب، وستندم
|
||
ندامة الكسعي، يا عذري الهوى في حب الدنيا، يا كوفي الفقه في تحصيلها، يا
|
||
بصري الزهد في طلب الآخرة، إنما يتعب في تعليم البازي ليصيد ماله قدر، ولما
|
||
تعلم بازي فكرك، أرسلته على الجيف.\\
|
||
ويحك تفكر قبل سلوك طريق الهوى، في كثرة المعاثر والصدمات أوما المكروهات
|
||
في طي المحبوبات كوامن? يا مطلقاً نفسه في محظور شهواتها، اذكر الغمس في
|
||
الرمس، يا ذا البال الناعم فوق الأرض، اذكر الناعم البالي تحتها، أتلفق?
|
||
والزمان يفرق، أتؤلف? والحدثان يمزق، أتصفي? والدهر يرنق، أتؤمل? والموت
|
||
معوق، ويحك إن القاصد قاصم، وما للعاصي عاصم، أنت في أرباب الذنوب غريق،
|
||
وفي روم الهوى بطريق، فاحذر عقاب الأكابر، يا قليل الخبرة بالطريق اطلب
|
||
رفقة، إذا لم تعرف القبلة بالعلامات، ففي المساجد محاريب، إذا رأيت قطار
|
||
التائبين متصلاً فعلق عليه.
|
||
|
||
| أهل الغرام تجمعوا | | فاليوم يوم عتابنـا |
|
||
| نعق الغراب ببيننا | | فغرابنا أغرى بنا |
|
||
| إن الذين نحبـهـم | | قد وكلوا بعذابنـا |
|
||
| قوموا بنا بحياتكـم | | نمضي إلى أحبابنا |
|
||
| قوم إذا ظفروا بنا | | جادوا بعتق رقابنا |
|
||
|
||
من مشى إليَّ هرولتُ إليه، دعوناك بالوسائط فلم تحضر، فأتى المرسل ينزل إلى
|
||
السماء، النظر متشابه والذوق محكم.
|
||
|
||
| ولما رأيت الحب قد مد جـسـره | | ونودي بالعشاق قوموا بنا فاسروا |
|
||
| خرجتُ مع الأحباب كيما أحـوزه | | *فصادفني الحرمان وانقطع الجسر * |
|
||
| ومالت بنا الأمواج من كل جانـبٍ | | ونادى مناد الحب قد غرق الصبر |
|
||
|
||
الفصل الثاني والثلاثون
|
||
|
||
يا هذا. لو عاينت قصر أجلك لزهدت في طول أملك، وليقتلنك ندمك إن زلت بك
|
||
قدمك.\\
|
||
للمتنبئ:
|
||
|
||
| *إلى كم ذا التواني في التواني?* | | *وكم هذا التمادي في التمادي?* |
|
||
| وما ماضي الشباب بمسـتـردٍّ | | ولا يومٌ يمر بمـسـتـعـار |
|
||
| متى لحظتْ بياض الشيب عيني | | فقد وجدته منها في الـسـواد |
|
||
| متى ما ازددت من بعد التناهي | | *فقد وقع انتفاضي فـي ازدياد* |
|
||
|
||
إلى متى تحرص على الدنيا وتنسى القدر? من الذي طلب ما لم يقدر فقدر? لقد
|
||
أذاك إذ ذاك النصب، وأوقعك الحرص في شرك الشرك إذ نصب، أتحمل على نفسك فوق
|
||
الجسد? ولو قنعت أراحك الزهد فلماذا تحمل ما آذى ولمن? ومن ينفعك إن قتلت
|
||
نفسك يا هذا، ومن? تحمل على الهم الهم، لأمر لو قضى تم، أحرصاً على الدنيا.
|
||
لا كانت، أم شكاً في عيوبها? فقد بانت.
|
||
|
||
| رأيت ظنوني بها كالسراب | | فأيقنت أن سرابي سرابي |
|
||
|
||
كم غرت الدنيا فرخها? فعرت، ثم ذبحته بمدية ما مرت، إنها لتقتل صيادها،
|
||
وتقتل أولادها.
|
||
|
||
| عزيز على مهجتي غرني | | *وسلم لي الوصل واستسلما * |
|
||
| فلما تملكنـي واحـتـوى | | على مهجتي سل ما سلما |
|
||
|
||
والله لو كنت من رياشها أكسى من الكعبة، لم تخرج منها إلا أعرى من الحجر
|
||
الأسود.\\
|
||
قيل لراهب: ما الذي حبب إليك الخلوة وطرد عنك الفترة? قال: وثبة الأكياس من
|
||
فخ الدنيا.\\
|
||
وقيل لآخر: لم تخليت عن الدنيا? فقال: خوفاً والله من الآخرة أن تتخلى
|
||
عني.\\
|
||
من غرس في نفسه شرف الهمة فنبت، نبت عن الأقذار، ومن استقر ركن عزيمته
|
||
وثبت، وثبت نفسه عن الأكدار.
|
||
|
||
| قد انقضى العمر وأنت في شـغـل | | *فاجسر على الأهوال إن كنت رجل * |
|
||
|
||
يا زمن الهمة، يا مقعد العزيمة، يا عليل الفهم، يا بعيد الذهن.
|
||
|
||
| أما اشتقت مغنى الهوى حين طاب | | ومنبت غصن الصبي حين مـالا |
|
||
| أمـا آن مـن نـازح أن يحــن | | *وللوصل مـن هـاجـر أن يدالا* |
|
||
|
||
سار المجدون وتركوك، ونجا المخفون وخلفوك، نادهم إن سمعوك، واستغث بهم إن
|
||
رحموك.
|
||
|
||
| أيها الراحلون من بـطـن خـيف | | وركاب النوى بهـم تـتـرامـى |
|
||
| إن أتيتـم وادي الأراك فـاهـدوا | | لحبيبي تـحـيتـي والـسـلامـا |
|
||
| وردوا ماء ناظري عوض الغـدر | | *ان وارعوا بين الحشى لا الخزامى * |
|
||
| واطلبوا إلى قـلـبـي وآيتـه أن | | *تجدوا فيه من هواهم سـهـامـا* |
|
||
|
||
يا من أبعدته الخطايا عنهم، أدرج مرحلة الهوى وقد وصلت أنت تتعلل للكسل
|
||
بالقدر فتقول: لو وفقني، ولكسب الشهوات بالندب إلى الحركة "فامشوا في
|
||
مناكبها" أنت في طلب الدنيا قدري، وفي طلب الدين جبري، أي مذهب وافق غرضك
|
||
تمذهبت به، أوليس في الإجماع "من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها" جسدك
|
||
عندنا وقلبك في البيت، نحن في واد وأنت في واد.
|
||
|
||
| بكرت صبحاً عواذلـه | | ورسيس الحب قاتله |
|
||
| هوى في واد ولسن به | | والهوى عنهن شاغله |
|
||
| يتمنين السـلـو لـه | | ومناه من يواصـلـه |
|
||
|
||
لا بد والله من قلق وحرقة أما في زاوية التعبد أو في هاوية الطرد، إما أن
|
||
تحرق قلبك بنار الندم على التقصير والشوق إلى لقاء الحبيب، وإلا فنار جهنم
|
||
أشد حراً:
|
||
|
||
| شجاك الفراق فما تصنع | | أتصبر للبين أم تجـزع |
|
||
| إذا كنت تبكي وهم جيرة | | فما ذا تقول إذا ودعوا |
|
||
|
||
القلق القلق يا من سلب قلبه، والبكاء البكاء يا من عظم ذنبه.\\
|
||
كان الشبلي يقول في مناجاته: ليت شعري ما اسمي عندك يا علام الغيوب، وما
|
||
أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب، وبم تختم عملي يا مقلب القلوب? وكان
|
||
يصيح في جوف الليل: قرة عيني، وسرور قلبي ما الذي أسقطني من عينك? أقلت هذا
|
||
فراق بيني وبينك?
|
||
|
||
| هجرانك قاتلي سـريعـا | | والهجر من الحبيب قاتـل |
|
||
| إن كنت نسيتني فعـنـدي | | شغل بك لا يزال شاغـل |
|
||
| قلبي يهواك ليت شعـري | | ما أنت بذا المحب فاعـل |
|
||
| حقاً قد قلت يا حـبـيبـي | | قام على قولـي الـدلائل |
|
||
| شوق وجوى ونـار وجـد | | تذكي بعظائم الـبـلابـل |
|
||
| سائل دمعي فجفن عـنـي | | لا يبرح بالبكـاء سـائل |
|
||
| إن جن لي الليل يا حبيبـي | | فجنة القلب في الرسـائل |
|
||
| أبكي ما كان من وصـال | | والحزن تهيجه المنـازل |
|
||
| هذا خدي علـى ثـراكـم | | لا أبـرحــه ولا أزايل |
|
||
| إن أنت طردتني فـويلـي | | *بعد الإعراض من أواصل * |
|
||
| كلا والجود لـي شـفـيع | | والجود مقدم الـوسـائل |
|
||
|
||
الفصل الثالث والثلاثون
|
||
|
||
يا من بين يديه الأهوال والعجائب، وقدماً نوى له الدهر النوائب، أما سهم
|
||
المصائب كل يوم صائب، أحاضر فتحمل من عتبنا? كلا بل أنت غائب.
|
||
|
||
| وكيف قرّت لأهل العلم أعينهـم | | أو استلذوا لذيذ النوم أو هجعوا |
|
||
| والموت ينذرهم جهراً علانـية | | لو كان للقوم أسماعٌ لقد سمعوا |
|
||
| والنار ضاحية لا بد مـوردهـم | | *وليس يدرون من ينجو ومن يقع * |
|
||
| قد أمست الطير والأنـعـام آمـنة | | والنون في البحر لن يغتالها فـزع |
|
||
| والآدمي بهذا الكسـب مـرتـهـن | | له رقيب على الأسـرار يطـلـع |
|
||
| حتى يوافيه يوم الجمع مـنـفـرداً | | وخصمه الجلد والأبصار والسمـع |
|
||
| إذ الـنـبـيون والأشـهـاد قـائمة | | والجن والإنس والأملاك قد خشعوا |
|
||
| وطارت الـصـحـف فـي الأيدي | | منشرة فيها السرائر والأخبار تطلع |
|
||
| فكيف سهـوك والأنـبـاء واقـعة | | عما قليل ولا تـدري مـمـا يقـع |
|
||
| أفي الجنان وفوز لا انقـطـاع لـه | | أم الجحيم فلا تـبـقـي ولا تـدع |
|
||
| تهوي بساكنها طوراً وترفـعـهـم | | إذا رجوا مخرجاً من غمها قمعـوا |
|
||
| طال البكاء فلم يرحم تضـرعـهـم | | هيهات لا رقة تغنـي ولا جـزع |
|
||
| لينفع لعلم قبل المـوت عـالـمـه | | *قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا * |
|
||
|
||
يا من عمره يقد بالساعات ويعد بالأنفاس، يا خل الأمل خل أحاديث الوسواس، يا
|
||
طويل الرقاد إلى كم ذا النعاس?، قد بقي القليل لا ريب وهذا الشيب يقلع
|
||
الأغراس، إن في المقابر عبراً، وما أدراك ما الأدراس?، تالله لو سكن اليقين
|
||
القلب، لضربت أخماساً في أسداس، هل تجد لماضي العمر لذة? والباقي على
|
||
القياس، ماذا التهول في البوار، وجر الأذيال في الخسار، كأنك لم تسمع بجنة
|
||
ولا نار، لهيب حرصك ما يطفي، وشر شرهك ما يخفى، أترى هذا ? على ماذا، أليس
|
||
لما إذا? قيل آذى.\\
|
||
أنت في طلب الدنيا أحير من صَب، تبيت في عشقها أسهر من صب، أين ما حلا في
|
||
الفم وحلى في العين، ذهب الكل وأنت تدري إلى أين، ما أصعب السباحة في غدير
|
||
التمساح، ما أشق السير في الأرض المسبعة، إن المفروح به هو المحزون عليه،
|
||
غير أن عين الهوى عميا، طاير الطبع يرى الحبة لا الشرك، ضيعت سهادك بسعادك،
|
||
رمَتْكَ إلى الهند هند، صَيرتَ نهارك ليلا ليلى، ويحك ربات الظلم ظلم، كم
|
||
أراق الهوى دماً في دمن، ويحك دع سلمى وسل ما ينفعك، دعة لمثلك ترك دعد
|
||
للنوى، وسعادة لك هجرة لسعاد، قطع الطمع من خضر الدنيا بموسى الياس، تجمع
|
||
للقلب عزم الخضر وموسى وإلياس.\\
|
||
يا معشر الفقراء الصادقين قد لبستم حلة الفقر، فتجملوا بحلية الكتمان ،
|
||
اصبروا على عطش الزهد، ولا تشربوا من مشربة من، فالحرة تجوع ولا تأكل
|
||
بثدييها، لا تسألوا سوى مولاكم فسؤال الغير غير سيده تشنيع عليه، إن الفقير
|
||
ترك الدنيا إنفة رآها قاطعاً فقاطع، جاز على جيفة مستحيلة فسد منخر الظرف
|
||
وأسرع، الأنف الأشم لا يشم رذيلة بينا هو في قطع فيافي القناعة، وقع بكنز
|
||
ما وجده الإسكندر، فقلبه أغنى من قارون، وبيته أفرغ من فؤاد أم موسى. كان
|
||
إبراهيم بن أدهم يعطي عطاء الأغنياء وهو فقير، ويستدين عليه ثم يؤثر به.\\
|
||
للشريف الرضي :
|
||
|
||
| وهم ينفذون المالَ في أول الغـنـى | | ويستأنفون الصبرَ في آخر الصبـر |
|
||
| مغاوير في الجُليّ مغاييرُ في الحمى | | مفاريج للغُمّي مـداريكُ لـلـوِتْـر |
|
||
| وتأخذهم في ساعة الـجـود هِـزّةٌ | | *كما خايل المطرابُ عن نزوةِ الخمرِ * |
|
||
| فتحسبهم فيها نشاوى من الـغـنـى | | *وهم في جلابيب الخَصاصة بلا وفر * |
|
||
| عظيمٌ علـيهـم أن يمـنّـوا بـلا يدٍ | | وهَيْنٌ عليهم أن يبيتـوا بـلا وفـر |
|
||
| إذا نزل الحيّ الغريبُ تـقـارعـوا | | عليه فلم يدرِ المُقل من المـثـري |
|
||
| يميلون في شِق الوفاء مـع الـردى | | *إذا كان محبوب البقاء مع الـغـدر* |
|
||
|
||
أحكم القوم العلم فحكم عليهم بالعمل، فقاطعوا التسويف الذي يقطع أعمار
|
||
الأغمار، وانتبهوا فانتبهوا الليل والنهار، أخرجوا قوى العزائم إلى
|
||
الأفعال، فلما قضوا ديون الجد قضت علومهم بالحذر من الرد، أقدامهم على أرض
|
||
التعبد قد ألفت الصفون تعتمد على سنابك الحذر، فإذا أثر عندها النصب، راوحت
|
||
بين أرجل الرجاء قلوب كالذهب ذهب غشه، أنفاسهم لا تخفى، نفوسهم تكاد تطفى،
|
||
لون المحب غماز، دمع المشوق نمام.
|
||
|
||
| أخفي كمدي ودمع عينـي | | *في الخد على هواك شاهد * |
|
||
| فالجفن بلوعتـي مـقـر | | للعاذل واللسان جـاحـد |
|
||
|
||
اشتد الخوف يوماً بإبراهيم بن أدهم، فسأل الراحة فعوتب.
|
||
|
||
| لو شئت داويت قلباً أنت سقمه | | وفي يديك من البلوى سلامته |
|
||
| علامة كتبت في خد عارفكـم | | *من كان مثلي فقد قامت قيامته * |
|
||
|
||
ضجت الناقة لثقل الحمل، رأت عظامها قد فرغت ففغرت فم الشكوى فرغت.
|
||
|
||
| يا حادي العيس قد براها | | حمل هموم لها عظـام |
|
||
| رفقاً بها إنهـا جـلـود | | ملصقات على عظـام |
|
||
| أشواقها خلفها وشوقـي | | خلاف أشواقها أمامي |
|
||
|
||
تمادى في قلب العارف جبل الخوف وجبل الحزن، فلما وصل اسكندر الفكر عبى زبر
|
||
الهموم، حتى إذا ساوى بين الصدفين صاح بجنود الفهم، انفخوا، فاستغاث الواجد
|
||
لتراكم الكرب.
|
||
|
||
| أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلّـيا | | نسيم الصبا يخلص إلى نسيمـهـا |
|
||
| أجد روحها أو تشف مني حـرارة | | على كبد لم يبق إلا صمـيمـهـا |
|
||
| لأن الصبا ريح إذا ما تنـسـمـت | | *على نفس مكروب تجلت همومها * |
|
||
|
||
الفصل الرابع والثلاثون
|
||
|
||
إخواني، رحيل من رحل عنا نذير لنا عنا، وما جرى على من تقدمنا وعظ لنا.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| ما أسرعَ الأيامَ في طـيّنـا | | تمضي علينا ثم تمضي بنا |
|
||
| في كل يوم أملٌ قـد نـأى | | مرامُهُ عن أجل قـد دنـا |
|
||
| أنذرنا الدهرُ وما نرعـوي | | كأنما الدهر سوانا عـنـا |
|
||
| تعاشياً والموت فـي جـده | | ما أوضح الأمرَ وما أبَيْنـا |
|
||
| والناسُ كالأجمالِ قد قُرِّبتْ | | تنتظر الحيَّ لأن يظعـنـا |
|
||
| تدنو إلى العشب ومن خلفها | | مقامرٌ يطردها بالـقـنـا |
|
||
| أين الأُولى شادوا مبانيهـم | | تهدّموا قبل انهدامِ البـنـا |
|
||
| لا مُعدِمٌ يحميه إعـدامُـه | | ولا يقي نفسَ الغنيِّ الغِنى |
|
||
| كيف دفاعُ المرء أحداثهـا | | فرداً وأقرانُ الليالي ثِنـى |
|
||
| حط رجالٌ وركبنا الـذُّرى | | وعُقبةُ السير لمن بعـدنـا |
|
||
| والحازم الرأي الذي يَغتَذي | | مُستقلعاً ينذرُ مستوطـنـا |
|
||
| لا يأمنُ الدهرَ على غِـرَّةٍ | | وعزّ ليث الغاب أن يؤمنا |
|
||
| كم غارسٍ أمّل في غرسه | | فاعجل المقدار أن يُجتنى |
|
||
|
||
ما هذا التقصير في العمر القصير، ما هذا الزهو يا من إلى البلى يصير، كم
|
||
فرق الموت أميرة أمير?، كم أزار الألحاد من وزير?، وسوى في القبور بين من
|
||
هجر وزير، أين الأبطال الذين خاطرهم خطير، طال ما اقتتلوا، حتى كسروا القنا
|
||
على القناطير، تالله لقد أمسوا حتى أصبحت خيل الموت تعثي وتغير، ونزلوا
|
||
لحداً كبيراً غير كبير، ورأوا كل منكر من منكر وكل نكير من نكير، فهم
|
||
مفترقون في القبور، فإذا اجتمعوا بنفخة الصور، عاد شراب الفراق قد أدير
|
||
"فريقٌ في الجنّةِ وفريقٌ في السّعير".\\
|
||
يا غافلاً والموت يسعى في طلبه، يا مشغولاً بلهوه مفتوناً بلعبه، يا
|
||
مشترياً راحة تفنى بطول تعبه، أما عللت مريضاً ورأيت كرب كربه، أما شيعت
|
||
ملكاً فرجعت إلى سلبه، أما تخلى عن ماله وتخلى بمكتسبه، أنفعه غلوّ عزّه أو
|
||
علوّ نسبه، لقد ناجاك قبره وناداك أمره، فانتبه، ولقد ضرّه هواه، فلا تلهج
|
||
أنت به، لا تغرنك السلامة فمع الخواطي سهم صائب.\\
|
||
نظر شاب إلى شيخ ضعيف الحركة فقال: يا شيخ، من قيدك? فقال: الذي خلفته يفتل
|
||
قيدك.
|
||
|
||
| من أخطأته سهام المـوت قـيده | | طول السنين فلا لهو ولا غـزل |
|
||
| وضاق من نفسه ما كان متسعـاً | | *حتى الرجاء وحتى العزم والأمل * |
|
||
|
||
الشباب باكورة الحياة، والشيب رداء الردى، إذا قرع المرء باب الكهولة فقد
|
||
استأذن على البلا، يا رهين الإثم على العقوبة، ليس لك من يستفكك إلا
|
||
التوبة، المنطع في قيد يتلقى الحاج منكس الرأس، رب خجلة تمت الناقص، كان
|
||
بعض الأشياخ يقول: إلهي، من عادة الملوك، أنهم إذا كبر لهم مملوك أعتقوه،
|
||
وقد كبرت فأعتقني. وقف أعجمي عند الكعبة، والناس يدعون وهو ساكت، ثم اخذ
|
||
بلحيته فرفعها، وقال: يا خداه شيخ كبير.
|
||
|
||
| لما أتونا والشيب شافعهـم | | وقد توالى عليهم الخجـل |
|
||
| قلنا لتلك الصحائف انقلبـي | | *بيضاً فإن الشيوخ قد عقلوا * |
|
||
|
||
يا معاشر الشباب انتبهوا، القوى في التقوى، فلو قد حل المشيب حل التركيب،
|
||
إذا هلك أمير الشباب وقع الشتات في العسكر، الشباب رياض والشيب قاع قفر،
|
||
فاستصحبوا الزاد قبل دخول الفلاة.\\
|
||
يا قومنا، الفوائد فوايت، كف من تبذير يؤذي، فكيف ببيذر من رعونة?، إذا
|
||
كانت القلوب عقماً عن الفكر، واتفقت عنة الفهم فلا وجه لنسل الفضائل، الخوف
|
||
ذكر والرجاء أنثى ومخنث البطالة إلى الإناث أميل. من زرع بذر العمل في
|
||
أرجاء الرجا ولم تقع عليه شمس الحذر جاءت ثماره فجة. الجاهل ينام على فراش
|
||
الأمن فيثقل نومه، فتكثر أحلام أمانيه، والعالم يضطجع على مهاد الخوف وحارس
|
||
اليقظة يوقظه، من فهم معنى الوجود علم عزة النجاة. النفس طائر قد أرسل من
|
||
عبادان التعبد محملاً كتاب الأمانة إلى دار الملك والعدو قد نصب له صنوف
|
||
الأشراك، يلوح في ضمنها الحب المحبوب، فإن تم كيده فهو صيده، وإن خبر الخبر
|
||
عبر، يا أطيار الفهوم احذري مراعي الهموم فثم عقبان التلف، ومن نجا منها
|
||
بعد المحاربة أفلت مكسور الجناح، واعجباً لبلبل الفطنة كيف اغتر بفخ
|
||
الفتنة.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا قلب كيف علقت في أشراكهم | | ولقد عهدتك تُفلِتُ الأشـراكـا |
|
||
| لا تشكونَ إليّ وَجداً بـعـدهـا | | *هذا الذي جرَّتْ علـيكَ يداكـا* |
|
||
|
||
من حدق بصره إلى طرف الدنيا طرفت عينه. من أصغى إلى حديث الهوى أورثه الصمم
|
||
عن النصائح. خست همة فرعون فاستعظم الحقير "أليسَ لي مُلكُ مِصر" يا دني
|
||
النفس حمارك ينهق من كف شعير يراه، الدنيا كلها كجناح بعوضة فما نسبة مصر
|
||
إليها. صبي الفهم يشغله لون الصدفة والمتيقظ يرى الدرة. يا هذا، إذا لاحت
|
||
لك شهوة فقف متدبراً عواقبها وقد بردت حرارة الهوى فبين النجاة والهلاك
|
||
فواق. واعجباً أنفقت المال المسروق وبقي القطع:
|
||
|
||
| أبكي زللي وأشتكـي آثـامـي | | في سفك دمي تقدمت أقدامـي |
|
||
| ما أبصرت إلا والبلى قـدامـي | | *ما أسرع ما أصاب قلبي الرامي * |
|
||
|
||
ضر والله التخليط آدم، ونفعت الحمية يوسف، ملك هواه فملك زليخا، أمرضها حبه
|
||
فأرادت تناول مقصودها في زمان الحمية فصاح لسان طبه "معاذ الله" فخلطت في
|
||
بحران المرض "ما جزاء من أرادَ بأهلكَ سوءاً إلاّ أن يُسْجَنَ" فلما صح
|
||
الذهن قالت: "الآنَ حصحصَ الحَقُّ". لما نظر يوسف في عواقب الذنب ونهاية
|
||
الصبر فكف الكف اطلع بتعليم التأويل على عواقب الرؤيا. دخل اليوم موسى وعظى
|
||
إلى مدينة مدين قلبك فوجد فيها رجلين يقتتلان، القلب والهوى، فاستغاثه الذي
|
||
من شيعته وهو القلب على الذي من عدوه وهو الهوى، فوكزه موسى فقضى عليه،
|
||
فكان قتل الهوى سبباً للخروج من قصر مصر الغفلة إلى شعب شعيب اليقظة، فالآن
|
||
يناديك لسان المعاملة، هل لك في بلوغ عرضك على أن تأجرني، فإن وفيت انقلبت
|
||
إلى لذاتك مسروراً، واسترجع لك التكليم على طور الجنة، فإن صحبت فرعون
|
||
الهوى غرقت بعبورك يوم اليم.
|
||
|
||
الفصل الخامس والثلاثون
|
||
|
||
يا هذا، إنما خلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها، ولتعبرها لا لتعمرها، فاقتل
|
||
هواك المايل إليها، واقبل نصحي لا تعول عليها.\\
|
||
لورقة بن نوفل:
|
||
|
||
| لاشيء فيما ترى تبقى بشاشتـه | | يبقى الإله ويؤدي المال والولد |
|
||
| لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه | | *والخلد قد حاولتْ عاد فما خلدوا * |
|
||
| ولا سليمان إذ تجري الرياح له | | والإنس والجنّ فيما بينها تـردُ |
|
||
| أين الملوك التي كانت نوافلهـا | | من كل أوب إليها وافـدٌ يفـد |
|
||
| حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كـذبٍ | | *لا بدّ من رده يوماً كمـا وردوا* |
|
||
|
||
الدنيا مزرعة النوائب ومشرعة المصائب، ومفرقة المجامع ومجرية المدامع. كم
|
||
سلبت أقواماً أقوى ما كانوا، وبانت أحلى ما كانت أحلاماً فبانوا، ففكر في
|
||
أهل القصور والممالك، كيف مزقوا بكف المهالك ثم عد بالنظر في حالك، لعله
|
||
يتجلى القلب الحالك. إن لذات الدنيا لفوارك، وإن موج بلائها لمتدارك، كم حج
|
||
كعبتها قاصد فقتلته قبل المناسك، كم علا ذروتها مغرور فإذا به تحت السنابك،
|
||
كم غرت غراً فما استقر، حتى صيد باشك، خلها واطلب خلة ذات سرور وسرر
|
||
وأرائك، تالله ما طيب العيش إلا هنالك. أخواني ، ما قعودنا وقد سار الركب،
|
||
ما أرى النية الآنية، يا مسافرين من عزم تزود، يا راحلين بلا رواحل وطنوا
|
||
على الانقطاع، ليت المحترز نجا فكيف المهمل?، يا أقدام الصبر تحملي فقد بقي
|
||
القليل، تذكري حلاوة الدعة يهن عليك مر السرى، قد علمت أين المنزل، فاحدلها
|
||
تسير .\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| تغنَّ بالجـرعـاء يا سـائقـهـا | | فإن ونت شيئاً فزدها الأبـرقـا |
|
||
| واغنَ عن السياطِ في أرجـوزة | | بحاجرٍ ترَ السهـامَ الـمُـرقـا |
|
||
| واستقبال الريح الصبا بخُطمهـا | | تجدْ سُرى ما وجدتْ منتسـقـا |
|
||
| إن لها عند الحـمـى وأهـلـهِ | | تعلقاً من حـبـهـا وعـلـقـا |
|
||
| وكل ما تـزجـره حـداتُـهـا | | رعى الحمى ربُّ الغمام وسقى |
|
||
| حواملا منها همومـاً ثـقُـلـتْ | | وانفساً لـم تـبـق إلا رمَـقـا |
|
||
| تحملنـا وإن عـرين قـصَـبـاً | | وإن دمـين أذرعـاً وأسـوقـا |
|
||
| دام عليها الليلُ حتى أصبـحـت | | تحسب فجرَ ذاتِ عرقٍ شفقـا |
|
||
| عرِّجْ على الوادي فقل عن كبدي | | *ما شئت للبان الجوى والحُرَقـا* |
|
||
|
||
الجنة ترضى منك بالزهد، والنار تندفع عنك بترك الذنب، والمحبة لا تقع إلا
|
||
بالروح.
|
||
|
||
| إنّ سلطان حبـه | | *قال لا أقبل الرشا * |
|
||
|
||
ما سلك الخليل طريقاً أطيب من الفلاة التي دخلها، لما خرج من كفه المنجنيق،
|
||
زيارة تسعى، فيها أقدام الرضا على أرض الشوق، شابهت ليلة "فزجني في النور،
|
||
وقال ها أنت وربك".
|
||
|
||
| زرناك شوقاً ولو أن النوى بسطت | | *فرش للفلا بيننا جمراً لزرنـاك* |
|
||
|
||
رآه جبريل وقد ودع بلد العادة، فظن ضعف أقدام المتوكل فعرض عليه زاد "ألك
|
||
حاجة" فرده بأنفة "أما إليك فلا" قال فسل مولاك، قال: علمه بحالي يغنيني عن
|
||
سؤالي.
|
||
|
||
| تملكوا واحتكـمـوا | | وصار قلبي لـهـم |
|
||
| تصرفوا في ملكهـم | | فلا يقال ظلـمـوا |
|
||
| إن وصلوا محبـهـم | | أو قطعوا لهم هـم |
|
||
| يا أرض سلع أخبري | | وحدثيني عـنـهـم |
|
||
| تبكيهم أرضى منـى | | وتشتكيهـم زمـزم |
|
||
| يا ليت شعري إذ غوا | | أأنجدوا أم اتهـمـوا |
|
||
| ما ضرهم حين سروا | | لو وقفوا فسلّـمـوا |
|
||
|
||
أبدان المحبين عندكم وقلوبهم عند الحبيب، طرق طارق باب أبي يزيد فقال: ها
|
||
هنا أبو يزيد? فصاح من داخل الدار: أبو يزيد يطلب أبا يزيد فما يجده.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| وبجرعاءِ الحمى قلبـي فـعـج | | *بالحمى واقرأ على قلبي السلاما * |
|
||
| وترجّـلْ وتـحـدّثْ عـجَـبـاً | | أن قلباً سار عن جسمٍ أقـامـا |
|
||
| قل لجيران الغضـا آهٍ عـلـى | | طيب عيشٍ بالغضا لو كان داما |
|
||
| حملوا ريحَ الصبـا نـشـركُـمُ | | قبلَ أن تحملَ شيحاً وتـمـامـا |
|
||
| وابعثوا لي بالكرى طـيفـكـم | | *إن أذنتم لعيونـي أن تـنـامـا* |
|
||
|
||
بلغت بالقوم المحبة إلى استحلاء البلى، فوجدوا في التعذيب عذوبة لعلمهم أنه
|
||
مراد الحبيب.
|
||
|
||
| إرضاء أسخط أو أرضي تلونه | | *وكل ما يفعل المحبوب محبوب * |
|
||
|
||
ضنى سويد بن مثعبة، على فراشه، فكان يقول: والله ما أحب أن الله نقصني منه
|
||
قلامة ظفر.
|
||
|
||
| تعجبوا من تمني القلب مؤلمه | | *وما دروا أنه خلوٌ من الألـم* |
|
||
|
||
أمر الحجاج بصلب ما هان العابد، فرفع على خشبة وهو يسبح ويهلل ويعقد بيده
|
||
حتى بلغ تسعاً وعشرين فبقي شهراً بعد موته، ويده على ذلك العقد مضمومة.
|
||
|
||
| لتحشرن عظامي بعد ما بليت | | *يوم الحساب وفيها حبكم علق * |
|
||
|
||
مروا على مجذوم قد مزقه الجذام، فقالوا له: لو تداويت، فقال: لو قطعني
|
||
إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً.
|
||
|
||
| إن كان جيرانُ الغضـى | | رضوا بقتلي فـرضـا |
|
||
| والله لا كـنـت لـمـا | | يهوى الحبيب مبغضـا |
|
||
| صرت لهم عبـداً ومـا | | للعبـد أن يعـتـرضـا |
|
||
| هم قلّبوا قـلـبـي مـن | | *الشوق على جمر الغضا * |
|
||
| يا لـيت أيام الـحـمـى | | يعود منها ما مـضـى |
|
||
| من لـمـريض لا يرى | | إلا الطبيب الممـرضـا |
|
||
|
||
كان الشبلي يقول: أحبك الناس لنعمائك وأنا أحبك لبلائك.
|
||
|
||
| من لقتيل الحب لـو | | ردّ عليه القـاتـلُ |
|
||
| يجرحه النّبلُ ويهوى | | أن يعود النـابـل |
|
||
|
||
قلبهم الزهد في قفر الفقر على أكف الصبر فقلع أوداج أغراضهم بسكين المسكنة،
|
||
والبلاء ينادي أتصبرون? والعزم يجيب: لا ضير، سقاهم رحيق القرب فأورثهم
|
||
حريق الحب فغابوا بالسكر عن روية النفس فعربدوا على رسم الجسم وهاموا في
|
||
فلوات الوجد يستأنسون بالحمام والوحش.
|
||
|
||
| يا منية القلب ما جيدي بمنعطـف | | إلى سواكم ولا حبلي بمـنـقـاد |
|
||
| لولا المحبة ما استعملـت بـارقة | | ولا سألت حمام الدوح إسـعـادي |
|
||
| ولا وقفت على الـوادي أسـائلـه | | *بالدمع حتى رثى لي ساكن الوادي * |
|
||
|
||
الفصل السادس والثلاثون
|
||
|
||
أيها المغتر كم خدعت، ما واصل وصلها محب إلا قطعت، ولا ناولت نوالاً إلا
|
||
ارتجفت، اختبأت مريرها فلما اعتقلت أسيرها جرعت، متى رأيتها قد توطنت فاعلم
|
||
أنها قد أزمعت.
|
||
|
||
| يا محب الدنيا الغرور اغـتـرارا | | راكباً في طلابهـا الأخـطـارا |
|
||
| يبتغي وصلها فـتـأبـى عـلـيه | | وترى أنسه فـتـبـدي نـفـارا |
|
||
| خابَ من يبتغي الوصال لـديهـا | | جارةٌ لم تزل تسـيء الـجـوارا |
|
||
| كم محبٍّ أرته أنـسـاً فـلـمـا | | حاول الزور صـيرتـه ازورارا |
|
||
| شيب حلو اللذات منـهـا بـمـر | | إن حلت مـرة أمـرت مـرارا |
|
||
| في اكتساب الحلال منها حسـاب | | واكتساب الحرام يصلي الـنـارا |
|
||
| ولباغي الأوطار منـهـا عـنـاءٌ | | *سوف يقضي وما قضى الأوطارا * |
|
||
| كل لذاتها مـنـغـصة الـعـيش | | وأرباحـهـا تـعـود خـسـارا |
|
||
| وليالي الهـمـوم فـيهـا طـوال | | وليالي السرور تمضي قصـارا |
|
||
| وكفى أنهـا تـظـن وإن جـادت | | بنزر أفـنـت بـه الأعـمـارا |
|
||
| وإذا ما سقت خمـور الأمـانـي | | صيرت بعدها المنـايا خـمـارا |
|
||
| كم ملـيك مـسـلـط ذلـلـتـه | | بعد عز فما أطاق انـتـصـارا |
|
||
| ونعيم قد أعـقـبـتـه بـبـوس | | ومغان قد غادرتـهـا قـفـارا |
|
||
| أيها المستعير منـهـا مـتـاعـاً | | عن قليل تسترجع المسـتـعـارا |
|
||
| عد عن وصل مـن يعـيرك مـا | | يفنى ويبقى إثماً ويكسـب عـارا |
|
||
| قد أرتك الأمثال في سالـف الـد | | هر وما قدراتك فيك اعتـبـارا |
|
||
| وجدير بـالـعـذر مـن قـدم الأ | | عذار فيمـا جـنـاه والإنـذارا |
|
||
| فتعوض منهـا بـخـلة صـدق | | والتمس غـير هـذه الـدار دارا |
|
||
| والبدار البدار بالعـمـل الـصـا | | *لح ما دمت تستطـيع الـبـدارا* |
|
||
|
||
إلى متى في طلبها?، إلى كم الاغترار بها?، تدور البلاد منشداً ضالة المنى،
|
||
وتلك ضالة لا توجد أبداً، فسيقتلك الحرص غريباً ولكن لا في فيافي "فيا طوبى
|
||
للغرباء".
|
||
|
||
| أظن هواها تاركي بـمـضـلة | | *من الأرض لا مال لدي ولا أهل * |
|
||
| ولا أحد أفضى إلـيه وصـيتـي | | *ولا وارث إلا المطية والرحـل* |
|
||
|
||
أيها المتعب نفسه في جمع المال، عقاب الوارث على مرقب الانتظار، أفهمت أم
|
||
أشرح لك?، العقاب لا تعاني الصيد وإنما تكون على موضع عال، فأي طائر صاد
|
||
صيداً انقضت عليه فإذا رآها هرب وترك الصيد، ومالك تجمع مالك? ومالك منه
|
||
إلا ما تخلف، والزمان يشتك للذهاب وأنت للإذهاب تؤلف، المال إذا وصل إلى
|
||
الكرام عابر سبيل وإكرام عابر السبيل تجهيزه للرحيل، جسم البخيل كله يعرق
|
||
إلا اليد كفه مكفوفة ما ينفق منها خرزة.
|
||
|
||
| تحلى بأسماء الشهور فـكـفـه | | *جمادى وما ضمت عليه المحرم * |
|
||
|
||
يا فرعوني الكبر تفرح بمال سيسلب منك، فتستعير كلمة "أليس لي" يا نمروذي
|
||
الجهل، تشد أطناب الحيل على الدنيا في أرجل نسور الأمل ثم ترمي نشاب
|
||
الأغراض، إن وقف لك غرض فتستغيث الأكوان من يدك "وإن كان مكرهم" من فهم علم
|
||
التوحيد، تجرد للواحد بقطع العلائق، أما ترى كلمتي الشهادة مجردة عن نقط.
|
||
إذا أعرضت عن الدنيا أقبلت إليك الآخرة، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً
|
||
منه، عقر سليمان الخيل " فسخّرنا لهُ الريحَ"، لما عقدت الخنصر على التوحيد
|
||
ميزت على باقي الأصابع بالخاتم.\\
|
||
يا أطفال التوبة ما أنكر حنينكم إلى الرضاع، ولكن ذوقوا مطاعم الرجال وقد
|
||
نسيتم شرب اللبن، إذا تحصن الهوى بقلعة الطبع فانصبوا مجانيق العزائم وقد
|
||
انهدم السور، أنتم تخرجون لقتل سبع ما أذاكم. ليقال عن أحدكم ما أجلده،
|
||
فكيف تتركون سبع الهوى وقد أغار على سرح القلوب? إنما تتحف الملوك
|
||
بالباكورة. فافهموا يا صبيان التوبة إذا أهديتم فالرطب لا الحشف. يا أطيار
|
||
الشباب، إما عبادان التعبد وإلا استفراخ العلم وإلا فالذبح، تريدون نيل
|
||
الشهوات وحصول المراتب، والجمع بين الأضداد لا يمكن.
|
||
|
||
| هواك نجد وهواي الشام | | *وذا وذا يا مي لا يلتام.* |
|
||
|
||
ما زلت أعالج مسمار الهوى. في قلب العاصي، أميل به تارة إلى جانب التخويف،
|
||
وتارة إلى ناحية التشويق، فلما ضعف الماسك بإزعاجي له، اتسع عليه المجال
|
||
فجذبته، أنفت لصبي اللعب من بيع جوهر العمر النفيس بصدف الهوى، فشددت عليه
|
||
في الحجر ليعلم بعد البلوغ "أنِّي لمْ أَخُنْهُ بالغيب".
|
||
|
||
الفصل السابع والثلاثون
|
||
|
||
أخواني! جدوا فقد سبقتكم، واستعدوا فقد لحقتم، وانظروا بماذا من الهوى
|
||
علقتم?، ولا تغفلوا عما له خلقتم، ذهبت الأيام وما أطعتم، وكتبت الآثام وما
|
||
أصغيتم، وكأنكم بالصادقين قد وصلوا وانقطعتم، أهذا التوبيخ لغيركم أو ما قد
|
||
سمعتم? لصردر:
|
||
|
||
| ما ضاع من أيامنا هـل يُغـرمُ | | هيهات والأزمان كيف تـقـوم |
|
||
| يومٌ بأرواحٍ يبـاع ويشـتـرى | | وأخوه ليس يُسامُ فـيه درهـمُ |
|
||
| لي وقفة في الدار لا رجعت بما | | أهوى ولا يأسي عليهـا يُقـدِمُ |
|
||
| وكفاك أني للنـوائب عـاتـبٌ | | ولصُمِّ أحجار الـديار أكـلـم |
|
||
| ومن البلادة في الصبابة أننـي | | مستخبرٌ عنهن من لا يفـهـم |
|
||
| وإذا البليغ شـكـا إلـيه بـثـه | | عبثاً فما بال المـطـايا تُـرزِمُ |
|
||
| كل كنى عن شوقه بلـغـاتـه | | ولربما أبكى الفصيحَ الأعجـمُ |
|
||
| نرجو سلوكاً في رسومٍ بينـهـا | | الأغصان سكر، والحمام متـيمُ |
|
||
| هذي تميل إذا تنسمت الصـبـا | | *والوُرق تذكر إلفَها فـتـرَنَّـمُ* |
|
||
|
||
آهٍ على زمانٍ فاتن وعلى قلب حي مات، كيف الطمع فيما مضى? هيهات، رداً على
|
||
ليالي التي سلفت أين الزمان الذي بان? أتراه بان، أين القلب الصافي? كان
|
||
وكان.
|
||
|
||
| سقياً لمنزلة الحمى وكثيبهـا | | *إذ لا أرى زمناً كأزماني بها * |
|
||
| ما أعرف اللذات إلا ذاكـراً | | هيهات قد خلفت أوقاتي بها |
|
||
|
||
يا من كان له قلب فانقلب، قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك،
|
||
ليالي الوصال تعاتبك.
|
||
|
||
| أين أيامك والـدهـر ربـيع | | *والنوى معزولة والقرب وال * |
|
||
|
||
يا من كان قريباً فطرد، يا من كان مشاهداً فحجب، يا عزيزي ما ألفت الشقاء،
|
||
فكيف تصبر? أصعب الفقر ما كان بعد الغنى. وأوحش الذل ما كان بعد العز
|
||
وأشدهما على الكبر. يا هذا بت بيت الأحزان من قبل البيات، وثب إلى المثيب
|
||
وثبة ثبات، ولا تجاوز الجناب ودر حول الدار، واستقبل قبلة التضرع وقل في
|
||
الأسحار:
|
||
|
||
| قد قلق الحب وطال الـكـرى | | وأظلم الجو وضاق الفـضـا |
|
||
| لا يعطش الزرع الذي نبـتـه | | بصوت أنعامك قـد روّضـا |
|
||
| إن كان لي ذنب تجـرمـتـه | | *فاستأنف العفو وهب ما مضى * |
|
||
| لا تبر عـوداً أنـت ريشـتـه | | حاشى لباني المجد أن ينقضـا |
|
||
| كيف لا أبكي لأعـراض مـن | | أعرض عني الدهر إذ عرضا |
|
||
| قد كنت أرجوه لنيل المـنـى | | فاليوم لا أطلب إلا الـرضـا |
|
||
|
||
يا من فقد قلبه وعدم التحيل في طلبه، تنفس من كرب الوجد فبريد اللطف يحمل
|
||
الملطفات، ريح الأسحار ركابي الرسائل، ونسيم الفجر ترجمان الجواب.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| فيا ريح الصبا اقترحي | | *على الأحشاء واحتكمي * |
|
||
| أراك نسمتِ تختبـرين | | ما عهدي وما ذممـي |
|
||
| فهذي في يدي كـبـدي | | وذا في وجنتي دمـي |
|
||
| سلامٌ كلـمـا ذُكـرتْ | | ليالينـا بـذي سـلَـم |
|
||
|
||
أخواني، صعداء الأنفاس واصل لا يمنع، لسان الدمع أفصح من لسان الشكوى، شجو
|
||
التائب يطرب سمع الرضا، حزن النادم يسر قلب التعبد، قلق المسكين محبوب
|
||
الرحمة، آسى من أسا فرح العفو، بكاء المفرط يضحك سن القبول، دمع المحزون
|
||
مخزون لخزانة الخاص، ريح نفس آسف أطيب من ند ند، قطرة من الدمع على الخد
|
||
أنفع من ألف مطرة على الأرض:
|
||
|
||
| ضمنت حالي للقصة ورفعتها | | فآتاني التوقيع يشرح حالـه |
|
||
| فأتيت ديوان الهوى فلكثـرة | | العشاق لم ينهي لي إيصاله |
|
||
| حتى إذا أوصلتها نظروا إلى | | شخص تبقى للعيون خيالـه |
|
||
| قلت ارحموا هذا الفقير فإنه | | *من حين هجركم تمزق حاله * |
|
||
|
||
يا دائرة الشقاء أين أوّلك? يا أرض التيه متى آخرك? يا أيوب البلاء إلى كم
|
||
على الكناسة? متى ينسخ الزمن? زمن "اركض":
|
||
|
||
| سمعت حمامة هتفت بليل | | وقد حنّتْ إلى ألف بعـيد |
|
||
| فأزعجت القلوب وأقلقتها | | فما زلنا نقول لها أعيدي |
|
||
| أرى ماءً وبي عطشٌ شديد | | *ولكن لا سبيل إلى الورود * |
|
||
|
||
تعلق بالليل فهو شفيع مشفع، تمسك بالبكاء فهو رفيق صالح، ادخل في زمرة
|
||
المتهجدين على وجه التطفل في فلوات الخلوات بلسان التذلل:
|
||
|
||
| يا راحم عبرة المسيء المحـزون | | *دمعي مبذول وحزن قلبي مخزون * |
|
||
| شوقي يسعى إليك والصبر حرون | | *من تهجره أنت ترى كيف يكـون* |
|
||
|
||
أبواب الملوك لا تطرق بالأيدي ولا بالحجارة بل بنفس محتاج: للمهيار:
|
||
|
||
| آه والشوق ما تأوهت مـنـه | | لليالٍ بالسفح لو عُدْنَ أخـرى |
|
||
| قلِّبوا ذلك الرماد تُـصـيبـوا | | *فيه قلبي إن لم تصيبوا الجمرا * |
|
||
|
||
يا هذا، إذا رأيت نفسك متخيلة لا مع المحبين ولا مع التائبين فابسط رماد
|
||
الأسف واجلس مع رفيق اللهف وابعث رسالة القلق مع بريد الصعداء لعله يأتي
|
||
بالجواب بكشف الجوى:
|
||
|
||
| ولي زفرات لو ظهرنَ قتـلـتـنـي | | لشوق لييلاتي التـي قـد تـولـت |
|
||
| إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضـت | | فمن لي بأخرى مثل تيك أظلـمـت |
|
||
| حلفت لهـم بـالـلـه مـا أم واحـد | | إذا ذكـرتـه آخـر الـلـيل أنـت |
|
||
| وما وجدا عرابية قـد. فـت بـهـا | | *صروف النوى من حيث لم تك ظنت * |
|
||
| تمنت أحـالـيب الـرعـاء وخـيمة | | بنجد فلم يقدر لهـا مـا تـمـنـت |
|
||
| إذا ذكرت ماء الـعـذيب وطـيبـه | | وبرد حصاه آخر الـلـيل حـنـت |
|
||
| لهـا أنة وقـت الـعـشــاء وأنة | | سحيراً فلو لا انتـاهـا لـجـنـت |
|
||
| بأكثر منـي لـوعة غـير أنـنـي | | *أجمجم أحشائي على مـا أجـنـت* |
|
||
|
||
نيران الخوف في قلوب التائبين ما تخبو، وقلق المذنبين مما جنوا لا يسكن،
|
||
وضجيج المحبين في جيوش الشوق ما يفتر:
|
||
|
||
| واهاً لزماننا الذي كـان صـفـا | | *أبكي مرضي وليس لي منه شفا * |
|
||
| ذابت روحي وما أرى غير جفا | | هذا رمقي تسلـمـوه بـوفـا |
|
||
|
||
الفصل الثامن والثلاثون
|
||
|
||
ألا يعتبر المقيم منكم بمن رحل? ألا يندم من يعلم عواقب الكسل? آه لغافل
|
||
كلما جد الموت هزل، ولعاقل كلما صعد العمر نزل.
|
||
|
||
| أعد على فكرك أسـلاف الأمـم | | *وقفْ على ما في القبور من رمم * |
|
||
| وناديهم أين الـقـوي مـنـكـم | | القاهر أم أين الضعيف المهتضم |
|
||
| تفاصلت أوصالهم فوق الـثـرى | | ثم تساوت تـحـتـه كـلُّ قـدم |
|
||
| قبرُ البـخـيل والـكـريم واحـدٌ | | ما نفع البخل ولا ضر الـكـرم |
|
||
| واعجـبـاً لـغـافـل أمـامـه | | هجوم ما لا يتـقـي إذا هـجـم |
|
||
| إذا تخطاه على عهد الـصـبـي | | أو الشباب لم يفته فـي الـهـرم |
|
||
| أما كفى الإنسان موتُ بعـضـه | | وهو المشيب المستطير في اللمم |
|
||
| أي خـلـيلـين أقـامـا أبــداً | | ما افترقا وأي حبل ما انـصـرم |
|
||
| إن الـنـجـوم الـدائرات أبـداً | | *تضحك من مبتسم إذا ابـتـسـم* |
|
||
|
||
أخواني، بادروا آجالكم، وحاذروا آمالكم، آمالكم عبرة فيمن مضى? آمالكم، ما
|
||
هذا الغرور الذي قد أمالكم? ستتركون على رغم آمالكم مالكم.
|
||
|
||
أخواني، صدقتم الأمل فكذبكم، وأطعتم الهوى فعذبكم، أما أنذركم السقم بعد
|
||
الصحة، والترحة بعد الفرحة، في كل يوم يموت من أشباحكم ما يكفي في نعي
|
||
أرواحكم، ويحل بعقوقكم وفنائكم ما يخبركم عن شتاتكم وفنائكم، فخذوا حذركم
|
||
قبل النوائب، فقد أتيتم من كل جانب، وتذكروا سهر أهل النار في النار،
|
||
واحذروا فوت دار الأبرار، وتخوفوا يوم الفصل بين الفريقين أن يصيبكم من
|
||
البين البين.\\
|
||
أخواني، أبصاركم قوية وبصائركم ضعيفة، ومن ترائى هواه توارى عنه عقله،
|
||
سحبان من ظهر لخلقه بخلقه، غير أن عالم الحس لا يرونه، أما قلبك من نطفة
|
||
إلى علقة وأنت كالجماد، كلما نفخ فيك الروح بعث الزاد بساق إليك من دم الأم
|
||
فتتناوله باجتذاب السرة، إذ لو طرق الحلقوم تلفت، فلما خرجت إلى فلاة
|
||
الدنيا رأيت أدواتي الثديين معلقتين لشربك، وكانت عمور الأسنان تكفي في
|
||
اجتذاب المشروب، فكلما اعتصرته خرج مغربلاً لئلا يقع شرق، فلما قويت المعا
|
||
وافتقرت إلى غذاء فيه صلابة أنبت الأسنان لتقطع والأضراس لتطحن ومن
|
||
العجائب، أنه أخرجت غبياً لا تعلم شيئاً، فلو أخرجك عاقلاً لرأيت من أطم
|
||
المصائب تقلبك في الخرق والمصائب، ثم جعل بكاءك حينئذٍ متقاضياً بالمصالح
|
||
وبث القوى في باطنك فقوة تطلب الغذاء وثانية تجتذبه إلى الكبد وثالثة تمسكه
|
||
لها حتى تطبخه فيصير دماً، ورابعة تهضمه، وخامسة تفرق بين صفوه وكدره
|
||
وسادسة تتولى قسمته، فلو بعثت إلى الخد، ما تبعث إلى الكخذ صار بمقداره،
|
||
وسابعة تدفع ثقله.\\
|
||
أفيحسن بعد تفرقة الجامكية على العسكر، أن يثبوا في المخالفة للمنعم? ثم
|
||
انظر إلى هذا الهواء الذي قد ملئ به الفضاء كيف تنتصب منه النفس إلى النفس?
|
||
ثم هو للأصوات من حيث المعنى كالقرطاس، يرقم فيه الحوائج ثم يمتحي فيعود
|
||
نقياً، فأقوام يرقمون فيه الذكر والتسبيح، وآخرون يرقمون كل قبيح، وكم بين
|
||
من يرقم تلاوة القرآن، وبين من يرقم أصوات العيدان? ثم تأمل آلات الأصوات،
|
||
ترى الرئة كالرق، والحنجرة كالأنبوب، فإذا ظهر الصفر أخذ اللسان والشفتان
|
||
في صناعته ألحاناً، فهو كالأصابع المختلفة على فم المزمار.\\
|
||
ثم تأمل الأرض، كيف مدها بساطاً وأمسكها عن الاضطراب لتصح للسكنى، ثم
|
||
يزلزلها في وقت ليفطن الساكن بقدرة المزعج، وجعل فيها نوع رخاوة ليقبل
|
||
الحفر والزرع، ورفع جانب السماء لينحدر الماء، وفرق المياه بين الجزائر
|
||
ليرطب الهواء، وأودع المعادن كما تودع الحاجات في الخزائن، ولما بث الطير
|
||
صان عنها السنبل، لأنه قوتك بقشور صلبة قايمات كالإبر لئلا تستفه فتموت
|
||
بشماء، فيفوت الحظان، ثم تأمل الرماية كيف حشيت بالشحم بين الحب، ليكون
|
||
غذاءاً لها إلى وقت عود المثل، ثم جعل كل حشوتين لفافة لئلا يتصاك فيجري
|
||
الماء، ثم جاء بالشمس سراجاً ومنضجاً للثمر تجري لتعمر الأماكن ثم تغيب
|
||
ليسكن الحيوان، ولما كانت الحوائج قد تعرض بالليل جعل في القمر خلفاً ولم
|
||
يجعل طلوعه في الليل دائماً، لئلا تنبسط الناس في أعمالهم كانبساطهم
|
||
بالنهار، فيؤذي الحريص كلاله، ولما قدر غيبة القمر في بعض الليل جعل أنوار
|
||
الكواكب كشعل النار في أيدي المقتبسين، ولما كانت حاجة الخلق إلى النار
|
||
ضرورية أنشأها وجعلها كالمخزون، تستنهض وقت الحاجة فتمسك بالمادة، قدر مراد
|
||
الممسك، ثم انظر إلى الطائر، لما كان يختلس قوته خوف اصطياده، صلب منقاره
|
||
لئلا ينسحج من الالتقاط لأن زامن الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعل له حوصلة
|
||
يجمع فيها الحب ثم ينقله إلى القانصة في زمان الأمن، فإن كانت له أفراخ
|
||
أسهمهم من الحاصل في الحوصلة قبل النقل، فإن لم يكن له حنة على أفراخه
|
||
أغنوا عنه باستقلالهم من حين انشقاق البيضة كالفراريج.\\
|
||
واعجباً كيف يُعصى من هذه نعمه، وكيف لا تموت النفس حباً لمن هذه حكمه، إن
|
||
دنت همتك فخف من عقوبته، وإن علت قليلاً فارغب في معاملته، وإن تناهت فتعلق
|
||
بمحبته، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، إن قصرت همتك فآثرت قطع الشوك
|
||
صحبك حمار، وإن رضيت سياسة الدواب رفقك بغل، وإن سددت بعض الثغور أعطيت
|
||
فرساً، فإن كنت تحسن السباق كان عربياً، فإن عزمت على الحج ركبت جملاً، وإن
|
||
شمخت همتك إلى الملك فالفيل مركب الملوك.
|
||
|
||
| رأيت عليات الأمور منـوطة | | *بمستودعات في بطون الأساود * |
|
||
|
||
ليس كل الخيل للسباق ولا كل الطيور تحمل الكتب، من الناس من تشغله في
|
||
الدنيا سوداء، ومنهم من لا يلهيه في الجنة قصر، ولا يسليه عن حبيبه نهر،
|
||
قوته في الدنيا الذكر وفي الآخرة النظر.
|
||
|
||
| يقول أناس لو تناسى وصالهـا | | *وواصل أخرى غيرها لسلاها * |
|
||
| فلا نظرت عين تلذ بغـيرهـا | | ولا بقيت نفس تحب سواهـا |
|
||
|
||
الفصل التاسع والثلاثون
|
||
|
||
أيها الغافل في إقامته عن نقلته، الجاهل وقد ملأ بما يملي بطن صحيفته، ألك
|
||
زاد لسفرك على طول مسافته?
|
||
|
||
| خف الله وانظر في صحيفتك التي | | حوت كلما قدمته من فعالـكـا |
|
||
| فقد خط فيها الكاتبان فأكـثـروا | | ولم يبق إلا أن يقولا فـذالـكـا |
|
||
| والله ما تدري إذا ما لـقـيتـهـا | | أتوضع في يمناك أو في شمالكا |
|
||
| فلا تحسبن المرء يبقى مخـلـداً | | *فما الناس إلا هالك فابك هالكـا* |
|
||
|
||
يا من تحصى عليه اللفظة والنظرة، مزق بيد الجد أثواب الفترة، وتأهب فما
|
||
تدري السير عشاء أو بكرة، واعتبر بالقرباء فالعبرة تبعث العبرة، وتزود
|
||
لسفرة ما مثلها سفرة، واقنع باليسير فالحساب عسير على الذرة، وإياك والحرام
|
||
وانظر من أين الكسرة? قبل أن تلقى ساعة حسرة وتلقى بعدها في ظلمة حفرة.
|
||
|
||
| لا يغرنـك الـزمـان بـيسـر | | وسرور ولا يرعك بـعـسـره |
|
||
| إن مر الزمان يمحق عسر المرء | | في لحـظة ويذهـب بـسـره |
|
||
| وسواء إذا انقضى يوم كـسـرى | | في نعيم ويوم صاحب كـسـره |
|
||
|
||
أترى في عين العبرة رمد? أما تبصر انسلاخ الأمد? يا دائم المعاصي ما غيره
|
||
الأبد، تصلي ولو التعود لم تكد، القلب غايب إنما جاء الجسد، الفكر يجول في
|
||
طلب الدنيا من بلد إلى بلد، يا معرضاً عن بحر برناء لا تقنع بالثمد، يا
|
||
مقتول الهوى ولكن بلا قود. بين الهوى والمنى، ضاع الجلد، أما يجول ذكر
|
||
الموت في الخلد? أرأيت أحداً من قبلك خلد? رب يوم معدود وليس في العدد،
|
||
إنما الروح عارية في هذا الجسد، هذا بحر الغرور يقذف بالزبد، كم ركبه جاهل
|
||
فغرق قبل البلد، هذا سهم المنون يفري حلق الزرد، أخواني دنا الصباح فقولوا
|
||
لمن رقد: أين الوجوه الصباح? مرت على جدد، أين الظباء الملاح? اغتالها
|
||
الأسد، هذا هو المصير. أما يرعوي أحد? قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم:
|
||
عظني، فقال: اضطجع. ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك
|
||
تلك الساعة فجد فيه الآن وما تكره أن يكون فيك فدعه الآن.\\
|
||
أيها الطالب للدنيا وما يجد، كيف تجد الآخرة وما تطلب? ما مضى من الدنيا
|
||
فحلم، وما بقي فأماني، سبعة يظلهم الله في ظله، منهم رجل دعته امرأة ذات
|
||
منصب وجمال، فقال: إني أخشى الله.\\
|
||
اسمع يا من أجاب عجوزاً على مزبلة، ويحك إنها سوداء، ولكن قد غلبت عليك،
|
||
عرضت على نبيينا صلى الله عليه وسلم بطحاء مكة ذهباً فأبى، يا محمد ممن
|
||
تعلمت هذه القناعة? قال لسان حاله: من عجلة أبي، الحريص دائم السرى وما
|
||
يحمد الصباح، من لا همة له سوى جمع الحطام معدود في الحشرات.\\
|
||
يا أطيار القلوب إلى كم في مزبلة الحبس? اكسري بالعزم قفص الحصر، واخرجي
|
||
إلى فضاء صحراء القدس، روحي خماصاً من الهوى، تعودي بطاناً من الهدى، بين
|
||
أبي الحركة وأم القصد ينتج ولد الظفر، لا ينال الجسيم بالهوينا، حمل النفس
|
||
على حمل المشاق مدرجة إلى الشرف، واعجباً من توقف الكالى والدر ينثر، أشهود
|
||
كغياب? أكانون في آب?، الحرب خصام قائم وأنت غلام نائم، ادخل بسلامتك لابس
|
||
لامتك، ليس في سلاح المحارب أحدّ من نبلة عوم، أجرأ الليوث أجرها للصيود.
|
||
|
||
| ليس عزماً ما مرض العزم فيه | | ليس هما ما عاق عنه الظلام |
|
||
|
||
طر بجناح الجد من وكر الكسل، تابعاً آثار الأحباب تصل.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| تلفّت حتى لم يبِـن مـن ديارهـم | | جناب ولا من نـارهـن وقـود |
|
||
| وإن التفات القلب من بعد طَرْفـه | | طَوال الليالي نحـوهـم لـيزيد |
|
||
| ولو قال لي الغادون: ما أنت مُشْتَهٍ | | غداةَ جزعنا الرمل قلت: أعـود |
|
||
| أأصبر والوَعساءُ بيني وبـينـهـم | | وأعلام خَبتٍ? إننـي لـجـلـيد |
|
||
|
||
يا مخنث العزم أين أنت والطريق? سبيل نصب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في
|
||
النار إبراهيم الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بدراهم، وذهبت من
|
||
البكاء عين يعقوب، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح الحصور يحيى، وضنى بالبلاء
|
||
أيوب، وزاد على المقدار موسى، وهام مع الوحوش عيسى، وعالج الفقر محمد صلى
|
||
الله عليه وسلم.
|
||
|
||
| فيا دارهم بالحزن أن مزارها | | *قريب ولكن دون ذلك أهوال * |
|
||
|
||
أول قدم في الطريق بذل الروح، هذه الجادة فأين السالك? هذا قميص يوسف فأين
|
||
يعقوب? هذا طور سينا فأين موسى? يا جنيد احضر، يا شبلي اسمع.
|
||
|
||
| بدم المحب يباع وصلهم | | *فمن الذي يبتاع بالسعر * |
|
||
|
||
??الفصل الأربعون
|
||
|
||
أخواني، اعتبروا بالذين قطنوا وخزنوا، كيف ظعنوا وحزنوا? وانظروا إلى
|
||
آثارهم تعلموا أنهم قد غبنوا، لاحت لهم لذات الدنيا فاغتروا وفتنوا، فما
|
||
انقشعت سحاب المنى حتى ماتوا ودفنوا.
|
||
|
||
| جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا | | وبنوا مساكنهم فما سكنـوا |
|
||
| فكأنهم كانوا بها ظـعـنـاً | | لما استراحوا ساعة ظعنوا |
|
||
|
||
يا من قد امتطى بجهله مطا المطامع، لقد ملا الوعظ، في الصباح والمساء
|
||
المسامع، أين الذين بلغوا آمالهم? فما لهم في المنى منازع.\\
|
||
ما زال الموت يدور على بدور الدور حتى طوى الطوالع، صار الجندل فراشهم بعد
|
||
أن كان الحرير فيما مضى المضاجع، ولقوا والله البلا في تلك البلاقل، قال
|
||
شداد بن أوس: لو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش
|
||
ولا التذوا بنوم.\\
|
||
وقال وهب ابن منبه: لو أن لأم عرق من عروق الميت قسم على أهل الأرض لوسعهم
|
||
ألماً.\\
|
||
وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء كل ليلة فيتذاكرون الموت والقيامة ثم
|
||
يبكون، حتى كأن بين أيديهم جنازة.\\
|
||
وقال يحيى بن معاذ: لو ضربت السماء والأرض بالسياط التي ضرب بها ابن آدم
|
||
لانقادت خاشعة للموت والحساب والنار.\\
|
||
يا هذا الشيب أذان والموت إقامة ولست على طهارة، العمر صلاة والشيب تسليم،
|
||
يا من قد خيم حب الهوى في صحراء قلبه أقلع الأطناب فقد ضرب بوق الرحيل، أما
|
||
تسمع صوت السوط في ظهور الإبل? أما ترى عجلة السلب وقصر العمر? شارف الركب
|
||
بلد الإقامة فاستحث المطى، يا مشاهدة ما تمت بغيتها حتى وقع النهب فيها،
|
||
استلب منك لك قبل أن تستلب الجملة، الأيام تسرع في تبذير مجموع صورتك وأنت
|
||
تسرع في تبذير معانيك.\\
|
||
يا شباب الجهل، يا كهول التفريط، يا شيوخ الغفلة، اجلسوا معنا ساعة في مأتم
|
||
الأسف يا سحائب الأجفان، امطري على رباع الذنوب، يا ضيف الندم على الإسراف
|
||
أسكن شغف القلوب، يا أيام الشيب إنما أنت بين داع ووادع، فهل لماض من
|
||
الزمان ارتجاع.
|
||
|
||
| قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى | | وقل لنجد عندنـا أن تـودعـا |
|
||
| فليس عشيات الحمى برواجـع | | عليك ولكن خل عينيك تدمعـا |
|
||
| تلفت نحو الحمى حتى وجدتنـي | | *وجعت من الإصغاء ليتا واخدعا * |
|
||
| واذكر أيام الحمى ثم انـثـنـي | | *على كبدي من خشية أن تصدعا * |
|
||
|
||
أخواني، سكران الهوى بعيد الإفاقة، فلو تذكر إقامة الحد طار السكر، من تحسى
|
||
مرق الهوان احترقت شفتاه، من أكل من الظلم تمرة أداها قوصرة. ويحك، اغسل
|
||
العثرة بعبرة، وادفع الحوبة بتوبة ما دام في الوقت مهلة وفي زمن السلامة
|
||
فسحة، قبل أن تموت وتفوت وتعلو بعد الخيل على تابوت، قبل أن ترى السمع
|
||
والبصر قد كلا، وتقول "رب ارجعون" فيقال كلا، قبل أن يصير دمع الأسى من جفن
|
||
من أسى، ويقال هلا كان هذا قبل هذا، هلا.
|
||
|
||
| أتترك من تحب وأنـت جـار | | وتطلبه إذا بعـد الـمـزار |
|
||
| وتبكي من بعد نأيهم اشتـياقـاً | | *وتسأل في المنازل أين ساروا * |
|
||
| تركت سؤالهم وهم حضـور | | وترجو أن تخبـرك الـديار |
|
||
| فنفسك لم ولا تلم الـمـطـايا | | ومت كمداً فليس لك اعتـذار |
|
||
|
||
يا من أجله يذوب ذوبان الثلج في الحر، أينقشع غيم العمر? لا عن هلال الهدى،
|
||
أتؤثر الفاني المرذول على النفيس الباقي?
|
||
|
||
| ارضيا بثـنـيات الـلـوى | | عن زرود يا لها صفقة غبن |
|
||
|
||
ما يخفى علامات الإدبار عليك، يفتش دارك فلا يرى سواك للطهارة، بلى ملاعق
|
||
الأكل، ليس في البيت مصحف بل تقويم، أينفع وجود التقويم? يا مهتماً بالنظر
|
||
في الطالع طالع ما قد خبي لك كأنك بالموت قد طلع، وما طالع فكرك عاقبة،
|
||
اسمع حسابي حقاً وما أرجم، ودع لكلماتي هذي قول الهاذي المنجم، إن ضم الندم
|
||
على التفريط إلى العزيمة على الإنابة فساعة سعد، وإن اجتمع في القلب حب
|
||
الدنيا على إيثار الكسل فقران نحس.
|
||
|
||
??الفصل الحادي والأربعون
|
||
|
||
ما هذا الحب للدنيا والصبابة? وإنما يكفي منها صبابة، فقل للنفس الحريصة،
|
||
لقد بعت الأخرى رخيصة.
|
||
|
||
| يا نفس ما الدهر إلا ما علمت فكم | | ألست حدثتني أني أتـوب فـلـم |
|
||
| إياك إياك من سوف فكم خدعـت | | وأهلكت أمماً من قبلهـا وأمـم |
|
||
| توبي يكن لك عند الله جاه تـقـى | | وقدمي من فعال الصالحين قـدم |
|
||
| يا راقد للبلى حث المشـيب بـه | | *ألا فكن خائفاً لا تقـعـدن وقـم* |
|
||
|
||
يا من قد أخذ الهوى بأزمته، وأمسك الردى بلمته، يا رهين ديون تعلقت في
|
||
ذمته، هذا أوان جدك إن كنت مجداً، هذا زمان استعدادك إن كنت مستعداً.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا نفس قد عز المرادُ فخـذي | | *إن كنت يوماً تأخذين أو ذَري * |
|
||
| نُهزَةُ مجدٍ كنتُ في طِلابهـا | | لمثلها يَنصُفُ ساقي مئزري |
|
||
| عمر الفتى شبابُـه وإنـمـا | | *آونةُ الشيبِ انقضاءُ العُمُـر* |
|
||
|
||
رض مهر النفس يتأت ركوبه، أمت زئبق الطبع يمكن استعماله، تلمح فجر الأجر
|
||
يهن ظلام التكليف، احذر حية الفم فإنها بتراء، إذا خرجت من شفة غدرك لفظة
|
||
سفه فلا تلحقها بمثلها تلقحها، ونسل الخصام مذموم، أوثق سبع غضبك بسلسلة
|
||
حلمك، فإنه إن أفلت أتلف، متى قمت بحدة الغضب انطفى مصباح الحلم، بحر الهوى
|
||
إذا مد أغرق، وأخوف المنافذ من الغرق فتحة البصر فلا يشتغل زمان الزيادة
|
||
إلا بإحكام القورح.
|
||
|
||
| والمرء ما دام ذا عـين يقـلـبـهـا | | *في أعين العين موقوف على الخطر * |
|
||
| يسر مقلته ما ضـر مـهـجـتـه | | *لا مرحباً بسرور عاد بـالـضـرر* |
|
||
|
||
لو حضرت مع الأحباب الباب، لسامح الناقد ببهرجك، رحلت رفقة "تتجافى" ومطرود
|
||
النوم في حبس الرقاد، فما فك عنه السجان قيد الكرى حتى استقر بالقوم
|
||
المنزل، فقام يتلمح الآثار بباب الكوفة والأحباب قد وصلوا إلى الكعبة.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| من يطّلع شرفاً فيعـلـمَ لـي | | *هل روح الرُعيان بـالإبـلِ?* |
|
||
| أم قعقعت عَـمَـدُ الـخـيام أم | | *ارتفعت قبابهم على البُـزْلِ?* |
|
||
| أم غرَّد الـحـادي بـقـافـيةٍ | | *منها غراب البين يستلـمـي?* |
|
||
| فَضَلَت دموعي عن مدى حَزَني | | فبكيتُ مَن قتل الهوى قبـلـي |
|
||
| ما مر ذو شـجـن يكـتِّـمـه | | إلا أقول: مـتـيَّم مـثـلـي |
|
||
|
||
من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه، الزهاد عين
|
||
العارفين، الأرواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج، وليس ما أعد للإستفراخ
|
||
كما هي للسباق، من حدق بعين الفكر إلى مطلع الهدى لاح له الهلال، كم أداوي
|
||
بصر بصيرتك وما يتجلى، ما أظن الضعف إلا في الوضع، ضعف عين الخفاش في أصل
|
||
الفطرة ليس برمد، وحدة ناظر الهدهد خلقة، مصابيح القلوب الطاهرة في أصل
|
||
الفطرة منيرة، قبل الشرايع "يكاد زيتها يضيء" وحدّ قس وما رأى الرسول، وكفر
|
||
ابن أبي وقد صلى معه، مع الضب ري يكفيه، ولا ماء، وكم من عطشان في الموجة،
|
||
إذا سبق الأنعام في القدم فذلك غنى الأبد، لما تقدم اختيار الطين المنهبط
|
||
صعد على النار المرتفعة، وكانت الغلبة لآدم في حرب إبليس، فاكتفت نار جهنم
|
||
بما جرى فسلمت يوم "جزيا مؤمن" سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق
|
||
تابوته إلى بيتها، فجاء طفل منفرد عن أم، إلى امرأة خالية عن ولد، قرينان
|
||
مرتعنا واحد.\\
|
||
دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت يهودي يعوده فقال له أسلم، فنظر
|
||
المريض إلى أبيه فقال له: أجب أبا القاسم، فأسلم، فكان ذلك قريباً من نسب
|
||
"سلمان منا" فصاحت ألسنة المخالفين: ما لمحمد ولنا? والقدر يقول: مريضنا
|
||
عندكم "كيف انصرافي ولي في داركم شغل".
|
||
|
||
لما عم نور النبوة آفاق الهدى رآه سلمان دون العم، قويت ظلمات الشرك بمكة
|
||
فتخبطت قريش في الضلال، فلاح مصباح الفلاح من سجف دار الخيزران، فإذا عمر
|
||
على الباب ولقد أنارت لإبليس شمس البيان يوم "أنبِئهم بأسمائهم" غير أن
|
||
النهار ليل عند الأعشى، رجع الخفاش إلى عشه، فقال: أوقدوا المصباح فقد جن
|
||
الليل، فقالوا: الآن طلعت الشمس، فقال: ارحموا من طلوع الشمس عنده ليل،
|
||
فسبحان من أعطى ومنع ولا يقال لم صنع? سلم التوفيق قريب المراقي، وبئر
|
||
الخذلان بلا قعر، ربما أدرك الوقفة أهل مصر وفاتت أهل نخلة، لا بد والله من
|
||
نفوذ القضاء فاجنح للسلم.
|
||
|
||
| كم بالمخصب من عليل | | هوى طريح لا يعلـل |
|
||
| وقتيل بين بين خـيف | | مني وجمع ليس يعقل |
|
||
|
||
كيف تتقي نبال القدر والقلب بين إصبعين.
|
||
|
||
| لا تغضبن على قوم تحـبـهـم | | فليس ينجيك من أحبابك الغضب |
|
||
| ولا تخاصمهم يوماً إذا حكـمـوا | | *إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا * |
|
||
|
||
كان إبليس كالبلدة العامرة فوقعت فيها صاعقة الطرد فهلك أهلها " فتلكَ
|
||
بيوتُهُمْ خاوِيَةٌ "
|
||
|
||
| من لم يكن للوصال أهلاً | | فكل إحسانـه ذنـوب |
|
||
|
||
أخذ كساء ترهبه فجعل جلاً لكلب أصحاب الكهف، فأخذ المسكين في عداوة آدم فكم
|
||
بالغ واجتهد? وأبى الله أن يقع في البئر إلا من حفر، ويحك ما ذنب آدم? أنت
|
||
الجاني على نفسك، ولكنه غيظ الأسير على القد.\\
|
||
لقي إبليس عمر بن الخطاب فصارعه فصرعه عمر، فقال بلسان الحال: أنا مقتولٌ
|
||
بلسان الخذلان قبل لقائك فإياك عني لا يكن بك ما بيا، يا عمر أنت الذي كنت
|
||
في زمان الخطاب لا تعرف الباب وأنا الذي كنت في سدة السيادة وأتباعي
|
||
الملائكة موصل منشور " لا يسئل " فعزلني وولاك فكن على حذر من تحول الحال.
|
||
|
||
| فإن الحسام الصقيل الذي | | قتلت به في يد القاتـل |
|
||
|
||
لما تمكنت معرفة عمر بتقليب القلوب لعب القلق بقلبه، خوفاً من قلبه، فبادر
|
||
بطريق باب البريد بالعزل والولاية، يا حذيفة المحبة العظمى، ارتباط أمرك
|
||
بمن لا يبالي بهلاكك، فكم قد أهلك قبلك مثلك، كم مشارف بسفينة عمله? على
|
||
شاطئ النجاة، ضربها خرق الخذلان فغرقت وما بقي للسلامة إلا باع أو ذراع، أي
|
||
تصرف بقي لك في قلبك? وهو بين إصبعين.
|
||
|
||
| يا قلب إلام تطالـبـنـي | | بلقا الأحباب وقد رحلـوا |
|
||
| أرسلتك في طلبي لـهـم | | *لتعود فضعت وما حصلوا * |
|
||
| سلم واصبر واخضع لهـم | | كم مثلك قبلك قد قتـلـوا |
|
||
| ما أحسن ما أعقلـت بـه | | أما لك منهم لو فعـلـوا |
|
||
|
||
الفصل الثاني والأربعون
|
||
|
||
يا من قد أسره الهوى فما يستطيع فكاكاً، أفق قبل الومى، وها هو قد أدركك
|
||
إدراكاً قبل أن لا ينفع البكاء الباكي ولا التباكي من تباكى.\\
|
||
لأبي العتاهية:
|
||
|
||
| بَليتَ وما تَبْلَى ثـيابُ صِـبـاكـا | | كفاكَ نذير الشيبِ فيك كـفـاكـا |
|
||
| ألم ترَ أنَّ الشيبَ قد قـامَ نـاعـياً | | مقامَ الشباب الغَضِّ ثم نـعـاكـا |
|
||
| ولم تـر يومـاً مـر إلا كـأنـه | | بإهلاكه للهالـكـين عـنـاكـا |
|
||
| ألا أيها الفاني وقد حـان حـينـه | | أتطمع أن تبقى فلست هـنـاكـا |
|
||
| تسمَّع ودعْ من أفسد الغي سمعـه | | كأني بداعٍ قد أتـى فـدعـاكـا |
|
||
| ورب أمان للفتى نـصـبـت لـه | | المنية فيما بـينـهـن شـراكـا |
|
||
| أراك وما تنفك تهـدي جـنـازة | | ويوشك أن تهدي هديت كـذاكـا |
|
||
| ستمضي ويبقى ما تراه كما تـرى | | وينساك من خلفـتـه هـو ذاكـا |
|
||
| ألا ليت شعري كيف أنت إذا القُوى | | وهبْ وإذا الكرب الشديد علاكـا |
|
||
| تموت كما مات الذين نسـيتـهـم | | وتُنسى ويهوى الحي بعد هواكـا |
|
||
| كأن خطوب الدهر لم تجر سـاعة | | عليك إذا الخطب الجليل أتـاكـا |
|
||
| ترى الأرض كم فيها رهون دفينة | | *غلقن فلم يقبل لهـن فـكـاكـا* |
|
||
|
||
كم سكن قلبك في هذه الدار، فحام الموت حوم حماهم ودار، ثم ناهضهم سريعاً
|
||
وثار، كأنه ولي يطلب الثأر، وقد خوفك بأخذ الصديق وسلب الجار، ومن أنذر قبل
|
||
هجومه فما جار. يا هذا، العمر عمر قليل وقد مضى أكثره بالتعليل، وأنت تعرض
|
||
البقية للتأويل، وقد آن أوان الآن أن يرحل التنزيل، ما أرخص ما يباع عمرك
|
||
وما أغفلك عن الشرا، والله ما بيع أخوة يوسف يوسف بثمن بخس، يا عجب من بيعك
|
||
نفسك بمعصية ساعة، متى ينتهي الفساد? متى يرعوي الفؤاد?.\\
|
||
يا مسافراً بلا زاد، لا راحلة ولا جواد، يا زارعاً قد آن الحصاد، يا طائراً
|
||
بالموت يصاد، يا بهرج البضاعة أين الجياد? يا مصاب الذنوب أين الحداد? لو
|
||
عرفت المصاب فرشت الرماد، لو رأيت سواد السر لبست السواد، جسمك في واد وأنت
|
||
في واد، نثر الدر لديك وما تنتقي، وقربت المراقي إليك وما ترتقي، لقد ضيعت
|
||
ما مضى وشرعت في ما بقي، يا واقفاً في الماء الغمر وما ينقى.
|
||
|
||
| إن قلت قم قال رجلي ما تطاوعني | | *أو قلت خذ قال كفى ما تواتينـي* |
|
||
|
||
واعجباً لنفاسة نفس رفعت بسجود الملك لها، كيف نزلت بالخساسة حتى زاحمت
|
||
كلاب الشره، على مزابل الذل، هيهات لن تفلح الأسد إذا أنفقت عليها الميتات
|
||
الفسد.\\
|
||
يا هذا، جسدك كالناقة يحمل راكب القلب، فلا تجعل القلب مستخدماً في علف
|
||
الراحلة، تالله إن جوهر معناك يتظلم من سوء فعلك، لأنك قد ألقيته في مزابل
|
||
الذل، ماء حياتك في ساقية عمرك قد اغدودق، فهو يسيل ضايعاً إلى مهاوي
|
||
الهوى، وينسرب في أسراب البطالة، فقد امتلأت به خربات الجهل ومزابل
|
||
التفريط، وشربته أدغال الغفلات، ويحك، أردده إلى مزارع التقوى لعله يحدق
|
||
نور حديقة، إلى متى يمتد ليل الغفلة? متى تأتي تباشير الصباح?
|
||
|
||
| هل الدهر يوماً بوصل يجود | | وأيامُنا باللوى هل تـعـودُ |
|
||
| زمان تقضي وعيش مضى | | بنفسي والله تلك العـهـود |
|
||
| ألا قل لكان وادي الحبـيب | | هنيئاً لكم في الجنان الخلود |
|
||
| أفيضوا علينا من الماء فيضاً | | فنحن عطاشى وأنتم ورود |
|
||
|
||
لما سبق الاختيار لأقوام في القدم، جذبوا بعد الزلق في هوة الهوى إلى نجاة
|
||
النجاة، يا عمر، كيف كانت حالك? قال: كنت مشغولاً بهبل فسمعت هتاف
|
||
"ففِرُّوا إلى الله" فعرجت على المنادي، فإذا أنا في دار الخيزران يا فضيل،
|
||
من أنت? قال: أخذت من قطع الطريق، فأخذت في قطع الطريق، يا عتبة الغلام، من
|
||
أنت? قال: كنت عبد الهوى فحضرت مجلس عبد الواحد، فصرت عبداً للواحد يا سبتي
|
||
من أنت? قال كنت ابن الرشيد فعرض لي رأي رشيد فإذا عزمي قد أخذ المر ومر،
|
||
يا ابن أدهم، من أنت? قال أخذني حبه من منظرتي فصيرني ناطور البساتين. يا
|
||
رابعة، من أنت? قالت: كنت أضرب بالعود فما سمع غيري.
|
||
|
||
| بالله يا ريح الصـبـا | | *مري على تلك الربا * |
|
||
| وبـلـغـي رسـالة | | يفضها أهل قـبـل |
|
||
| واحربـا وهـل يرد | | فاتـيا واحـربــا |
|
||
|
||
يا طفلاً في حجر العادة محصوراً بقماط الهوى، مالك ومزاحمة الرجال? تمسكت
|
||
بالدنيا تمسك المرضع بالظئر، والقوم ما أعاروها الطرف، ما لك والمحبة وأنت
|
||
أسير حبة? كم بينك وبينهم? وهل تدري أين هم?.
|
||
|
||
| سلام على تلك المـعـاهـد إنـهـا | | شريعة وردي أو مهب شـمـالـي |
|
||
| ليالي لم نـحـذر حـزون قـطـيعة | | ولم نمش إلا في سـهـول وصـال |
|
||
| فقد صرت أرضى من سواكن أرضها | | *بخلـب بـرق أو بـطـيف خـيال* |
|
||
|
||
سار القوم ورجعت، ووصلوا وانقطعت، وذهبوا وبقيت، فإن لم تلحقهم شقيت.
|
||
|
||
| لبس البياض بذات عرق معشـر | | ولبست من حزن ثـياب حـداد |
|
||
| وصلوا إلى عرفات يبغون الرضا | | وبقيت منكسراً ببطـن الـوادي |
|
||
| رفعوا أكفهم وضجوا بـالـدعـا | | وضممت من كمد يدي بفـؤادي |
|
||
|
||
يا من كلما استقام عثر، يا من كلما تقرب أبعد، استسلم مع الحرية واستروح
|
||
إلى دوام البكاء وصح بصوت القلق على باب دار الأسف.
|
||
|
||
| ليس لـي فـيك حـيلة | | *غير صبري على القضا * |
|
||
| وبكائي على الـوصـال | | الذي كان وانقـضـى |
|
||
| ليتـنـي تـبـت تـوبة | | وقضى الله ما قضـى |
|
||
|
||
الفصل الثالث والأربعون
|
||
|
||
يا هذا، من اجتهد وجدَّ وجد، وليس من سهر كمن رقد والفضائل تحتاج إلى وثبة
|
||
أسد.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| خاطرْ فإما عيشةٌ حـرةٌ | | *يُرغدُها العزُّ وإما الحِمامْ * |
|
||
|
||
| زاحمْ على باب العلى واجتـهـد | | لا بد أن تدخل بـين الـزِّحـامْ |
|
||
| رام بها اللـيل فـمـا يُسـفـر | | المصباح إلا عن نقابِ الظـلامْ |
|
||
| مَوارقاً عن عُقْل أشـطـانـهـا | | *مروقَ فوق السهم عن قوسٍ رامْ * |
|
||
| ميِّزْ من الناس على ظـهـرهـا | | نفسك لا ميزة تحـت الـرخـامْ |
|
||
| من طلب الغايةَ خطـواً عـلـى | | *ظهر الهوينا رامَ صعبَ المـرامْ* |
|
||
|
||
لقد رضيت الغبن والغبن، وبعت عمرك بأقل ثمن، وأنفقت فيما يرد بك الزمن،
|
||
وفترت في الصحة ولا فتور الزمن، يا مغروراً بخضراء الدمن، يا جامعاً مانعاً
|
||
قل لي لمن? كيف ينال الفضائل مستريح البدن، سلع المعالي غاليات الثمن، وإن
|
||
ساومتها فبزهد أويس وفقه الحسن.\\
|
||
يا هذا أوقد مصباح الفكر في بيت العلم، تلح لك الأعلام، من سد ثغور الهوى
|
||
بجند الجد ملأ عين راحته من نوم الطمأنينة، من دق صراط ورعه عن الشبهات عرض
|
||
الصراط له يوم الجواز، لله در أقوام تأملوا الوجوب ففهموا المقصود، فالناس
|
||
في رقادهم وهم في جمع زادهم، والخلائق في غرورهم، وعيونهم إلى قبورهم.\\
|
||
قال الإمام أحمد لقد رأيت أقواماً صالحين، رأيت عبد الله بن إدريس وعليه
|
||
جبة من لبود قد أتت عليها سنون، رأيت أبا داود الحفري وعليه جبة محرقة قد
|
||
خرج منها القطن وهو يصلي فيترجح من الجوع، ورأيت أبواب النجار، وقد خرج من
|
||
كل ما يملكه.\\
|
||
وكان في المسجد شاب مصفر يقال له العوفي، يقوم من أول الليل إلى الصباح
|
||
يبكي.
|
||
|
||
| إذا ما الخيام البيض لاحت لدى منـى | | فعرج فأنـا بـعـدهـا بـقـلـيل |
|
||
| ترانا لدى الأطناب صرعى من الهوى | | نكفكف دمعـاً لافـتـقـاد خـلـيل |
|
||
| وكم أنـه أردفـتـهـا بـتـنـفـس | | وكم عبرة أتبـعـتـهـا بـعـويل |
|
||
| قفوا وانظروا ذلي وعز مـعـذبـي | | *تروا عجباً مـن قـاتـل وقـتـيل* |
|
||
|
||
عملت في قلوبهم معاول الحزن معاً، فانبعثت من كل ركية، ركية ماء أسي، فجرى
|
||
من طرف طرفين ماء فجرى وسخاً فغسل وسخاً.
|
||
|
||
| قد كنت أطوي على الوجد الضلوع ولا | | أبدي الهوى وأسوم القلب كتـمـانـا |
|
||
| فخانني الصبـر إذ نـاديتـه ووفـت | | لي الشؤون فعاد الـسـر إعـلانـا |
|
||
| أكتم الوجد والـعـينـان تـظـهـره | | *للحب أعظم ممـا رمـتـه شـانـا* |
|
||
|
||
قال أبو عمران الجوبي: أرتني أمي موضعاً من الدار قد انحفر، فقالت: هذا
|
||
موضع دموع أبيك.\\
|
||
وكان حسان بن أبي سنان: يحضر مجلس مالك بن دينار، فيبكي حتى يبل ما بين
|
||
يديه ولا سمع له صوت. للمتنبي:
|
||
|
||
| أجاب دمعي وما الداعي سوى طللِ | | دعا فلبَّاه قبل الـركـب والإبـلِ |
|
||
| ظللت بين أصيحابي أكـفـكـفـه | | فظل يسفح بين العُذر والـعَـذلِ |
|
||
| وما صبابة مـشـتـاق لـه أمـل | | *من اللقاء كمشـتـاق بـلا أمـل* |
|
||
|
||
دموع المحبين، غدران في صحاري الشوق، من عادة القوم ألف البراري والجلوس
|
||
إلى الشجر فإن سمعوا هتاف الحمام استغنوا عن نايح.
|
||
|
||
| شوقي إليك مجاوز وصفـي | | *وظهور وجدي دون ما أخفي * |
|
||
| ما دار ذكر منك في خلـدي | | إلا طرفت بمدمعي طرفـي |
|
||
|
||
إذا تمكنت المحبة استحال السلو، تعلقت يد المحبة بتلابيب القلب فلا يمكنه
|
||
التخلص، فيدور معها في دار المداراة.
|
||
|
||
| ليكفكم ما فيكم من جوى نلقـى | | فمهلاً بنا مهلاً ورفقاً بنا رفقـا |
|
||
| وحرمة وجدي لا سلوت هواكم | | *ولا رمت منه لا فكاكاً ولا عتقا * |
|
||
|
||
وهل للمحب قلب، هيهات مزقته المحبة، براثن أسود في شلو ضعيف، على شدة جذب
|
||
مع وام التقليب.
|
||
|
||
| إن ترحلت أو أقمت فعنـدي | | *فيض دمع يجري ووجد مقيم * |
|
||
| وفؤادي ذاك الفؤاد المعنـى | | *وغرامي ذاك الغرام القـديم* |
|
||
|
||
انكشف اليوم الستر، افتضح العاصي والعارف.\\
|
||
لتوبة:
|
||
|
||
| خليلي قد عم الأسى وتقاسمـت | | *فنون البلى عشاق ليلى ودورها * |
|
||
| وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت | | *فقد رابني منها الغداة سفورها* |
|
||
|
||
وقع الحريق في زوايا المجلس رشوا عليه من مزاد الدمع، يا كثيف الطبع بيض
|
||
الحمام يفرق من صوت الرعد ولا حس له، أفميت أنت وهذه الصواعق حولك?
|
||
|
||
| لو ترى العاشقين في مأتم الذل | | وقد شققت جيوب الوصـال |
|
||
| لعذرت الذي بلـى بـقـراق | | ورحمت المحب في كل حال |
|
||
|
||
هبت اليوم نسمة من أرض كنعان إلى مصر، غنت حمامات اللوى في أرض نجد، تنفس
|
||
المشتاق فانقشع غيم الهجر، سعى سمسار المواعظ في الصلح.\\
|
||
للغزي:
|
||
|
||
| هبت لنا وبرود اللـيل أسـمـال | | *ريح لها من جيوب الوصل أذيال * |
|
||
| مرت بسفح اللوى والشح متشـحٍ | | بلؤلؤ الطل والجرباء معـطـال |
|
||
| مريضة في حواشي مرطها بللٌ | | يهدي لكل مريض منـه أبـلال |
|
||
| دع جمرة لسويدا القلب محـرقة | | يا لائمي ثم قل لي كيف احتـال |
|
||
| حدثت عن منحني الوادي وساكنه | | كرر حديثك لا حالت بك الحال |
|
||
| وامزج بماء المنى قلت: من خبر | | فإن أخبار ذاك الـحـي جـريال |
|
||
|
||
الفصل الرابع والأربعون
|
||
|
||
أخواني، شحم المنى هزال، وشراب الآمال سراب وآل، ولذات الدنيا منام وخيال،
|
||
وحربها قتل بلا قتال.
|
||
|
||
| والمرء يبليه في الدنيا ويخـلـقـه | | حرص طويل وعمر فيه تقصـير |
|
||
| يطوق النحـر بـالآمـال كـاذبة | | *ولهذم الموت دون الطوق مطرور * |
|
||
| جذلان يبسم في أشراك مـيتـتـه | | *إن أفلت الناب أردته الأظـافـير* |
|
||
|
||
تيقظ لنفسك واذكر زوالك، ودع الأمل ولو طوى الدنيا وزوى لك، فكأنك بالموت
|
||
قد حيرك وأبدى كلالك، ونسيك الحبيب، لأنه أرادك له لا لك، وخلوت تبكي خلالك
|
||
في زمان خلا لك، وشاهدت أمراً أفظعك وهالك، تود أن تفتديه بالدنيا لو أنها
|
||
لك، فتنبه من رقاد الهوى لما هو أولى لك، واحذر أن أعمالك أعمى لك، وأفعالك
|
||
كالأفعى لك.\\
|
||
لو كان باعث من نفسك، ما احتجت إلى محرك من خارج، هذا الديك يصيح في أوقات
|
||
معلومة من الليل لا تختلف، يؤدي وظائفها بباعث الطبع وإن لم يكن في القرية
|
||
ديك غيره، وأنت تؤخر وظائف صلواتك، وتنقص من واجبات عباداتك، فإن بكيت في
|
||
المجلس فلبكاء الجماعة، فإذا خلوت خلوت من محرك، هيهات من لم يكن له من
|
||
نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ، إذا لم يكن للدجاجة همة الحضن لم تنفع تغطيتها
|
||
بمنخل الحاضن، تصابر الشقاء لما تأمل من العواقب والرعناء تكسر البيض
|
||
قصداً.\\
|
||
الخصائص أوضاع والسوابق خواص، "هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار
|
||
ولا أبالي" المغناطيس يجذب الحديد بخاصية فيه، الظليم يبتلع الحصى والحجارة
|
||
فيذيبها حرُّ قانصته حتى يجعلها كالماء الجاري، ولو طبخ ذلك بالنار لم
|
||
ينخل، ذنب الجرادة يشق الصخرة وليس بالقوي، إبرة العقرب تنفذ في الطشت،
|
||
خرطوم البعوضة يغوص في جلد الجاموس، من تعلق عليه برادة الحديد لم يغط في
|
||
نومه، إذا ترك الرصاص أو الزيبق في تنور سقط الخبز كله، فإن ترك الرصاص في
|
||
قدر لم ينضج اللحم، إذا كان الزعفران في دار لم تدخلها وزغه، إذا دفن
|
||
الحديد في الدقيق زال عنه الصدأ، إذا ترك سراج على شيء في نهر سكنت ضفادعه،
|
||
إذا دفنت ذئبة في قرية لم تدخلها الذئاب، إذا نظر صاحب الثآليل إلى كوكب
|
||
ينقض فمسح بيده حينئذٍ على ثآليله ذهبت، إذا عسرت الولادة فصاحت بالمرأة
|
||
بكر يا فلانة أنا جارية عذراء وقد ولدت وأنت لم تلدي ولدت في الحال للنملة،
|
||
فضل حسن في الشم تدرك الأراييح البعيدة، لما شق ختام نافجة النبوة ملأت
|
||
ريحها الأرض، فاستنشقها أهل العافية، فوصل إلى خياشم سلمان في فارس وصهيب
|
||
في الروم وبلال في الحبشة، وكان ابن أُبي مزكوماً فما نفعه قرب الدار، كم
|
||
من نفر دخلت مجلسي وهي حامل جنين الإصرار، فلما استنشقت ريح المواعظ
|
||
أسقطت.\\
|
||
أيها التائب من حر?كك? وقد كان تحريك الجبل دون إزعاجك "صُنْعَ الله الذي
|
||
أتقن كلَّ شيء" أتدرون هذا التائب لم انزعج? أما تجدون في نفسه حرَّ وهج.
|
||
|
||
| صبا لنسيم الصبا إذ نـفـح | | وارقه لمع بـرق لـمـح |
|
||
| واذكره عيشه بالـحـمـى | | وعهداً تقادم سرب سـنـح |
|
||
| فحن إلى السفح سفح العقيق | | فسح له دمعه وانسـفـح |
|
||
| وكان كتوماً لسر الـهـوى | | ولكن جرى دمعه فافتضح |
|
||
| فدعه ينادي طلول الحمـى | | ويسأل رامه عمـن نـزح |
|
||
|
||
يا غائباً عنا، وهو حاضر أما لك ناظر ناظر? أما دموع الوجد قد ملأت
|
||
الحناجر? أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر، أقل أحوال الزمن أن يبكي إذا رأى
|
||
المشاة، انظر إلى التائبين وحرقهم، والتفت إلى العارفين وقلقهم.
|
||
|
||
| اسمع أنين العاشـقـين | | إن استطعت له سماعا |
|
||
| راح الحبيب فشيعتـه | | مدامع تجري سراعـا |
|
||
| لو كلف الجبل الأصـم | | *فراق ألف ما استطاعا * |
|
||
|
||
كلما بكى الخائفون أزعجوني، وكلما استغاث الواجدون ألهفوني
|
||
|
||
| وإني لمجلوب لي الشوق كـلـمـا | | تنفـس بـاك أو تـألـم ذو وجـد |
|
||
| تعرض رسل الشوق والركب هاجد | | *فيوقظني من بين نوامهم وحـدي* |
|
||
|
||
يا صبيان التوبة، ارفقوا بمطايا أبدانكم فقد ألفت الترف "ولا تُضارُّوهنَّ
|
||
لتضيِّقوا عليهنَّ"
|
||
|
||
| هب لهـا مـن الـنـسـيم رائد | | فعادهـا مـن الـغـرام عـائد |
|
||
| نوق نفى عنها الحمى طيب الكرى | | فهي كما شاء السرى سـواهـد |
|
||
| أنحلها تـحـت الـدؤب أينـهـا | | فمـارت الأنـسـاع والـقـلائد |
|
||
| فلا تخالفها إذا مـا الـتـفـتـت | | شوقاً إلى بان الحـمـى يا قـائد |
|
||
| وقل لها لعـا إذا مـا عـثـرت | | فهي لحمل وجـدهـا تـكـابـد |
|
||
| مذ حكم البين علـيهـا لـم تـزل | | *تبكي عليها الـبـيد والـفـدافـد* |
|
||
|
||
يا صبيان التوبة، للنفس حظ وعليها حق "فلا تميلوا كلَّ المَيْل" خذوا
|
||
مالها، واستوفوا ما عليها "وزِنوا بالقسطاس المستقيم" فإن رأيتم من النفوس
|
||
فتوراً فاضربوهن بسوط الهجر "فإنْ أطعْنَكُم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلا" على
|
||
أني أوصي صبيان التوبة بالرفق، وبعيد أن يقر خائف أو يسمع العذل محب
|
||
|
||
| ليت شعري هل أرى في طريقي | | سعة تفسح كرب الـمـضـيق |
|
||
| قد رماني الحب ف لج بـحـر | | فخذوا يا قوم كـف الـغـريق |
|
||
| حل عندي حبكم في شـغـافـي | | حل مني كـل عـقـد وثـيق |
|
||
| عفت دنياي اشـتـياقـاً إلـيكـم | | وتساوى خامهـا والـدبـيقـى |
|
||
| ورفضت الكل شغلاً بـوجـدي | | فانجلى لي كل معـنـى دقـيق |
|
||
| يا صديقي عندي الـيوم شـغـل | | فاله عني واشتغل يا صـديقـي |
|
||
| بيدان تذكر لي حـب قـلـبـي | | فأعـد ذكـرهـم يا رفـيقـي |
|
||
| غصني الشوق إليهـم بـريقـي | | واحريقي في الهوى واحريقـي |
|
||
|
||
الفصل الخامس والأربعون
|
||
|
||
أخواني، البدار البدار، فما دار الدنيا بدار، إنما هي جلية لجريان الأعمار،
|
||
وكم تبقى الفريسة بين النيوب الأظفار.
|
||
|
||
| ما دار دنيا لـلـمـقـيم بـدار | | وبها النفوس فـريسة الأقـدار |
|
||
| ما بين ليل عـاكـف ونـهـاره | | نفسان مرتشفان لـلأعـمـار |
|
||
| طول الحياة إذا مضى كقصيرها | | واليسر للإنسان كـالإعـسـار |
|
||
| والعيش يعقب بالمرارة حـلـوه | | والصفو فيه مخلـف الأكـدار |
|
||
| وكأنما تقضي بـنـيات الـردى | | لفنائنا وطـراً مـن الأوطـار |
|
||
| ويروقنا زهر الأماني نـضـرة | | هدم الأماني عادة الـمـقـدار |
|
||
| والمرء كالطيف المطيف وعمره | | كالنوم بين الفجر والأسـحـار |
|
||
| خطب تضاءلت الخطوب لهوله | | أخطاره تعلو على الأخـطـار |
|
||
| تلقى الصوارم والرماح لهولـه | | ونلوذ من حرب إلى استشعـار |
|
||
| إن الذين بنوا مشيداً وانـثـنـوا | | يسعون سعي الفاتك الجـبـار |
|
||
| سلبوا النضارة والنعيم فأصبحـوا | | متوسـدين وسـائد الأحـجـار |
|
||
| تركوا ديارهم علـى أعـدائهـم | | وتوسدوا مـدراً بـغـير دثـار |
|
||
| خلط الحمام قويهم بضعيفـهـم | | وغنيهم ساوى بـذي الإقـتـار |
|
||
| والدهر يعجلنا علـى آثـارهـم | | لا بد من صبح المجد السـاري |
|
||
| وتعاقب الملوين فـينـا نـاثـر | | بالكر ما نظما من الأعـمـار |
|
||
|
||
تالله ما صح من يطلبه مرضه، ولا سر من سير وصل حل غرضه ولا استقام غصن
|
||
يلويه كاسره، ولا طاب عيش الموت آخره، إن الطمع لعذاب، وحديث الأمل كذاب،
|
||
وفي طريق الهوى عقاب، وآخر المعاصي عقاب، فلا يخدعنك ضياء ضباب، ولا يطمعنك
|
||
شراب سراب، فمجيء الدنيا على الحقيقة ذهاب، وعمارة الفاني إن فهمت خراب،
|
||
وفرح الغرور ثبور واكتئاب، ودنو الشيب ينسخ ضياء الشباب وكلما نادى الأمل
|
||
"فأبلغه مأمنه" صاح الأجل "فضرب الرقاب".\\
|
||
يا تايهاً في ظلمة ظلمه.\\
|
||
يا موغلاً ف مفازة تيهه، يا باحثاً عن مدية حتفه، يا حافراً زبية هلكه، يا
|
||
معمقاً مهواة مصرعه، بئس ما اخترت، لأحب الأنفس إليك، ويحك، تطلب الجادة
|
||
ولست على الطريق، كم فغر الزمان بوعظه فماً، فما سمعت "لينذر من كان حياً"
|
||
كيف تطيب الدنيا? لمن لا يأمن الموت ساعة، ولا يتم له سرور يوم إذا كان
|
||
عمرك في إدبار، والموت في إقبال: فما أسرع الملتقى، لقد نصبت لك أشراك
|
||
الهلاك، والأنفاس أدق الحبائل، يا ماشياً في ظلمة ليل الهوى لو استضئت
|
||
بمصباح الفكر فما تأمن من بئر بوار، الشهوات مبثوثة في طريق المتقين، وما
|
||
يسلم من شرها شره الأولياء في حرم التقوى "ويُتخطَّف الناسُ من حولهم"
|
||
الدنيا مثل منام والعيش فيها كالأحلام، قيل لنوح عليه السلام يا أطول
|
||
النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا? قال: كدار ذات بابين، دخلت من باب وخرجت من
|
||
باب.
|
||
|
||
| فلما تفرقنا كأني ومـالـكـا | | *لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً * |
|
||
|
||
يا ثقيل النوم، أما تنبهك المزعجات? الجنة فوقك تزخرف، والنار تحتك توقد،
|
||
والقبر إلى جانبك يحفر وربما يكون الكفن قد غزل، أيقظان أنت اليوم أم حالم،
|
||
يا حاضراً يرى التائبين، وهو في عداد الغائبين.
|
||
|
||
| واقف في الماء عطشان | | ولكن لـيس يسـقـي |
|
||
|
||
عاتب نفسك على هواها فقد وهاها، قل لها ادرجي درج المدرج وقد لاحت مني، لا
|
||
يوقفنك في الطريق طاقة من أم غيلان، فالخبط في المنزل مهيؤ لك، تلمح عواقب
|
||
الهوى يهن عليك الترك، تفكر في حال يوسف لو كان زل من كان يكون? هل كانت
|
||
إلا لذة لحظة وحسرة الأبد، عبرت والله أجمال الصبر سليمة من مكس وبقيت
|
||
مديحة "إنه من عبادنا المخلصين".\\
|
||
يا هذا، احسب صبر يومك ساعة نومك تحظ في غداة برغدك، البدار إلى الشهوات
|
||
والندامة فرسا رهان، والتواني عن التوبة والخيبة رضيعا لبان، واعجباً غرتك
|
||
حبة فخ فحصلت وما حوصلت، اليوم واطرباً للكأس، وغداً واحرباً للإفلاس، آه
|
||
من حلاوة لقم أورثت مرارة نقم، تأمل العاقبة لا يحصل إلا لنا قد يصير، من
|
||
تلمح إذا تلا "وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ" وعرف قدر مدح "فأتمهنّ"
|
||
علم أنه لم يبق في فيه شيئاً من مرارة البلى مرارة "وإذا ابتلى" ضجت
|
||
الملائكة حين هموا بإلقائه في النار، فقالوا ائذن لنا حتى نطفي عنه، فقال
|
||
تعالى: إن استغاث بكم فأغيثوه وإلا فدعوه. فلما ألقي عرض له جبريل، وهو
|
||
يهوي في الهواء فأراد أن ينظر هل للهوى فيه أثر? فقال: ألك حاجة? قال: أما
|
||
إليك فلا، فأقبل بمنشور "وإبراهيم الذي وفَّى".
|
||
|
||
| قالت لطيف خيال زارها ومضى | | بالله صفه ولا تنقـص ولا تـزد |
|
||
| فنال خلفته لو مات من ظـمـاء | | وقلت قف عن ورود الماء لم يرد |
|
||
| قالت صدقت الوفا في الحب عادته | | *يا برد ذلك الذي قالت على كبدي* |
|
||
|
||
الفصل السادس والأربعون
|
||
|
||
يا مجتنباً من الهدى طريقاً واضحاً، افتح عين الفكر تر العلم لائحاً، احذر
|
||
بئر الغفلة فكم غال سائحاً، وتوق بحر الجهل فكم أغرق سابحاً.
|
||
|
||
| يا غادياً في غـفـلة ورائحـا | | إلى متى تستحسن القبـائحـا |
|
||
| وكم إلى كم لا تخاف موقفـا | | يستنطق اللهُ به الجـوارحـا |
|
||
| يا عجباً منك وأنت مبـصـر | | *كيف تجنبت الطريقَ الواضحا * |
|
||
| كيف تكون حين تقرأ في غـد | | صحيفة قد حوت الفضائحـا |
|
||
| وكيف ترضى أن تكون خاسراً | | يوم يفوز من يكون رابـحـا |
|
||
|
||
يا معدوماً في الأمس، فانياً في الغد، عاجزاً في الحال، من أنت حتى تغتر
|
||
بسلامتك? وتنسى حتفك? وأملك بين يديك وأجلك خلفك، وكتابك قد حوى تفريطك، كم
|
||
نُهيت عن أمر? فما كفك النهي أن تبسط كفك، يا من قد طال زلله وتعثيره، تفكر
|
||
في عمر قد مضى كثيره، يا قلباً مشتتاً قل نظيره، كم هذا الهوى? ولكم هوى
|
||
أسيره? أيها القاعد عن أعالي المعالي، سبق الأبطال والبطال ما يبالي، ستعرف
|
||
خبرك يوم عتابي وسؤالي، وستقول عند الحساب مالي ومالي، أعمالك إذا تصفحت
|
||
لهواك لآلي، لو أثر فيك وعظي ومقالي لكنت لحر الحسرات على حر المقالي.
|
||
|
||
| إلى أي حـين أنـت فـي زي مـحـرم | | وحتى متـى فـي شـقـوة وإلـى كـم |
|
||
| فالا تمت تحـت الـسـيوف مـكـرمـا | | تمت وتقـاسـي الـذل غـير مـكـرم |
|
||
| فثـب واثـقـاً بـالـلـه وثـبة مـاجـد | | *يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم * |
|
||
|
||
ويحك، إنما يكون الجهاد بين الأمثال، ولذلك منع من قتل النساء والصبيان،
|
||
فأي قدر للدنيا حتى يحتاج قلبك إلى محاربة لها? أما علمت شهواتها جيف
|
||
ملقاة، أفيحسن بباشق الملك أن يطير عن كفه إلى ميتة? مهلاً "لا تمدنَّ
|
||
عينيك" لو علمت أن لذة قهر الهوى أطيب من نيله لما غلبك، أما ترى الهرة
|
||
تتلاعب بالفأرة ولا تقتلها ليبين أثر اقتدارها وربما تغافلت عنها، فتمعن
|
||
الفأرة في الهرب فتثب فتدركها ولا تقتلها إيثاراً للذة القهر على لذة
|
||
الأكل، من ذبح حنجرة الطمع بخنجر اليأس أعتق القلب من أسر الرق، من ردم
|
||
خندق الحرص بسكر القناعة ظفر بكيمياء السعادة، من تدرع بدرع الصدق على بدن
|
||
الصبر هزم عسكر الباطل، من حصد عشب الذنوب بمنجل الورع طالبت له روضة
|
||
الاستقامة، من قطع فضول الكلام بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة في القلب، من
|
||
ركب مركب الحذر مرت به رخاء الهدى إلى رجاء النجاة، من أرسى على ساحل الخوف
|
||
لاحت له بلاد الأمن، إلا عزيمة عمرية، إلا هجرة سلمانية جاءت بمركب عمر،
|
||
جنوب المجانبة للحق إلى دار الخيزران، فلما فتح له الباب انقلب شمالاً، مد
|
||
يده لتناول خمر الفتك فاستحالت في الحال خلاً، جاء وكله كدر، فلما دنا من
|
||
الصفا صفا، كان ماء قلبه لما جنى ملحاً آجناً فلما تلقاه النذير بالعذاب
|
||
عذب.
|
||
|
||
| يكون أجاجاً دونكم فإذ انتهى | | إليكم تلقى طيبكم فيطـيب |
|
||
|
||
سقم قلب سلمان من معاناة أمراض المجوس، فخرج إلى أودية الأدوية فالتقطته يد
|
||
ظالم، وما عرفت، فهان على يوسف البيع ليلقى العزيز فبينا هو في نخلة
|
||
يحترفها قدم مخبر بقدوم الرسول، فنزل ليصعد وصاح به: حدثني.
|
||
|
||
| نزلوا جبال تهامة فلأجـلـهـم | | يهوى الفؤاد تهامة وجبـالـهـا |
|
||
| يا صاحبيّ قفا عـلـي بـقـدر | | *ما أسقي بواكف عبرتي أطلالها * |
|
||
|
||
واعجباً، أطلب الشجاعة من حسان، وأسأل عن الهلال ابن أم مكتوم، أتلو سورة
|
||
يوسف على روبيل، أستملي الفصاحة من باقل، وأنتظر الوفاء من عرقوب، لقد رجعت
|
||
إذن بخفي حنين، يا من نقده مردود، وعقله محلول، نيتك في الحيرنية لو
|
||
أنضجتها نيران خوف أو شوق لانتفعت بها.
|
||
|
||
| ولي قوادم لو أني جذب بـهـا | | *لأنهضتني ولكن أفرخي زغب * |
|
||
|
||
غمض عينيك على الدواء يعمل، وافتحها لرؤية الهدى تبصر، حجر المعصية تطحطح
|
||
إناء القلب، وضبة التوبة شعاب، يا من عزمه في الإنابة جزر بلا مد، وقفت
|
||
سفينة نجاتك، ليل كسلك قد أطبق آفاق التردد، وقد طلبت فيه أطيار الهمة
|
||
أوكار الدعة، فلو قد طلعت شمس العزيمة في نهار اليقظة لانبث عالم النشط في
|
||
صحراء المجاهدة. يا صبيان التوبة، تزودوا للبادية تأهبوا لحاجر، انعلوا
|
||
الإبل قبل زرود، ولا تنسوا وقت تناول الزاد جمالكم.
|
||
|
||
| بين العقيق والـكـثـيب الـفـرد | | علاقة لـي مـن هـوى ووجـد |
|
||
| سل هضبات الرمل من جزع اللوى | | يوم النوى عن قلـقـي ووجـدي |
|
||
| واستخبر الأنجم عن صـبـابـتـي | | بساكنـي نـجـد وأرض نـجـد |
|
||
| فمن مجيري أو ممن أسـتـعـدي | | وليس عند عاذلـي مـا عـنـدي |
|
||
|
||
الفصل السابع والأربعون
|
||
|
||
واعجباً لنفسٍ تدعى إلى الهدى فتأبى، ثم ترى خطأها بعين الهوى صواباً، كم
|
||
أذهبت زمناً وكم أفنت شباباً، وكم سودت في تبييض أغراضها كتاباً.
|
||
|
||
| أستغفر الله من نفس طغـت وأبـت | | أبتْ إلى هذه الدنيا فمـا أتـأبـت |
|
||
| جابت لي الشيب أوقات الشباب فمـا | | أجابت النصح لكن سيئاً جـلـبـت |
|
||
| خانت فخابت وما طابت ولا سعدت | | وكم أرابت ورابت ثم مـا رأبـت |
|
||
| ودأبها فـي أمـور غـيرِ نـافـعةٍ | | ولو توافق أمست للنـقـي دأبـت |
|
||
| همت بخير فلم تـعـزم وريثـهـا | | خطب إذا هي في غير التقى رتبت |
|
||
| أما طريق المعالي فهـي واضـحة | | *لكل طرف سرى عنه الكرى لحبت * |
|
||
| والعالمون جميعاً عالـمـون بـهـا | | على ركائب عن معروفها نكبـت |
|
||
| ألا يسائل أمـلاك الـورى فـطـن | | علام جمعت الأجناد واحـتـربـت |
|
||
| إن الذي طلـبـتـه لا يدوم لـهـا | | ولا مسرة إن فازت بماء طلـبـت |
|
||
| ألم يروا دول الماضين قـبـلـهـم | | كانوا بأحسن ما كانوا بها ذهـبـت |
|
||
| لا تفرحوا بهبات من زمـانـهـم | | ستسترد الليالي كلـمـا وهـبـت |
|
||
| لو أعلمت علمنا الغبراء ما ركـدت | | تحت الأنام أو الخضراء ما ثقبـت |
|
||
| وأم دفـرٍ إذا مـيزت حـالـتـهـا | | كأم صلٍ إذا ما عضت انقـلـبـت |
|
||
| وكيف ترجو صلاحاً من خلائقـهـا | | *كلما الناس فيه من أذى جـلـبـت* |
|
||
|
||
لله درّ أقوام تأملوا غيبها وما زالوا حتى رأوا عيبها، نزلوا من الدنياء
|
||
منزلة الأصياف، أخذوا الزاد وقالوا ما زاد إسراف، وقفوا عند الهموم والمؤمن
|
||
وقاف، رموا فضول الدنيا من وراء قاف، لو رأيتهم في الدجى، يراعون النجوم،
|
||
وخيل الفكر قد قطعت حلبات الهموم يشكون جرح الذنوب ويبكون الكلوم، أحرقت
|
||
أحزانُهم أجسامَهم، وبقيت الرسوم بلغتهم البلغ ورمتك التخم في التخوم،
|
||
سكروا من مناجاة الكريم، لا من بنات الكروم، أصبحت عليهم آثار الحبيب
|
||
والطيب نموم، هذه سلع الأسحار من يشتري? من يسوم? أين قلبك الغائب? قل لي
|
||
لمن تلوم? جسمك في أرض العراق وقلبك في أرض الروم، مهر الطبع ما ريض، أهاب
|
||
البشرية ما دبغ، في عين البصير عشا، عرائس الموجودات ترفل في حلل مختلفة
|
||
الصنعة والصبغة والصيغة، تعبر إلى المعتبر في معبر الاعتبار، فهل حظك حظها
|
||
من النضارة أن تحظى من النظر بحظ.
|
||
|
||
واعجباً لك لو دخلت بيت ملك لم تزل تتعجب من رقوش نقوشه فارفع بصر التفكر
|
||
واخفض عين البصيرة، فهل أحسن من هذا الكون? تلمح مخيم السقف كيف مدّ بلا
|
||
أطناب?، ثم زخرف نقشه برقم النجوم، والهلال دملوج في عضد السماء، فإذا جن
|
||
الليل كحلت العيون بأثمد النوم، واجتلاها أهل " تَتَجافى " فإذا جلى ركب
|
||
الدجى، جلا ضوء الشمس عن الأبصار رمد الظلام، أنظر إلى الأرض إذا تأيمت من
|
||
زوج القطر، ووجدت لفقد إنفاقه مس الجدب، كيف تحد في ثياب " وتَرى الأَرضَ
|
||
خاشعَةً " طالما لازمت حبس الصبر وسكنت مسكن المسكنة لولا ضجيج أطفال
|
||
البذر، فإذا قوي فقر القفر امتدت أكف الطلب تستعطي زكاة السحاب، فهبت
|
||
الجنوب من جناب اللطف، فسحبت ذيل النسيم على صحصح الصحارى، فتحركت جوامد
|
||
الجلاميد وانتبه وسنان العيدان لقبول تلقيح اللواقيح، فإذا لبس الجو مطرفه
|
||
الأدكن، أرسل خيالة الفطر شاهرة أسياف البرق وأنذر بالإقدام صوت الرعد،
|
||
فقام فراش الهواء يرش خيش النسيم، فاستعار السحاب جفون العشاق وأكف
|
||
الأجواد، فامتلأت الأودية أنهاراً، كلما لمستها كف النسيم حكى سلسالها
|
||
سلاسل الفضة، فالشمس تسفر وتنتقب، والغمام يرش وينسكب، فانعقد بين الزوجين.
|
||
عقد حب الحب، فلا يزال السحاب يسقي ذر البذر. بثدي الندى. وكلما احتاج إلى
|
||
فضل قوت كر الرك، وشط الطش، ودق الودق، فطم إلى أن فطم الطفل، فإذا وقعت
|
||
شمس الشتاء في الطفل، نشأ أطفال الزرع فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان،
|
||
فأعار الأرض أثواب الصبا وروح كربها بنسيم الصبا، فانتبهت عيون النور من
|
||
سنة الكرى، فكم نهضت من الغروس عروس بين يديها الأوراق كالوصائف فصافحت
|
||
ريحها الخياشيم، ومنظرها الحدق، فكان عين النرجس عين وورقة ورق، فالشقايق
|
||
تحكي لون الحجل والبهار يصف حال الوجل، والنيلوفر يغفى وينتبه، والأغصان
|
||
تعتنق وتفترق، وقد ضرب الربيع جل ناره في جلناره، وبثت الأراييح أسرارها
|
||
إلى النسيم فنم، فاجتمع في عرس التواصل فنون القيان، فعلا كل ذي فن على
|
||
فنن، فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع، فأعرب كل بلغته عن شوقه إلى إلفه،
|
||
فالحمام يهدر، والبلبل يخطب، والقمري يرجع، والمكاء يغرد، والأغصان تتمايل،
|
||
كلها تشكر الذي بيده عقدة النكاح فحينئذ تجد خياشم المشوق ضالة وجده.
|
||
|
||
| لي بذات البـان أشـجـان | | حبذا من أجلهـا الـبـاب |
|
||
| حبـذا رياه يوقـظـــه | | من نسيم الفجـر ريعـان |
|
||
| حبذا ورق الـحـمـام إذا | | رنحتها منـه أغـصـان |
|
||
| داعيات بالـهـديل لـهـا | | فيه أسـجـاعٌ وألـحـان |
|
||
| أعجمياتٌ إذا نـطـقـت | | ليس إلا الشـوق تـبـيان |
|
||
| كلما غنيتـنـي هـزجـاً | | هاجني للذكـر أحـزان |
|
||
| ما لي بي ميل الغصون بها | | طربي فالكـل نـشـوان |
|
||
| يا حمام البان يجمـعـنـا | | وجدنا إذ نحـن جـيران |
|
||
| يحن بالشكوى إلي فـمـا | | بين أهل الحب كتـمـان |
|
||
| يتشاكى الواجـدون جـوى | | واحداً والـوجـد ألـوان |
|
||
| أنا مخلوس القرين وأنتـن | | أزواج وأقـــــران |
|
||
| وبعيد الـدار عـن وطـن | | شاقه لـلـبـان أوطـان |
|
||
| آه مـن داء أكـاتـمــه | | والهـوى سـرّ وإعـلان |
|
||
| لا تزدني يا عذول جـوى | | أنا بالأشـواق سـكـران |
|
||
|
||
الفصل الثامن والأربعون
|
||
|
||
من علم أن هبات الدنيا هبا حل من غل ذل.
|
||
|
||
| الدهر مستعـجـل يخـب | | *فاختم وطين الكتاب رطب * |
|
||
| إن الذي أنت فـيه حـلـم | | وسوف تنساه إذا تـهـب |
|
||
| توقَّ مكر الزمان واحـذرْ | | ولا تثق فالزمـان خـب |
|
||
| جميع أفعـالـه غـرور | | وكل ما نحن فيه لـعـب |
|
||
| وليس يبقى علـيه شـيءٌ | | يكرهه المـرء أو يحـب |
|
||
| أسمع أحاديث من تقضـي | | يا من له ناظر وقـلـب |
|
||
|
||
الدنيا تعطي تفاريق وتسترجع جملاً، وترضع أفاويق وتقطع عجلاً، يواني خيرها
|
||
وإن واتى لمعا، ثم يأتي شرها حين يأتي دفعا، فترى العبرات عند فقدها تراق
|
||
ولا ترقا، والزفرات عند سلبها تهد ولا تهدأ، ويحكم أن المفروح به من الدنيا
|
||
هو المحزون عليه،
|
||
|
||
إخواني: ذودوا هممكم عن مرعى المنى فإنه يزيدها عجقاً، ولا تولوا الهوى على
|
||
ميدان الأبدان " إنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أوْ أَنْ يُظْهِرَ
|
||
في الأرضِ الفساد ". الهوى وثن ينصب في جاهلية الشباب فإن صح إسلام العزم
|
||
جعل أصنام الشهوات جذاذاً.\\
|
||
يا معاشر الشباب زيدوا في سلاسل الهوى فإن شيطان الهوى مارد، زنوا حلوى
|
||
المشتهى بمر العقاب يبن لكم التفاوت، إلى متى يقودكم الهوى? إلى متى
|
||
تستعبدكم الدنيا?.\\
|
||
للشريف الرّضيّ:
|
||
|
||
| كم اصطبارٌ على ضيمٍ ومنقصةٍ | | وكَمْ على الذلِّ إقرارٌ وإذعـانُ |
|
||
| ثُوروا لها وَلْتَهُنْ فيها نفوسُكُـمُ | | *إنَّ المناقبَ للأرواح أثـمـانُ* |
|
||
|
||
إلى متى جمود الإناث? أين الحركة الرجولية?.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| قم فانتشطْها حسبُها أن تُعقَلا | | ودَعْ لها أيديَهـا والأرجـلا |
|
||
| لا يطرحُ الذلَّ وراء ظهره | | *إلا فتىً يُنْضي المطايا الذُّلُلا * |
|
||
|
||
الجد الجد فالطريق طويلة، دار الناقة بذكر الدار عللها بصوت الحداة، فإذا
|
||
لاح لها المنزل فشوقها يسوقها.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| إرخِ لها زمامها والأنـسـعـا | | وارمِ بها من العلى ما شسعـا |
|
||
| وارحل بها مغترباً عن العـدى | | *توطك من أرض العدى متسعا * |
|
||
| يا رائد الظعن بأكناف اللـوى | | بلغ سلامي إن وصلت لعلعـا |
|
||
| ماذا عليهم لو رثوا لسـاهـر | | *لولا انتظار طيفِهم ما هجعـا* |
|
||
|
||
إخواني: انبعاث الجوارح في العمل دليل على قوة العلم بالأجر، فإذا حصل
|
||
تسليم النفوس في الجهاد إلى القتل كان النهاية في كمال اليقين، فإذا وقع
|
||
الفرح بأسباب التلف دل على كمال المحبة، كما قال عبد الله بن جحش اللهم
|
||
سلِّط علي غداً عدواً يبقر بطني ويجدع أنفي، فإذا لقيتك قلت هذا فيك ومن
|
||
أجلك.\\
|
||
وطعن حرام بن ملحان، فنفذ فيه الرمح فقال: فزت وربِّ الكعبة. لو رأيتهم
|
||
والمعترك قد اعتكر وقد تقدموا في القدموس فانبلج الأمر وجاش جأش الجيش في
|
||
أُفُرّة فلم يتميز الهلقام السرعرع، من القلهزم الحنزقرة، وإذا الغضنفر
|
||
الدمكمك والقخر العلندي والضباضب الدلامر كلهم في مقام أجفيل فلما انزعجت
|
||
الطباع تذكروا قبيح الجناية، فمدوا أيدي التسليم للودايع، فخضب الدماء
|
||
محاسن وجوه، طال ما صبرت على برد الماء وقت الإسباغ، وحصدت مناجل السيوف
|
||
زروع روس طال ما أطرقت في الأسحار، وعادت خيولهم خلية عنهم فوطئتهم بعد
|
||
السنا تحت السنابك، واقتسم لحومهم عقبان السماء وسباع الأرض، فكم من رجل
|
||
رجل، طالما قامت فصلت فصلت، وكم من يد بالدعاء رفعت وقعت، وكم من بطن حمل
|
||
بالصيام ما شق شق، وكم من عين كانت تعين الحزين بالفيض وقعت في منقار طائر
|
||
هذا حديث الأجسام فأما الأرواح ففي دار السلام، والله ما كانت إلا غفوة حتى
|
||
أعطاهم العفو عفوا عفوه، وكأنكم بأجسادهم التي تفرقت قد تلفقت، وبالقبور
|
||
التي جمعتهم قد تشققت، وقد قاموا بالسلاح حول العرش ينادون بلسان الحال، عن
|
||
صاحبه حاربنا ولأجله قتلنا، وكلومهم يومئذ قد انفجرت فجرت، اللون لون الدم
|
||
والريح ريح المسك، فليعلم الأشهاد حينئذ أنهم الشهداء، اسمع يا من لا يحارب
|
||
الهوى ولا ساعة فلو فاتتك الغنائم وحدها قرب الأمر، وإنما لقب جبان قبيح،
|
||
أين أرباب العزائم القوية? امتلأت بالأبرار البرية، رحلوا عنها وفاتوا،
|
||
ونحن متنا وهم ما ماتوا.
|
||
|
||
| خَلّي طرفي والبكا إن كنتَ خِلي | | فالحمى أقفر من جـار وأهـل |
|
||
| والح من لم يدر ما طعم السـى | | أنا عن لومك في أشغل شغـل |
|
||
| لم يدع وقر الهوى في سمـعـي | | واعتراضات الهوى باباً لعـذل |
|
||
| غير قلبي أن تأسـى عـاشـق | | للتأسي أو تسلي للـتـسـلـي |
|
||
| أثاف ما ترى تشكـو الـصـلا | | أم قلوب بين حصبـاء ورمـل |
|
||
| هذه من بـعـدهـم آثـارهـم | | والتجافي عن بلى الأطلاب يبلي |
|
||
| ما وقوفي في محـلٍّ سـاكـنٍ | | في فؤادي أهلُه لا في المحـل |
|
||
| يتمنّى طيفُـكُـم صـب لـكـم | | مستهام والمنى جهد الـمـقـل |
|
||
| والذي يستجلب الطيف الـكـرى | | *من لعيني أن ترى النوم ومن لي * |
|
||
| بعت حلمي طـائعـاً لا كـارهـاً | | بسفاهي فاشتروا عـزي بـذُلـي |
|
||
| وانقضى أكثر عمري في القـلـى | | جفوة منكـم فـرقـوا لـلأقـل |
|
||
| حملوني الخف مـن هـجـركـم | | وارحموا من ما له طـاقة ثـقـل |
|
||
| عجـبـاً لـي ولـقـلـب ضـائعٍ | | بان عنـي بـين بـانـات وأثـل |
|
||
| سل بقلبي عـن خـيام بـالـلـوى | | تاه قلبي في حماها ضلّ عقـلـي |
|
||
| ذات طوقٍ مثل شجوى شجـوهـا | | *غير أن ما شكلها في الحزن شكلي * |
|
||
| أنا في النوح اضطراراً مثـلـهـا | | وهي في غير اضطرارٍ فيه مثلي |
|
||
| حرم الله على الـبـان الـصـبـا | | وحماه الغيث مـن طـلٍّ ووبـل |
|
||
| ما على السائق لو حـلّ الـنـقـى | | وأراح العـيس مـن شـدٍّ وحـلّ |
|
||
| فعسى تدني المنى مـنـى مـنـي | | ولعلي أن أرى الخيف لـعـلّـي |
|
||
|
||
الفصل التاسع والأربعون
|
||
|
||
عجباً لراحلٍ عن قليل غافل عن زاد الرحيل لا يعتبر بأخذ الجيل وإنما هو
|
||
تأخير وتعجيل، أين النزيل? أزيل. أين القويم? أميل. أين المطمئن? اغتيل.
|
||
|
||
| إنَّ الليالي لا تبقى على حال | | والناس ما بين آمالٍ وآجال |
|
||
| كيف السرور بإقبال وآخره | | *إذا تأملته مقلوب إقـبـال* |
|
||
|
||
تيقظوا فالأيام دائبة، وتحفظوا فالسهام صائبة، واحذروا دنياكم فما هي
|
||
مواتية، واذكروا أخراكم فها هي آتية، أما رأيتم الدنيا فقد أبانت خدعها
|
||
ومكرها، إذا بانت من جمعها مكرها، أين الارتياد للسلامة غداً، أين
|
||
الاستعداد? قبل الندامة أبدا، كأنكم بالمسير عن الربع قد أزف، وبالكثير من
|
||
الدمع قد نزف، وبالمقيم قد أبين مما ألف، وبالكريم قد أهين لما تلف.
|
||
|
||
| يا طالب الدنيا دنا فراقهـا | | *تزويجها أسرع أم إطلاقها * |
|
||
| ودين من يخطها صداقها | | |
|
||
|
||
عباد الله من تعلق قلبه بالجنة لا يصلح لنا، فكيف بمن يهوى الدنيا?.
|
||
|
||
| أردناكم صرفاً فلما مزجـتـم | | بعدتم بمقار التفاتكـم عـنـا |
|
||
| وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا | | *فأسكنتم الأغيارَ ما أنتم مـنـا* |
|
||
|
||
السلطان لا يزاحم في داره، " لا يسعني شيءٌ ويسعى قلب عبدي المؤمن ".
|
||
|
||
| غبتم عن العين القريحة فيكم | | وسكنتم في القلب دار مقام |
|
||
| وسلبتم جلدي التصبر عنكـم | | فالصبر أول راحلٍ بسـلام |
|
||
|
||
خرج المريد الصادق من ديار الهوى إلى بادية الطلب، فجن عليه ليل التحير
|
||
فجن، فإذا نار القرى تلوح إن حملت رجل الرجل.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| قد أبصرتْ حقّاً مناها في الحمى | | وظنَّهـا بـحـاجـر يقـينـا |
|
||
| فبَلَغَتْ أدعو لـهـا وبـلَّـغـتْ | | *وخانني من لم يقـل: آمـينـا* |
|
||
|
||
كرب المحب بالنهار يشتده لمزاحمة رقباء المخالطة، فبلبل بلباله يتبلل في
|
||
قفص الكتم، فإذا هبّت نسيمُ السحر وجد بروحه روحاه يصل من قصر مصر المنى
|
||
إلى أرض كنعان الأمل، فيقدم ركب الشوق يتجسس النسيم، من فرج الفرج ولَهَ
|
||
وَلَهٌ، فنهض توق الشوق فتكلم قلم الشكوى، ورقم وصف القوم وحكى ما حاكى،
|
||
وكنى عن ما كنى.
|
||
|
||
| عاودَ القلبُ غـرامَـهُ | | وجفا الجفن منـامـه |
|
||
| كلما قلت جوى الشوق | | خبا زاد اضطرامـه |
|
||
| أنا في أسرك والمأسور | | قد يرعـى ذمـامـه |
|
||
| آه من عتبك في اللـيل | | إذا جـن ظـلامــه |
|
||
| سيدي هائمك الحـيران | | قد زاد هـيامـــه |
|
||
| هو ميت غـيران لـم | | تبل في الترب عظامه |
|
||
| كنهاري منذ فارقتـك | | ليلـى لا أنـامـــه |
|
||
|
||
إذا اعتكر الليل اعترك الهم، طال الدجى على الأبدان وقصر على القلوب.
|
||
|
||
| شكونا إلى أحبابنا طول ليلـنـا | | *فقالوا لنا ما اقتصر الليل عندنا * |
|
||
|
||
لو رأيت رواحل الأبدان قد أنضاها طول السهر وأضناها، فلما هبت نجدية السحر
|
||
مدت أعناق الشوق فزال كل الكلال.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| تزاوَرن عن أذرعاتٍ يمينا | | نواشز ليس يُطعن البرينا |
|
||
| كَلِفْنَ بنجد كان الـرياض | | أخذنَ لنجد عليها يمـينـا |
|
||
| وأقسمن يحملن إلا نحـيلا | | إليه ويُبْلغنَ إلا حـزينـا |
|
||
| ولما استمعن زفيرَ المـشـوق | | ونوحَ الحمام تركنَ الحنـينـا |
|
||
| إذا جـئتـمـا بـانة الـواديين | | فأرخو النسوع وحلّوا الوضينـا |
|
||
| فثَـمَّ عـلائق مـن أجـلـهـا | | *مُلاءُ الدجى والضحى قد طوينا * |
|
||
| وقد أنبأتْهم مـياهُ الـجـفـون | | *بأن بـقـلـبـك داء دفـينـا* |
|
||
|
||
دموع الخائفين يحبسها النهار مراقبة الخلق، فإذا جن الليل انفتح سكر الدموع
|
||
"فسالت أودية بقدرها" أرواح الأسحار أقوات الأرواح، رقت فرقت حرجد الوجد،
|
||
وبلغت رسائل الحب ومكروب الشوق يرتاح للرياح.
|
||
|
||
| يا نسيم الريح هل مـن وقـفة | | تطغي الغلة أو تشفي الأواما |
|
||
| كن رسـولاً بـسـلام عـائداً | | نحو من أنقذني فيك السلامـا |
|
||
| لم تثر شجوى حمامات اللـوى | | *بل غرامي علم الشجو الحماما * |
|
||
|
||
كانت بردة العابدة تنادي في جوف الليل: غارت النجوم ونامت العيون وخلا كل
|
||
حبيب بحبيبه وقد خلوت بك يا خير محبوب، أفتراك تعذبني? وحبك في قلبي لا
|
||
تفعل يا حبيباه.
|
||
|
||
| إن شئت سألت دمع عيني عني | | يخبرك بأنني أسير الـحـزن |
|
||
| منك الغفران والخطايا منـي | | ظني حسن فيك فحقق ظنـي |
|
||
|
||
يا غافل القلب، ما هذا الكلام لك? ليس على الخراب خراج، لا يعرف البر إلا
|
||
سائح، ولا البحر إلا سابح، ولا الزناد إلا قادح.
|
||
|
||
| ضمنا يوم تنادوا للـقـا | | *موقف يعرفه من عشقا * |
|
||
|
||
لما عشقت اللبلابة الشجر، تقلقلت طلباً لاعتناق الرؤس ولثم الخدود، فقيل
|
||
لها مع الكثافة لا يمكن، فرضيت بالنحول، فالتفت فالتقت.
|
||
|
||
| حبي والوجد أورياني سقـمـا | | هذا جسمي يعد عظماً عظمـا |
|
||
| دعني والشوق قد كفاني خصما | | *يا سهم البين قد أصبت المرمى * |
|
||
|
||
الفصل الخمسون
|
||
|
||
أخواني: من تفكر في ذنوبه بكى، ومن تلمح سير السابقين وانقطاعه شكا، ولا
|
||
أقلق القلب مثل الحزن ولا نكا.
|
||
|
||
| عند قلبي علاقة ما تقـضـى | | وجوى كلما ذوى عاد غضـا |
|
||
| وبكاء على المنازل أبلتـهـن | | أيدي الأنام بسطاً وقـبـضـا |
|
||
| من معيد أيام ذي الأثل أو مـا | | قل منها دبنا علي وقـرضـا |
|
||
| سامحا بالقليل من عهد نـجـد | | ربما أقنع القلـيل وأرضـى |
|
||
| مهدياً لي من طيب أرواح نجد | | *ما يداوي نكس العليل المنضى * |
|
||
|
||
أخواني: تفكروا في ذنب أبيكم ونزوله بالزلل، ويكفيكم رمز إلى آدم بأنك عبد،
|
||
في قوله "إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى" لأن العبد ليس له إلا ما سد
|
||
الجوعة وستر العورة، فجاء إبليس يطمعه في الملك، فلما خرج إلى الطمع خرج،
|
||
نام في الجنة فانتبه وقد خلقت له حوى، فقال: ما هذا? قيل: من يريد النوم
|
||
يخلق له ضجيج كفى بالشوق مسهراً، فلما وقع في الزلل طار النوم.
|
||
|
||
| متى شق جيب الجنح بالبارق الومض | | *وهبت قبول فالسلام على الغمـض* |
|
||
|
||
بالأمس جبريل يسجد له، واليوم يجر بناصيته للإخراج، ولسان حاله يستغيث.
|
||
|
||
| حداة العيس رفـقـاً بـالأسـير | | ليغنم نظرة قبـل الـمـسـير |
|
||
| ويا بان الحمى هل فـيك ظـل | | فعند حشاي مزدحم الـزفـير |
|
||
| ويا ريح الشمال بحـق حـبـي | | *وصدق هل مررت على الغدير * |
|
||
| وهل سحبت على شـيح ورنـد | | *ذيولك يا مبلبـلة الـضـمـير* |
|
||
|
||
بكى على زلته ثلاثمائة عام حتى سالت الأودية من دموعه، اسمع يا من يضحك عند
|
||
المعاصي.
|
||
|
||
| سلوا بعدكم وادي الحمى ما أسالـه | | دمي ودموعي في هواكم أم القطر |
|
||
| وهل ما أراه الموت أم حادث النوى | | *وهل هو شوق في فؤادي أم الجمر * |
|
||
|
||
كان يقول لولده: يا بني طال والله حزني على دار أخرجت منها، فلو رأيتها
|
||
زهقت نفسك.
|
||
|
||
| قف فتلك الطلول | | وابكها يا رسول |
|
||
| واقر عني سلامي | | من عليها نزول |
|
||
| رب سكـان دار | | في فؤادي حلول |
|
||
| فاسأل الدار عنهم | | واستمع ما تقول |
|
||
| لي وللبين فيهـم | | *شرح حال يطول * |
|
||
| قد كفاني غرامي | | لا تزد يا عـذول |
|
||
| لست أدري إذا ما | | لمتني ما أقـول |
|
||
| خلفوني معـنـى | | والمعنى حمـول |
|
||
|
||
قيل له: رد إقطاعنا فحل الإقطاع بجناية لقمة، فلما غسل آدم جناية الجناية
|
||
رد الإقطاع عليه، لولا لطف "فتلقى" لقتله الأسف.
|
||
|
||
| من لي من لي بوصل حب نازح | | لو بيع بمهجتي لكنت الـرابـح |
|
||
| صالح من عاش بالأماني صالح | | *سامح في النقد يا حبيبي سامـح* |
|
||
|
||
يا من جرى عليه ما جرى على أبيه، اسلك طريقه من البكاء.
|
||
|
||
| خل دمع العين ينهمـل | | *بأن من تهواه فاحتملوا * |
|
||
| كل دمع صانه كلـف | | فهو يوم البين مبتـذل |
|
||
|
||
اكتب قصة الندم بمداد الدموع، وابعثها مع ريح الزفرات، لعل الجواب يصل برفع
|
||
الجوى.
|
||
|
||
| كيف لا أبكي على عيش مضى | | بعت عمري بحقير الـثـمـن |
|
||
| كيف أرجو البرء من داء الهوى | | وطبيبي في الهوى أمرضنـي |
|
||
|
||
انتبه لنفسك يا من كلما تحرك تعرقل، فيك جوهرية السباق ولكن تحتاج إلى
|
||
رائض، قلبك محبوس. في سجن طبعك، مقيد بقيود جهلك، فإذا ترنم حاد تنفس مشتاق
|
||
إلى الوطن، فالبس لامة عزمك وسر بجند جدك، لعلك تخلص هذا المسلم من أيدي
|
||
الفراعنة.
|
||
|
||
| أبالغوا يشتاق تلك النجـودا | | رميت بقلبك مرمى بعـيدا |
|
||
| فؤاد أسير ولا يفـنـد لـي | | *وجفن قتيل البكا ليس بودي * |
|
||
|
||
لك الحديث يا معرض، أنت المراد يا غافل، يا مستلذاً برد العيش تذكر حرقة
|
||
الفرقة، يا من يسلمه موكلان إلى موكلين، ما لانبساطك وجه، إنما تملي عليها
|
||
رسالة إلى ربك، وما أراك نمل، قبح ما تمل، يا جامد العين اليوم، غداً تدنو
|
||
الشمس إلى الرؤس، فتفتح أفواه مسام العروق فتبكي كل شعرة بعين عروقها، يبرز
|
||
يوسف الهيبة فيقد قميص الكون، نفخ الريح اليوم يحرك الشجر، ونفخ الصور غداً
|
||
يعمل في الصور، ريح الدنيا بين مثير لاقح تثير دفائن النبات وتلقح الأشجار
|
||
وتثير دفائن الأعمار، وريح الأخرى تلقح الأشباح للأرواح لقراءة دفاتر
|
||
الأعمار، أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فنصبوا، وندبوا أنفسهم لمحو
|
||
السيئات وندبوا، كان داود الطائي ينادي بالليل، همك عطل على الهموم، وحالف
|
||
بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك حال بيني وبين اللذات، فأنا في
|
||
سجنك أيها الكريم مطلوب.
|
||
|
||
| يا مالك مهجتي ووالـي دينـي | | *كم ينشرني الهوى وكم يطربني * |
|
||
| هجرانك مع محبتي يضنـينـي | | هل تدركني بنظرة تحـيينـي |
|
||
|
||
إذا جن الغاسق جن العاشق.
|
||
|
||
| طال ليلي دون صحي | | سهرت عيني وناموا |
|
||
|
||
كانوا يتراسلون بالمواعظ لتقع المساعدة على اليقظة، كصياح الحارس بالحارس.
|
||
يا نيام السحور: للمصنف:
|
||
|
||
| عرجوا بالرفاق نحو الـركـب | | وقفوا وقفة لأنشـد قـلـبـي |
|
||
| وخذوا لي من النقيب لمـاظـاً | | *أوردوا بي إلى العذيب وحسبي * |
|
||
| فهبوب الرياح من أرض نجـد | | قوت روحي وحبذا من مهـب |
|
||
| يا نسيم الصبا ترنم على الـدوح | | بصوت يشجي وإن طار لبـي |
|
||
| من معيد أيامنا بلوى الـجـزع | | وهيهات أين مني صحـبـي |
|
||
|
||
الفصل الحادي والخمسون
|
||
|
||
أين اللاهون بالمزاح زاحوا? أين شاربوا الراح راحوا? وبك ويك يا صاح، لقد
|
||
ندبوا في قبورهم على الونى وناحوا.
|
||
|
||
| يا أيها الواقف بالـقـبـور | | بين أناس غيب حـضـور |
|
||
| قد سكنوا في حديث معمور | | *بين الثرى وجندل الصخور * |
|
||
| ينتظرون صيحة النـشـور | | إنك عن حظك في غرور |
|
||
|
||
أين أرباب المناصب? أبادهم الموت الناصب، أين المتجبر الغاصب? أذله عذاب
|
||
واصب، لفت والله الأكفان كالعصائب، على تلك العصائب، وحلت بهم آفات المصائب
|
||
إذ حل بلباتهم سهم صائب، فيا من يأمن يتقلب على فراش عيوبه، مزمار ومزهر
|
||
ومسكر ومنكر، فجاءه الموت فجاءة فأنساه ولده ونساءه، وجلب مساؤه ما ساءه،
|
||
فنقل إلى اللحد ذميما، ولقي من غب المعاصي أمراً عظيما.
|
||
|
||
| بينا تـراه غـادياً رائحـاً | | في نعـم غـادية رائحة |
|
||
| إذا بيوم طالح مـخـرج | | من خبئه آماله الصالحة |
|
||
| كم سالم صحته مـوتـه | | وقائل عهدي به البارحة |
|
||
| أمسى وأمست عنده قـينة | | فأصبحت تندبـه نـائحة |
|
||
| فكن من الدنيا على صيحة | | واينا ليست به صـائحة |
|
||
| من كانت الدنيا به برة | | *فإنها يوماً له ذابـحة* |
|
||
|
||
واعجباً، لمن رأى هلاك جنسه ولم يتأهب لنفسه قال البازي للديك: ليس على
|
||
الأرض أقل فاءاً منك، أخذك أهلك بيضة فحضنوك فلما خرجت جعلوا مهدك حجورهم
|
||
ومائدتك أكفهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ها هنا وها هنا
|
||
وصحت، وأنا أخذت مسناً من الجبال فعلموني ثم أرسلوني، فجئت بصيدي فقال له
|
||
الديك: إنك لم تر بازياً مشوياً في سفود، وكم رأيت في سفود من ديك? أخواني
|
||
الزهد في الدنيا زبد، مخض محض الفكر، حظ الحريص على الدنيا في الحضيض،
|
||
والقنوع في أعلى الذرى، سائق الحرص يضرب ظهر الحريص بعصا التحريض، فلو قد
|
||
عصى الهوى كفت العصا، كلما زاد على القوت فهو مستخدم الكاسب يا موغلاً في
|
||
طلب الدنيا الحساب حبس، فإن صح لك الجواب تعوقت بمقدار التصحيح، وإن لم يصح
|
||
فمطورة جهنم.\\
|
||
ويحك، طالع دستور عملك ترى كل فعلك عليك، من وقف على صراط التقوى وبيده
|
||
ميزان المحاسبة ومحك الورع يستعرض أعمال النفس، وبرد البهرج إلى كير التوبة
|
||
سلم من رد الناقد يوم التقبيض.\\
|
||
ويحك، سلطان الشباب قد تولى، وأمير الضعف قد تولى، ومعول الكبر يحصد حيطان
|
||
دار الأجل، وحسبك داء أن تصح وتسلما، قف على ثنية الوداع نادباً قبل الرحيل
|
||
على ديار الإلفة.
|
||
|
||
| يا منزلاً لم تبل أطـلالـه | | حاشى لأطلالك أن تبلـى |
|
||
| والعشق أولى ما بكاه الفتى | | لا بد للمحزون أن يسلـى |
|
||
| لم أبك أطلالك لكـنـنـي | | بكيت عيشي فيك إذ ولى |
|
||
|
||
كان ثابت البناني يستوحش لفقد التعبد بعد موته، فيقول: يا رب إن كنت أذنت
|
||
لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.\\
|
||
وكان يزيد الرقاشي يقول في بكائه: يا يزيد من يبكي بعدك عنك? من يترضى ربك
|
||
لك?
|
||
|
||
| أحبكم ما دمت حـياً وإن أمـت | | *فواكبدي من ذا يحبكم من بعدي * |
|
||
|
||
لما علم المحبون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم الخدمة، جاء ملك الموت
|
||
إلى موسى عليه السلام ليقبضه فلطم عينه، فإذا قامت القيامة باد إلى العرش
|
||
طالت غيبته فاستعجل استعجال مشوق كانوا يحبون أماكن الذكر ومواطن الخلوة،
|
||
والمؤمن ألوف للمعاهد عهد عند المحب لا ينساه، اسكن حراء.
|
||
|
||
| احبسا الركب بوادي سلـم | | فبذاك المنحنى طل دمـي |
|
||
| وانشدا قلبي في سكـانـه | | فمن السكان أشكو ألمـي |
|
||
| أخذوا قلبي وأبقوا جسـدي | | فوجودي بعده كـالـعـدم |
|
||
| صل محباً جفنـه لـم ينـم | | *وابلائي أن خصمي حكمي * |
|
||
|
||
واعجباً للمحب يستر ذكر الحبيب، بذكر المنازل، وما يخفى مقصوده على السامع
|
||
"أحد جبل يحبنا ونحبه".
|
||
|
||
| ألا اسقني كاسات دمعي وغنني | | بذكر سليمى والرباب وتنعـم |
|
||
| وإياك واسم العامرية إنـنـي | | *أغار عليها من فم المتكـلـم* |
|
||
|
||
رياح الأسحار تحمل الرسائل وترد الجواب.\\
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| أفي نجد تحاورك القـبـول | | أظن الريح تفهم ما نقـول |
|
||
| تغنت في رحال الركب حتى | | تشابهت الذوائب والـذيول |
|
||
| صحبنا في ديارهم صباهـا | | يناوبها التنفس والنـحـول |
|
||
| وأمطرنا سحاب الدمع حتى | | حسبنا أنها مهـج تـسـيل |
|
||
| وعجنا ذاهلين فما علمـنـا | | أنحن السائلون أم الطلـول |
|
||
|
||
ديار الأحباب درياق هموم المحبين على أنني منها استفدت غرامي، كان قيس إذا
|
||
رحلت ليلى تعلل بالآثار واستشفى بالدمن واستنشق الصبا وشام برق بني عامر.
|
||
|
||
| أقتل أدواء الرجـال الـوجـد | | وق نجداً فالـغـرام مـجـد |
|
||
| حيث الرياض والنسـيم أنـف | | ودنف ما يستـفـيق بـعـد |
|
||
| إن الصبا إذا جـرت قـادحة | | نار الغرام ففـؤادي الـزنـد |
|
||
| تعدى المحبين الصبا كأنـمـا | | لها على أهل الغرام حـقـد |
|
||
| لا تتـلـق نـفـحة نـجـدية | | هزلا فهزل النفحـات جـد |
|
||
| دع الصبا فعل الهواء كالهوى | | سيان منه قصـره والـمـد |
|
||
| ما كبدي بـعـدك إلا جـذوة | | لها بترجيع الحـنـين وقـد |
|
||
| يسترها الجلد ولولا أدمـعـي | | ما كان قط ستر نار جـلـد |
|
||
| كيف ببرئي والطبيب ممرضي | | يصد والداء العضال الـصـد |
|
||
|
||
|
||
|
||
| النار قلبي والسموم نفـسـي | | والماء طرفي والتراب الخـد |
|
||
| قد كنت أخفى عن عيون عذلي | | كذا وجود العاشقـين فـقـد |
|
||
|
||
??الفصل الثاني والخمسون
|
||
|
||
العزلة حمية البدن والمناجاة قوت القلب، ومن أنس بمولاه استوحش من سواه.
|
||
|
||
| يا منتهى وحشتي وأنسي | | *كن لي إن لم أكن لنفسي * |
|
||
| أوهمني في غد نجاتـي | | حلمك عن سيئات أمسي |
|
||
|
||
خلق القلب طاهراً في الأصل، فلما خالطته شهوات الحسن تكدر، وفي العزلة يرسب
|
||
الكدر، الحيوان المميز على ثلاثة أقسام: فالملائكة خلقت من صفاء لا كدر
|
||
فيه، والشياطين من كدر لا صفاء فيه، والبشري مركب من الضدين، فالعجب أن
|
||
تقوى عنده التقوى، تقديس الملائكة يدور على ألسنة لا تشتاق بالطبع إلى
|
||
الفضول سبح تسبيحهم عقود ما نظمتها كلف التكليف، تمرات زروعهم، نشأت لا عن
|
||
تعب، سقاها سيح العصمة، فكثر في زكوات تعبدهم قدر الواجب "ويستغفرون لمن في
|
||
الأرض".\\
|
||
كانت أقدم تعبدهم سليمة فاستبطئوا سير زمني الهوى، فقيل: "إذا رأيتم أهل
|
||
البلاء، فسلوا الله العافية" واعجباً من منحدر في سفن التعبد يستبطئ
|
||
مصاعداً في الشمال، سمعوا بيوسف الهوى وما رأوه، فأخذوا يلومون زليخا الطبع
|
||
من حبس عتب "تُراوِد فتاها " فلما قالت الدنيا يوم هاروت وماروت "اخرُج
|
||
عليهنّ" قطعوا أكف الصبر وصاح في تلك المواقف مواقف "أتجعل فيها" إن للحرب
|
||
رجالاً خُلقوا، ألهم أنين المذنبين? أو خلوف الصائمين، أو حرقة المحبين،
|
||
أما عب بحر الأمانة يوم "إنَّا عرضنا الأمانة" توقفت الملائكة على الساحل،
|
||
ونهضت عزيمة الآدمي لسلوك سبيل الخطر، بلى لأقدام المحب أقدام.
|
||
|
||
| يغلبني شوقي فأطوي السرى | | ولم يزل ذو الشوق مغلوبـا |
|
||
|
||
لا نحتاج أن نناظر الملائكة بالأنبياء، بل نقول: هاتوا لنا مثل عمر، كل
|
||
الصحابة هاجروا سراً وعمر هاجر جهراً، وقال للمشركين قبل خروجه ها أنا. على
|
||
عزم الهجرة فمن أراد أن يلقاني فليلقني في بطن هذا الوادي، فليت رجالاً فيك
|
||
قد نذروا دمي، مذ عزم عمر على طلاق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا.
|
||
|
||
| وعزمة بعثتـهـا هـمة زحـل | | *من تحتها بمكان الترب من زحل * |
|
||
|
||
لما ولي عمر بن عبد العزيز خيَّر النساء، فقال: من شاءت فلتقم ومن شاءت
|
||
فلتذهب، فإنه قد جاء أمر شغلني عنكن.\\
|
||
لمهيار:
|
||
|
||
| أقـسَـم بـالـعـفة: لا تـيَّمــهُ | | ظبـيٌ رنـا أو غـصـنٌ تـأوَّدا |
|
||
| وكلما قيل له: قـف تـسـتـرحْ | | *جزتَ المدى قال: وهل نلتُ المدى * |
|
||
|
||
للعزائم رجال ليسوا في ثيابنا، وطنوا على الموت فحصلت الحياة.
|
||
|
||
| إذا ما جررت الرمح لم يثنني أب | | ملـح ولا أم تـصـيح ورائي |
|
||
| وشيعني قلـب إذ مـا أمـرتـه | | أطاع بـعـزم لا يروغ ورائي |
|
||
|
||
يا مختار القدر اعرف قدرك، فإنما خلقت الأكوان كلها لأجلك، يا خزانة
|
||
الودائع يا وعاء البدائع، يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الأيادي، يا
|
||
زرعاً تهمى عليه سحب الألطاف، كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة، وصور وأنت
|
||
المعنى، وصدف وأنت الدر، ومخضة وأنت الزبد، مكتوب اختيارنا لك، واضح لخلط،
|
||
غير أن استخراجك ضعيف، متى رمت طلبي فاطلبني عندك.
|
||
|
||
| ساكن في القلـب يعـمـره | | لسـت أنـسـاه فـاذكـره |
|
||
| غاب عن سمعي وعن بصري | | فسويدا القلـب تـبـصـره |
|
||
|
||
ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي، إنما أبعدنا إبليس لأجلك لأنه
|
||
لم يسجد لك، فالعجب منك كيف صالحته وهجرتنا?
|
||
|
||
| رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى | | حفظنا له الود الـقـديم فـضـيعـا |
|
||
| وواصلت قوماً كنت أنهاك عـنـهـم | | *وحقك ما أبقيت للصلح مـوضـعـا* |
|
||
|
||
يا جوهرة بمضيعة، يا لقطة تداس، كم في السماوات من ملك يسبح? ما لهم مرتبة
|
||
"تتجافى" لا يعرفون طعم طعام، وما لهم مقام "ولخلوف" أنين المذنبين عندنا،
|
||
أو في من تسبيحهم، سبحان من اختارك، على الكل وجادل عنك الملائكة قبل وجودك
|
||
"إني أعلم" خلق سبعة أبحر واستقرض منك دمعة، له ملك السماوات والأرض
|
||
واستقرض منك حبة.
|
||
|
||
| الماء عندك مبـذول لـوارده | | وليس يرويك إلا مدمع الباكي |
|
||
|
||
كانت الأمتعة المثمنة واللآلئ النفيسة تباع بمصر فلا ينظر إليها يوسف فإذا
|
||
جاءت أجمال صوف من كنعان لم تحل إلا بين يديه "لا تسئل عن عبادي غيري".\\
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| لاح وعقد الليل مسلـوب | | برق بنار الشرق مشبوب |
|
||
| أسأله عنكـم وفـي طـيه | | *سطر من الأحباب مكتوب * |
|
||
|
||
لو كان في قلبك محبة، لبان أثرها على جسدك، عجب ربنا من رجل ثار عن وطائه
|
||
ولحافه إلى صلاته، تلمح معنى ثار، ولم يقل قام، لأن القيام قد يقع بفتور،
|
||
فأما الثوران فلا يكون إلا بالإسراع حذراً من فائت.
|
||
|
||
| إذا هزنا الشوق اضطربنا لـهـزه | | *على شعب الرحل اضطراد الأراقم * |
|
||
| فمن صبوات تسـتـقـيم بـمـائل | | *ومن أريحـيات تـهـب بـنـائم* |
|
||
|
||
أخواني من ناقره الوجد ناقره النوم، قال سفيان الثوري: بت عند الحجاج ابن
|
||
الفرافصة إحدى عشرة ليلة، فما أكل وما شرب ولا نام.
|
||
|
||
| اسأل عيني كيف طعم الكـرى | | علالة وهو سـؤال مـحـال |
|
||
| وكيف بالنوم على الهجر لـي | | *والنوم من شرط ليالي الوصال * |
|
||
|
||
??الفصل الثالث والخمسون
|
||
|
||
يا طويل الأمل في قصير الأجل، يا كثير الزلل في يسير العمل، خلا لك الزمان
|
||
وما سددت الخلل، أفما عندك وجل من هجوم الأجل?
|
||
|
||
| تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس | | *جهازاً من التقوى لا طول ما حبس * |
|
||
| فإنك ما تدري إذا كنت مصبـحـاً | | بأحسن ما ترجو لعلك لا تمـسـى |
|
||
| سأتعب نفسـي أو أصـادف راحة | | فإن هوان النفس أكرم للـنـفـس |
|
||
| وازهد في الدنيا فإن مـقـيمـهـا | | *كظاعنها ما أشبه اليوم بـالأمـس* |
|
||
|
||
يا معاشر الأصحاء اغتنموا نعمتي السلامة والإمهال، واحذروا خديعتي المنى
|
||
الآمال، قد جربتم على النفس تبذيرها في بضاعة العمر، فانتبهوا لانتهاب
|
||
الباقي "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم" الدنيا حلم يقظة، ويوم الحساب تفسير
|
||
الأضغاث، أيام معدودة وسيفنى العدد وطريق صعبة على قلة العدد، وقد سار
|
||
الركب ولاح الجدد، أترى تظن أن تبقى إلى الأبد? أما يعتبر بالوالد الولد،
|
||
أين المتحرك في الهواء همد، أين اضطرام تلك النار? خمد، أين ماء الأعراض
|
||
الجاري? جمد، تساوى في الممات الثعلب والأسد، وشارك الوهى بين الحديد
|
||
والمسد، وجمع التلف عنقاء مغرب والصرد، واستقام قياس النقض للكل وأطرد،
|
||
أفلا ينتبه من رقدته من قد رقد? يا شاربين من منهل أبوى شرب الهيم، يا
|
||
جاعلين نهار الهدى كالليل البهيم، مقيمين على الدنس وليس فيهم مقيم، سالمين
|
||
من أمراض البدن وكلهم سليم، أتعمرون ربوع النقم برتوع النعم? وتستبدلون
|
||
بالقرآن، محرمات النغم، وقد توطنتم ناسين تروح النزوح فلم تذكروا الممات.
|
||
تروح الروح، تالله ليعودن المستوطن في أهله غريباً، والمغتبط بفرحه مغيظاً
|
||
كئيباً "إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً".\\
|
||
أين أرباب البيض والسمر? والمراكب الصفر والحمر، والقباب والقب الضمر، ما
|
||
زالوا يفعلون فعل الغمر إلى أن تفضي جميع العمر، يا من عمره قد رحل وولى،
|
||
كأنك بك تندم وتتقلى، والسمع والبصر للموت قد كلا، ويد التناول للتوبة شلا،
|
||
والعين تجري وابلاً لا طلا، وعصافير الندم قد أنضجها القلا، وأنت تستغيث
|
||
"ربِّ ارجعونِ" فيقال "كلا" ألا كان هذا قبل هذا.\\
|
||
ألا يا ثقيل النوم، يا بطيء اليقظة، يا عديم الفهم، أما ينبهك الأذان? أما
|
||
تزعجك الحداة? أترى نخاطب عجماً? أو نكلم صماً، كم نريك عيب الدنيا? ولكن
|
||
عين الهوى عوراء، كم تكشف للبصر قصر العمر? ولكن حدقة الأمل حولاء.
|
||
|
||
| ليس في الدنيا سرور | | إنما الدنيا غـرور |
|
||
| ومآتـيم إذا فـكـر | | ت فيها وقـبـور |
|
||
|
||
يا من شاب وما تاب ولا أصلح، يا معرضاً إلى ما يؤذي عن الأصلح، ليت شعري
|
||
بعد الشباب بماذا تفرح? ما أشنع الخطايا في الصبا وهي في الشيب أقبح، إذ
|
||
نزل الشيب ولم يزل العيب فبعيد أن يبرح.\\
|
||
للبحتري:
|
||
|
||
| وإذا تكامل للفتى من عـمـره | | *خمسون وهو إلى التقى لا يجنح * |
|
||
| عكفت عليه المخزيات فمـالـه | | متأخر عنها ولا مـتـزحـزح |
|
||
| وإذا رأى الشيطان غرة وجهـه | | حيى وقال فدَيْتُ من لا يفـلـح |
|
||
|
||
أخواني، فتشوا أحمال الأعمال، قبل الرحيل "ولتنظُر نفسٌ ما قدَّمتْ لغد" يا
|
||
مطلقي النواظر، في محرم المنظور "لتَرَوُنَّ الجحيم" لا يغرنكم إمهال
|
||
العصاة "إنَّ إلينا إيابَهم" يا من عاهدناه من يوم "ألستُ" لا تحلن عقد
|
||
العهد بأنامل الزلل فما يليق بشرف قدرك خيانة.
|
||
|
||
| بحرمة الود الذي بيننا | | *لا تفسد الأول بالآخر * |
|
||
|
||
اذكر ملازمة المطالبة بالوفاء في أضيق خناق، يا منكر ويا نكير انزلا إلى
|
||
الخارج من بساتين الأرواح فانظرا، هل استصحب وردة من اليقين أو شوكة من
|
||
الشك?
|
||
|
||
| قفوا سائلوا بأن العقيق هل الهوى | | *على ما عهدنا فيه أم حال حاله* |
|
||
|
||
استنكها فمه، الذي قال به "بلى" يوم "ألستُ" هل غير طيبه طول رقاد الغفلة?
|
||
هل انجاس زلله? مما يدخل قليلها تحت العفو، هل معرفته في قليب قلبه يبلغ
|
||
قلتين، أنا مقيم له على الوفاء في كل حال، فانظر إلى حاله هل حال? لقيس
|
||
المجنون:
|
||
|
||
| ألا حبذا نجـد وطـيب تـرابـه | | وأرواحه إن كان نجد على العهد |
|
||
| ألا ليت شعري عن عويرضتي قبا | | بطول الليالي هل تغيرتا بـعـدي |
|
||
| وعن علويات الـرياح إذا جـرت | | *بريح الخزامى هل تهب على نجد * |
|
||
|
||
المعرفة غرس في القلب والتذكار ماء، ومتى جفت المياه عن الغروس جفت شجرات
|
||
"ألستُ" تسقي من مياه "هل من سائل".
|
||
|
||
| إذا مرضنا أتيناكم نزوركم | | وتذنبون فنأتيكم فنعتـذر |
|
||
|
||
العقل ما ينسى إنما الحس مغفل، سبب النسيان أمراض من التخليط في مطاعم
|
||
الهوى عقدت بخاراً في هام الفهم، فإذا عالجها طبيب الرياضة تحللت فذكر ما
|
||
نسي من عهد "ألست".\\
|
||
قيل لذي النون: أين أنت من يوم "ألست"? قال: كأنه الآن في أذني.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| سل أبرق الحنان واحبس بـه | | *أين ليالينا علـى الأبـرقِ?* |
|
||
| وكيف باناتُ بسقط الـلـوى | | *ما لم يُجدها الدمع لم تورقِ?* |
|
||
| هل حملتْ لا حملتْ بعـدنـا | | *عنك الصَّبا عَرْفا لمستنشقِ?* |
|
||
| يا سائق الأظعان رفقـاً وإن | | *لم يُغن قولي للعسوفِ: ارفقِ * |
|
||
| لولا زفيري خلف أجمالـهـم | | وحر أنفاسي لـم تـنـشـقِ |
|
||
| سميتَ لي نجداً على بعدهـا | | يا وله المشئم بالـمـعـرقِ |
|
||
|
||
الفصل الرابع والخمسون
|
||
|
||
أيها القائم على سوق الشهوات، في سوق الشبهات، ناسياً سوق الملمات إلى ساقي
|
||
الممات، إلى كم مع الخطأ بالخطوات إلى الخطيئات، كم عاينت حياً فارق حيا?
|
||
وكفا كفت بالكفات.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| ما أقل اعتبارنـا بـالـزمـان | | وأشدَّ اغترارنـا بـالأمـانـي |
|
||
| وقفاتٌ عـلـى غـرورٍ وأقـدا | | مٌ على مَزلقٍ من الـحِـدْثـانِ |
|
||
| في حروبٍ من الردى وكـأنـا | | اليومَ في هدنة مـع الأزمـانِ |
|
||
| وكفانا مُـذكِّـراً بـالـمـنـايا | | عِلْمُنا أنـنـا مـن الـحـيوان |
|
||
| كل يوم رزيةٌ فـي فـــلان | | ووقوعٌ من الـردى بـفـلان |
|
||
| قل لهذي الهواملِ استـوثـقـي | | للسير واستبدلي عن الأغطـان |
|
||
| واستقيمي قد ضمكِ اللقَّم النهـجُ | | وغـنـى وراءكَ الـحـاديان |
|
||
| كم محيدٍ عن الطريق وقد صرّح | | خَلْجُ البُرى وجَذْبُ الـعـنـان |
|
||
| هل مجيرٌ بـذابـلٍ أو حـسـامٍ | | أو معينٌ بسـاعـدٍ أو بـنـان |
|
||
| قد مررنا على الديار خشـوعـا | | ورأينا البِـنـا فـأين الـبـانِ |
|
||
| أين رب السدير والحيرة البيضاء | | أم أين صــاحـــب الإيوان |
|
||
| والسيوف الحدادُ مـن آل بـدرٍ | | والقنا الصُّمُّ من بـنـي الـديانِ |
|
||
| ليس يبقى على الزمان جـريء | | في إباء وعاجـزٌ فـي هـوان |
|
||
|
||
يا عاصياً بالأمس أين الالتذاذ? يا مطالباً بالجرم أين المعاذ? يا متمسكاً
|
||
بالدنيا حبلها جذاذ، ما راعت من المحبين ولا الشذاذ، بل ساوت في الهلاك بين
|
||
الفقير وكسرى بن قباذ، تخلص من أسرها قبل أن يعز الإنقاذ، وقبل أن تجري
|
||
دموع الأسى بين ويل ورذاذ، إذا نبذوك في القبر انتبذوا أي نبذ وأي انتباذ،
|
||
فتذكر ضمة، ما نجا منها سعد بن معاذ، ألا يلين القلب? أصخر أم فولاذ، تدعي
|
||
العجز عن الطاعة وفي المعاصي أستاذ، وتؤثر ما يفنى على ما يبقى وأنت ابن
|
||
بغداد، يا مستلباً عن أهله وماله يا خالياً في القبر بأعماله ليته خلاك ما
|
||
منه تخليت، ليته ولى عنك أثم ما عنه توليت، وأسفاً من حالة حيلتها ليت.
|
||
|
||
| وكـل إن يتـيه غـــنـــاه | | فمرتـجـع بـمـوت أو زوال |
|
||
| وهب جدي زوى لي الأرض طياً | | أليس الموت يطوي ما زوى لي |
|
||
|
||
إذا اخضر الربيع ناح الهزار وندب القمري وأنت تعتقده غناء، إنما هو بكاء
|
||
على انتظار التكدير، لا يغرنك صفو العيش فالرسوب في أسفل الكاس، من يسمع
|
||
كلام الصامت ولم يسمع عبارة الجامد فليس بفطن.\\
|
||
قال أحمد ابن أبي الحواري: رأيت شاباً قد انحدر عن مقبرة، فقلت من أين?
|
||
فقال: من هذه القافلة النازلة، قلت: وإلى أين? قال: أتزود لألحقها. قلت:
|
||
فأي شيء قالوا لك? وأي شيء قلت لهم? قلت: متى ترحلون? فقالوا: حتى تقدرون.
|
||
|
||
| وكم من عبرة أصبحت فيها | | يلين لها الحديد وأنت قاس |
|
||
| إلى كم والمعاد إلى قريب | | تذكر بالمعاد وأنت نـاس |
|
||
|
||
ويحك تلمح عاقبتك بعين عقلك فإنها سليمة من رمد، العقل محتسب إذا وقع
|
||
بميزان الهوى كسر العلاقة يا صبيان التوبة، قد عرفتم شرور أعطان الهوى
|
||
فرحلتم طالبين ريف التقى فحثوا مطايا الجد "ولا يلتفتْ منكم أحدٌ وامضوا
|
||
حيث تؤمرون" كلما شرف المطلوب طالت طريقه، الهرة تحمل خمسين يوماً،
|
||
والخنزيرة أربعة أشهر، والخف والحافر سنة، فأما الفيل فسبع سنين، عموم
|
||
الشجر يحمل في عامه، والصنوبر بعد ثلاثين سنة، شرف النمل يوجب القلة، الشاة
|
||
تلد واحداً أو اثنين، والخنزيرة تلد عشرين، وأم الصقر مقلات نزور، يا هذا
|
||
ينبغي أن تكون همتك على قدرك ولك قدر عظيم لو عرفته.\\
|
||
إنما خلقت الداران لأجلك، أما الدنيا فلتتزود، وأما الأخرى فلتتوطن، أفتراك
|
||
تعرف مكانة "أذكركم" أو قيمة "يحبهم" أو مرتبة: وإنا إلى لقائهم أشد شوقاً،
|
||
تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا، إذا صعدت الملائكة عن مجلس الذكر، قال الحق: أين
|
||
كنتم، فيقولون: عند عباد لك يسبحونك ويمجدونك، فيقول: ما الذي طلبوا ومما
|
||
استعاذوا:
|
||
|
||
| يا من يسائل عني القادمـين إذا | | *ما كنت بي هكذا صبا فكيف أنا * |
|
||
|
||
يا من كان في رفقة "تتجافى" فصار اليوم في حزب أهل النوم.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا ديار الأحباب كيف تغـيرتِ | | ويا عهدُ ما الـذي أبـلاكـا |
|
||
| هل تولى الذين عهدي بهم فيك | | على عهدهـم وأين أولاكـا |
|
||
| الذّميلَ الذميلَ يا ركـبُ إنـي | | لضمينٌ أن لا تخيب سُراكـا |
|
||
|
||
يا هذا لا تجزع من ذنب جرى فرب زلة أورثت تقويماً، "لو لم تُذنبوا".
|
||
|
||
| من لم يلق مرارة الفراق | | *لم يدر ما حلاوة التلاقي * |
|
||
|
||
ما لم يقع سهم في مقتل فالعلاج سهل، انحناء القوس ركوع لا اعوجاج، كانت
|
||
صحبة آدم للحق أصلية وتعبد إبليس تكلفاً والعرق نزاع "كان من الجنِّ" وإنما
|
||
يعالج الرمد لا الأكمة، تأملوا خسة همة إبليس إذ رضي بعد القرب من السدة
|
||
بالتقاط القمامة "إلا من استرق السمع" إنه ليهجم على ساحة الصدر فيأخذ في
|
||
حديث الوسوسة فيصيح به حراس الإيمان من شرفات قصر "ويسعني" فيرجع بقلب
|
||
الخناس، فضائل بني آدم خفيت على الملائكة يوم "أنبئهم" فكيف يعرفها إبليس?
|
||
صعد إلى السماء منا، إدريس وعيسى، وجال في مجالهم محمد، ونزل منهم هاروت
|
||
وماروت وتدير عندنا إبليس، لو علم المتدير ما قد خبي له من البلايا? ما سأل
|
||
الأنظار، كلما غاب صاحب معصية وجلس يقسم في تقواه صدرت عن التائب نشابة
|
||
ندم، فوقعت في صدر إبليس، أطم ما على إبليس مجلسي، ما من مجلس أعقده إلا
|
||
ويقلق لما يرى من النفع، واليوم يغشى عليه ويله، ما علم أن الجنة إقطاعنا
|
||
وإنما أخرجنا عنها مسافرين، كتب ديارنا تصل إلينا، ورسائلنا تصل إليهم ويا
|
||
قرب اللقا، كان فتح بن شخرف، يقول: قد طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| تُمدُّ بـالآذان والـمـنـاخـرِ | | *لحاجر أنى لها بـحـاجـر?* |
|
||
| أرضٌ بها السائغ من ربيعهـا | | *وشوقُها المكنونُ في الضمائرِ * |
|
||
| سارت يميناً والغـرامُ شـامةٌ | | *ياسِرْ بها يا ابن الحداة ياسِـرِ* |
|
||
|
||
الفصل الخامس والخمسون
|
||
|
||
يا من شاب وما تاب، أموقن أنت أم مرتاب? من آمن بالسؤال أعد الجواب.
|
||
|
||
| فخذ للسير إهبتـه وبـادر | | *وجود جمع رحلك للذهاب * |
|
||
| فقد جد الرحيل وأنت ممن | | يسير على مقدمة الركاب |
|
||
|
||
أما أنذرك بياض الشمط? أما يبكيك قبح ما منك فرط? إلى متى تجري في الهوى
|
||
على نمط? إلى متى تضيع وقتاً مثله يلتقط? لقد أحاط بك المنون وها أنت في
|
||
الوسط، واستل التلف سيفه عليك سريعاً واخترط، يا من يهفو وينسى والملك قد
|
||
ضبط، يا منفقاً نعم المولى على العصيان هذا الشطط، امح باعترافك قبح
|
||
اقترافك وقد انكشط، وقم في الدجى والليل قد سجى فرب عفو هبط، قد نصحتك بما
|
||
أسمعتك وقد أوقعتك على النقط.\\
|
||
يا مغموراً بالنعم معدوم الشكر، كلما لطفنا بك قابلتنا بالمخالفة، إنه لا
|
||
عجب من ترك الشكر إنفاق النعم في مخالفة المنعم، هذا عود العنب يكون يابساً
|
||
طول السنة فإذا جاء الربيع دب فيه الماء فاخضر وخرج الحصرم، فإذا اعتصر
|
||
الناس منه ما يحتاجون إليه طول السنة قلب في ليلة خلاً، فبانقلابه يوجب
|
||
للعقل الدهش، من صنع صانعه، وقدرة خالقه فينبغي أن يفرغ العقل للتفكر فيأخذ
|
||
الجاهل العنب فيجعله خمراً، فيغطي به العقل، الذي ينبغي أن يحسر عن رأسه
|
||
قناع الغفلة "ومن يُضللِ اللهُ فما له مِن هاد" ويحك، قد أطعمتك إياه
|
||
حصرماً وعنباً وزبيباً وخلاً، فدع الخامس لي، فقد سمعت في كلامي "فإنَّ
|
||
للهِ خُمُسَهُ".\\
|
||
أيها الضال في بادية الهوى، احذر من بئر بوار، وليس في كل وقت، تتفق سيارة،
|
||
ليل الصبا مرخى السدفة، وبخار الأماني يعقد دواخن الكسل، فانهض عن حفش
|
||
الكسل واستنطق ألسن الحكم من موضوعات المصنوعات يمل عليك كلما في دستوره يا
|
||
مقتولاً ماله طالب ثأر يريد الموت، مطلق الأعنة في طلبك وما يخفيك حصن، ثوب
|
||
حياتك منسوج من طاقات أنفاسك، والأنفاس تسلب، ذرات ذاتك وحركات الزمان،
|
||
قوية في النسج الضعيف، فيا سرعة التمزيق آن الرحيل وما في مزادتك قطرة ماء،
|
||
ولا في مزود عملك قبضة زاد، وقد أحلت ناقتك على ما تلقى من العشب والجدب
|
||
عام في العام، ويحك عش ولا تغتر. يا رابطاً مناه بخيط الأمل إنه ضيف القتل،
|
||
صياد التلف قد بث الصقور، وأرسل العقبان ونصب الأشراك، وقطع الجواد فكيف
|
||
السلامة? تهيأ لصرعة الموت وأشد منها فلت القلب، فليت شعري إلى ماذا يؤول
|
||
الأمر? للحارثي:
|
||
|
||
| فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى | | إذا جد جد البين أم أنا غـالـبـه |
|
||
| فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى | | *فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه* |
|
||
|
||
آه من تأوه حينئذٍ لا ينفع، ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ولما خلا التوديع مما حـذرتـه | | ولم يبق إلا نظرةٌ تُـتُـغـنَّـمُ |
|
||
| بكيتُ على الوادي فحُرمت ماءه | | وكيف يحل الماء أكـثـره دم |
|
||
|
||
نقلة إلى غير مسكن، وسفر من غير تزود، وقدوم إلى بلد ربح بلا بضاعة.
|
||
|
||
| ولما تيقنا النـوع لـم يدع لـنـا | | *مسيل غروب الدمع جفناً ولا خدا * |
|
||
| فلا صفوة إلا وقد بدلـت قـذي | | ولا راحة إلا وقد قلـبـت كـدا |
|
||
| فوالله ما أدري وقد كـنـت دارياً | | *أغورت الأظعان أم طلبت نجـدا* |
|
||
|
||
يا لساعة الموت ما أشدها، تتمنى أن لو لم تكن عندها، وأعظم المحن ما يكون
|
||
بعدها،
|
||
|
||
| ولم أنس موقفنـا لـلـوداع | | وقد حان ممن أحب الرحيل |
|
||
| ولم يبق لي دمعة في الشؤون | | إلا غدت فوق خدي تسـيل |
|
||
| فقال نصيح من القـوم لـي | | وقد كاد يأتي على الغـلـيل |
|
||
| تأن بدمـعـك لا تـفـنـه | | فبين يديك بـكـاء طـويل |
|
||
|
||
تقسم الصالحون عند الموت، فمنهم من صابر هجير الخوف، حتى قضى نحبه، كعمر
|
||
كان يقول عند الرحيل: الويل لعمر إن لم يغفر له. ومنهم من أقلقه عطش الحذر
|
||
فيبرده بماء الرجاء كبلال. كانت زوجته تقول: واحرباه، وهو يصيح: واطرباه،
|
||
غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه. علم بلال أن الإمام لا ينسى المؤذن، فمزج
|
||
كرب الموت براحة الرجاء في اللقاء.
|
||
|
||
| بشرها دليلـهـا وقـالا | | *غداً ترين الطلح والجبالا * |
|
||
|
||
قال سليمان التيمي لابنه عند الموت: اقرأ علي أحاديث الرخص لألقى الله وأنا
|
||
حسن الظن به. إلى متى تتعب الرواحل? لا بد من مناخ.
|
||
|
||
| رفقاً بها يا أيها الـزاجـر | | قد لاح سلع ودنا حاجـر |
|
||
| فخلها تخلع أرسـانـهـا | | *على الربى لأراعها ذاعر * |
|
||
| واذكر أحاديث ليالي منـى | | لا عدم المذكور والذاكـر |
|
||
|
||
كان أبو عبيدة الحواص يستغيث في الأسواق وينادي: واشوقاه إلى من يراني ولا
|
||
أراه.
|
||
|
||
| جاء بها قالصة عـن سـاق | | تحن والحنة للمـشـتـاق |
|
||
| ما أولع الحنين بـالـنـياق | | *تذكري رمل النقى واشتاقي * |
|
||
|
||
الفصل السادس والخمسون
|
||
|
||
يا من أيام عمره في حياته معدودة، وجسمه بعد مماته مع دودة.
|
||
|
||
| رأيتك في النقصان مذ أنت في المهد | | تقربك الساعات من ساعة اللـحـد |
|
||
| ستضحك سن بعد عين تعـصـرت | | عليك وإن قالت بكيت من الـوجـد |
|
||
| أتطمح أن يشجى لفـقـدك فـاقـد | | *لعل سرور الفاقدين مع الـفـقـد* |
|
||
|
||
يا من عمره يقضي بالساعة والساعة، يا كثير التفريط. في قليل البضاعة، يا
|
||
شديد الإسراف يا قوي الإضاعة، كأني بك عن قلي ترمى في جوف قاعة، مسلوباً
|
||
لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة، كأنهما
|
||
أخوان في الفظاظة من لبان الرضاعة، وأمسيت تجني ثمار هذي الزراعة، وتمنيت
|
||
لو قدرت على لحظة الطاعة وقلت "ربِّ ارجعوني" ومالك كلمة مطاعة، يا متخلفاً
|
||
عن أقرانه قد آن أن تلحق الجماعة.
|
||
|
||
| يا ساهياً لاهياً عمـا يراد بـه | | آن الرحيل وما قدمت من زاد |
|
||
| ترجو البقاء صحيحاً سالماً أبداً | | *هيهات أنت غداً فيمن غدا غاد * |
|
||
|
||
مركب الحياة تجري في بحر البدن برخاء الأنفاس، ولا بد من عاصف قاصف تفككه
|
||
وتغرق الركاب.
|
||
|
||
| حكم المنية في البرية جـار | | ما هذه الدنيا بـدار قـرار |
|
||
| جبلت على كدر وأنت تريدها | | صفواً من الأقذار والأكدار |
|
||
| فاقضوا مآربكم عجالاً إنمـا | | أعماركم سفر من الأسفـار |
|
||
|
||
يا لقم الآجال يا أشباه الدجال، أما تسمعون صريف أنياب الصروف? كم غافل
|
||
وأكفانه عند القصار? ولبن قدره قد ضرب، يا سخنة عين قرت بالغرور، يا خراب
|
||
قلب عمر بالمنى، العمر زاد في بادية، يوخد منه ولا يطرح فيه، يا من عمره
|
||
يذوب ذوبان الثلج توانيك أبرد، كان بعض من يبيع الثلج ينادي عليه: ارحموا
|
||
من يذوب رأس ماله يا مؤخراً توبته حتى شاب وقت الاختيار، يا ابن السبعين
|
||
لقد أمهل المتقاضي، البدار البدار فنقاض البدن قد عرقب الأساس.
|
||
|
||
| ولم يبق من أيام جمع إلى منى | | *إلى موقف التجمير غير أماني * |
|
||
|
||
بادر التوبة من هفواتك قبل فواتك، فالمنايا بالنفوس فواتك، أعجب خلائقَ
|
||
الخلائق، محسن في شبابه، فلما لاح الفجر فجر، آه لموسم فاتك، لقد ملأ
|
||
الأكياس الأكياس، رجلت الرباحة فألحقهم في المنزل.
|
||
|
||
| وكم وقفت وأصحابي بمنـزلة | | يبيت يقظانها ولهان وهـلانـا |
|
||
| فهاجنا حين حيانا النسيم بـمـا | | سقناه يوم التقى بالجزع أحيانـا |
|
||
| تبكي وتسعدنا كوم المطي فهل | | نحن المشوقون فيها أم مطايانا |
|
||
| فلا ومن فطر الأشياء ما وجدت | | *كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا* |
|
||
|
||
يا هذا عقلك يحثك على التوبة وهواك يمنع والحرب بينهما، فلو جهزت جيش عزم
|
||
فر العدو، تنوي قيام الليل فتنام، وتحضر المجلس فلا تبكي، ثم تقول ما
|
||
السبب? "قل هو مِن عند أنفسكم" عصيت النهار فنمت بالليل، أكلت الحرام فأظلم
|
||
قلبك، فلما فتح باب الوصول للمقبولين طردت، ويحك فكر القلب في المباحات
|
||
يحدث له ظلمة، فكيف في تدبير الحرام? إذا غير المسك الماء منع التوضوء فكيف
|
||
بالنجاسة، متى تفيق من خمار الهوى? متى تنته من رقاد الغفلة? للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا قلبِ ما أطولَ هذا الغرام | | يوم نوى الحيِّ ويوم المُقام |
|
||
| متى تُفيق اليومَ من لـوعةٍ | | وأنت نشوانُ بغير المُـدام |
|
||
|
||
أين أنت من أقوام كشفت عن أبصار بصائرهم أغطية الجهل? فلاحت لهم الجادة
|
||
فجدوا في السلوك، كان مسروق يصلي حتى تتورم قدماه، فتقعد امرأته تبكي مما
|
||
تراه يصنع بنفسه.
|
||
|
||
| أمسى وأصبح من تذكاركم قلقـاً | | يرثي لها المشفقان الأهل والولد |
|
||
| قد خدد الدمع خدي من تذكركـم | | *واعتادني المضنيان الشوق والكمد * |
|
||
| وغاب عن مقلتي نومي فنافرهـا | | وخانني المسعدان الصبر والجلـد |
|
||
| لا غرو للدمع أن تجري غواربـه | | وتحته والخافقان القلب والكـبـد |
|
||
| كأنما مهجتي نضو بـبـلـقـعة | | يعتاده الضاريان الـذئب والأسـد |
|
||
| لم يبق إلا خفى الروح من جسدي | | *فداؤك الباقيان الروح والجـسـد* |
|
||
|
||
يا هذا، أول الطريق سهل ثم يأتي الحزن، في البداءة إنفاق البدن وفي التوسط
|
||
إنفاق النفس، فإذا نزل ضيف المحبة تناول القلب فأملق المنفق قلق القوم بلا
|
||
سكون، انزعاجهم بلا ثبات، خلقت جفونهم على جفاء النوم، فلو سمعت ضجيجهم في
|
||
دياجي الليل.
|
||
|
||
| من لقلب يألف الفـكـرا | | ولعين لا تـذوق كـرى |
|
||
| ولصب بالغرام قـضـى | | *ما قضى من حبكم وطرا * |
|
||
|
||
أحصر القوم في سبيل المحبة، فأقعدتهم عن كل مطلوب "لا يستطيعون ضرباً في
|
||
الأرض".
|
||
|
||
| رأيت الحب نيراناً تلظـى | | قلوب العاشقين لها وقـود |
|
||
| فلو كانت إذا احترقت تفانت | | ولكن كلما نضجت تعـود |
|
||
|
||
لاحت نار ليلى ليلاً فنهض المجنون، فخبت فضل فضج.
|
||
|
||
| ردوا الفؤاد كما عهدت إلى الحشى | | *والمقلتين إلى الكرى ثم اهجـروا* |
|
||
|
||
الفصل السابع والخمسون
|
||
|
||
إخواني، قد كفت الكفات في العبر، ووعظ من عبر من غبر، وقد فهم الفطن الأمر
|
||
وخبر، وما عند الغافل من هذا خبر.
|
||
|
||
| يا أيهـا الـنـاس أين أولـكــم | | أما أتاكم للـذاهـبـين خـبـر |
|
||
| اعتبروا فالمـقـدمـون خـلـوا | | وكلهم للـمـؤخـرين عـبـر |
|
||
| تعبر بالمـصـر عـابـراً فـإذا | | سألت عمن تـود قـيل عـبـر |
|
||
| اصبر على العسر في الزمان فكم | | عسر ويسر أتاك ثـمـت مـر |
|
||
| والصبر أولى بكل من صـحـب | | العيش ومن جرب الزمان صبر |
|
||
| يرفع شأن الكـرام فـعـلـهـم | | والفعل إن خالف الجميل حـذر |
|
||
| كادت شخوص في الأرض بالية | | تنطق حقاً إذا المـقـال غـدر |
|
||
| بالأمس كنا مـن الأنـام فـأمـا | | *اليوم في تربنا فـنـحـن مـدر* |
|
||
|
||
ابك على نفسك قبل أن يبكى عليك، وتفكر في سهم قد صوب إليك، وإذا رأيت جنازة
|
||
فاحسبها أنت. وإذا عاينت قبراً فتوهمه قبرك وعد باقي الحياة ربحاً.\\
|
||
لمتمم بن نويرة:
|
||
|
||
| لقد لامني عند القبور على البكا | | *رفيقي لتذراف الدموع السوافك * |
|
||
| فقال أتبكي كل قـبـرٍ رأيتـه | | لقبر ثوى بين اللوى فالدكـادك |
|
||
| فقلت له إن الشجا يبعث الشجـا | | فدعني فهذا كله قبر مـالـك |
|
||
|
||
*غريب، يا راكباً عجز الهوى وفي يده جنيب، يا ماراً على وجهه قل لي متى
|
||
تنيب? ألا تأخذ قبل الفوت بعض النصيب? ألا تتزود ليوم شره شر عصيب?،*
|
||
|
||
* ألا تخرج عن وادي الجدب إلى الربع الخصيب? أحاضر أنت قل لي، ما أكثر ما
|
||
تغيب، ألا مريض لبيب يقبل رأي الطبيب، إن الرحيل بلا عدة فج،*
|
||
|
||
* فكيف به على بعد الفج? أحرم عن الحرام وقدر أنه حج، واسكب دموع الأسى
|
||
واحسبه ثج، واستغث من الزلل ومثله العج،*
|
||
|
||
* وبادر، فقد تفوت الوقفة أهل وج، اقبل نصحي فمثل نصحي لا يمج. كم فهم وعظي
|
||
ذو فطنة فهج، يا من يقول إذا شئت تبت. *
|
||
|
||
|
||
|
||
| اليوم عهدكم فأين الموعد | | هيهـات لـيس لـيوم عـهــدكـم غـد |
|
||
|
||
اا
|
||
|
||
|
||
|
||
*إن خرجت اليوم ولم تتب، خرجت من أولي الفهم*.\\
|
||
|
||
|
||
| لأيّ مرمى تزجر إلا يانـقـاً | | *إن جاوزت نجداً فلست عاشقاً * |
|
||
|
||
*وقوع الذنب على القلب كوقوع الدهن على الثوب، إن لم تعجل غسله وإلا انبسط
|
||
" وإنْ منكُمْ لَيُبْطِئَنَّ* ".\\
|
||
|
||
|
||
| يدي في قائم العضب | | *فما الإبطاء بالضرب * |
|
||
|
||
*ما دامت نفسك عند التوبيخ تنكسر، وعينك وقت العتاب تدمع، ففي قلبك بعد
|
||
حياة، إنما المعاصي أوجبت سكتة، فانشق هواك حراق التخويف وقد عطس، يا من قد
|
||
أبعدته الذنوب عن ديار الأنس، ابك وطر الوطن عساك ترد.\\
|
||
قال بعض السلف: رأيت شاباً في سفح جبل عليه آثار القلق ودموعه تتحادر،
|
||
فقلت: من أين?، فقال: آبق من مولاه، قلت: فتعود فتعتذر? فقال: العذر يحتاج
|
||
إلى حجة ولا حجة للمفرط، قلت فتتعلق بشفيع? قال: كل الشفعاء يخافون منه،
|
||
قلت: من هو? قال: مولى رباني صغيراً فعصيته كبيراً، فوا حيائي من حسن صنعه
|
||
وقبح فعلي، ثم صاح فمات، فخرجت عجوز فقالت: من أعان على قتل البائس
|
||
الحيران? فقلت: أقيم عندك أعينك عليه، فقالت: خلّه ذليلاً بين يدي قاتله
|
||
عساه يراه بغير معين فيرحمه*.\\
|
||
|
||
|
||
| بالله عليك يا فـتـى الأعـراب | | *إن جزت على مواطن الأحباب * |
|
||
| فاشرح سقمي وقل لهم عما بي | | ذاك المضني يموت بالأوصاب |
|
||
|
||
*أيها التائبون بألسنتهم ولا يدرون ما تحت نطقهم?، لا يحكم بإقراركم "
|
||
حتَّى تعلَموا ما تقولونَ"، متى صدقت توبة التائب بنى بيت التعبد بصخور
|
||
العزائم ولم ينته في أساسه دون الماء، ما ضرب بسيف العزيمة قط إلا قط،
|
||
التوبة الصادقة تقلع آثار الذنوب، إذا قرئ على التائب عهد "ألَسْتُ " ذكر
|
||
الإقرار وعرف الشهود، فخجل من الخيانة فجرت العين وأطرق الرأس، إن التائبين
|
||
كاتبوا الله بدموعهم وهم ينتظرون الجواب*.\\
|
||
|
||
|
||
| يا حادي الأظعان عج متوقفـاً | | وانظر دموع العاشقين تـراق |
|
||
| صبروا على ألم التهاجر والقلى | | وتجرعوا مر الفراق وذاقـوا |
|
||
|
||
*يا معاشر التائبين من أقامكم وأقعدنا? " إنْ نحنُ إلاّ بشرٌ مثلُكُمْ
|
||
ولكنَّ اللهَ يمُنُّ على مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ" قفوا لأجل زمن ، ارحموا
|
||
من قد عطب*.\\
|
||
|
||
|
||
| ردّوا المطايا وإلاّ ردها نفسـي | | وأدمعي فهما سـيلٌ ونـيران |
|
||
| يا سائق الظعن قلبي في رحالهم | | أمانة رعيها والحفـظ إيمـان |
|
||
|
||
*يخيّل لي أن الحيطان تبكي معنا، إن النسيم قد رقّ لحزننا*.\\
|
||
|
||
|
||
| فلا ومن فطر الأشياء ما وجدت | | كوجدنا العيس بل رقت لبلوانا |
|
||
|
||
*ما أحسن هؤلاء التوّاب، ما أذل وقوفهم على الباب فاعتبروا " يا أُولي
|
||
الأَلْبابِ* ".\\
|
||
|
||
|
||
| بما بيننا من حرمة هـل رأيتـمـا | | *أرق من الشكوى وأقسى من الهجر * |
|
||
| وأفضح من عين المحـب لـسـرّه | | ولا سيّما إن أطلقت عبرة تجـري |
|
||
|
||
*وجوههم أضوأ من البدر، جباههم أنور من الشمس، نوحهم أفضل من التسبيح،
|
||
سكوتهم أبلغ من فصيح، لو علمت الأرض قدر خوفهم تزلزلت، لو سمعت الجبال
|
||
ضجيجهم تقلقلت.\\
|
||
لابن المعتز*:
|
||
|
||
| اقني فالبـوم نـشـوان | | والربى صـاد وريّان |
|
||
| وندامى كالنجوم سطـوا | | بالمنى والدهر جـذلان |
|
||
| خطروا والسكر ينفضهم | | وذيول الـقـوم أردان |
|
||
|
||
*كلما رأيت تقلقلهم، تقلقل قلبي، وإلاّ لمحت اصفرارهم تبلبل لبي، وإذا
|
||
شاهدت دموعهم زاد كربي، وإذا سمعت حنينهم تبدد ماء عيني.*
|
||
|
||
| ما لي وبانات اللوى | | *لولا الصبابة والهيام * |
|
||
|
||
الفصل الثامن والخمسون
|
||
|
||
ما زالت المنون ترمي عن أقواس حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة
|
||
الأبؤس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرؤس.
|
||
|
||
| قل للمفرط يسـتـعـد | | *ما من ورود الموت بد * |
|
||
| قد أخلق الدهر الشباب | | وما مضى لا يستـرد |
|
||
| فإلى مَ يشتغل الفـتـى | | في لهوه والأمر جـد |
|
||
| والعمر يقصر كل يوم | | بي وآمـالـي تـمـد |
|
||
|
||
لقد وعظت الدنيا فأبلغت وقالت، ولقد أخبرت برحيلها قبل أن يقال زالت، وما
|
||
سقطت جدرانها حتى أنذرت ومالت، قرب الاغتراب في التراب، ودنا سل السيف من
|
||
القراب، كم غنت رباب برباب، ثم نادت على الباب بتباب يا من زمانه الذي يمضي
|
||
عليه: عليه، يا طويل الأمل وهو يرى الموتى بعينيه، يا من ذنبه أوجب أن لا
|
||
يلتفت إليه، قد مزجت لك كأس كربة ولا بد والله من تلك الشربة، يا منقولاً
|
||
بعد الأنس إلى دار غربة، يا طين تربة، وهو يطلب في الدنيا رتبة، هذا مجلس
|
||
ابن زيد فأين عتبة?، أتلهو برند الصبا وبأنه? ويروقك برق الهوى بلمعانه،
|
||
وتغتر بعيش في عنفوانه، فتمد يد الغفلة إلى جني أغصانه، وتنسى أنك في حريم
|
||
خطره وامتحانه، أما لقمة أبيك أخرجته من مكانه? أما نودي عليه بالفطر في
|
||
رمضانه? أما شأنه شانه لولا وكف شانه? أما يستدل على نار العقاب بدخانه?
|
||
نزل آدم عن مقام المراقبة درجة فنزل فكان يبكي بقية عمره ديار الوفا، برد
|
||
النفس بالهوى لحظة أثمر حرارة القلق ألف سنة، فاعتبروا، سالت من عينيه
|
||
عيون، استحالت من الدماء دموع شغلته عن لذات الدنيا هموم.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| هل بعد مفترق الأظعان مجتمـعُ | | أم أهل زمانٍ بهم قد فات مرتجعُ |
|
||
| تحملوا تسعُ البـيداءُ ركـبَـهُـمُ | | ويحمل القلب منهم فوق ما يسـعُ |
|
||
| الليلُ بعدهمُ كالهجـر مـتـصـلٌ | | *ما شاء والنومُ مثلُ الوصل منقطعُ * |
|
||
| اشتاق نعمان لا أرضى بروضتـه | | *داراً وإن طاب مصطافٌ ومرتبَعُ* |
|
||
|
||
كان آدم كلما عاين الملائكة تنزل تذكر المرتبع في الربع فتأخذ العين أعلى
|
||
في إعانة الحزين.
|
||
|
||
| رأى بارقاً من نحو نجـدٍ فـراعـه | | فبات يسح الدمع وجداً على نـجـد |
|
||
| هل الأعصر اللاتي مضين يعدن لي | | *كما كن لي أم لا سبيل إلـى الـرد* |
|
||
|
||
ما أمر البعد بعد القرب، ما أشد الهجر بعد الوصل، يا مطروداً بعد التقريب
|
||
أبلغ الشافعين لك البكاء.\\
|
||
للمتنبئ:
|
||
|
||
| وكيف التذاذي بالأصائل والضحى | | إذا لم بعد ذاك النسيمَ الذي هبّـا |
|
||
| ذكرت به وصلاً كأن لم أفُزْ بـه | | *وعيشاً كأني كنت اقطعه وثبـا* |
|
||
|
||
كان لقوم جارية، فأخرجوها إلى النخاس فأقامت أياماً تبكي، ثم بعثت إلى
|
||
ساداتها تقول: بحرمة الصحبة ردّوني فقد ألفتكم. يا هذا قف في الدياجي وامدد
|
||
يد الذلّ، وقل قد كانت لي خدمة، فعرض تفريط أوجب البعد، فبحرمة قديم الوصل
|
||
ردوني فقد ألفتكم.
|
||
|
||
| علِّلونا بـوصـالٍ نـافـعٍ | | إننا للبعد كالشيء اللـقـا |
|
||
| أو خذوا أرواحنا خالـصة | | *أو ذروا في كل جسمٍ رمقا * |
|
||
| وارحموا من تنقضي أيامه | | غمرات والليالـي أرقـا |
|
||
| ويح قلبي ما لقلبي كلـمـا | | خفق البرق اليماني خفقـا |
|
||
|
||
يا هذا لا تبرح من الباب ولو طردت، ولا تزل عن الجناب ولو أبعدت، وقل بلسان
|
||
التملق إلى من اذهب?
|
||
|
||
| يا ربع إن وصلوا وإن صرموا | | فهم الأولى ملكوا الفؤاد هـمُ |
|
||
| شغلوا بحسنهـم نـواظـرنـا | | وعلى القلوب بحبهم ختمـوا |
|
||
| أتبعتهم نظراً فـعـاد جـوى | | ومن الشفاء لذي الهوى سقـم |
|
||
| تمحو دموعي وسم إبـلـهـم | | وزفير أنفاسي لـهـا يسـم |
|
||
|
||
كان الحسن شديد الحزن، طويل البكاء سئل عن حاله، فقال: أخاف أن يطرحني في
|
||
النار ، ولا يبالي.
|
||
|
||
| يعزُّ عليَّ فراقـي لـكـمُ | | *وإن كان سهلاً عليكم يسيرا * |
|
||
|
||
يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، استغث في بوادي القلق
|
||
ردّوا عليَّ لياليَّ التي سلفتن أحضر في السحر فإنه وقت الإذن العام،
|
||
واستصحب رفيق البكاء فإنه مساعد صبور، وابعث سائل الصعداء فقد أقيم لها من
|
||
يتناول.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| عبرت بريحكم الصبا سـحـراً | | فارتاح قلبي المدنف الحرض |
|
||
| ما لي أراك سـقـيمة بـهـم | | يا ريح عندي لا بك المـرض |
|
||
| أتبعتها نـفـسـاً أشـيّعـهـا | | فإذا جروح القلب تنتـقـض |
|
||
| قف صاحبي إن كنت تسعدنـي | | عند الكثيب فثمَّ لـي غـرض |
|
||
| وانشد فؤادي عنـد كـاظـمة | | في كل ركب راح يعتـرض |
|
||
| أشكو ومني مبـتـدى ألـمـي | | عيني رمت وفؤادي الغـرض |
|
||
| فرضوا على الأجفان إذ هجروا | | لا تلتقي فاصبر لما فرضـوا |
|
||
| كيف اصطباري بعد فرقتـهـم | | يا جيرة ما عنـهـم عـوض |
|
||
|
||
الفصل التاسع والخمسون
|
||
|
||
يا من سيب قلبه في مراعي الهوى، وألقى حبله على الغارب، سلم من يطول نشدانه
|
||
للضلال?.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| دع ملامي بالحمى أو رح ودعني | | واقفاً أطلب قلباً ضـاع مـنـي |
|
||
| ما سألت الدارَ أبغي رجـعـهـا | | ربَّ مسئول سواها لم يجبـنـي |
|
||
| أنا يا دار أخـو وحـشِ الـفـلا | | فيكِ من خان فعزمي لم يخنـي |
|
||
| ولئن غال مغـانـيك الـبـلـى | | عادة الدهر فشخصُ منك يُغنـي |
|
||
| إن خَبَتْ نارٌ فـهـذي كـبـدي | | *أو جفا الغيثُ فهذا لك جفـنـي* |
|
||
|
||
أكثر فساد القلب من تخليط العين، مادام باب العين موثقاً بالغض فالقلب سليم
|
||
من آفة، فإذا فتح الباب طار طائر وربما لم يعد، يا متصرفين في إطلاق
|
||
الأبصار جاء توقيع العزل " قُلْ للمؤمنينَ يَغُضُّوا من أبصارِهِم " إطلاق
|
||
البصر ينقش في القلب صورة المنظور والقلب كعبة "ويسعني " وما يرضي المعبود
|
||
بمزاحمة الأصنام.
|
||
|
||
| عيناي أعاننا على سفك دمـي | | يا لذة لحظة أطالت ألـمـي |
|
||
| كم أندم حين ليس يغني ندمـي | | *ويلي ثبت الهوى وزلت قدمي * |
|
||
|
||
يا مطلقاً طرفه لقد عقلك، يا مرسلاً سبع فمه لقد أكلك، يا مشغولاً بالهوى
|
||
مهلاً قتلك، بادر رمقك فقد رمقك، بالرحمة من عذلك.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| عثرتَ يومَ العذيب فاسـتـقـلِ | | ما كلُّ ساعٍ يُحسُّ بـالـزلـل |
|
||
| ما سلمتْ قبلك القلوب عـلـى | | الحسن ولا الراجمونَ بالمقـلِ |
|
||
| سافر طرفي يوم الظعائن بالسَّفْ | | حِ وآبَ الفـؤادُ بـالـخـبـلِ |
|
||
| نظرة غرٍّ جـنـت مـقـارعة | | يفتك فيها الجبان بـالـبـطـل |
|
||
| حصلت منها على جراحتـهـا | | *واستأثر الظاعنون بالـنـفـل* |
|
||
|
||
إذا لاحت للتائب نظرة لا تحل، فامتدت عين الهوى، فزلزلت أرض التقى ونهض
|
||
معمار الإيمان " وأَلْقَى في الأرضِ رواسيَ أنْ تميدَ بكُمْ " لاحت نظرة
|
||
لبعض التائبين، فصاح:
|
||
|
||
| حلفت بدين الحب لا خنت عهدكم | | وتلك يمين لو علمت غمـوس |
|
||
|
||
إذا خيم سلطان المعرفة بقاع القلب، بث جنده في بقاع البدن، فصارت السباخ
|
||
رياضاً لرياضة ساكن في القلب يعمره إذا نزل الحبيب ديار القلب لم يبق فيه
|
||
نزالة.
|
||
|
||
| وكان فؤادي خالياً قبـل حـبـكـم | | وكان بذكر الخلق يلهـو ويمـرح |
|
||
| فلما دعا قلـبـي هـواك أجـابـه | | فلست أراه عـن فـنـائك يبـرح |
|
||
| رميت ببعد منك إن كنـت كـاذبـاً | | وإن كنت في الدنيا بغـيرك أفـرح |
|
||
| فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل | | *فلست أرى قلبي لغيرك يصـلـح* |
|
||
|
||
أول منازل القوم، عزفت نفسي عن الدنيا، وأوسطها لو كشف الغطاء، ونهايتها ما
|
||
رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه.
|
||
|
||
| وما تطابقت الأجفان عـن سـنة | | إلا وجدتك بين الجفن والحـدق |
|
||
| وهل ينام حزينٌ موجـعٌ قـلـقٌ | | أجفانه وكلت بالسـهـد والأرق |
|
||
| شغلت نفسي عن الدنيا ولذتـهـا | | *فأنت والروح شيء غير مفترق * |
|
||
| فلم تعذبها بالـصـد يا أمـلـي | | ارحم بقية ما فيها من الرمـق |
|
||
|
||
أرواح المحبين خرجت بالرياضة من أبدانها العادات، وهي في حواصل طير الشوق
|
||
ترفرف على أطلال الوجد، وتسرح في رياض الأنس عند المحبين شغل عن الجنة فكيف
|
||
يلتفتون إلى الدنيا?، ما ترى عين المحبين إلا المحبوب، فبي يسمع وبي يبصر.
|
||
|
||
| أنت عين العين إن نظرت | | ولسان الذكر إن ذكـرا |
|
||
| أنت سمعي إن سمعت به | | أنت سر السر إن خطرا |
|
||
| ما بقي لي فيك جـارحة | | كلها يا قاتـلـي أسـرا |
|
||
|
||
باتت قلوبهم يقلقها الوجد، فأصبحت دموعهم يسترها الجفن، فإذا سمعوا ناطقاً
|
||
يهتف بذكر الحبيب، أخذ جزر الدمع في المد، من أقلقه الخوف، كيف يسكن? من
|
||
أنطقه الحب، كيف يسكت?، من آلمه البعد، كيف يصبر? سل عنهم الليل فعنده
|
||
الخبر، أتدري كيف مر عليهم? أبلغك ما جرى لهم? أيعلم سال كيف بات المتيم?،
|
||
افترشوا بساط قيس، وباتوا بليل النابغة، إن ناحوا فأشجى من متيم، وإن ندبوا
|
||
فأفصح من خنساء، اجتمعت أحزاب الأحزان، على قلب الخائف، فرمت كبداء الخوف
|
||
الكبد فوصل نصل القلق ففلق حبة القلب فانقلب فصاح الوجد من شاء اقتطع، فلو
|
||
رأيت فعل النهاية لرحمت المتمزق.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| أيها الرامي وما أجرى دماً | | *لا تجنب قد أصبتُ الغرضا * |
|
||
| اطلبوا للعين فـي أثـنـائه | | *نظرةً تكحِلُها أو غُمُـضـا* |
|
||
|
||
طال حبس المحبين في الدنيا عن الحبيب، فضجت ألسن الشوق فلو تيقظت في الدجى
|
||
سمعت أصوات أهل الحبوس.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| طال ليلـي ودامـا | | ومنعت المنـامـا |
|
||
| وجد الوجد عنـدي | | منذ بانوا مقـامـا |
|
||
| ليتهم حين راحـوا | | ودعوا مستهـامـا |
|
||
| سار قلبي وجسمي | | لم يسر بل أقامـا |
|
||
| لست أدري فؤادي | | إذ غذوا أين هامـا |
|
||
| حبهم قرت قلبـي | | منذ كنت غلامـا |
|
||
| حملوا ضعف قلبي | | يذبلا وشمـامـا |
|
||
| كم رموني برشـقٍ | | وأحدوا سهـامـا |
|
||
| ما لعيني تبـكـي | | إن سمعت حمانـا |
|
||
| كلما نـاح رشـت | | فظننت الغمـامـا |
|
||
| هل نسيم لكـربـي | | أين ريح الخزامى |
|
||
| هجركم يا حبيبـي | | كان موتاً زؤامـا |
|
||
| أكل اللحم مـنـي | | ثُم أبلى العظامـا |
|
||
| صار ليلي نهـاراً | | ونهاري ظـلامـا |
|
||
| إنما بـتُّ أشـكـو | | لوعتي والغرامـا |
|
||
| فاعذروا أو فلوموا | | ما أبالي الملامـا |
|
||
| إفرجوا عن طريقي | | قد خلعت اللجامـا |
|
||
| ورميت سـلاحـي | | وكشفت اللثـامـا |
|
||
| أسعدوني فـإنـي | | قد فنيت سقـامـا |
|
||
|
||
الفصل الستون
|
||
|
||
إخواني، تفكروا في الذين رحلوا، أين نزلوا، وتذكروا أن القوم نوقشوا
|
||
وسئلوا، واعلموا أنكم كما تعذلون، عذلوا ولقد ردوا بعد الفوات لو قبلوا.\\
|
||
لأبي العتاهية:
|
||
|
||
| سألت الدار تخبرنـي | | عن الأحباب ما فعلوا |
|
||
| فقالت لي أناخ القـوم | | أياماً وقـد رحـلـوا |
|
||
| *فقلت فأين أطلبهـم?* | | وأيّ منازلٍ نـزلـوا |
|
||
| فقالت بالقبـور وقـد | | لقوا والله ما فعلـوا |
|
||
| أناسٌ غـرّهـم أمـلٌ | | فبادرهم بـه الأجـل |
|
||
| فنوا وبقي على الأيام | | ما قالوا وما عملـوا |
|
||
| وأثبت في صحائفهـم | | قبيح الفعل والزلـل |
|
||
| فلا يستعتـبـون ولا | | لهم ملجـأ ولا حـيل |
|
||
| ندامى في قبـورهـم | | وما يغني وقد حصلوا |
|
||
|
||
أين من كانت الألسن تهذي بهم لتهذيبهم، وأصبحت فلك الاختبار تجري بهم
|
||
لتجريبهم، أقامت قيامتهم منادي الرحيل لتغري بهم لتغرييهم، فباتوا في
|
||
القبور وحدانا لا أنيس لغريبهم، أين أهل الوداد الصافي في التصافي، أين
|
||
الفصيح الذي إن شاء أنشأ في القول الصافي، أين قصورهم التي تضمنتها مدايح
|
||
الشعراء صار ذكر القوى في القوافي، لقد نادى الموت أهل العوالي والقصور
|
||
العوالي الطوافي، تأهبوا لقدومي فكم غرثان طوى في طوافي، رحل ذو المال وما
|
||
أوصى في تفريق كدر أو صافي ، ولقي في مره أمراً مراً لا تبلغه أوصافي،
|
||
ذاقوا طعام الآمال فانتزع من أفواههم يوم المآل، وعاد الخوى في الخوافي،
|
||
عوى في ديارهم ذئب السقام، بتكذيب العوافي، انقطعت آمالهم، وصار كل المنى
|
||
في دفع المنافي، تزلزل ود أحبابهم والتوى وبت ألتوي في التوافي، تالله لقد
|
||
نال الدود والبلى، ما أرادا منهم وألفيا في الفيافي.\\
|
||
آلت قبورهم إلى الخراب أولا، فلا يدري أهذا قبر المولى أولا، وهم سواءٌ في
|
||
السوافي، كم أعرضوا عن نصيحٍ وقد رفعوا ما تلافى التلافي، كم ندموا على
|
||
ضياع زمانهم الذي خلا في خلافي، كم رأيت عاصيهم قد أعرض عني إلى عدوي
|
||
والتجا في التجافي، أما أخبرتهم بوصف النار إنها " نزَّاعةٌ للشَّوى " في
|
||
الشوافي، فاعتبر بحالهم فإنه يكف كف الهوى وهو الواعظ الكافي، أين الأبصار
|
||
الحدائد قبل إحضار الشدائد، أما استلبت القلائد من ترائب الولائد، لا بد من
|
||
إزعاج هذا الراقد، فيقع الفراق بين فريق الفراقد، يا موثقاً في حبالة
|
||
الصائد، والله ما كذبك الرائد، يا عمي البصيرة ولا قائد، كم أضرب في حديد
|
||
بارد.
|
||
|
||
| أليلى وكلٌّ أصبح ابن ملـوّح | | *ولبنى وما فينا سوى ابن ذريح * |
|
||
|
||
ذهبت أعماركم في طلاب الشهوة والموت قد دنا، فما هذه السهوة والقلوب غافلة
|
||
فإلام القسوة? والصلح معرض فختام الجفوة، أين رب المال ابن ذو الثروة?، أما
|
||
فرس الموت ذا الفرس? وأخلى الصهوة.\\
|
||
طوبى للمتيقظين إنهم لقدوة، علموا عيب الدنيا فما أمسكوا عروة، وأنت في
|
||
حبها كقيس وعروة، أيحسن بعد الشيب لهو وصبوة، أأبقى نأي الزمان طيب ناي
|
||
وقهوة? قربت نوق الرحيل، مساء وغدوة، جذبت أيدي المنون كرها وعنوة، يا قليل
|
||
التدبير ولا عقول النسوة، إلى كم عيب وعتب، أما فيكم نخوة? واعجباً لتاجر
|
||
يرضى بتعب شهر ليتمتع بربحه سنة، فكيف لا يصبر أيام عمره القليلة ليلتذ
|
||
بربحها أبداً.\\
|
||
يا من يروح ويغدو في طلب الأرباح، ويحك اربح نفسك، يا أطفال الهوى طال
|
||
مكثكم في مكتب التعليم، فهل فيكم من أنجب? أقروا أدلة التوحيد من ألواح
|
||
أشباحكم، وتلقفوها من أنفاس أرواحكم، قبل أن يستلب الموت من أيدي اللاهين
|
||
ألواح الصور، ويمحو سطور التركيب بكف البلى وما فهم المكتوب بعد، كم يلبث
|
||
مصباح الحياة على نكباء النكبات، من رأى بعين فكره معاول النقض، في هذا
|
||
المنزل ناح على السكان.\\
|
||
يا هذا مشكاة بدنك في مهاب قواصف الهلاك، وزجاجة نفسك في معرض الانكسار،
|
||
فاغتنم زمان الصفو فأيام الوصل قصار، كم يلبث قنديل الحياة على عواصف
|
||
الآفات، أنفاس الحي خطاه إلى اجله، درجات الفضائل كثيرة المراقي وفي
|
||
الأقدام ضعف وفي الزمان قصر، فمتى تنال الغاية?.\\
|
||
وقف قوم على راهب، فقالوا: إنا سائلوك أفمجيبنا أنت? قال: سلوا ولا تكثروا،
|
||
فإن النهار لن يرجع، والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه ذو اجتهاد،
|
||
قالوا: فأوصنا، قال: تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما أبلغ البغية.\\
|
||
إخواني، الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال، الفرص تمر مر السحاب
|
||
والتواني من أخلاق الخوالف، من استوطأ مركب العجز عثر به، تزوج التواني
|
||
بالكسل فولد بينهما الخسران. كان عمر وعائشة يسردان الصوم، وسرد أبو طلحة
|
||
أربعين سنة، وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان عامر بن
|
||
عبد الله يصلي كل يوم ألف ركعة، وختم أبو بكر بن عياش في زاوية بيته ثماني
|
||
عشر ألف ختمة، وكان لكهمش في كل شهر تسعون ختمة، وكان عمير بن هاني يسبح كل
|
||
يوم مائة ألف تسبيحة:
|
||
|
||
| صافحوا النجم على بعد المنـال | | *واستطابوا القيظ من برد الظلال * |
|
||
| واستذلوا الوعر من أخطـارهـا | | إنما الأخطار أثمان المعـالـي |
|
||
| كبوا الضـرر إلـيهـا ربـمـا | | صحت الأجسام يوماً بالهـزال |
|
||
| جروا يوماً إلـى غـاياتـهـا | | *بالعوالي السمر والقب العوالي * |
|
||
|
||
وكان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضر ويصفر، وكان ابن أدهم كأنه سفود من
|
||
العبادة، وكانت رابعة كأنها شن بال، ومات حسان بن أبي سنان فكان على
|
||
المغتسل كالخيط، وكان محمد بن النضر لو كشط جميع لحمه لم يبلغ رطلاً:
|
||
|
||
| جزى الله المسير إليه خيراً | | وإن ترك المطايا كالمزاد |
|
||
|
||
أكبر دليا على الحب نحول الجسم واصفرار اللون.\\
|
||
للحارثي:
|
||
|
||
| سلبت عظامي كلها فتركـتـهـا | | مجردة تضحي لديك وتخـضـرّ |
|
||
| وأخليتها من مخهـا فـكـأنـهـا | | أنابيب في أجوافها الريح تصفـر |
|
||
| إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعـت | | مفاصلها من خوف ما تنتـظـر |
|
||
| خذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري | | ضنى جسدي لكننـي أتـسـتـر |
|
||
| وليس الذي يجري من العين ماؤها | | *ولكنها روحٌ تذوب فتـقـطـر.* |
|
||
|
||
قال الجنيد: دخلت على سري السقطي فمد جلدة ذراعه وقد يبست على العظم، فما
|
||
امتدت، فقال: والله لو شئت أن أقول هذا من محبته لقلت:
|
||
|
||
| وهواك ما أبقى هواك | | على فيك ولا تـرك |
|
||
| أيلومني فـيك الـذي | | يزري علي ولم يرك |
|
||
| رفقاً بعبـدك سـيدي | | *هذا عبيدك قد هلك.* |
|
||
|
||
الفصل الحادي والستون
|
||
|
||
يا من أيامه تعظه، حين تبنيه وتنقضه، يا من صحته تمرضه، وسلامته تحرضه،
|
||
يقرض عمره فيفنى ومن يقرضه:
|
||
|
||
| أرى الدهر أغنى خطبه عن خطابه | | بوعظ شفى البابـنـا بـلـبـابـه |
|
||
| له قلب تهدى القـلـوب صـواديا | | إليها وتعمى عن وشيك انقـلابـه |
|
||
| هو اللـيث إلا أنـه وهـو خـادر | | سطا فأغاب الليث عن أنس غابـه |
|
||
| وهيهات لم تسلم حـلاوة شـهـده | | لصاب إليه من مـرارة صـابـه |
|
||
| مبـيد مـبـاديه تـغـر وإنـمـا | | عواقبه مخـتـومة بـعـقـابـه |
|
||
| ألم تر من ساس الممـالـك قـادراً | | *وسارت ملوك الأرض تحت ركابه * |
|
||
| ودانت له الدنيا وكـادت تـحـلـه | | على شهبها لولا خمود شـهـابـه |
|
||
| لقد أسلمته حصنـه وحـصـونـه | | غداة غدا عن كسبه باكتـسـابـه |
|
||
| فلا فضة أنجته عند انفـضـاضـه | | ولا ذهب أغناه عـنـد ذهـابـه |
|
||
| سلا شخصـه وراثـه بـتـراثـه | | *وأفـرده أتـرابـه بـتـرابــه* |
|
||
|
||
كم دارس عليك إن الرابع دارس، كم واعظ ناطق وآخر هامس، كم غمست حبيباً في
|
||
الثرى كف رامس، كم طمس وجهاً صبيحاً من البلى طامس، تالله ما نجا بطبه
|
||
بقراط ولا أرسطا طالس، صاح الموت بالقوم فنكس الفارس، أين الفطن اللبيب أين
|
||
اليقظ القائس? أتشتري أخس الخسائس يا نفس النفائس? أتؤثر لذة لحظة تجني حرب
|
||
البسوس وداحس? يا مقترين من التقى، اشتروا نفوسكم عن الذنوب تشتروا لها
|
||
السنادس، أخواني، لو ذكرتم أنكم تبادون ما كنتم بالمعاصي تبادون، لقد صوت
|
||
فيكم الحادون وما كأنكم للخير ترادون، واعجباً تصادون المواعظ ولا تصادون،
|
||
إلى متى تراوحون الذنوب وتغادون? يا مقيمين وهم حقاً غادون، أتعادون من
|
||
يقول إنكم تعادون? كأنكم بكم تقادون إلى مقام فيه تقادون، أما سمعتم كيف
|
||
نادى المنادون? كل شيء دون المنى دون:
|
||
|
||
| يا نائم الليل تنبه لـلـتـقـى | | وانهض فقد طال بك القعود |
|
||
| بين يديك حادث لـمـثـلـه | | يغسل عن أجفانه الـرقـود |
|
||
| ما جحد الصامت من نـشـأه | | *ومن ذوي النطق أتى الجحود * |
|
||
|
||
الدهر خطيب كاف، والفكر طبيب شاف، كم قطع زرع قبل التمام فما ظن المستحصد،
|
||
من عرف الستين أنكر نفسه، من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية، عواري
|
||
الزمان في ضمان الارتجاع، يوسف العقل ينظر في العواقب، وزليخا الهوى تتلمح
|
||
العاجل، يا مقدمين على الحرام أنتم بعين من حرم، ينبغي لمن أُلبس ثوب
|
||
العافية أن لا يدنسه بوسخ الزلل، زرع النعم مفتقر إلى دوران دولاب الشكر،
|
||
فإذا فتح القلب سكر الاعتراف بالعجز صار السقي سبحاً.
|
||
|
||
هذا اليوم يقول: ارضني وعلى رضا أمس، السكون بالبلادة أصعب من التحريك
|
||
بالهوى، إذا رآك عقلك، وقد تولى حسُّك تدبيرك تولى، ويحك لا تأمن حسك على
|
||
عقلك فإنه عكس الحكمة، العقل نور والحس ظلمة، الحس أعشى والعقل عين الهدهد،
|
||
الحس طفل والعقل بالغ، العقل يدخل في المضائق والحس أبله، الحس لا يرى إلا
|
||
الحاضر والعقل يتلمح الآخر، الصبر عن الأغراض صبر غير أن الحازم يجعل
|
||
مراقبة العواقب تقوية، ما خلا قط وجه سرور من تعبس مكروه، ولا سلمت كأس
|
||
لذة، من شائبة نغصة: للمتنبي:
|
||
|
||
| فذي الدار أخونُ من مومس | | وأخدعُ من كِفةِ الحـابـل |
|
||
| تفانى الرجال على حبّـهـا | | وما يحصلون على طـائل |
|
||
|
||
كل صاف من الدنيا، مقرون بكدر، حتى أنه في الغيث عيث، أتريد أن لا ينعكس لك
|
||
غرض? فما هذا موضعه، الهبات ذاهبات، والليل مناهبات، الدنيا قنطرة واستيطان
|
||
القناطير بله.
|
||
|
||
| هل نجد إلا منـزل مـفـارق | | *ووطن في غيره يقضي الوطر * |
|
||
|
||
الهم فيها أكثر من الفرح، والسرور أقل من الحزن "وأنَّ الدار الآخرة لهي
|
||
الحَيَوان" يا مجتهداً في طلب الدنيا، اجعل عشر اجتهادك للأخرى، جهزت
|
||
البنات وتزوجت البنين، فأنت بماذا تجهزت للرحيل? يا متقاعداً عن أوامر
|
||
الرب، احذر أن يقعدك عن نهضاتك تزمن، واعجباً إن حركت إلى الطاعة، فزحل وإن
|
||
لاح لك الهوى فعطارد عينك قد استرقها المنظور، ولسانك يتصرف فيه اللغو،
|
||
ويدك. يحركها الزلل، وخطا أقدامك إلى الخطأ، ثم قد أسكنت الهوى قلبك، فأين
|
||
يكون الملك? وهل ترك لنا عقيل من منزل.\\
|
||
ويحك إن الإنسان يشد في إصبعه خيطاً يتذكر به حاجته، وهل في جسدك عرق أو
|
||
شعرة إلا وهي تذكر بالخالق، فما وجه هذا النسيان البارد، يا من باعنا نفسه
|
||
ثم ماطل بالتسليم، لا أنت ممن يفسخ العقد ولا ممن يمضي البيع، تدعي الرحلة
|
||
إلى دار الحبيب، ودهليز سرادقك إلى بلد الهوى، هيهات لا يدرك علم الربانية
|
||
إلا من ربى فيه.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| يا قلب ما أنت وأهلَ الحمى | | وإنما هم أمسُكَ الذاهـبُ |
|
||
| دون نجدٍ وظباءِ الحـمـى | | أن يُقرح المنسِمُ والغاربُ |
|
||
|
||
لا بد في سلوك الطريق من مصابرة رفيق، البلاء له خلق صعب فاصبر على
|
||
مداراته، البلايا ضيوف فأحسن قراها لترحل عنك إلى بلد الجزاء مادحة لا
|
||
قادحة، من حك بأظفار شكواه جلد عيشه أدمى دينه، البلاء ظلمة غبش ويا سرعة
|
||
طلوع الفجر، اللهم أعن أطفال التوبة على ما ابتلوا به من جوع شديد، فإذا
|
||
أعد قرص الإفطار نزل ضيف "ويُؤثرون" فزاحم، فأراح "أحَسِبَ الناس أن
|
||
يُتركوا".
|
||
|
||
| إن هواك الذي بقلـبـي | | صيرني سامعاً مطيعـا |
|
||
| أخذت قلبي وغمض عيني | | سلبتني النوم والهجوعـا |
|
||
| فذر فؤادي وخذ رقـادي | | فقال لا بل هما جميعـا |
|
||
|
||
فإذا تمكنت قدم المريد وطاب له ارتضاع ثدي الوصال قطع عنه في أهنأ ما كان
|
||
يراد منه زيادة القلق، في الحديث يوحي الله تعالى إلى جبريل عليه السلام
|
||
اسلب عبدي حلاوة مناجاتي فإن تضرع إليّ فردها، فلو سمعت استغاثة المحبين،
|
||
لأورثتك القلق:
|
||
|
||
| على بعدك لا يصبر | | من عادته القـرب |
|
||
| ولا يقوى على حجبك | | من تيمـه الـحـب |
|
||
| فمهلاً أيها الساقـي | | فقد يشهدك القلـب |
|
||
| فإن لم تترك العـين | | فقد يشهدك القلـب |
|
||
|
||
الفصل الثاني والستون
|
||
|
||
يا من قد غلبته نفسه وبطش بعقله حسه، استدرك صبابة اليقظة وصح في سمع قلبك
|
||
بموعظة.
|
||
|
||
| يا نفس توبي فإن الموت قد حـانـا | | *واعصى الهوى فالهوى ما زال فتانا * | |
|
||
| أما ترينا المنايا كيف تـلـقـطـنـا | | لقطاً وتلحـق أخـرانـا بـأولانـا | |
|
||
| في كل يوم لنـا مـيت نـشـيعـه | | نرى بمصرعـه آثـار مـوتـانـا | |
|
||
| يا نفس مالي وللأموال أتـركـهـا | | خلفي وأخرج من دنياي عـريانـا | |
|
||
| أبعد خمسين قد قضيتـهـا لـعـبـاً | | قد آن أن تقصري قـد آن قـد آنـا | |
|
||
| ما بالنا نتعامى عـن مـصـائرنـا | | ننسى بغفلتنا من لـيس ينـسـانـا | |
|
||
| نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجـرنـا | | كان زاجرنا بالحـرص أغـرانـا | |
|
||
| أين الملوك وأبناء المـلـوك ومـن | | كانت تخر لـه الأذقـان إذعـانـا | |
|
||
| صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبـوا | | مستبدلين من الأوطـان أوطـانـا | |
|
||
| خلوا مدائن كان العز مفـرشـهـا | | واستفرشوا حفراً غبراً وقيعـانـا | |
|
||
| يا راكضاً في ميادين الهوى مرحـاً | | ورافلاً في ثياب الغي نـشـوانـا | |
|
||
| مضى الزمان وولى العمر في لعب | | *يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا* | |
|
||
|
||
أين الزاد يا مسافر? أين درع التقوى يا سافر? لقد أنشب الموت فيك الأظافر
|
||
ولا تشكن أنه ظافر، هذه النبل فأين المغافر، كيف تصنع إن غضب الغافر? يا
|
||
مبارزاً بالقبيح أمؤمن أنت أم كافر? إن قمت سدلت من ثياب كبرك وإن أقمت
|
||
سدرت من شراب خمرك، اصطفقت أبواب المواعظ. وما استفقت، تقف في الصلاة بغير
|
||
خضوع وتقرأ للتخويف وما ثم خشوع، يا نائماً عن صلاحه كم هذا الهجوع? يا
|
||
دائم الحضور عندنا هل عمرك إلا أسبوع? إن لنجم الحياة لأفول، ولشمس الممات
|
||
لطلوع، أين أبوك أين جدك? السيف قطوع، كيف تبقى مع كسر الأصول ضعاف الفروع?
|
||
تعلق الدنيا بقلبك وتعتذر بلفظ مصنوع، إصرارك كالصحيحين وإقلاعك حديث
|
||
موضوع، مزق أملك. فالعمر قصير، حقق عملك فالناقد بصير، زد زاد سفرك فالطريق
|
||
بعيد، ردد نظر فكرك فالحساب شديد، صح بالقلب لعله يرعوي، سلمه إلى الرائض
|
||
عساه يستوي، يا مؤثر البطالة عالم الهوى دنس، عاشق الهوى جامد الفكر فلو
|
||
ذاب ما ذاب.
|
||
|
||
| سهر العيون لغير وجهك ضائع | | وبكاؤهن لغير وصلك باطـل |
|
||
|
||
يا هذا وجه ناقتك إلى بادية الزيارة، فإن لها بنسيم نجد معرفة، قفها على
|
||
الجادة وقد هب لها نسيم الشيح من الحجاز، إن أعوزك في الطريق ماء فتمم
|
||
مزادتك بالبكاء.\\
|
||
لعلي بن أفلح:
|
||
|
||
| دعها لك الخير وما بدا لـهـا | | من الحنين ناشطاً عقـالـهـا |
|
||
| ولا تعللـهـا بـجـو بـابـل | | فهو أهاج بالجوى بلبـالـهـا |
|
||
| ولا تعقها عن عـقـيق رامة | | فإنها ذكراه قـد أمـالـهـا |
|
||
| نشدتك الله إذا جئت الـربـى | | فرد أضاها واستظل ضالهـا |
|
||
| وناوح الورق بشجـو ثـاكـل | | *أطفى لها ريب الردى أطفالها * |
|
||
|
||
بدأ بآدم في طريق ابتلائه ثلاثمائة سنة، وعام نوح في دمعه ثلاثمائة عام،
|
||
وضج داود من دائه حتى ذوى، كان كلما هاج حر الحزن هاج نبت الفرج، فحالت
|
||
الحال دمعاً فأجدب البصر وأعشب الوادي فلو وزنت دموعه بدموع الخلائق
|
||
لرجحت.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| عندي من الدمع ما لو كان وارده | | *مطيُّ قومك يوم الجزع ما نزحا * |
|
||
| غادَرْنَ أسوانَ ممطوراً بعبرتـه | | ينحو مع البارق العُلوي أين نحا |
|
||
| هل تبلغنهم النفس التي تلـفـت | | فيهم شعاعاً أو القلب الذي قَرِحا |
|
||
| إن هان سفحُ دمي بالبين عندهُـمُ | | *فواجبٌ أن يهون الدمع إن سُفحا * |
|
||
|
||
كان يحيى بن زكريا يبكي حتى رق جلدة خده وبدت أضراسه، هذا وقد كان على
|
||
الجادة فكيف بمن ضل? واعجباً من بكائه وما ثم مأتم، فكيف بمن ما انقضى يوم
|
||
إلا ومأتم ما تم? يا هذا إن كان قد أصابك داء داود، فنح نوح نوح تحيى حياة
|
||
يحيى.
|
||
|
||
| لا تحبسن ما العـيون فـإنـه | | لك يا لديغ هـواهـم درياق |
|
||
| شنوا الإغارة في القلوب بأسهم | | لا يرتجى لأسيرها إطـلاق |
|
||
| واستعذبوا ماء الجفون فعذبـوا | | الأسرار حتى درت الأمـاق |
|
||
|
||
كان عمر بن عبد العزيز وفتح الموصلي يبكيان الدم، وقليل في جنب ما نطق به
|
||
لسان الوعيد إذا خلا الفكر باليقين، ثارت عجاجة الدمع، فإذا أقرح الحزن
|
||
القلب استحالت الدموع دماً.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| أجارتنا بالغور والركبُ متـهـمُ | | أيعلم خالٍ كيف بات الـمـتـيمُ |
|
||
| بنا أنتمُ من ظاعنين وخـلّـفـوا | | *قلوباً أبت أن تعرف الصبر عنهمُ * |
|
||
| ولما انجلى التوديع عما حذرتـه | | ولم يبق إلا نظـرةٌ تـتـغـنـمُ |
|
||
| بكيتُ على الوادي فحرمتُ ماءه | | *وكيف يحلُّ المرءُ أكـثـره دم?* |
|
||
|
||
واعجباً أطار حكم حديث العذيب وأنتم من وراء النهر، يا منقطعين عن الأحباب
|
||
تعالوا نمشي رفقة، فمجمعنا مأتم الأسى، موعدنا مقابر الأسف.
|
||
|
||
| تعالين نعالج زفرة | | البين تعـالـينـا |
|
||
| نزود إذناً شكـوى | | *وتودع نظرة عينا * |
|
||
| ونبكي من يد البـين | | عسانا نعطف البينا |
|
||
| فما زاد النـوى إلا | | لجاجاً ما تباكـينـا |
|
||
| إلى أين أما تعـلـم | | يا سائقـهـا الأينـا |
|
||
| إذا عرست بالجرعاء | | وسطا بين ما بينـا |
|
||
| فحيى اللـه يبـرين | | وعين الرمل حيينـا |
|
||
|
||
الفصل الثالث والستون
|
||
|
||
يا هذا، عاتب نفسك على تفريطها ثم حاسبها على تخليطها، حدثها بما بين يدها
|
||
وأخبرها، أشر عليها بمصلحتها ودبرها.
|
||
|
||
| استمدي للموت يا نفس واسعي | | لنجاة فالحازم المـسـتـعـد |
|
||
| قد تبينت أنه لـيس لـلـحـي | | خلود ولا مـن الـمـوت بـد |
|
||
| أي ملك في الأرض أو أي حظ | | لامرئ حظه من الأرض لحد |
|
||
| كيف يهوى امـرؤ لـذاذة أيام | | عليه الأنفاس فـيهـا تـعـد |
|
||
|
||
آه لنفوس بغرور هذه الدنيا يخدعن، فإذا فاتهن شيء من فان توجعن، شربن من
|
||
مياه الغفلة وتجرعن، فلما بانت حبة الفخ أسرعن، فما انجلت ساعة التفريط حتى
|
||
وقعن، أما علمن أنهن يحصدن ما يزرعن، أما تيقن أنهن في هلاكهن يشرعن، يا
|
||
قلة ما تنعمن، ويا احتقار ما تمتعن، أما هن عن قليل في اللحد يضجعن، أين
|
||
تلك الأقدام المشيعة لهن? تصدعن، بئس حافظ الأجساد تراب يقول دعهن لما
|
||
أودعهن، طال ما كن يوترن الذنوب ويشفعن، فلو رأيتهن بعد الموت يتضرعن "رب
|
||
ارجعون" لا والله لا يرجعن، يا عجباً هذه الآفات لهن ويهجعن، وهذا الحبس
|
||
الشديد ويرتعن، يا لها من مواعظ فهل أثرن أو نجعن.\\
|
||
يا هذا، اخل بنفسك في بيت الفكر، واعذلها في الهوى فإن لم تلن فاخرج بها
|
||
على عسكر المقابر، فإن لم ترعوي فاضربها بسوط الجوع.\\
|
||
يا هذا، العزلة. تجمع الهمم، والمخالطة نهابة، الهوى مرضع كثير التخليط،
|
||
فهذا طفل قلبك كثير المرض، عجل فطامه وقد صح، العزلة والقناعة والصبر
|
||
والعفة والتواضع عقاقير كيمياء النجاة يبلغن بمستعملهن مرتبة الغنى، والحرص
|
||
والشره والغضب والعجب والكبر كلهم مجانين في مارستان العقل وهو القيم
|
||
عليهم، فليتحذر الغفلة عنهم فإنه إن أفلت مجنون حل الباقين.\\
|
||
يا هذا حصن السلامة العزلة، أقل ما في الخروج منه من الأذى، مصادمة الهواء
|
||
المختلف المهاب في بادية الشهوات، وقد عقبته جنوب المجانبة للصواب، فصار
|
||
وباء، وإياك أن تتعرض لهواء الوبي مغتراً بصحة مزاجك، فإنك إن سلمت من فضول
|
||
الفتن من التلف لم تأمن زكمة، ومتى تمكنت زكمة الهمة لم تشم الفضائل.
|
||
|
||
| يا قلب الأم لا يفيد النـصـح | | عمر ولى وقد توالى القبـح |
|
||
| جرح دام وقد تبـدى جـرح | | *ما تشعر بالخمار حتى تصحو * |
|
||
|
||
لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين، لاح لهم هلال الهدى في صحراء
|
||
اليقظة، فبيتوا نية الصوم عن الهوى على عزم: عزفت نفسي عن الدنيا، دخل محمد
|
||
بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز وقد غيره الزهد فأنكره، فقال: يا ابن
|
||
كعب فكيف لو رأيتني بعد ثلاثة أيام في قبري?
|
||
|
||
| لم تبق فيهم حرارات الهوى وجوى | | الأحزان غير خيالات وأشـبـاح |
|
||
| تكاد تنكرهم عين الخبـير بـهـم | | *لولا تـردد أنـفــاس وأرواح* |
|
||
|
||
كان وهيب بن الورد قد نحل من التعبد، فكانت خضرة البقل تبين تحت جلدة
|
||
بطنه.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| زعمتِ لا يُبلي هواك جسدي | | بَلى وحسبي بكم لقد بـلـى |
|
||
| دارُك تدري أنه لولا الهوى | | *ما طل دمع مقلتي في طَلَلِ * |
|
||
|
||
أخواني من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| وكم ناحل بين تلك الخيام | | تحسبه بعضَ أطنابهـا |
|
||
|
||
أنضى القوم رواحل الأبدان في سفر الشوق حباً لتعجيل اللقاء، فكم طووا
|
||
منزلاً على الظماء حتى كل كل المطي بتلك الجعجعة، ورفيق الرفق يصيح بهم.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| دعوها ترِدْ بعد خمسٍ شروعـاً | | وارخوا أزمتها والنـسـوعـا |
|
||
| وقولوا دعاءً لها: لا عُـقـرتِ | | ولا امتدَّ دهـرُك إلا ربـيعـا |
|
||
| حملن نشاوى بكأس الـغـرام | | فكلُّ غدا لأخـيه رضـيعـا |
|
||
| إذا أجدبوا خصّهم جـد بـهـم | | *وإن أخصبوا كان خِصباً جميعا * |
|
||
| طِوال السواعد شـمّ الأنـوف | | فطابوا أصولاً وطابوا فروعا |
|
||
| أحبُّوا فرادى ولكنهم عـلـى | | صيحة البين ماتوا جمـيعـا |
|
||
| حموا راحة النوم أجفانَـهـم | | *ولفوا على الزفرات الضلوعا * |
|
||
| أسكّان رامة هل مـن قِـرىً | | فقد دفع الليل ضيفاً قنـوعـا |
|
||
| كفاه من الزاد أن تـمـهـدوا | | *له نظراً أو حديثـاً وسـيعـا* |
|
||
|
||
قيل لأبي بكر النهشلي وهو في الموت اشرب قليلاً من الماء فقال: حتى تغرب
|
||
الشمس.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| نفّرها عن وِردها بـحـاجـر | | *شوقٌ يعوق الدمع في المحاجر * |
|
||
| وردّها على الطوى سواغـبـاً | | *ذلُّ الغرام وحنـين الـذاكـر* |
|
||
|
||
واشوقاه إلى تلك الأشباح، سلام الله على تلك الأرواح.
|
||
|
||
| ها إنها مـنـازل تـعـودت | | مني إذا شارفتها التسلـيمـا |
|
||
| وقفت فيها سالماً راد الضحى | | ورحت من وجد بها سليمـا |
|
||
| يا نفحة الشمال من تلقـائهـا | | ردي على ذلك النـسـيمـا |
|
||
|
||
يا هذا إن أردت لحاق السادة فخل مخالفة الوسادة، واجعل جلدتك بردتك، وحد عن
|
||
الخلق والزم وحدتك، اكحل عينيك بالسهر والدمع وضع على قروح الجوع مرهم
|
||
الصبر، وتزود للسير زاد العزم، واقطع طريق الدنيا بقدم الزهد، واخرج إلى
|
||
خصب الأخرى عن ضنك الدنيا، وسح في بوادي التقى لتنزل بوادي الفخر، فإن وصلت
|
||
إلى دوائك تناولته من يد "يُحبُّهم ويُحبونه" وإن مت بدائك فمقابر الشهداء
|
||
"في مَقْعَدِ صدق".
|
||
|
||
?الفصل الرابع والستون
|
||
|
||
يا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، من خطر ذكر الرحيل بباله قنع
|
||
بالبلغ ولم يباله.
|
||
|
||
| مالك للحادثات نهـب | | أو للذي حازه وراثه |
|
||
| أولك أن تتخذه ذخـراً | | *فلا تكن أعجز الثلاثه * |
|
||
|
||
لا بد والله من العبور إلى منزل القبور، يسفي عليك الصبا والدبور وأنت تحت
|
||
الأرض تبور، آه من طول الثبور، بعد طيب الحبور، يا لكسر بعيد الجبور، لا
|
||
ينفع فيه صبر الصبور، يندم على عثرته العثور، ويفترش الدثور حتى يثور، أين
|
||
كسرى وبهرام جور، أين المتقلبون حجور الفجور? أين الحليم أين الضجور? أين
|
||
المهر العربي، والناقة العيسجور، أين الظباء الكنس والأتراب الحور، كن يزين
|
||
در البحور بالنحور، غرق الكل في يم من التلف زخور، واستوى الوضيع والفخور،
|
||
تحت الصخور، لا فرق بين ذات الإيماء وذوات الخدور في ذلك المهبط الحدور،
|
||
لقد بان للكل أن الدنيا غرور، وعرفوا في المصير. شرور السرور، وتيقنوا أن
|
||
تزوير الأمل للخلد زور وتفصلت أعضاؤهم ولا تفصيل لحم الجزور، ودكت بهم
|
||
الأرض ولا كما دك الطور، وبانت حسباناتهم وفيها قصور وتأسفوا على مساكنة
|
||
القصور في مساكن القصور، وهذا المصير ولو عمرتم عمر النسور، والرامي مصيب
|
||
وما يدفع السور، فإذا انقضت بعده تلك العصور ونفخ في الصور، وخرجت أطيار
|
||
الأرواح من أعجب الوكور، وباتت الأرض تموج والسماء تمور، ولقي الكفور ناراً
|
||
تلتهب وتفور، انزعج الخليل والكليم. فمن بشر وطيفور.
|
||
|
||
| كم للـمـنـايا فـي بـنـي آدم | | توسع منه تضـيق الـصـدور |
|
||
| فالوقت لا تـحـدث سـاعـاتـه | | *إلا الردى المحض بوشك المرور * |
|
||
| أيامـنـا الـسـبـعة أيسـارنـا | | وكلنا فيهـا شـبـيه الـجـزور |
|
||
| طهرت ثـوبـاً واهـياً ثـم مـا | | قلبك إلا عـادم لـلـطـهـور |
|
||
| لو فطـن الـنـاس لـدنـياهـم | | *لا اقتنعوا منها اقتناع الـطـيور* |
|
||
|
||
ويحك إن الدنيا تغر ولا بد لك منها، فخذ قدر الحاجة على حذر، أما ترى
|
||
الطائر كيف يختلس قوته? هذا العصفور يألف الناس فلا يسكن داراً لا أهل بها
|
||
وهو مع هذا الأنس شديد الحذر ممن جاور، هذا الخطاف يقطع البحر لطلب الأنس
|
||
بالأنس ثم يتخذ وكره في أحصن مكان من البيت، ولا يحمله الأنس بهم على ترك
|
||
الحذر منهم، بل يعطي الأنس حقه والحزم حقه.
|
||
|
||
أما عرفت أدب الشرع في تناول المطعم، ثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس، شره
|
||
الحرص يغبى بلا غم البلادة، ولا يسهل شرب المسهل إلا على من تأذى بحركات
|
||
الأخلاط، لا يقدر على الحمية إلا من تلمح العافية في العاقبة، شغل العقل
|
||
النظر في العواقب، فأما الهوى فإيثار لذة قليلة تعقب ندامة طويلة، فملبس في
|
||
قضاياه، المؤمن بين حرب ومحراب وكلاهما مفتقر إلى جمع الهم، ويريد المحراب
|
||
القيام بأشراط الوضوء والدنيا في مقام امرأة واللمس ناقض طريق المتيقن
|
||
تفتقر إلى رواحل، وابل عزائمكم كلها كال، إنما يصلح للملك قلب فارغ ممن
|
||
سواه.
|
||
|
||
| وقلبك خان كل يوم ولـيلة | | *يفارقه ركب وينزله ركب * |
|
||
|
||
في كل يوم ترهن قلبك على ثمن شهوة فيستعمله المرتهن فدق أخلق، أنت توقد نار
|
||
التوبة في المجلس، في الحلفاء، فإذا أردت منها قبساً بعد خروجك لم تجد،
|
||
تبكي ساعة الحضور على الخيانة والمسروق في جيبك، يا مظهراً من الخير ما ليس
|
||
له لا تبع ما ليس عندك، كم نهاك عن نظرة وتعلم أنه بالحضرة، أفلا تراقب
|
||
الناظر برد الناظر، وكأنك ما تعرف أن الحاضر حاضر، واعجباً لك، تعد
|
||
التسبيحة بسبحة، فهلا جعلت لعد المعاصي أخرى، يا من يختار الظلام على
|
||
الضوء، الذباب أعلى همة منك، متى أظلم البيت خرج الذباب إلى الضوء، أما ترى
|
||
الطفل في القماط? يناغي المصباح، ويحك، خذ بتلابيب نفسك، قبل أن يجذبها ملك
|
||
الموت، وقل أيتها النفس الحمقاء، إن كان محمد صادقاً فالمسجد وإلا فالدير.
|
||
|
||
| الناس من الهوى على أصنـاف | | هذا نقض العهد، وهـذا واف |
|
||
| هيهات من الكدور تبغي الصافي | | لا يصلح للحضرة قلب جـاف |
|
||
|
||
يا هذا، أكبر دليل عليك علينا، إنك كنت مبدداً في ظهور الأصول فنظمت
|
||
بالقدرة نظماً عجيباً خالياً عن العبث، فما تنقض إلاّ لأمر هو أعجب منه،
|
||
مدت أطناب العروق، وحفرت خنادق الأعصاب، وضربت أوتاد المفاصل، وأقيم عمد
|
||
الصلب، ثم مد السرادق، فنصب سرير القلب في الباطن للملك ويسعني قلب عبدي
|
||
المؤمن
|
||
|
||
| إذا لم يجد صب على النأي مخبراً | | عن الحي بعد البين أين أقامـوا |
|
||
| فعند النسيم الرطب أخبار منـزل | | به لسليمى بالـعـقـيق خـيام |
|
||
|
||
يا هذا، إن كنت محباُ فحبيبك معك في كل حال، حتى عند الموت، وفي بطن
|
||
اللحد.\\
|
||
للغزي:
|
||
|
||
| يا حبذا العرعر النجدي والـبـان | | ودار قوم بأكناف الحمى بـانـوا |
|
||
| وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى | | *سم الخياط مع الأحبـاب مـيدان* |
|
||
|
||
إذا أقفر قلبك من ساكن ويسعني فتحت النفس باباً لعناكب الغفلة، فنسجت في
|
||
زواياه من لعاب الأمل، طاقات المنى، اللهم أجر القلوب من جور النفوس، يا
|
||
سلطان القلب، نشكو إليك النزالة.
|
||
|
||
الفصل الخامس والستون
|
||
|
||
إخواني، اعرفوا الدنيا وقد سلمتم، ثم اعملوا فيها بما عملتم، لا يغرنكم
|
||
منها الوفر، فإنكم فيها في سفر، أما بعد توطئة المهاد الحفر?، أتتوطن مني
|
||
وتنسى النفر?.
|
||
|
||
| أرى الدنيا وما وصفت ببـر | | متى أغنت فقيراً أرهقـتـه |
|
||
| إذا خشيت لشر عـجـلـتـه | | وإن رجيت لخير عوقـتـه |
|
||
| تعلقها ابن جهل في صـبـاه | | فهام بفارك ما عـلـقـتـه |
|
||
| سقته زمانه مقـراً وصـابـا | | وكأس الموت آخر ما سقتـه |
|
||
| أبادت قصر قيصر ثم جازت | | بإيوان ابن هرمز فارتقـتـه |
|
||
| أما افتتحت له في الأرض بيتاً | | فآوته النزيل وأطـبـقـتـه |
|
||
| إذا انفلت ابنها عنها بـزهـد | | ثنته بزخرف قد نمـقـتـه |
|
||
|
||
أترى لم تنفع التجارب?، أما ترون الدنيا كيف تحارب?، ألا تلقون حبلها على
|
||
الغارب?، أما سيف الهلاك في يد الضارب?، تالله لقد جلا صبح اليقين ظلام
|
||
الغياهب، إلا عزم زاهد، يتوكأ على عصا راهب.
|
||
|
||
| ودنياك إن وهبت باليمين | | *يسار الفتى سلبت باليسار * |
|
||
|
||
إخواني، احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت، ذلك يفرقان بين المرء
|
||
وزوجه، وهذه تفرق بين العبد وربه، وكيف لا، وهي التي سحرت سحرة بابل، إن
|
||
أقبلت شغلت، وإن أدبرت قتلت.
|
||
|
||
| نظرت فأقصدت الفؤاد بسهـمـهـا | | ثم انثـنـت عـنـه فـكـاد يهـيم |
|
||
| ويلاه إن عرضت وإن هي أعرضت | | وقع السهـام ونـزعـهـن ألـيم |
|
||
|
||
كم في جرع لذاتها من غصص، طالبها معها في نغص:
|
||
|
||
| بكى عليها حتى إذا حصلت بكى | | *عليها خـوفـاً مـن الـغـير* |
|
||
|
||
إنها إذا صفت حلالاً، كدرت الدين، فكيف إذا أخذت من حرام?، إن لحم الذبيحة
|
||
ثقيل على المعاء، فكيف إذا كان ميتة?، الظلمة في الظلمة يمشون في جمع
|
||
الحطام، يصبحون ويمسون على فراش الآثام " فما ربِحَتْ تجارَتُهُمْ "، من
|
||
نبت جسمه على الحرام، فمكاسبه كبريت به يوقد، الحجر المغصوب في البناء أساس
|
||
الخراب، أتراهم نسوا? طي الليالي سالف الجبارين، وما بلغوا معشار ما
|
||
آتيناهم، فما هذا الاغترار " وقدْ خَلَتْ منْ قبلِهِمُ المَثُلاتُ " فهم
|
||
ينتظرون من لهم إذا طلبوا العود " فحِيلَ بينَهُمْ وبينَ ما يشتَهونَ " كم
|
||
بكت في تنعم الظالم? عين أرملة، وأحرقت كبد يتيم " ولَتَعلَمُنَّ نبأَهُ
|
||
بعدَ حين" ما ابيض لون الرغيف حتى اسودَّ وجه الضعيف، ما تروّقت المشارب
|
||
حتى ترنّقت المكاسب، ما عبل جسم الظالم حتى ذوت ذواب ذات قوة، لا تحتقر
|
||
دعاء المظلوم، فشرر قلبه محمول بعجيج صوته، إلى سقف بيتك، نباله مصيب،
|
||
ونبله غريب، قوسه حرقه، ووتره قلقه، ومرماته هدف " لأنصرَنَّكَ " وسهم سهمه
|
||
الإصابة، وقد رأيت وفي الأيام تجريب.\\
|
||
كم من دار دارت بنعم النعم، دارت عليها دوائر النقم " فجعلناها حصيداً" كم
|
||
جار في حلبة المنى?، قد استولى طرفه على الأمد، صدمه قهر عقوبة، فألقاه
|
||
أسرع من طرف، بينا القوم ينبسطون على البسيطة، كفت أكفهم بمقامع القمع،
|
||
لسبتهم عقارب ظلمهم نفخ عليهم ثعبان جورهم، عقرتهم أسود بطشهم، نسفتهم
|
||
عواصف كبرهم، وفي الغير عبر، ويحك، إذا كانت راحة اللذة تعقب تعب العقوبة،
|
||
فدع الدعة تمضي في غير الدعة، والله ما تساوي لذة سنة غم ساعة، فكيف والأمر
|
||
بالعكس?، كم في يم الغرور، من تمساح فاحذر يا غائض، يا من قد أمكنه الزمان
|
||
من حركات التصرف في العدل فما يؤمن من الزمن الزمن.
|
||
|
||
| ومتى بلغت إلى الرئاسة فاستلب | | كرة العلى بصوالج المعروف |
|
||
|
||
كان عمر يخاف مع العدل، يا من يأمن مع العدول، رؤى بعد موته باثنتي عشرة
|
||
سنة، فقال الآن تخلصت من حسابي، واعجباً، أقيم أكثر من سني الولاية،
|
||
أفينتبه بهذا راقد الهوى? أحسن شعائر الشرائع، العدل، الظلم ظلمة في نهار
|
||
الولاية، وجدب يرعى لحوم الرعية، والعدل، صوت في صور الحياة، يبعث به موتى
|
||
الجور، أيها الظالم، تذكر عند جورك عدل الحاكم، تفكر حين تصرفك في سرفك،
|
||
عجباً لك، تدعي الظرف وتأخذ المظروف والظرف، كلا، أو في الظرافة رأفة،
|
||
ستعلم أيها الغريم قدر غرامك إذا يلتقي كل ذي دين وماطله، من لم يتبع
|
||
بمنقاش العدل، شوك الظلم من أيدي التصرف، أثر ما لا يؤمن تعديه إلى
|
||
القلب.\\
|
||
يا أرباب الدول، لا تعربدوا في سكر القدرة، فصاحب الشرطة بالمرصاد، سليمان
|
||
الحكم قد حبس آصف العقوبة، في حصن "فلا تعجَل عليهم" وأجرى رخاء الرجاء
|
||
"لئلا يكون للناس على الله حجةٌ" فلو قد هبت سموم الجزاء من مهب "ولئن
|
||
مستهم نفحة" قلعت سكر "إنما نُملي لهم" فإذا طوفان التلف، ينادي فيه نوح
|
||
"لا عاصم" فالحذر الحذر "قبل أن تقول نفسٌ يا حسرتا" "ولات حين مناص" وأنت
|
||
أيها المظلوم فتذكر من أين أتيت? فإنك لا تلقى كدراً، إلا من طريق جناية
|
||
"لا يُغيِّر ما يقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم".\\
|
||
كان لبّان يخلط الماء باللبن، فجاء سيل فذهب بالغنم، فجعل يبكي ويقول
|
||
اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلاً، ولسان الجزاء يناديه: يداك أوكتا وفوك
|
||
نفخ. اذكر غفلتك عن الآمر والأمر وقت الكسب، ولا تنسى إطراح التقوى عند
|
||
معاملة الخلق، فإذا انقض عاصف فسمعت صوت سوطه يضرب عقد الكسب جزء الخيانة
|
||
العقود، فلا تستطرف ذلك، فأنت الجاني أولاً، والبادي أظلم.
|
||
|
||
الفصل السادس والستون
|
||
|
||
يا مشغولاً بأمله، عن ذكر أجله، راضياً في صلاح خلاله بخلله، هل أتى
|
||
المساكن لكسله إلا من قبله.
|
||
|
||
| أضحى لك في قبضة المطامع آمال | | ترجو دركاً والردى لعمرك مغتال |
|
||
| هل أنت معدٌ ليوم حـشـرك زاداً | | يوماً بجد الفوز بالقـيمة عـمـال |
|
||
| إن أغفلك الدهر برهة فـسـيأتـي | | ك على غفلة بحتفك مـعـجـال |
|
||
| بادر بمتاب فربما طـرق الـمـو | | ت بسهم من الـمـنـية قـتـال |
|
||
| أين المتحامون عن زخـارف دنـيا | | إن أوطنت المرء عقبته بتـرحـال |
|
||
| خلابة عقل بـبـاطـل مـتـمـاد | | غرارة صاد رأي المطامع كـالال |
|
||
| إن شيم سحاب لها فـذاك جـهـام | | أو ظن بها وابـل فـذلـك خـال |
|
||
| دع عنك حديث الركاب أين تولـت | | أو ذكر ديار بها العفـاء وإطـلال |
|
||
| يا حسرة من أنفق الحـياة غـروراً | | *قد باع لها الفرصة الرخيصة بالغال * |
|
||
| لا تحتقر الذنب فالصحائف تحصـى | | *ما كنت تناسيت من قبائح أفـعـال* |
|
||
|
||
يا ضاحكاً ملء فيه سروراً واغتباطاً، وقد ارتضيت له المنون خيل التلف
|
||
ارتباطاً، أما بسط الإنذار على باب الدار بساطاً? أما الحادي مجد. فما
|
||
للمنادي يتباطى? أيحسن بالكبير أن يتمرس الهوى ويتعاطى? عجباً لعالم يقرب
|
||
المنايا، كيف لا ينتهب التقى التقاطاً، ولجسد بال، جر بالعجب والرياء
|
||
رياطا، إلى كم هذا الإسراع في الهوى والوجيف? وباب البقاء في الدنيا قد سد
|
||
وجيف، إن الأمن في طريق قد أخيف، رأي رذيل. وعقل سخيف، يا من يجمع العيب
|
||
إلى الشيب، ويضيف، لا الماء بارد، ولا الكوز نظيف، إن إيثار ما يفنى على ما
|
||
يبقى لمزيف لا ظريف، كم أتى خريف وكم أناخ ريف، ويكفي من الكل كل يوم رغيف،
|
||
أيجوع بشر الحافي? ويشبع وصيف، ويذل هذا ويخدم هذا مائة وصيف، وما أدرك هذا
|
||
مد هذا. ولا النصيف، إلا أريب إلا لبيب إلا حصيف? لا يعجبنكم استقامة غصن
|
||
الهوى، فالغصن قصيف ها نحن قد شتونا ولعلنا لا نصيف.
|
||
|
||
| سل الأيام ما فعلت بكسرى | | *وقيصر والقصور وساكنيها * |
|
||
| أما استدعتهم للموت طـراً | | فلم تدع الحليم ولا السفيهـا |
|
||
| دنت نحو الدنى بسهم خطب | | فأصمته وواجهت الوجيها |
|
||
| أما لو بيعت الدنيا بفـلـس | | أنفت لعاقل أن يشتـريهـا |
|
||
|
||
يا من عمره يذوب، وما يتوب، إذا خرقت ثوب دينك بالزلل فارقعه بالاستغفار،
|
||
فإن رفاء الندم صناع في جمع المتمزق.\\
|
||
يا هذا، إنما يضل المسافر في سفره يوماً أو يومين، ثم يقع على الجادة
|
||
واعجباً من تيه خمسين سنة، يا واقفاً مع الصور خالط عالم المعنى، أما علمت
|
||
أن تغريد الحمام نياحة، أنت تظن البلبل يغني، وإنما يبكي على أحبابه.
|
||
|
||
| ليت شعري عن الذين تركنا | | بعدنا بالحجاز هل يذكرونا |
|
||
| أما لعل المدى تطاول حتى | | بعد العهد بيننا فنـسـونـا |
|
||
| أرجعوا حرمة الوصال فإنا | | لهم في الهوى كما عهدونا |
|
||
|
||
لو صفت لك فكرة، كان لك في كل شيء عبرة، كل المخلوقات بين مخوف ومشوق، حر
|
||
الصيف يذكر حر جهنم، وبرد الشتاء محذر من زمهريها، والخريف ينبه على اجتناء
|
||
ثمار الأعمار، والربيع يحث على طلب العيش الصافي، أوقات الأسحار ربيع
|
||
الأبرار، وقوة الخوف صيفاً، وبرودة الرجاء شتاءً، وساعات الدعاء والطلب
|
||
خريف، إذا استحر الحر تقحم القحل، فطلق القسر الأرض، فلبست سربال الجدب،
|
||
واحدت في حفش الذل، فلما طالت أيام الأيمة، أومأ إلى المراجعة الرجع، فبكت
|
||
من قطراته لطول الهجر، فضحك لكثرة بكائه روض الأرض، فبنى البناء ريع
|
||
الربيع، فنهضت ماشطة القدرة، لإخراج بنات النبات من مخدر الثرى، ففرشت
|
||
الحلل بمصبغات الحلل، فسمع الورد هتاف العندليب، وحنين الدواليب، ففتح فاه
|
||
مشتاقاً إلى مشروب، فإذا الطل صبوح، فقال ألا منادم? فأبت الأزهار مصاحبة
|
||
من لا يقيم، فأجابه بعد الياس الياسمين، فقال أنا نظيرك في قصر العمر،
|
||
والموانسة في المجانسة، فأشر أنت إلى المذنب، باحمرار الخجل، حتى أشير أنا
|
||
إلى الخائف، باصفرار الوجل، فرأى البلبل طيب الاجتماع فغنى، فرنت ديار
|
||
اللهو، فدخل الناطور والصياد، فاقتطف الناطور رأس الورد، واختطف الصياد
|
||
البلبل الوغد، فذبح في الحال العصفور، وحبس الورد في قوارير الزور، وقيل
|
||
للياسمين. لم اغتررت بزور? "أفحسبتُم أنما خلقناكم عبثاً" فلما بكى الورد
|
||
بكاء نادم على الاغترار، صلح للمتطيبين "أنين المذنبين أحبُّ إلينا من زجل
|
||
المسبحين" فانتبه يا مخدوع، فالعمر الورد، والزجاجة القبر، والنفس البلبل،
|
||
والقفص اللحد.
|
||
|
||
الفصل السابع والستون
|
||
|
||
أخواني، المستقر يزول، والمقيم منقول، والأحوال تحول، والعتاب على الفاني
|
||
يطول، وكم نعذل وكم نقول?
|
||
|
||
| سيقطع ريب البين بين الفريقـين | | لكل اجتماع فرقة من يد البـين |
|
||
| وكل يقضي ساعة بعـد سـاعة | | تخاتله عن نفسه ساعة الـحـين |
|
||
| وما العيش إلا يوم موت له غـد | | وما الموت إلا رقدة بين يومـين |
|
||
| وما الحشر إلا كالصباح إذا انجلى | | يقوم له اليقظان من رقدة العين |
|
||
| أيا عجباً مني ومن طول غفلتـي | | *أومل أن أبقى وأنـى ومـن أين* |
|
||
|
||
أين قطان الأوطان? أين الأطفال والشمطان? أين الجائع والمبطان? أين حطان
|
||
وقحطان? أين العبيد والسلطان? أين الباني وماطان? أين السقوف والحيطان? أين
|
||
المروج والغيطان? أين المهاري والأشطان? أين الآجال والخيطان? أين المحب
|
||
والحبيب في الثرى خطان، تعرف وتصدف "هذا من عمل الشيطان" الطريق الهادية
|
||
واسعة الفجاج، والدليل ظاهر لا يحتاج إلى احتجاج، وأما بحر الهوى فما
|
||
يفارقه ارتجاج، ما فيه ماء للشرب، بل كله أجاج، والعجب من راكب فيه، يتجر
|
||
في الزجاج، كم مزجور عنه غرفته في لجة لجاج.\\
|
||
يا معاشر العصاة، قد عم الجدب أرض القلوب، وأشرفت زروع التقوى على التوى،
|
||
فأخرجوا من حصر الذنوب، إلى صحراء الندم، وحولوا أردية الغدر عن مناكب
|
||
العهود، ونكسوا رؤس الرياسة على أذقان الذل، لعل غيوم الغموم على ما تلف
|
||
تأتلف، أخواني، قد بشر الرشاش فاثبتوا، وقد سال الوادي.
|
||
|
||
| واحبس الركب علينا ساعة | | نندب الربع ونبكي الدمنا |
|
||
| فلذا الموقف أعددنا البكـا | | ولذا اليوم الدموع تقتنـى |
|
||
| زمناً كان وكـنـا جـيرة | | يا أعاد الله ذاك الزمـنـا |
|
||
| بيننا يوم أثيلات النـقـى | | كان عن غير تراض بيننا |
|
||
|
||
إذا خرجت القلوب بالتوبة من حبس الهوى إلى بيداء الإنابة، جرت خيول الدمع
|
||
في حلبات الوجد، كالمرسلات عرفاً، إذا استقام زرع الفكر، قامت العبرات
|
||
تسقي، ونهضت الزفرات تحصد، ودارت رحا التحير تطحن، واضطرمت نار القلق تنضج،
|
||
فحصلت للقلب بلة، يتقونها في سفر الحب، يا من لم يصبر عن الهوى، صبر يوسف،
|
||
تعين عليك، حزن يعقوب، فإن لم تطق، فذل أخوته، يوم "وتصدق علينا" خوف
|
||
السابقة، وحذر الخاتمة، قلقل قلوب العارفين، وزادهم إزعاجا "يحول بين المرء
|
||
وقلبه" كلما دخلوا سكة من سكك السكون، شرع بهم الجزع في شارع من شوارع
|
||
القلق، لما حرك نسيم السحر أغصان الشجر، أخذت ألسن قلوبهم في بث القلق،
|
||
فكاد نفس النفس يقطع الحيازيم، لولا حزم التمسك.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| وإني لأغرى بالنسـيم إذا سـرى | | وتعجبني بـالأبـرقَـيْن ربـوعُ |
|
||
| ويحني على الشوق نجديُّ مُـزنةٍ | | وبَرقٌ بأطراف الحجاز لَمـوعُ |
|
||
| ولا أعرف الأشجان حتى تشوقني | | حمائم ورق في الـديار وقـوع |
|
||
|
||
في كل ليل تهب الرياح، ولكن نسيم السحر خاصية، ما أظنه تعطر إلا بأنفاس
|
||
المستغفرين، لنفس المحب عطرية، تنم على قدر طيبة:
|
||
|
||
| أحب الثرى النجدي من أجرع الحمى | | كأني لمن بالأجـرعـين نـسـيب |
|
||
| إذا هب علـوي الـرياح رأيتـنـي | | *أغض جفونـي أن يقـال مـريب* |
|
||
|
||
المحبون على شواطئ أنهار الدمع تزول، فلو سرت عن هواك خطوات، لاح لك
|
||
الخيام:
|
||
|
||
| وصلوا إلى مولاهم وبقـينـا | | وتنعموا بوصاله وشـقـينـا |
|
||
| ذهبت شبيبتنا وضاع زمانـنـا | | ودنت منيتنا فمن ينـجـينـا |
|
||
| فتجمعوا أهل القطيعة والجفا | | *نبكي شهوراً قد مضت وسنينا * |
|
||
|
||
كان بعض السلف يقول: اللهم إن منعتني ثواب الصالحين، فلا تحرمني أجر المصاب
|
||
على مصيبته، وكان آخر يقول إن لم ترضى عني فاعف عني، كان القوم زينة
|
||
الدنيا، فمذ سلبوا تسلبت، خلت والله الديار، وباد القوم، وارتحل أرباب
|
||
السهر، وبقي أهل النوم، واستبدل الزمان آكلي الشهوات بأهل الصوم:
|
||
|
||
| كفى حزناً بالواله الصب أن يرى | | منازل من يهوى معطلة قفـرا |
|
||
|
||
يا من كان له في حديث القوم ذوق، أين آثار الوجد والشوق? إذا طالت لبث
|
||
الطين في حافات الأنهار تكامل ريه، فإذا نضب الماء عنه استلبت الشمس جميع
|
||
ما فيه من رطوبة، فيقوى شوقه إلى ما فارق فلو تركت قطعة منه على لسانك
|
||
لأمسكته شوقاً إلى ما فارقت من رطوبة، أشد الناس حباً لحديث الحجاز من
|
||
سافر:
|
||
|
||
| فكانت بالفرات لنـا لـيال | | *سرقناهن من ريب الزمان * |
|
||
|
||
يا هذا كنت تدعي حبنا وتؤثر القرب منا فما هذا الصبر الذي قد عن عنا? كنت
|
||
تستطيب رياح الأسحار وما تغير المحب ولكن دخل فصل برد الفتور، ولم تحرزه،
|
||
فأصابك زكام الكسل، كنت في الرعيل الأول، فما الذي ردك إلى الساقة? قف الآن
|
||
على جادة التأسف والزم البكاء على التخلف فأحق الناس بالأسى من خص بالتعويق
|
||
دون الرفقاء:
|
||
|
||
| يا صاحبي أطيلا فـي مـوانـسـي | | وناشداني بخـلانـي وعـشـاقـي |
|
||
| وحدثاني حـديث الـخـيف إن لـه | | روحاً لقلبي وتسهـيلاً لأخـلاقـي |
|
||
| ما ضر ريح الصبا لو ناسمت حرقي | | واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي |
|
||
| داء تقادم عنـدي مـن يعـالـجـه | | ونفثة بلغت منـي مـن الـراقـي |
|
||
| يمضي الزمان وآمالي مـصـرمة | | ممن أحب على مـطـل وإمـلاق |
|
||
| واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به | | ولا حصلت على علم من البـاقـي |
|
||
| بلى علمت وقد أيقـنـت يا أسـفـاً | | أني لكـل الـذي قـدمـتـه لاق |
|
||
|
||
الفصل الثامن والستون
|
||
|
||
أخواني: من عامل الدنيا خسر ومن حمل في صف طلبها كسر وإن خلاص محبها منها
|
||
عسر وكل عاشقيها قد قيد وأسر "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر".
|
||
|
||
| أرى الشهد يرجع مثل الصبر | | فما لابـن آدم لا يعـتـبـر |
|
||
| وخبره صادق في الحـديث | | فإن شك في ذاك فليختبـر |
|
||
| ودنياك فالق بطول الهـوان | | فهل هي إلا كجسر عـبـر |
|
||
|
||
يا طالباً ما لا يدرك تمنى البقاء وما تترك كأنك بالحادي قد أبرك، وهل غير
|
||
الحصاد لزرع قد أفرك?
|
||
|
||
| وكيف أشيد في يومي بـنـاء | | *وأعلم أن في غد عنه ارتحالي * |
|
||
| فلا تنصب خيامك في محـل | | فإن القاطنين على احتـمـال |
|
||
|
||
يا من أعماله رياء وسمعة، يا من أعمى الهوى بصره وأصم سمعه، يا من إذا قام
|
||
إلى الصلاة لم يخلص ركعة، يا نائماً في انتباهه إلى متى هذه الهجعة? يا
|
||
غافلاً عن الموت كم قلع الموت قلعة? كم دخل دارك فأخذ غيرك وإن له لرجعة،
|
||
كم شرى شخصاً بنقد مريض? وله الباقون بالشفعة، كم طرق جباراً فأشت شمله
|
||
وأخرب ربعه، أفلا يتعظ البيدق بسلب شاه الرقعة.\\
|
||
يا عامر الدنيا إنما الدنيا دار قلعة كم مزقت قلباً بحبها، فرجع ألف قطعة
|
||
إن خصت بطيب المذاق أغصت وسط الجرعة يوم ترحها سنة وسنة فرحها جمعة، إنها
|
||
لمظلمة ولو أوقدت ألف شمعة، وهي مع هذا خائنة ولو حلفت بربعة، كم درست
|
||
عليكم مجلدات? تقول ما هذه الأنفس مخلدات، أين الأقارب، أين اللذات? أفلا
|
||
روائد ذهن للأخبار منتسمات، آه للقاعدات عن طلب المكرمات، آه للمستريحات
|
||
لقد رضوا بمولمات:
|
||
|
||
| ذهب العمر وفـات | | يا أسير الشـهـوات |
|
||
| ومضى وقتك في لهو | | وسهـو وسـبـات |
|
||
| بينما أنت على غـيك | | حتـى قـيل مـات |
|
||
|
||
أخواني: ما لقلب العزم قد غفل ولنجم الحزم قد أفل، مهلاً فشمس العمر في
|
||
الطفل ومن لم يحضر الوغى لم يحرز النفل:
|
||
|
||
| ثواني هـم فـلـم أقـره | | *أوائل من عزمتي أو ثواني * |
|
||
| فيا هندوان عن المكرمـات | | من لا يساور بالهند وانـي |
|
||
|
||
يا معاشر العلماء أتقنعون من الصفات بالأسماء? أتؤثرون الأرض على السماء?
|
||
أفي السكر أنتم أم في الإغماء أترضون بالثريا الثرى? أتغمضون العيون من غير
|
||
كرى? أتنامون. فمن يحمد السرى? أتحيدون وفي الأنف البرى? أتحلون عقد "إن
|
||
الله اشترى" إنكم لأحق بالحزن فيما أرى، احضروا ناحية، لا تكلفكم الكرى:
|
||
|
||
| يا قومنا هذي الـفـوائد جـمة | | فتخيروا قبل الندامة وانتـقـوا |
|
||
| إن مسكم ظمأ يقول نـذيركـم | | *لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا * |
|
||
|
||
يا معاشر العلماء قد كتبتم ودرستم ثم إن طلبكم العلم فلستم في بيت العمل،
|
||
ثم لو ناقشكم الإخلاص لا فلستم، شجرة الإخلاص أصلها ثابت، لا يضرها زعزع
|
||
"أين شركائي" وأما شجرة الرياء فاجتثت عند نسمة "وقِفوهم" كم متشبه
|
||
بالمخلصين? في تخشعه ولباسه وأفواه القلوب تنفر من طعم مذاقه واأسفي ما
|
||
أكثر الزور? أما الخيام فإنها خيامهم، ليس كل مستدير يكون هلالا، لا لا.
|
||
|
||
| وما كل من أومى إلى العز نالـه | | *ودون العلى ضرب يدمي النواصيا * |
|
||
|
||
كم حول معروف من دفين ذهب اسمه كما بلى رسمه ومعروف معروف:
|
||
|
||
| فما كل دار أقفرت دارة الحمى | | *ولا كل بيضاء الترائب زينـب* |
|
||
|
||
لريح المخلصين عطرية القبول وللمرائي سموم النسيم، نفاق المنافقين صير
|
||
المسجد مزبلة "لا تقم فيه أبداً" وإخلاص المخلصين رفع قدر الوسخ "رب أشعث
|
||
أغبر".\\
|
||
أيها المرأى قلب من ترائيه بيد من تعصيه لا تنقش على الدرهم الزائف اسم
|
||
الملك، فما يتبهرج الشحم بالورم، المرائي يتبرطل على باب السلطان، يدعي أنه
|
||
خاص وهو غريب، أتردون ما ذنب المرائي? دعا باسم ليلى غيرها. فيا أسفي ذهب
|
||
أهل التحقيق وبقيت بنيات الطريق، خلت البقاع من الأحباب وتبدلت العمارة
|
||
بالخراب، يا ديار الأحباب عندك خبر المخلص يبهرج على الخلق بستر الحال،
|
||
وببهرجته يصح النقد، كان في ثوب أيوب السختياني، بعض الطول لستر الحال،
|
||
وكان إذا وعظ فرق فرق من الرياء فيمسح وجهه ويقول ما أشد الزكام.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| أحبس دمعي فـينِـدُّ شـارداً | | كأنني أضبط عبـداً آبـقـا |
|
||
| ومن محاشاة الرقيب خلتنـي | | *يوم الرحيل في الهوى منافقا * |
|
||
|
||
كان أيوب يحيي الليل كله فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك
|
||
الساعة: لصردر:
|
||
|
||
| أكلف القلب أن يهوى وأُلزمـه | | صبراً وذلك جمعٌ بين أضـداد |
|
||
| وأكتم الركب أوطاري وأسألـه | | *حاجات نفسي لقد أتعبتُ روادي * |
|
||
| هل مدلجٌ عنده من مبكر خبـر | | وكيف يعلم حال الرائح الغادي |
|
||
| إن رويتُ أحاديث الذين مضـوا | | *فعن نسيم الصبا والبرق أسنادي* |
|
||
|
||
كان إبراهيم النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل داخل غطاه. وكان ابن أبي ليلى
|
||
إذا دخل داخل وهو يصلي اضطجع على فراشه.
|
||
|
||
| أفدى ظباء فلاة ما عرفن بـمـا | | *مضغ الكلام ولا صيغ الحواجيب * |
|
||
|
||
مرض ابن أدهم فجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء، لئلا يتشبه بالشاكين، هذه
|
||
والله بهرجة اصح من نقدك.\\
|
||
للعباس بن الأحنف:
|
||
|
||
| قد سحَّب الناسُ أذيال الظنون بنا | | وفرَّق الناس فينا قولهم فِرَقـا |
|
||
| فكاذبٌ قد رمى بالظن غيركـمُ | | *وصادقٌ ليس يدري أنّه صدقا* |
|
||
|
||
اشتهر ابن أدهم ببلد فقيل هو في البستان الفلاني، فدخل الناس يطوفون
|
||
ويقولون أين إبراهيم بن أدهم? فجعل يطوف معهم، ويقول أين إبراهيم بن
|
||
أدهم.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ضناً بأن يعلم الناسُ الهـوى ولـمـن | | وهبتُ للسـرِّ فـيه لـذة الـعـلـنِ |
|
||
| عرِّض بغيري ودعني في ظنونـهـم | | *إن قيل من يك يُخفي الحق في الظنن * |
|
||
|
||
قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوساً كان يكره الأنين فما أنَّ حتى
|
||
مات.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| تفيض نفوسٌ بأوصابهـا | | وتكتم عوّادها ما بـهـا |
|
||
| وما أنصفت مهجةٌ تشتكي | | هواها إلى غير أحبابهـا |
|
||
|
||
لما هم الطبع بالتأوه من البلاء كشفت الحقائق سجف المحبوب فلم يبق لتقطيع
|
||
الأيدي أثر:
|
||
|
||
| بدا لها من بعد مـا بـدا لـهـا | | *روض الحمى إن تشتكي كلالها * |
|
||
|
||
رحل والله أولئك السادة، وبقي والله قرناء الرياء والوسادة.
|
||
|
||
| ذم المنازل بعد منزلة اللوى | | والعيش بعد أولئك الأقوام |
|
||
|
||
أسمع أصواتاً بلا أنيس وأرى خشوعاً أصله من إبليس.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| تشبهتْ حورُ الظبـاء بـهـم | | إذا سكنتْ فيك ولا مثل سكنْ |
|
||
| أصامتٌ بناطقٍ ونافرٌ بـآنـسٍ | | وذو خـلاً بـذي شـجــنْ |
|
||
| مشتـبِـهٌ أعـرفـه وإنـمـا | | مغالطاً قلت لصحبي: دارُ منْ |
|
||
| قف باكياً فيها وإن كنت أخـاً | | موانساً فبكِّها عـنـك وعـن |
|
||
| لم يُبق لي يوم الفراق فضـلةً | | *من دمعةٍ أبكي بها على الدِّمَنْ * |
|
||
|
||
الفصل التاسع والستون
|
||
|
||
يا من قد أرخى له في الطول وأمهل له بمد الأجل، إخل بنفسك وعاتبها وخذ على
|
||
يدها وحاسبها لعلها تأخذ عدتها قبل أن تستوفي مدتها:
|
||
|
||
| وجـدت أيامـي لـي رواحـلاً | | وآن ينحط عنـهـا الـراحـل |
|
||
| وصيح بي عرس فقد طال المدى | | وكل ركب في التـراب نـازل |
|
||
| تهدد الحين فهل من سامـع | | وجاء بالنصح فأين القـابـل |
|
||
| وكل شيء زاجر مـحـدث | | *يفهم ما قال الحصيف العاقل * |
|
||
|
||
أخواني، بادروا قبل العوائق واستدركوا فما كل طالب لاحق، واشكروا نعمة من
|
||
ستركم عن الذنوب، واعرفوا فضله فقد أعطاكم كل مطلوب، ما أعم وجوده لجميع
|
||
خلقه وما أكثر تقصيرهم في حقه، عم إحسانه الآدمي والبهائم والمستيقظ
|
||
والنائم والجاهل، والعالم والمتقي والظالم من تأمل حسن لطفه لخليقته حيره
|
||
الدهش، خلق الجنين في بطن الأم فجعل وجهه إلى ظهرها لئلا يجري الطعام عليه،
|
||
وجعل انفه بين ركبتيه ليتنفس في فراغ وسيق قوته في مصران السرة وليس العجب
|
||
تغذيه لأنه متصل بحي، إنما العجب، خلق الفرخ في البيضة المنفصلة فإنه من
|
||
البياض يخلق ومن المح يتغذى، فقد هيأ له زاد الطريق قبل سير الإيجاد، إذا
|
||
تفقأت بيضة الغراب خرج الفرخ أبيض فتنفر عنه الأم لمباينته إياها، فيبقى
|
||
مفتوح الفم لطلب الرزق فيسوق القدر إلى فيه الذباب، فلا يزال يغتذي به حتى
|
||
يسود، فتعود أمه إليه، خلق الطير ذا جؤجؤ مخدد لتجري سفينة طيرانه في بحر
|
||
الهوى، وجعل في جناحه وذنبه ريشات طوال لينهض للطيران ولما كان يختلس قوته
|
||
خوفاً من اصطياده، جعل منقاره صلباً لئلا ينسحج ولم يخلق له أسنان لأن زمان
|
||
الانتهاب لا يحتمل المضغ، وجعلت له حوصلة كالمخلاة، فينقل إليها ما يستلب
|
||
ثم ينقله إلى القانصة في زمان الأمن، فإن كانت له فراخ أسهمهم قبل النقل
|
||
كلما طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول طعمه من الأرض، هذا طائر
|
||
الماء لا يقف إلا في ضحضاح، فيتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى ما يريد خطا
|
||
خطوات على مهل فيتناول ولو كان قصير القوائم، كان حين يخطو يضرب الماء
|
||
ببطنه فيهرب الصيد، هذه العنكبوت تبني بيتها بصناعة يعجز عنها المهندس إنها
|
||
تطلب زاوية فجعلت فيها خيطاً، ووصلت بين طرفيها بخيط آخر وتلقي اللعاب على
|
||
الجانبين فإذا أحكمت المعاقد ورتبت القسط كالسدى أخذت في اللحمة فيظن الظان
|
||
أن نسجها عبث، كلا، إنها تصنع شبكة لتصيد قوتها من الذباب والبق فإذا أتمت
|
||
النسج انزوت إلى زاوية ترصد رصد الصائد، فإذا وقع صيد قامت تجني ثمار كسبها
|
||
فتغتذي به فإذا أعجزها الصيد طلبت زاوية ووصلت بين طرفيها بخيط ثم علقت
|
||
بنفسها بخيط آخر، وتنكست في الهواء تنتظر ذبابة تمر بها فإذا دنت منها دبت
|
||
إليها واستعانت على قتلها بلف الخيط على رجلها، أفتراها علمت هذه الصنعة
|
||
بنفسها? أو قرأتها على بعض جنسها أفلا ينظر إلى حكمة من علمها? وتثقيف من
|
||
ألهمها.\\
|
||
فإن لم يكن لك نظر يعجبك منها فيعجب من عدم تعجبك، فإن أعجب أفعال القدر "
|
||
وأَضَلَّهُ اللهُ على علمٍ " القلب جوهر في معدن البدن، فاكشف عنه بمعول
|
||
المجاهدة ولا تطينه بتراب الغفلة، رميت صخرة الهوى على ينبوع الفطنة،
|
||
فاحتبس الماء، انقب تحتها إن لم تطق رفعها لعل الجرف ينهار.
|
||
|
||
| في قربنا نيل المـنـى | | فتنبهوا يا غافـلـينـا |
|
||
| عجباً لقومٍ أعـرضـوا | | عنا وقوم واصَلـونـا |
|
||
| نقضوا العهود وبارزونا | | بالصدود كاشـفـونـا |
|
||
| واستعذبوا طعم القطيعة | | والجفا حتى نسـونـا |
|
||
| يا ويحهم لو قـد دروا | | ما فاتهم لاستعطفونـا |
|
||
|
||
إلهي، ما أكثر المعرض عنك والمعترض عليك، وما أقل المتعرضين لك يا روح
|
||
القلوب أين طلابك? يا نور السموات أين أحبابك? يا رب الأرباب أين عبادك? يا
|
||
مسبب الأسباب أين قصادك? من الذي عاملك بلبه فلم يربح? من الذي جاءك بكربه
|
||
فلم يفرح? أي صدر صدر عن بابك ولم يشرح? من ذا الذي لاذ بحبلك فاشتهى أن
|
||
يبرح? يا معرضاً عنه إلى من أعرضت? يا مشغولا بغيره بمن تعوضت?
|
||
|
||
| مت على من غبت عنه أسفاً | | لست عنه بمصيب خلـفـا |
|
||
| لن ترى قـرة عـين أبـداً | | أو ترى نحوهم منصرفـا |
|
||
|
||
بعت قيام الليل بفضل لقمة، شربت كأس النعاس ففاتك الرفقة، ضرب على أذنك لا
|
||
في مرافقة أهل الكهف، تناولت خمر الرقاد، فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك
|
||
بمقتضى قم وانم، فجعل حدك الحبس عن لحاق المتهجدين، والله لو بعت لحظة من
|
||
خلوة بنا بعمر نوح في ملك قارون لغبنت لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت
|
||
ومن ذاق عرف.
|
||
|
||
إخواني، اسمعوا بحرمة الوفاء فما كل وقت يطلع سهيل، فإذا خرجتم من المجلس
|
||
فاقصدوا المساجد الخراب، وضعوا وجوهكم على التراب وابعثوا أنفاس الأسف وكفى
|
||
بها شفيعاً في الزلل، فإن وجدتم قلوبكم قد حضرت فاذكروني معكم.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| وقولوا لجيرانٍ على الخيف من منى | | تراكُمْ مَن استبدلـتُـمُ بـجـواريا |
|
||
| ومَنْ ورَدَ الماءَ الذي كـنـت وارداً | | به ورَعى العشبَ الذي كنت راعيا |
|
||
| فوا لهفتي كم لي على الخيفِ شهقةً | | *تذوبُ عليها قطـعةٌ مـن فـؤاديا* |
|
||
|
||
الفصل السبعون
|
||
|
||
يا تائهاً في بوادي الهوى انزل ساعة بوادي الفكر يخبرك بأن اللذة قصيرة
|
||
والعقاب طويل واعجباً لمن يشتري شهوة ساعة بغم الأبد. كانت المعصية ساعة لا
|
||
كانت فكم ذلت بعدها النفس وكم تصاعد لأجلها النفس وكم جرى لتذكارها دمع.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| قَضَتِ المنازلُ يومَ كـاظـمةٍ | | أنَّ المطيَّ يطولُ موقفُـهـا |
|
||
| سبقتْ مدامعُنا بـر شـتـهـا | | من قبلِ أن يومي مكفكفهـا |
|
||
| إن كنتُ أنفذتُ الدموعَ بـهـا | | فالوجدُ بعدَ اليومِ يُخلِـفُـهـا |
|
||
| لا تنشُـدَنَّ الـدارَ بـعـدهـمُ | | إني على الإقواء أعرفُـهـا |
|
||
| رفقاً بقلـبـي لا تـعـذبـه | | العينُ منكَ وأنتَ تَطرفُـهـا |
|
||
| في القلب منكَ جراحةٌ عظمت | | ما زلت أدملها وتقـرفـهـا |
|
||
| هل يعطِفَنَّكُـمُ تـوجُّـعُـهـا | | *أو يُقبِلَنَّ بكُم تـلـهُـفُـهـا* |
|
||
|
||
يا من قد هبت على قلبه جنوب المجانبة فلفقت غيم الغفلة، فأظلم أفق المعرفة
|
||
لا تيأس فالشمس تحت الغيم، لو تصاعد نفس أسف دارت شمالاً فتقطع السحاب،
|
||
أنفع دواء أجده لك نقض أخلاط التخليط بالدموع، بضاعة المذنب دمعه، رأس مال
|
||
المقر حزنه، راحة الأوّاب قلقه، عيشة التواب حرقه، كان آدم يبكي بعد هبوطه
|
||
حتى يخوض في دمعه، فكان جبريل يأتيه فيقول كم هذا البكاء? ولسان حاله
|
||
يجيب.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا عاذل المشتاق دعـهُ فـإنـهُ | | *يطوي على الزفراتِ غيرَ حشاكا * |
|
||
| لو كان قلبكَ قلبهُ مـا لـمـتـهُ | | حاشاك مما عنـدهُ حـاشـاكـا |
|
||
|
||
يا جبريل: ما تغير عليك أمر وأنا نقلت من برد عيش إلى حر، ما سكنت قط مسكني
|
||
ولا توطنت موطني، فاقرأ على ربعي سلامي وقل له لا تنس أيامي.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| إذا جزت بالغور عرّج يميناً | | فقد أخذ الشوق منا يمـينـا |
|
||
| وسلم علـى بـانة الـواديين | | فإن سمعت أوشكت أن تبينه |
|
||
| وروِّ ثرى أرضهم بالدمـوع | | *وخل الضلوع على ما طوينا * |
|
||
| وصح في مغانيهم أين هـم | | وهيهات أموا طريقاً شطونا |
|
||
| أراك يشوقـك وادي الأراك | | أالدار تبكي أم الساكنـينـا |
|
||
| سقى الله مرتعنا بالحـمـى | | وإن كان أورث داءاً دفينـا |
|
||
| وعاذلة فوق داء المـحـب | | رويداً رويداً بناقد بـلـينـا |
|
||
| فمن تعذلين أمـا تـعـذرين | | فلو قد نفقت دعت الأنـينـا |
|
||
| إذا غلب الحب صح العتـاب | | تعبت وأتعبت لو تعلمـينـا |
|
||
|
||
ما زال آدم يشيم برق العفو فلما طال عليه الزمان حمّل صعداء الوجد رسالة
|
||
شكوى ما علمت بمضمونها الرياح.
|
||
|
||
| إذا بدا البرق من نجد طربت لـه | | *وكدت من طربي أقضي لذكرهم * |
|
||
| وتحمل الريح إن هبت شـامـية | | مني السلام إلى أطلال ربعهـم |
|
||
| فرض على أراعيهم وأحفظهـم | | *على البعاد ويرعوني بفضلـهـم* |
|
||
|
||
يا معاشر المذنبين ، تأسّوا بأبيكم في البكاء، تفكروا كيف باع داراً قد ربي
|
||
فيها وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف
|
||
بالزلل، ما انتفع آدم في بلية "وعصى " بكمال " وعلم " ولا رد عنه عز "
|
||
اسجدوا " وإنما خلصه ذل "ظلمنا ". قال سريّ: بتُّ ببعض قرى الشام، فسمعت
|
||
طائراً على شجرة يقول طوال الليل، أخطأت لا أعود فقلت لأهل القرية: ما اسم
|
||
هذا الطائر? فقالوا: فاقد إلفه.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| تأوهـت تـأوه الأســير | | ورقاءُ ذات ورَقٍ نضـيرِ |
|
||
| تنطق عن قلب لها مكسورِ | | كانها تنطق عن ضمـير |
|
||
| لبيكِ يا حزينةَ الـصـفـير | | إن استجرتِ بي فاستجيري |
|
||
| لك الخيارُ انجدي أو غـوري | | وحيثما صار هواكِ صيري |
|
||
| *قصي جناحي زمن فطيري * | | |
|
||
|
||
أخواني، نفترق على هذه الحال غفلة شاملة ودموع جامدة لا بالله لا تفعلوا.
|
||
|
||
| يا حادي العيس لا تعجل بنا وقف | | *نجري دموع هواهم ثم ننصرف * |
|
||
| فما يزال نسـيم مـن يمـانـية | | *يأتي إلينا بـريا روضة أنـف* |
|
||
|
||
إذا رأيتم باكياً في المجلس فارحموه، وإذا شاهدتم قلقاً فاعذروه، لا تعجبوا
|
||
من واجد ما لم تجدوه.\\
|
||
لابن المعتز:
|
||
|
||
| دعوه ليطفي بالدموع حرارة | | على كبدٍ حرّى دعوه دعوه |
|
||
| سلوا عاذليه يعذروه هنـيهة | | *فبالعذل دون الشوق قد قتلوه * |
|
||
|
||
لا تلوموا صاحب الوجد فما يرى بحضرته أحدا.
|
||
|
||
| ظن الأراك لدى واديه أظعـانـا | | فما استطاع لما أخفاه كتمـانـا |
|
||
| فبان للركب ما قد كان يسـتـره | | *عن كل مستخبر عن حب من بانا * |
|
||
|
||
كان أبو عبيدة الخواص يمشي في الطريق ويصيح: وا شوقاه إلى من يراني ولا
|
||
أراه.
|
||
|
||
| هذا ولَهي وكم كتمتُ الـوَلَـهـا | | *صوناً لحديث من هوى النفس لها * |
|
||
| يا آخر محـنـتـي ويا أولـهـا | | *أيام عناي فيك مـا أطـولـهـا* |
|
||
|
||
ليس للمحب قرار ولا له من الحب فرار، تعرقل وفات وخنق فمات.
|
||
|
||
| ولي عبراتٌ تستـهـلُّ صـبـابةً | | عليك إذا برق الغمـام تـألّـقـا |
|
||
| ألفت الهوى حتى حلت لي صروفه | | ورب نعيم كان جالـبـه شـقـا |
|
||
| وأذهل حتى أحسب الصد والنـوى | | بمعترك الذكرى وصالاً وملتقـى |
|
||
| فها أنا ذو حالـين أمـا تـلـذذي | | *فحي وأما سلوتي فلـك الـبـقـا* |
|
||
|
||
لو أشرفت على وادي الدجى لرأت خيم القوم على شواطئ أنهار الدموع، خلوا
|
||
والله بالحبيب وطال الحديث، عين تبكي من المحبوب وأخرى تبكي عليه، لفظة
|
||
تشكو منه وأخرى تشكو إليه. ري تام لمحبته، وعطش محرق إلى رؤيته.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| الماءُ عندي قد طـمـا | | وأنا الذي أشكو الظّما |
|
||
| جسمي معي لكن قلبي | | عند سكان الحِـمـى |
|
||
| واهاً لهم لـو أنـهـم | | عادوا وجادوا لي فما |
|
||
| أرجو نوالاً مـنـهـمُ | | هيهات هم حبي ومـا |
|
||
| ميلي إلى غير الأولـى | | سكنوا فؤادي إنـمـا |
|
||
| أشكو إليهم مـنـهـمُ | | كلما يزيد وكـلـمـا |
|
||
| هجروا تفاقم أمرهـم | | يا ليتهم داووا كـمـا |
|
||
| جرحوا فلو طبوا شفوا | | هيهات لولاهم لـمـا |
|
||
| ذهب الزمان بأن أقول | | عسى وأرجو ربـمـا |
|
||
| يا أيها المضنى بـهـم | | *لم يبق منك سوى الذما * |
|
||
| فالذما كان الـوصـال | | فعاد مرّاً علـقـمـا |
|
||
| تركوك بعد فراقـهـم | | متحيراً تبـكـي دمـا |
|
||
| يا بانة الوادي ارحمـي | | من لا يزال متـيّمـا |
|
||
| يا نسمة الريح الشمـال | | ألا أبلغيهم بعض مـا |
|
||
| ألقى فحر سـمـائم الأ | | نفاس يكفي معلـمـا |
|
||
| نفسي تكابد وجـدهـا | | بكم فما فغرت فـمـا |
|
||
| لكن آثار الـمـحـبة | | ليس تخفـى أينـمـا |
|
||
|
||
الفصل الحادي والسبعون
|
||
|
||
إخواني: ألا ناظر لنفسه قبل الموت، ألا مستدرك زاد رمسه? قبل الفوت، ألا
|
||
مزدجر بواعظ أمسه? فقد أسمعه الصوت.
|
||
|
||
| ما ضرَّ عبدٌ نفسـه | | قبل خروج نفسه |
|
||
| هل يومه أو غـده | | إلا نظير أمـسـه |
|
||
| وعلَّه يلقى الـرّدى | | *قبل غروب شمسه * |
|
||
| كم مدلجٍ مهـجـرٍ | | *يسعى لبعل عرسه * |
|
||
| وأكيس الناس امرؤٌ | | جدّ ليوم رمـسـه |
|
||
|
||
إخواني: حبال الآمال رثاث، وساحر الهوى نفاث، والأماني على الحقيقة أضغاث،
|
||
والمال المدخر رزق الوارث، عجباً لأجسام ذكور وعقول إناث، إلام لرواح في
|
||
الهوى والتغليس? وحتام السعي في صحبة إبليس? وكم بهرجة في العمل وكم تدليس?
|
||
أين الأقران هل لهم من حسيس? أما تعلم أنهم ندموا على إيثار الخسيس، تالله
|
||
لقد ودوا طلاق الدنيا قبل المسيس، لقد أسمعك الموت وعيدك، وكأنك به قد ضعضع
|
||
مشيدك، وأخلى منك دارك، وملأ بك بيدَك، لقد أمرضك الهوى وفي عزمه أن يزيدك،
|
||
هل لذت لذة الدنيا فصفت هل عافت? إلا وعافت وعفت هل تبعت عرضاً? وقفت فوقفت
|
||
هل أرشفت شفة من رضابها? فشفت بينا محبها يناجيها بألفاظ المنى، خفت ما بلغ
|
||
المراد منها إلا من صد عنها والتفت.
|
||
|
||
| عين المنية يفضي غير مطـرفة | | وطرف مطلوبها مذ كان وسنان |
|
||
| جهلاً تمكن منه حـين مـولـده | | *فالمرء صاح ولبُّ المرء سكران * |
|
||
|
||
كم نرمي هدف سمعك برشق كلام، كم نلدغ أصل قلبك بحمة ملام، لا تنفع الرياضة
|
||
إلا في نجيب، لو سقي الحنظل بماء السكر لن يخرج حلواً، شجر الأثل وإن دام
|
||
الماء تحته لم يثمر، سحاب الهدى قد طبق بيد الأكوان، وأظن أرض قلبك سبخاً
|
||
إنما يغلب هذا على ظني لبعد صلاحك وقد يستحيل الخمر خلاًّ، كم تحضر المجلس
|
||
وتخرج وما علقت بشيء ويحك، هذا البنفسج يطرح في الشيرح فيعبق به طول السنة
|
||
وكذلك الورد في الأشنان.
|
||
|
||
| ومن البليّة عذلُ من لا يرعوي | | *عن غيّه وخطاب من لا يفهم* |
|
||
|
||
ويحك، إلى كم تعدو خلف موكب الهوى وما تربح إلاّ الغبار، دع حبل الرعونة من
|
||
يد التمسك فإنه لا مرة له، ما قتل أحد بأحد من سيف سيوفي، ومواهب الأعمار
|
||
مسترجعة بالأنفاس حتى تستوفي، ألست نقضت عهد " ألست " بعد عقد عقده فكيف حل
|
||
لك الحل?
|
||
|
||
| بحرمة ما قد كان بينـي وبـينـكـم | | *من الوصل إلا ما رجعتم إلى الوصل * |
|
||
|
||
نحن لك على الوفاء ما زلنا، وأنت ما ثبت يومين.\\
|
||
لكثير:
|
||
|
||
| وكنّا ارتقينا في صعودٍ من الهوى | | فلما علـونـاه ثـبـت وزلـت |
|
||
| وكنا عقدنا عقدة الوصل بينـنـا | | *فلما توافينـا شـددت وحـلّـت* |
|
||
|
||
واعجباً، تنبه الحيوانات بالليل فتصوت وأنت غافل ويحك إذا فتحت عينيك في
|
||
الدجى فصح بقلبك.
|
||
|
||
| قم بنا يا أخي لما نتـمـنّـى | | واطرد النوم بالعزيمة عنـا |
|
||
| قم فقد صاحت الديوك ونادت | | *لا تكون الديوك أطرب منا* |
|
||
|
||
إخواني: مصيبتنا في التفريط واحدة وأهل الأحزان أهل.
|
||
|
||
| إنّا ليجمعُنا البكـاء وكـلُّـنـا | | *نبكي على شجنٍ من الأشجان * |
|
||
|
||
مجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا على
|
||
فوات مطلوبه، وهذا لإعراض محبوبه.
|
||
|
||
| يتشاكى الواجدون جوىً | | واحداً والوجد ألـوانُ |
|
||
|
||
يا نائح الفكر نضد، يا نادب الحزن عدّد، يا لائم النفس شدِّد، يا رامي
|
||
القلب سدِّد، يا جامع الدَّمع بدِّد، يا مطرب السر ردِّد.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| نشدتُك يا بـانة الأجـرع | | متى رفعَ الحيُّ من لعلع |
|
||
| وهل مرَّ قلبي في التابعين | | أم حار ضعفاً فلم يتبـع |
|
||
| رأيت له بين تلك القلوب | | إذا اشتبهت أنة الموجـع |
|
||
| أدر يا نديمي كأس الحديث | | فكأسي بعدهُمُ مدمعـي |
|
||
|
||
يا مقيّداً عن السير بقيود الشواغل أيطمع في لحاق الطير مقصوص القوادم? صوت
|
||
في الأسحار بالسائرين لعل عطفاً ينعطف إليك في عطفة رحمة، فقد ترق الساعة
|
||
لأهل الفاقة.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ردوا لنا يومـاً ولـو سـاعةً | | *على الغضا من عيشنا الزائلِ * |
|
||
| لي ذلة السائلِ ما بـينـكـم | | فلا تفتكـم عـزة الـبـاذل |
|
||
|
||
سل الليل عن الأحباب فعنده الخبر، خلا الفكر بالقلب في بيت التلاوة فجرت
|
||
أوصاف الحبيب فنهض قلق الشوق يضرب بطون الرواحل لينهر السهر فلا وجه لنوم
|
||
القوم.\\
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| أترى طيفكم لمـا سـرى | | *أخذ النوم وأعطى السهرا * |
|
||
| لا نلوم الليل بل نـعـذره | | إنما طوله من قـصـرا |
|
||
| يا عيوناً بالغضـا راقـدة | | حرم الله عليكن الكـرى |
|
||
| لو عدلتن تساهمنا جـوى | | مثل ما كنا اشتركنا نظرا |
|
||
| حبذا فيك حديث بـاطـن | | فطن الدمع به فانتشـرا |
|
||
|
||
*من لم يكن له مثل تقواهم لم يعلم ما الذي أبكاهم. من لم يشاهد جمال يوسف
|
||
لم يعلم ما الذي ألم قلب يعقوب*.\\
|
||
|
||
|
||
| من لم يبت والحب حشو فؤاده | | لم يدر كيف تفتت الأكـبـاد |
|
||
|
||
*لو دمت على سلوك البادية طابت لك ريح الشيح*.\\
|
||
|
||
|
||
| تقر لعيني أن أرى رملة الحمـى | | إذا ما بدت يوماً لعيني قلالـهـا |
|
||
| ولست وإن أحببت من يسكن الغضا | | بأول راجٍ حـاجة لا ينـالـهـا |
|
||
|
||
الفصل الثاني والسبعون
|
||
|
||
*يا من كانت له معنا معاملة، وطالت بيننا وبينه المواصلة ثم اختار الهجر
|
||
والفاصلة إن، لم يكن جميل فلتكن مجاملة، تفكر تعرف قدر ما فاتك وابك لذنب
|
||
حرمك الفوز وأفاتك، اسكب دموع أسفك فرب دم بالأسى سفك واندب أطلال مألفك
|
||
لعلك تغاث في موقفك.\\
|
||
للمهيار*:
|
||
|
||
| تظـنُّ لـيالـينـا عـــوَّدا | | على العهد من برقتي ثهمـدا |
|
||
| *ويا صاحبي أين وجه الصباح?* | | وأين غدٌ? صِف لعيني غـدا |
|
||
| وخلف الضلوع زفـيرٌ أبـى | | وقد برد الـلـيل أن يبـردا |
|
||
| خليليّ، لي حاجةٌ مـا أخـفَّ | | لرامة لو حملتْ مُـسـعِـدا |
|
||
| أريد لأكـتـم وابــن الأراك | | يفضحهـا كـلـمـا غـردا |
|
||
| أحب وإن أخصب الحاضرون | | ببادية الـرمـل أن أخـلُـدا |
|
||
| أرى كبدي قُسِّمتْ شعبـتـين | | مع الشوق غور أو أنـجـدا |
|
||
| تمناك عيني وقـلـبـي يراك | | بشوقي حاشاك أن تُـفـقـدا |
|
||
|
||
*للهم نور دنيانا بنور من توفيقك، واقطع أيامنا في الاتصال بك وانظم شتاتنا
|
||
في سلك طاعتك، فأنت أعلم بتلفيق المقترف، اللهم قوِّ منن أطفال التوبة
|
||
بلبان الصبر، ارفق بمرضى الهوى في مارستان البلاء، افتح مسام الأفهام لقبول
|
||
ما ينفع، سلم سيارة الأفكار من قاطع طريق، احرس طلائع المجاهدة من خديعة
|
||
كمين، احفظ شجعان العزائم من شر هزيمة، وقّع على قصص الإنابة بقلم العفو،
|
||
لا تسلط جاهل الطبع على عالم القلب، لا تبدل نعيم عيش الروح بجحيم حر
|
||
النفس، لا تمت حي العلم في حي الجهل أخرجنا إلى نور اليقين من هذا الظلام،
|
||
لا تجعلنا ممن رأى الصبح فنام، لا تؤاخذنا بقدر ذنوبنا، فإنك قلت: "ولا
|
||
تنسوُا الفضل بينكم" واعجباً لمن عرفك ثم أحب غيرك ولمن سمع مناديك ثم تأخر
|
||
عنك.\\
|
||
*
|
||
|
||
*حرام عــلـى العـيش مــا دمـت غـــضــــبـانــا وما لـم يعـد عـــني رضاك
|
||
كــمـا كـانا*
|
||
|
||
*فأحـسـن فـــإنـــي قــــد أسـأت ولم تــزل تعــودنـي عــنـد الإسـاءة
|
||
غفــرانـا*
|
||
|
||
*إلهي، لا تعذب نفساً قد عذبها الخوف منك، ولا تخرس لساناً كل ما يروي عنك،
|
||
ولا تقذ بصراً طالما يبكي لك، ولا تخيب رجاءاً هو منوط بك، إلهي، ضع في
|
||
ضعفي قوة من منك، ودع في كفي كفى عن غيرك، ارحم عبرة تترقرق على ما فاتها
|
||
منك، برد كبداً تحترق على بعدها عنك.*
|
||
|
||
*للشريف الرضي*:
|
||
|
||
| أشكو إليك مدامعا تَـكِـفُ | | بعد النوى وجوانحاً تَجِـفُ |
|
||
| ما كان أسرع ما نبا زمـنٌ | | وتكدرتْ من وُدّنا نُـطَـفُ |
|
||
| حبلٌ، غدا بأكفـنـا طَـرَفٌ | | *منه وفي أيدي النوى طرفُ * |
|
||
| لهفي على ذاك الزمان وهلْ | | يثني زماناً ماضياً لَـهَـفُ |
|
||
|
||
*واأسفي لمنقطع دون الركب متأخر عن لحاق الصحب يعد الساعات في متى ولعل
|
||
ويخلو يفكر في عسى وهل.\\
|
||
لقيس المجنون*:
|
||
|
||
| أعد اللـيالـي لـيلة بـعـد لـيلة | | وقد عشت دهراً لا أعد الـلـيالـيا |
|
||
| وأخرج من بين البيوت لعـلـنـي | | أحدث عنك النفس باللـيل خـالـيا |
|
||
| يميناً إذا كانت يمـينـا وإن تـكـن | | شمالاً ينازعني الهوى عن شمالـيا |
|
||
| ألا يا حمامي بطن نعمان هجتـمـا | | على الهوى لما تغـنـيتـمـا لـيا |
|
||
| وأبكيتماني وسط صحبي ولـم أكـن | | أبالي بدمع العين لو كنت خـالـيا |
|
||
| ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت | | لها وهج مستضـرم فـي فـؤاديا |
|
||
| خليلي ما أرجو من العيش بعـدمـا | | أرى حاجتي تشرى ولا تشتري لـيا |
|
||
| وقد يجمع الله الشتيتـين بـعـدمـا | | يظنان كـل الـظـن أن تـلاقـيا |
|
||
|
||
*أيها المتخلف في أعقاب الواصلين استغث بهم، علّق على قطارهم فلعل جملك
|
||
يصل*.\\
|
||
|
||
|
||
| يا صاح والصاحب لا يدعى به |
|
||
|
||
| خذ بيدي من سطوة البين فما | | أظن أن البين أبقى لـي يدا |
|
||
| أين ليالينا القصار بالحمـى | | واكبداً على الحمى واكبـدا |
|
||
|
||
يا من قد مضت له ليالي مناجاة ثم طبق الدستور، وقطع المعاملة، اندب زمان
|
||
الوصل لعل حالاً حال يعود.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| يا ليلتـي بـحـاجـر | | *إن عاد ماضٍ فارجعي * |
|
||
| بتنا علـى الأحـقـاف | | تنهال بكل مضـجـع |
|
||
| قالوا الصباح فانتـبـه | | فقال لي الطيف اسمع |
|
||
| فقمت مخلوطـاً أظـن | | البازل ابـن الـربـع |
|
||
| حيران طـرفـي دائرٌ | | أطلب ما ليس معـي |
|
||
| أرضى بأخبار الـرياح | | والبـروق الـلُّـمَّـعِ |
|
||
| وأين من برق الحمـى | | شائمة بـلـعـلــع |
|
||
| *أفرشني الجمرَ وقـال:* | | إن أردت فـاهـجـع |
|
||
|
||
ذكر الوصال في زمان الهجر تلف، خصوصاً إذا لم يكن للحبيب خلف. قال ابن
|
||
مسروق: كنت أمشي مع الجنيد في بعض دروب بغداد، فسمع منشداً يقول:
|
||
|
||
| منازل كنت تهواها وتألفهـا | | *أيام أنت على الأيام منصور * |
|
||
|
||
فبكى الجنيد بكاءاً شديداً وقال ما أطيب منازلة الإلفة والأنس، وأوحش
|
||
مقامات المخالفة لا أزال أحن إلى أول بدء إرادتي وجدة سعيي.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| يا ليلـتـي بـذات الـشـيح والـضـال | | ومنبت البان من نعـمـان عـودا لـي |
|
||
| ويا مـرابـع أطـلالـي بـذي سـلـم | | *لهفي على ما مضى من عصرك الخالي * |
|
||
| ويا مـآرب نـفـسـي والـذين هــم | | بالوصل والهجر أعـلالـي وأبـلالـي |
|
||
| قد كان قلبي بكم مأوى السـرور فـمـذ | | نا يتـم صـار مـأوى كـل بـلـبـال |
|
||
| فلو شربت بعمـري سـاعة سـلـفـت | | من عيشتي معكم ما كان بـالـغـالـي |
|
||
| مالي أعلل نفسي بـالـوقـوف عـلـى | | منازل أقـفـرت مـنـكـم وأطـلال |
|
||
| من لي بكتمـان مـا ألـقـاه مـن ألـم | | وظاهري معرب عن باطـن الـحـال |
|
||
| قالوا تشاغل عنـا واصـطـفـى بـدلاً | | منا وذلك فعـل الـخـائن الـسـالـي |
|
||
| وكيف أشغل قلبي عـن مـحـبـتـكـم | | *بغـير ذكـركـم يا كـل أشـغـالـي* |
|
||
|
||
الفصل الثالث والسبعون
|
||
|
||
واشوقاه إلى أرباب الإخلاص واتوقاه إلى رؤية تلك الأشخاص، إني لأحضر ذكركم
|
||
فأغيب وإن وقتي بتذكركم ليطيب.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| إذا هزنا الشوق اضطربنـا لـهـزِّهِ | | *على شُعَبِ الرحل اضطراب الأراقم * |
|
||
| فمن صبوات تـسـتـقـيم بـمـائل | | ومـن أريحـياتٍ تـهـب بـنـائم |
|
||
| وأستشرف الأعلام حـتـى يدلـنـي | | على طيبها مر الرياح الـنـواسـم |
|
||
| ومـا أنـسـم الأرواح إلا لأنـهـا | | *تهب على تلك الربى والمـعـالـمِ* |
|
||
|
||
الإخلاص مسك مصون في مسك القلب تنبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص
|
||
روح، المخلص يعد طاعته لاحتقاره لها عرضاً وقلم القبول قد أثبتها في الجوهر
|
||
خالصاً، الإخلاص اليسير كثير ووجود عمل الرياء عدم قراضة الأماني لا تقف،
|
||
وصحيح الشبه مردود، خليج صاف أنفع من بحر كدر، إذا لم تخلص فلا تتعب لا
|
||
يكسر الجوز بالعهن، أتحدو وما لك بعير? أتمد القوس وما لها وتر? أتتجشأ من
|
||
غير شبع? واعجباً من وحشي بلا جبل كم بذل نفسه مراء? لتمدحه الخلق. فذهبت
|
||
والمدح ولو بذلها للحق لبقيت والذكر، عمل المرائي بصلة كلها قشور، المرائي
|
||
يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام
|
||
القلوب، وما يخفى على المرائي على مسانح الفطن، لما أخذ دود القز ينسج
|
||
أقبلت العنكبوت تتشبه وقالت: لك نسج ولي نسج، فقالت دودة القز: ولكن نسجي
|
||
أردية الملوك ونسجك شبكة للذباب وعند مس النسيجين يبين الفرق.
|
||
|
||
| إذا اشتبكت دموع في خدود | | تبين من بكى ممن تباكـا |
|
||
|
||
شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة وشجرة الدبا تصعد في أسبوعين فتقول لشجرة
|
||
الصنوبر إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قد قطعتها في أسبوعين، فيقال
|
||
لي شجرة ولك شجرة فتجيبها: مهلاً إلى أن تهب ريح الخريف، قال الدب للآدمي:
|
||
أنت تمشي على رجلين وأنا أيضاً، فقال الآدمي: ولكن صدمة تردك إلى أربع وكم
|
||
أصدم وأنا منتصف.\\
|
||
كان الأشياخ في قديم الزمان أصحاب قدم والمريدون أصحاب ألم فذهب القدم
|
||
والألم، كان المريد يسئل عن غصة والشيخ يعرف القصة فاليوم لا غصة ولا قصة،
|
||
كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب، كان الزهد حرقة فصار
|
||
اليوم خرقة، ويحك صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، غير زيك أيها
|
||
المرائي فهو يصيح خذوني، تحملن السيف وما تحسن القتال سيف ودرع لزمن هتكة،
|
||
ولمقعد فضيحة، البهرج يتبين عند الحك إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج
|
||
إلى ضفيرتين ولا يصير المخنث تركياً بلبس القباء، ولا المرائي ولياً بلبس
|
||
العباء، هذه من النكت الخفايا وفي الزوايا خبايا. واعجباً ما للدواعي إلى
|
||
الدعاوي، الباطن ينطق لما علم الصالحون خطر البيات، أدلجوا بأحمال الأعمال
|
||
في ليل الكتم، كان البكاء إذا غلب أيوب قال ما أشد الزكام.
|
||
|
||
| هبيني أستر البلـوى | | *أليس الدمع يفضحني * |
|
||
| لساني فيك أملـكـه | | ودمع العين يملكني |
|
||
|
||
صام داود بن أبي هند أربعين سنة لم يعلم به أحد، كان يأخذ غداه ويخرج إلى
|
||
الدكان فيتصدق به في الطريق فيظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت ويظن أهله
|
||
أنه قد أكل في السوق.\\
|
||
لجابر الجرمي:
|
||
|
||
| ومستخبر عن سر ليلى رددته | | فأصبح في ليلى بغير يقـين |
|
||
| يقولون خبرنا فأنت أمينـهـا | | *وما أنا إن أخبرتهم بـأمـين* |
|
||
|
||
كان ابن سيرين يتحدث بالنهار ويضحك، فإذا جاء الليل أخذ في البكاء والعويل.
|
||
|
||
| نهاري نهار الناس حتى إذا بـدا | | *لي الليل هزتني إليك المضاجع * |
|
||
| أقضي نهاري بالحديث وبالمنى | | *ويجمعني والهم بالليل جامـع* |
|
||
|
||
كان خوفهم من الرياء يوجب مدافعة النهار، فإذا خلوا بالحبيب لم يصبر
|
||
المشوق.
|
||
|
||
| أحن بأطراف النهار صبـابة | | *وبالليل يدعوني الهوى فأجيب * |
|
||
|
||
لو قدروا على استدامة الكتمان ما أذاعوا وكم يقدر المشتاق أن يكتم الوجدا،
|
||
إذا جن الليل وظلامه، ثار سجن المحب وسقامه، ورمى الوجد فأصابت سهامه،
|
||
واستطلق مزاد العين فأنهل سجامه، وطال بالحزين قعوده وقيامه.
|
||
|
||
| كم بذكراك ولـوعـي | | يا جوى بين الضلـوع |
|
||
| هجع العـاذل لـكـن | | من لعيني بالهجـوع |
|
||
| هي في شغل عن النوم | | بمرفـض الـدمـوع |
|
||
| أتغني بك في الـحـي | | كورقـاء سـجـوع |
|
||
|
||
لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل القوم أو شاهدت ساقة المستغفرين في أواخر
|
||
الركب، أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الليل.
|
||
|
||
| من رأى البرق بنجد إذ ترآى | | سلب النوم وأهدى البرحـاءا |
|
||
| فاض فيضاً كجفونـي مـاؤه | | *والتظى وهناً كأنفاسي التظاءا * |
|
||
| نام سمار الدجى عن ساهـر | | اتخذ الهم سميراً والبـكـاءا |
|
||
| أسعدته أدمع تـفـضـحـه | | *فإذا ما أحسن الدمـع أسـاءا* |
|
||
|
||
إذا رأيتم حزيناً فارحموه، وإذا شاهدتم قلقاً فاعذروه. وإذا رأيتم باكياً
|
||
فوافقوه.
|
||
|
||
| الدمع يخـون كـل كـاتـم | | والحب يحـلـل الـعـزائم |
|
||
| القلـب بـحـبـكـم لـديغ | | ما أقلقنـي مـن الأراقـم |
|
||
| والوجد يغالب الـمـقـاوي | | والسالم فيه مـن يسـالـم |
|
||
| هذا ولعـين فـي هـواكـم | | سلمت لكم فمـا أخـاصـم |
|
||
| سالت بكم دمـوع عـينـي | | والدمع بمقلـتـي يزاحـم |
|
||
| أبكي أثر الحبـيب كـرهـا | | والحزن تهيجه المـعـالـم |
|
||
| يا مانع مقلـتـي كـراهـا | | مر اللـيل ولـسـت نـائم |
|
||
| قد صمت عن الهوى لأحظى | | في الحب لكم بأجر صـائم |
|
||
| هل يبـذل وردكـم لـظـام | | حيران على الورود حـائم |
|
||
| ناحت فزجرتـهـا حـمـام | | ما لي تزعجني الحـمـائم |
|
||
| يرقبن إلى ذرى غـضـون | | أنى تحـمـلـك الـقـوائم |
|
||
| تبكين وما شـجـاك شـوق | | شكواك إذا من العـظـائم |
|
||
| إن كنت صدقت فاسعدينـي | | لا نسمع لـومة الـلـوائم |
|
||
| طارت وبقيت في ضمانـي | | لا أبرح والزعـيم غـارم |
|
||
|
||
الفصل الرابع والسبعون
|
||
|
||
أخواني: سار المتقون ورجعنا ووصلوا وانقطعنا، وأجابوا الداعي وامتنعنا،
|
||
ونجوا من الإشراك ووقعنا، تعالوا ننظر في آثارهم وندرس دارس أخبارهم ونبكي
|
||
على التفريط ما نابنا، ونندب ما لحقنا، وأصابنا.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| ودعوا يوم النوى واستقـلـوا | | ليت شعري بعدها أين حلـوا |
|
||
| يا نسيم الريح بـلـغ إلـيهـم | | أن عقدي معـهـم لا يحـل |
|
||
| لي من الريح الشمال انتهـال | | فإذا هبت سـحـيراً فـعـل |
|
||
| عرضوا قلبي لسقـم طـويل | | باطن يظهر مـنـه الأقـل |
|
||
| لو بكت عيني على قدر وجدي | | صار واديهم دمـاً لا يحـل |
|
||
|
||
سافر القوم على رواحل الصدق، فقطعوا أرض الصبر حتى وقعوا برياض الأنس،
|
||
فعقبت قلوبهم بنشر القرب وتعطرت بنسيم الوصل، فعادت سكرى من صرف سلاف الوجد
|
||
وعربدت على عالم الجسم، فكلما ربا الحب ذاب.
|
||
|
||
| خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري | | *ضنا جسدي لكـنـنـي أتـكـتـم* |
|
||
|
||
حمائم أرواحهم مسجونة في أقفاص أشباحهم، تصوت لشجو شوقها وتقلق لضيق
|
||
حبسها.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| بالغور دارٌ وبنجـد هـوى | | يا لهف من غار بمن أنجدا |
|
||
| يا حبذا الذكرى وإن أسهرتْ | | *بعدك والدمع وإن أو مـدا* |
|
||
|
||
البكاء دأبهم والدمع شرابهم والجوع طعامهم والصمت كلامهم فلو رأيتهم
|
||
وعذالهم وقد زادوا بالعذل أثقالهم.
|
||
|
||
| سلمت مما عناني فاستـهـنـت بـه | | لا يعرف الشجو إلا كل ذي شجـن |
|
||
| شتان بين خلـي مـطـلـق وشـج | | في ربقة الحب كالمصفود في قرن |
|
||
| أمسيت تشهب باد من ضنى جسـدي | | بداخل من جوى في القلب مكتمـن |
|
||
| إن كان يوجب ضري رحمتي فرضي | | بسوء حالي وحل للضنـى بـدنـي |
|
||
| منحتك القلب لا أبغي بـه ثـمـنـا | | *إلا رضاك ووافقري إلى الـثـمـن* |
|
||
|
||
أعندك من حديثهم خبر? ألك في طريقهم أثر? لخالد الكاتب:
|
||
|
||
| رقدت ولم ترث للمساهر | | وليل المحب بلا آخـر |
|
||
| ولم تدر بعد ذهاب الرقاد | | ما فعل الدمع بالناظـر |
|
||
|
||
نازلهم الخوف فصاروا ولهين، وفاجأهم الفكر فعادوا متحيرين، وجن عليهم الليل
|
||
فرآهم ساهرين، وهبت رياح الأسحار فمالوا مستغفرين، فإذا رجعوا وقت الفجر
|
||
بالأجر نادى منادي الهجر يا خيبة النائمين.
|
||
|
||
| ولما وقفنا والرسائل بينـنـا | | دموع نهاها الوجدان تتوقفا |
|
||
| ذكرنا الليالي بالعتيق وظلها | | *الأنيق فقطعن القلوب تأسفا * |
|
||
|
||
جليت أوصاف الحبيب في حلية الكمال فقاموا على أقدام الشوق يسبحون في فلوات
|
||
الوجد فلو رأيتموهم لقلتم مجانين، هيهات من لا يعرف مناسك الحج، نسب
|
||
المحرمين إلى الخبل، الناس يضحكون وهم يبكون، ويفرحون وهم يحزنون، وينامون
|
||
وهم يسهرون.
|
||
|
||
| تركت ليلى أمد من نفسي | | واأسفي للفراق واأسفي |
|
||
|
||
لما تمكنت المعرفة من قلوبهم أثرت شدة الخوف، فارتفع ضجيج الوجد.\\
|
||
رأى الصديق طائراً فقال: طوبى لك يا طائر، تقع على الشجر. وتأكل من الثمر
|
||
ولا حساب عليك، ليتني كنت مثلك، وقال عمر: ليتني كنت تبنة، ليت أمي لم
|
||
تلدني. وقال ابن مسعود: وددت أني إذا مت لا أبعث. وقال عمران ابن حصين:
|
||
ليتني كنت رماداً. وقال أبو الدرداء: ليتني كنت شجرة تعضد، وقالت عائشة:
|
||
ليتني كنت نسياً منسيا.\\
|
||
ودخلوا على عطاء السلمي وحوله بلل، فظنوه قد توضأ فقالت عجوز في داره: هذه
|
||
دموعه.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| كلُّ سحابٍ أمطرتْ أرضكم | | حاملةٌ للماء من أدمـعـي |
|
||
| وكل ريحٍ زعزعت تُربكـم | | فإنها الزفرة من أضلعـي |
|
||
|
||
أتاهم من الله وعيد وقذهم، فباتوا على حرق، وأكلوا على تنغيص فنومهم نوم
|
||
الغرقى، وأكلهم أكل المرضى، عجزت أبدانهم عما حملت قلوبهم "فمنهم من قضى
|
||
نحبه ومن من ينتظر".\\
|
||
قال فرقد: دخلت بيت المقدس خمسمائة عذراء لباسهن الصوف والمسوح، فتذاكرن
|
||
ثواب الله وعقابه فمتن جميعاً في مقام واحد.\\
|
||
قال أبو طارق شهدت ثلاثين رجلاً دخلوا مجالس الذكر يمشون بأرجلهم صحاحاً
|
||
إلى المجلس، وأجوافهم والله قرحة، فلما سمعوا الذكر انصدعت قلوبهم.
|
||
|
||
| قصوا على حديث من قتل الهوى | | إن التآسي روح كـل حـزين |
|
||
|
||
قال عبد الواحد بن زيد لو رأيت الحسن، لقلت قد بث عليه حزن الخلائق، ولو
|
||
رأيت يزيد الرقاشي لقلت مثكل، أقبل ولد يزيد يوماً يعاتبه على كثرة بكائه،
|
||
فجعل يصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أمه يا بني ما أردت بهذا? فقال: إنما
|
||
أردت أن أهون عليه.
|
||
|
||
| صحة الشوق أحدثت علة الصبر | | وبعد المزار زاد الـسـهـادا |
|
||
| كم عذول عليكم رام إصلاحـي | | فكان الصلاح منـه فـسـادا |
|
||
| كلما زاد عـذلـه زاد وجـدي | | فكلانا في أمره قـد تـمـادى |
|
||
| من لقلب أصليتموه لظى الجمر | | *وجنب أفرشتمـوه الـقـتـادا* |
|
||
|
||
المحب إن تذكر الربع حن وإن تفكر في البعد أن، وإن جن عليه الليل أظهر ما
|
||
أجن، قطع رضاع الوصال فلم يتهن.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| يا بريق الحي حرمت المنـامـا | | فانقضى الليل سهاداً وقـيامـا |
|
||
| أترى ما قد أرى يا صاحـبـي | | كيف والشوق بروحي يترامـى |
|
||
| يا سقى الله حـمـاهـم مـزنة | | حلبت أشطرها أيدي النعامـى |
|
||
| يا نسـيم الـريح بـلـغ وأعـد | | أن نفسي مع أنفاس الخزامـى |
|
||
| آه لـو عـاد زمـانـي بـهـم | | عند جرعاء الحمى عوداً لماما |
|
||
| يا ليالينا بذي الأثـل ارجـعـي | | أسفاً لو أنه يشفـي الـنـدامـا |
|
||
| يا صاحبي بلغـوا إن جـزتـم | | بنقي الرمل عن الجسم السلاما |
|
||
| إن قلبي يوم طفنـا بـالـلـوى | | ورحلنا عنه بالـوجـد أقـامـا |
|
||
| يا غرامي إن شدت ورق وهـل | | *علم الورق سوى وجدي الغراما * |
|
||
| قلقي في حرقـي مـن أرقـي | | يرتقي بل ينتقي مني العظامـا |
|
||
| طربي في كربي من حـربـي | | رجع الماء بواديهـم حـرامـا |
|
||
| لو جرت عيني على قدر الأسى | | رجع الماء بواديهـم حـرامـا |
|
||
|
||
الفصل الخامس والسبعون
|
||
|
||
أخواني: الخلوة مهر بكر الفكر وسلم معراج الهمة، حريم العزلة مصون من عيب
|
||
غيث عبث، إذا خلت دار الخلوة عن الصور تفرغ القلب لملاحظة المعاني.
|
||
|
||
| أوحشتني خلـواتـي | | بك من كـل أنـيس |
|
||
| وتفردت فعـاينـتـك | | بالغيب جـلـيسـي |
|
||
| ودعاني الوجد والحب | | إلى المعنى النفـيس |
|
||
| فبدا لي أن مهر الحب | | أنفاس الـنـفـوس |
|
||
| فكتبت العهد للحـب | | على طرس الرسيس |
|
||
|
||
يا هذا، إذا رُزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهابة، احذر
|
||
معاشرة الجهال فإن الطبع لص، لا تصادقن فاسقاً، فإن من خان أول منعم عليه
|
||
لا يفي لك، يا أفراخ التوبة لازموا أوكار الخلوة فإن هر الهوى صيود، إياك
|
||
والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى يتكامل نبات الخوافي وإلا
|
||
كنت رزق الصائد، الأنس بالأنس ربق، المخالطة توجب التخليط وأيسر تأثيرها
|
||
تشتيت الهم.
|
||
|
||
| أقل ما في سقوط الذئب في غنـم | | *إن لم يصب بعضها أن ينفز الغنم * |
|
||
|
||
قطع العلائق أصل الأصول، فرغ لي بيتاً أسكنه، إن الطائر إذا كان زاقاً لم
|
||
يرسل في كتاب، تأملوا إلى الفرس إذا قدم إلى الماء الصافي كيف يضرب بيديه
|
||
فيه حتى يتكدر، أتدرون لم? لأنه يرى صورة نفسه في الماء الصافي وصورة غيره
|
||
فيكدره حتى لا تتبين فيه الصور فيتهنى بالشرب، لا يظهر في خلوة المتيقظ إلا
|
||
الحق، كان أويس يهرب من الناس فيقولون مجنون، وصف الرسول صلى الله عليه
|
||
وسلم لأصحابه حلية حلته فقوي توق عمر وكان في كل عام يسأل عنه أهل اليمن.
|
||
|
||
| ألا أيها الركب اليمانون عرجوا | | علينا فدق أمسى هوانا يمانـيا |
|
||
| نسائلكم هل سال نعمان بعدنـا | | *وحب إلينا بطن نعمـان واديا* |
|
||
|
||
لما كانت آخر حجة حجها عمر قام على أبي قيس فنادى بأعلى صوته أفيكم أويس?
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| وإني للشوق مـن بـعـدهـم | | أراعي الجنوب رواحاً ومغدى |
|
||
| وأفرح من نحو أوطـانـهـم | | بغيث يُجلجل بـرقـاً ورعـدا |
|
||
| إذا طلع الركب يمـمـتـهـم | | أحيي الوجوه كهـولاً ومُـرْدا |
|
||
| وأسألهم عن عقيق الـحـمـى | | *وعن أرض نجدٍ ومن حل نجدا * |
|
||
| نشدتكم الـلـه فـلـيُخـبـرنَّ | | من كان أقرب بالرمل عهـدا |
|
||
|
||
| هل الدار بالجـزع مـأهـولةٌ | | أنار الربيع علـيهـا وأسـدى |
|
||
| وهل جلب الغـيث أخـلاقـه | | *على محضرٍ من زرود ومبدا? * |
|
||
|
||
كان أويس يأتي المزابل إذا جاع فأتاها يوماً فنبح عليه كلب فقال يا كلب لا
|
||
تؤذ من لا يؤذيك، كل مما يليك، وآكل مما يليني فإن دخلت الجنة فأنا خير
|
||
منك، وإن دخلت النار فأنت خير مني.
|
||
|
||
| ذل الفتى في الحب مكرمة | | وخضوعه لحبيبه شـرف |
|
||
|
||
كان الصبيان يرمونه بالحجارة، والعقلاء عند نفوسهم يقولون مجنون والمحبة
|
||
تنهاه أن يفسر ما استعجم.
|
||
|
||
| أبثهم وجدي وهم بـي أعـلـم | | وأرجو شفائي منهم وهم هـم |
|
||
| وكم كدت من شوق أبين من هم | | ويمنعني من ذاك خوفي منهم |
|
||
| وكم عذلوني فيهم غـير مـرة | | فقلت لهم والله بالصدق أعلـم |
|
||
| إذا كان قلبي موثقاً في حبالكـم | | وجسمي لديكم كيف أفهم عنكم |
|
||
| فإن شئتم أن تعدلوا فتوصـلـوا | | *إلى أن يعود القلب ثم تكلمـوا* |
|
||
|
||
صاحب أهل الدين وصافهم، واستفد من أخلاقهم وأوصافهم، واسكن معهم بالتأدب في
|
||
دارهم وإن عاتبوك فاصبر ودارهم، إن لم يكن لك مكنة البذر ولم تطق مراعاة
|
||
الزرع فقف في رفقة "وإذا حضر القسمة أولوا القُربى" أنت في وقت الغنائم
|
||
نائم، وقلبك في شهوات البهائم هائم، إن صدقت في طلابهم فانهض وبادر، ولا
|
||
تستصعب طريقهم. فالمعين قادر. تعرض لمن أعطاهم وسل فمولاك مولاهم، رب كنز
|
||
وقع به فقير، ورب فضل فاز به صغير، علم الخضر ما خفي على موسى، وكشف
|
||
لسليمان ما غطي عن داود.\\
|
||
يا هذا، لا تحتقر نفسك فالتائب حبيب، والمنكسر مستقيم، إقرارك بالإفلاس
|
||
غنى، اعترافك بالخطأ إصابة، تنكيس رأسك بالندم رفعة، عرضت سلعة العبودية في
|
||
سوق البيع فبذلت الملائكة نقد "ونحن نُسبِّح" فقيل ما تؤثر سكة دراهمكم،
|
||
فإن عجب الضارب بسرعة الضرب أوجب طمساً في النقش فقال آدم: ما عندي إلا
|
||
فلوس إفلاس، نقشها "ربنا ظلمنا أنفسنا" فقيل هذا الذي ينفق على خزانة
|
||
الخاص، أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين.
|
||
|
||
| واستعذبوا ماء الجفون فعذبوا | | الأسرار حتى درت الآماق |
|
||
|
||
يا معاشر المذنبين إن كان يأجوج الطبع، ومأجوج الهوى، قد عاثوا في أرض
|
||
قلوبكم "فأعينوني بقوةٍ أجعلْ بينكم وبينهم ردما" اجمعوا لي عزائم قوية
|
||
تشابه زبر الحديد، وتفكروا في خطاياكم لتثور صعداء الأسف فلا أحتاج أن أقول
|
||
"انفخوا" شيدوا بنيان العزائم بهجر المألوف، ليستحجر البناء فنستغني أن
|
||
نفرغ عليه قطرا، هكذا بناء الأولياء قبلكم، فجاء الأعداء "فما استطاعوا أن
|
||
يظهروه".
|
||
|
||
| ليس عزماً ما مرض المرء فيه | | *ليس هماً ما عاق عنه الظلام* |
|
||
|
||
الجد جد فما تحتمل الطريق الفتور، ضاقت أيام الموسم، فجعجعوا بالإبل كذا
|
||
أسيد الضبي إذا عوتب في كثرة بكائه يقول: كيف لا أبكي وأنا أموت غداً?
|
||
والله لا أبكين فإن أدركت بالبكاء خيرا، فمن الله علي وإن كانت الأخرى فما
|
||
بكائي في جنب ما ألقاه? كانت عابدة لا تنام من الليل إلا يسيراً فعوتبت في
|
||
ذلك فقالت: كفى بطول الرقدة في القبور رقادا.
|
||
|
||
| أيها العذال لا تعـذلـوا | | إنما العذل لمن يقـبـل |
|
||
| وأرى ليلي لا ينقـضـي | | *طال ليلي والهوى أطول * |
|
||
|
||
تزوج رباح القيسي امرأة فرأته نائماً طول الليل فقالت: ليت شعري من غرني بك
|
||
يا رباح?
|
||
|
||
| يا عقيق الحمى حمى الله مغناك | | وروى ثراك من مزن دمـع |
|
||
| من لصب يشوقه لامح البـرق | | فيرتاح قـلـبـه لـلـجـزع |
|
||
| يا خليلي ما أنت لي بـخـلـيل | | ورفيق إن لم تقف بالـربـع |
|
||
|
||
هذه طريقهم فأين السالك? هذه صفاتهم فأين الطالب?
|
||
|
||
| هذي المنازل والعقـيق | | فأين سلمى والـخـيام |
|
||
| لم يبق مذ صاحوا النوى | | لميتم فـيهـا مـقـام |
|
||
|
||
الفصل السادس والسبعون
|
||
|
||
أيها المقصر عن طلب المزاد، كيف تدرك المعالي بغير اجتهاد? أين أهل السهر
|
||
من أهل الرقاد? أين الراغبون في الهوى من الزهاد? رحل المتيقظون مستظهرين
|
||
بكثرة الزاد كل جواد لهم يعرف الجواد فساروا فزاروا والكسلان عاد.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا قلبِ ما أنت من نجدٍ وساكنِـهِ | | *خلَّفتَ نجداً وراء المدلج الساري * | |
|
||
| أهفو إلى الركب تعلو لي ركائبـهـم | | من الحمى في أُسَيحاق وإطـمـار | |
|
||
| تفوحُ أرواحُ نجـدٍ مـن ثـيابـهـم | | عند القدوم لقرب العـهـد بـالـدار | |
|
||
| يا راكبان قفا لي فاقـضـيا وطـري | | وحدثاني عـن نـجـد بـأخـبـار | |
|
||
| هل رُوِّضَتْ قاعة الوعساء أم مطرت | | خميلةُ الطاح ذات البان والـغـاري | |
|
||
| أم هل أبيتُ ودارٌ عـنـد كـاظـمةٍ | | داري وسمّار ذاك الحي سـمـاري | |
|
||
| فلم يزالا إلى أن نَمَّ بـي نـفَـسـي | | *وحدّثَ الركبَ عني مدمعي الجـار* | |
|
||
|
||
لما صفت خلوات الدجى، نودي آذن الوصول أقم فلاناً وأنم فلاناً خرجت
|
||
بالأسماء الجرائد، وفاز الأحباب بالفوائد، قال أحمد بن أبي الحواري: قلت
|
||
لامرأتي رابعة وقد قامت من أول الليل قد رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما
|
||
رأينا من يقوم من أول الليل. فقالت: سبحان الله مثلك يقول هذا? أما أقوم
|
||
إذا نوديت . للمتنبي:
|
||
|
||
| تقولين ما في الناس مثلـك وامـق | | جدي مثل من أحببته تجدي مثلـي |
|
||
| ذريني أنل ما لا ينال من العـلـى | | *فصعب العلى في الصعب والسهل * |
|
||
| تريدين إدراك المعالـي رخـيصة | | *ولا بد دون الشهد من غبر النحـل* |
|
||
|
||
لما دارت كؤوس النوم على أفواه العيون، فسكرت بالشراب الألباب فطرحت
|
||
الأجساد على فراش "يَتَوَقَّى" صاحت فصاحة الحب بالمحب: كل مسكر حرام، فلما
|
||
نفخ في صور الإيقاظ في أبان "وَيُرْسِلُ الأُخرى" قام أموات النوم وقد رحل
|
||
سفر الوصال. فلم يروا إلا آثار القرب في مناخ الأحباب وأثا في "تتجافى" ستر
|
||
القوم قيامهم بالليل فستر جزاءهم أن يطلع عليه الغير "فلا تعلمُ نفسٌ" فلو
|
||
عانيتهم وقد دارت كؤوس المناجاة بين مزاهر التلاوة فأسكرت قلب الواجد،
|
||
ورقمت في صحائف الوجبات تعرفهم " بسيماهم ".
|
||
|
||
| وتمشت في مفاصلهـم | | *كتمشي البرء في السقم * |
|
||
|
||
اشتهر بقيام الليل كله، وصلاة الفجر بوضوء العشاء، سعيد بن المسيب وصفوان
|
||
سليم ومحمد بن المنكدر المدنيون وفضيل ووهب المكيان طاوس ووهب اليمانيان
|
||
والربيع بن خيثم والحكم الكوفيان وأبو سليمان الداراني وأبو جابر الفارسيان
|
||
وسليمان التيمي ومالك بن دينار ويزيد الرقاشي وحبيب العجمي ويحيى البكائي
|
||
وكهمس ورابعة البصريون.\\
|
||
قالت أم عمرو بن المنكدر: يا بني أشتهي أراك نائماً: فقال يا أماه إن الليل
|
||
ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه مأربي. وصحب رجل رجلاً شهرين فما
|
||
رآه نائماً فقال مالك: لا تنام? فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج
|
||
من أعجوبة إلا وقعت في أخرى.
|
||
|
||
| لا تلحه إن كنت من سجـرائه | | عذل المحب يزيد في إغرائه |
|
||
| ودع الهوى يقضي عليه بحكمه | | ما شاء فهو مسلم لقـضـائه |
|
||
| فشقاؤه فيمـا يراه نـعـيمـه | | ونعيمه في ذاك عين شقـائه |
|
||
| كحلت مآقيه بطول سـهـاده | | وحنت أضالعه على برحـائه |
|
||
| دنف ببابل جسـمـه وفـؤاده | | *بالخيف واعجباً لطول بقـائه* |
|
||
|
||
قال سفيان إن لله ريحاً تسمى الصبحية، مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار
|
||
فتحمل الأنين والاستغفار.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| يا نسيم الريح من كـاظـمةٍ | | شد ما هِجت الأسا والبُرحا |
|
||
| الصبا إن كان لابد الصّـبـا | | إنها كانت لقلبـي أروحـا |
|
||
| أذكرونا ذكرنا عـهـدكُـمُ | | *ربَّ ذكرى قرَّبَت من نزحا * |
|
||
| وارحموا صبّاً إذا غنّى بكـم | | شربَ الدَّمع وعافَ القدَحا |
|
||
|
||
يا طويل النوم فاتتك مدحة "تتجافى" وحرمت منحة "والمستغفرين" ولست من أهل
|
||
عتاب فإذا جنة الليل نام عني، ليس في ليل الهجر منام ومتى رأيت محباً ينام?
|
||
للمتنبي:
|
||
|
||
| فإن نهـاري لـيلةٌ مـدلـهـمَّةٌ | | *على مقلة من فقدكم في غياهب * |
|
||
| بعيدةِ ما بين الجفون كـأنـمـا | | *عقدتم أهالي كلِّ هدبٍ بحاجـب* |
|
||
|
||
ثورت في الليل الحداة وعكمت أحمال الأعمال وسارت رفقة المتهجدين وترنم كل
|
||
ذي صوت بشجو، وأنت في الرقدة الأولى بعد.
|
||
|
||
| لم يخل مرجان دمع من عقيق دم | | شوق بلا عبرة ساق بـلا قـدم |
|
||
|
||
يا هذا، كيف تطبق السهر مع الشبع? كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل:
|
||
|
||
| دع الهوى لأناسٍ يعـرفـون بـه | | *قد مارسوا الحب حتى لان أصعبه * |
|
||
| بلوت نفسك فيما لست تـخـبـره | | *والشيء صعبٌ على من لا يجربه * |
|
||
| فاقن اصطباراً وإن لم تستطع جلداً | | فرب مدرك أمر عز مطـلـبـه |
|
||
| أحنو الضلوع على قلب يحيرنـي | | في كل يوم ويعييني تـقـلـبـه |
|
||
| تناوح الريح من نـجـد يهـيجـه | | ولا مع البرق من نعمان يطربـه |
|
||
|
||
الفصل السابع والسبعون
|
||
|
||
إذا هبت رياح المواعظ أثارت من قلوب المتيقظين غيم الغم على ما سلف، وساقته
|
||
إلى بلد الطبع المنحرف برعد الوعيد وبرق الخشية، فتترقى دموع الأحزان من
|
||
بحر قعر القلب إلى أوج الرأس فتسيل في ميازيب الشئون على سطوح الوجنات فإذا
|
||
أعشب السر اهتز فرحاً بالإنابة.
|
||
|
||
| محت بعدكم تلك العيونُ دموعَهـا | | فهل من عيون بعدها نستعيرهـا |
|
||
| رحلنا وفي سر الفـؤاد ضـمـائرٌ | | إذا هب نجدي الصبا يستثـيرهـا |
|
||
| أتنسى رياض الغَورِ بعد فراقـهـا | | وقد أخذ الميثاق منك غـديرَهـا |
|
||
| يجعده مـر الـشـمـال وتـارة | | يغازله كر الصبـا ومـرورهـا |
|
||
| الأهل إلى شم الخزامى وعرعـر | | وشيح بوادي الأثل أرض نسيرها |
|
||
| ألا أيها الركب العراقي بـلّـغـوا | | رسالة محزونٍ خواه سطـورهـا |
|
||
| إذا كتبت أنفاسه بعـض وجـدهـا | | *على صفحة الذكرى محاه زفيرها * |
|
||
| ترفق رفيقي هل بدت نار أرضهم | | أم الوجد يذكي نـاره ويثـيرهـا |
|
||
| أعد ذكرهم فهو الشفـاء وربـمـا | | شفى النفس أمر ثم عاد يضيرهـا |
|
||
| ألا أين أزمان الوصال التي خلـت | | خلا ما حلا منها وجاء مريرهـا |
|
||
| سقى الله أيّاماً مـضـت ولـيالـياً | | تضوع رياها وفاح عـبـيرهـا |
|
||
|
||
من تفكّر في تفريطه أنَّ، ومن تذكر أيام وصله حنّ، من سمع صوت الحمام ظنه
|
||
لحسن الصوت، كلا بل لذكر ما مر من العيش، إذا نظر الأسير إلى نفسه في ضيق
|
||
القد ولم يقدر على ضك القيد قطع حزنه حيازيم القلب فنفسه بالأسف في آخر
|
||
نفس.
|
||
|
||
| تهيم إذا ريح الصبا نسمـت لـهـا | | *وتبكي إذا الورقاء في الغصن غنت * |
|
||
| إذا جذب الصبح اللثـام تـأوهـت | | *وإن نشر الليل الجـنـاح أرنـت* |
|
||
|
||
كان داود يؤتى بالإناء ناقصاً فلا يشربه حتى يتمه بالدموع.
|
||
|
||
| يا ساقي القوم إن دارت علي فلا | | *تمزج فإني بدمعي مازج كأسي * |
|
||
|
||
كان في خد عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء وكان في وجه ابن عباس
|
||
كالشراكين الباليين من الدمع.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ألا من لعين من بكاها على الحمى | | *تجف ضروع المزن وهي حلوب * |
|
||
| بكت وغدير الحي طام وأصبحت | | عليه العطاش الحائمات تـلـوب |
|
||
| وما كنت أدري أن عينـاً ركـية | | *ولا أن ماء المـاقـيين شـروب* |
|
||
|
||
كان الحسن يبكي حتى يرحم، وكان الفضيل بن عياض يبكي في النوم حتى ينتبه أهل
|
||
الدار ببكائه. وكان عطاء يبكي في غرفة له حتى تجري دموعه في الميزاب، فقطرت
|
||
يوماً إلى الطريق على بعض المارين فصاح يا أهل الدار: أماؤكم طاهر? فصاح
|
||
عطاء: اغسله فإنه دمع من عصا الله.
|
||
|
||
| وممن لبه مع غيره كيف حاله | | *ومن سره في جفنه كيف يكتم * |
|
||
|
||
وقالوا لعطاء السلمي: ما تشتهي? فقال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقد أن أبكي.
|
||
|
||
| وإن شفائي عبـرة مـهـراقة | | *فهل عند رسم دارس من معول * |
|
||
|
||
كان أشعث الحداني وحبيب العجمي يتزاوران فيبكيان طول النهار وكان حزام
|
||
وسهيل وعبد الواحد كل واحد في بيت يتجاوبون بالبكاء.\\
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| ركب هوى تجاذبوا حديثه | | *فاترعوا من الغرام أكؤسا * |
|
||
| واسبلوا من الجفون أدمعاً | | ظننتها ماءً وكانت أنفسـا |
|
||
| لقد سمعت في الرحال أنَّةً | | أظنها نشطة وجد حبسـا |
|
||
|
||
البكاء موكل بعيون الخائفين كلما همت بفتح طرف لتنظر إلى طرف من طرف الدنيا
|
||
طرفته دمعة، قال عليه السلام: "عينان لا تمسّهما النار، عين بكت من خشية
|
||
الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله". قال الحسن: لو بكي عبد من خشية الله
|
||
لرحم من حوله ولو كانوا عشرين ألفاً. وقيل لثابت البناني عالج عينيك ولا
|
||
تبك. فقال: أي خير في عين لا تبكي.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| إذا لم أفز منكم بوعـدٍ ونـظـرةٍ | | إليكم فما نفعي بسمعي وناظري |
|
||
| متى غنت الورقاءُ كانت مدامتـي | | *دموعي وزفراتي حنين مزاهري * |
|
||
|
||
البكاء لأجل الذنوب مقام المريد، والبكاء على المحبوب مقام العارف.
|
||
|
||
| روحي إليك بكلها قد أجمعت | | *لو كان فيك هلاكها ما أقلعت * |
|
||
| تبكي عليك بكلها عن كلـهـا | | حتى يقال من البكاء تقطعت |
|
||
| فانظر إليها نظرة بتعـطـفٍ | | *فلطالما متعتها فتمـتـعـت* |
|
||
|
||
إخواني: حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء شتاء الغفلة. ومن لطف به كان
|
||
زمانه كله فصلا:
|
||
|
||
| عين تسر إذا رأتك وأختهـا | | تبكي لطول تباعدٍ وفـراق |
|
||
| فاحفظ لواحدة دوام سرورها | | *وعِد التي أبكيتها بـتـلاق* |
|
||
|
||
سبحان من روح أرواح الخائفين بريح الرجاء الضعيف، إذا لم يتلاف تلف لا بد
|
||
للمكروب من نسيم بارد:
|
||
|
||
| بالله يا ريح الـشـمـال | | *إذا عزمت على الهبوب * |
|
||
| فتحملي شكوى المحـب | | المستهام إلى الحبـيب |
|
||
| قرب الضنى من مهجتي | | لما بعدت عن الطبـيب |
|
||
|
||
وقفت عتبة الغلام ليلة على ساحل البحر إلى الصباح يقول: إن تعذبني فإني لك
|
||
محب، وإن ترحمني فإني لك محب. يا قومنا المحب مع بذل روحه يرتاح إلى المنى
|
||
وإلى لعل لأنه لا يرى ما بذل، يصلح ثمناً لما طلب:
|
||
|
||
| بقلبي منهـم عـلـق | | ودمعي فيهم عـلـق |
|
||
| وبي من حبهم حـرق | | لها الأحشاء تحتـرق |
|
||
| وما تركوا سوى رمقي | | فليتهم لـه رمـقـوا |
|
||
|
||
كان عبد الواحد يقول لعتبة: أرفق بنفسك فيبكي ويقول: إنما أبكي على تقصيري.
|
||
|
||
| قالوا تصبر فما هذا الجنون بهـم | | *فقلت يا قوم ليس القلب من قبلي * |
|
||
|
||
واعجباً، أو يقدر المحب على التصرف في قلبه? كلا دين المحب الجبر. لأبي
|
||
الشيص الخزاعي:
|
||
|
||
| وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي | | متـأخـر عـنـه ولا مـتـقـدم |
|
||
| أجد المـلامة فـي هـواك لـذيذة | | *حباً لذكرك فليلـمـنـي الـلـوم* |
|
||
|
||
دخلوا على رابعة فقالت: لقد طالت عليَّ الأيام بالشوق إلى لقاء الله تعالى:
|
||
ودخلوا عليها مرة أخرى فقالوا: أتشتاقين إليه? فقالت: هو حاضر معي. قالوا:
|
||
يا رابعة هذا ضد الأول، أجابت بلسان الحال: هكذا تحير المحب.
|
||
|
||
| ومن عجب أني أحـن إلـيهـم | | *وأسأل عنهم من أرى وهم معي * |
|
||
| وتطلبهم عيني وهم في سوادهـا | | *ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي* |
|
||
|
||
إذا بدت رابعة في القيمة مختمرة وقعت لهيبة خمارها طيالسة العلماء، كان
|
||
سفيان يتأدب لرابعة كان هو صاحب مخزن العلم فتردد إلى القهرمانة لأن لها
|
||
دخولاً أكثر منه رحل الملاك وبقي المدعون، أترى أي طريق سلكوا? نحن ملكنا
|
||
والقوم ملكوا.\\
|
||
للشريف الرضي، وللمهيار:
|
||
|
||
| يا صاحبَيْ رَحْلي قِفـا | | فسائلا لي الـدِّمَـنـا |
|
||
| وامطرا دمعـكـمـا | | ذاك الكثيب الأيمـنـا |
|
||
| ما الدار عندي سكـن | | إذا عدمت السـكـنـا |
|
||
| كان فـؤادي وهــمُ | | فظعنوا فـظَـعِـنـا |
|
||
| مُنىً لعينـي أن تـرى | | تلك الثلاث من منـى |
|
||
| ويوم سلـع لـم يكـن | | يومي بسلـع هـينـا |
|
||
| ويوم ذي الـبـــان | | تبايعنا فحزتُ الغبنـا |
|
||
| كان الغرام المشتـرى | | وكان قلبي الثـمـنـا |
|
||
| وبـارق أشـيمـــه | | *كالطرف أغضى ورنا * |
|
||
| ذكـرنـي الأحـبـاب | | والذكرى تهيج الحزنا |
|
||
| من بطن مر والسـرى | | تؤام عسـفـان بـنـا |
|
||
| وبالعـراق وطـرى يا | | بعـد مـا لاح لـنـا |
|
||
|
||
??الفصل الثامن والسبعون
|
||
|
||
المحب يتعلق بكل شيء ويهيم في كل واد، على القلق يمشي وعلى الحرق يمسي:
|
||
|
||
| بقيت على الأطلال من بعدكم ملقى | | أهيم بكمُ غرباً وأطلبكـم شـرقـا |
|
||
| وأسأل أنفاس الـرياح إذا جـرت | | *يمانية عنكم وأستنبـؤ الـبـرقـا* |
|
||
|
||
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء ويبدو إلى التلاع. مقاساة
|
||
الخلق ظلمة، والحبيب لا يتجلى إلا في خلوة.
|
||
|
||
| وأخرج من بين البيوت لعلـنـي | | *أحدث عنك النفس في السر خاليا * |
|
||
|
||
المحب مقتول بلا سيف ملقى في منى المنى لا عند الخيف، إذا سمع صوت منشد قد
|
||
غرد خلع لجام الصبر وتشرد.
|
||
|
||
| ولما غـرد الـحـادي | | *وسار القوم في الوادي * |
|
||
| وراح القلب يتبعـهـم | | بلا مـــاء ولا زاد |
|
||
| رأيت قتيل بـينـهـم | | صريعاً ما لـه فـاد |
|
||
|
||
أول علامات المحبة دموع العين وأوسطها قلق القلب ونهايتها احتراقه.\\
|
||
لقيس ذريح:
|
||
|
||
| هل الحب إلا زفرة بعد زفـرة | | *وحر على الأجساد ليس له برد * |
|
||
| وفيض دموع تستهـل إذا بـدا | | *لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو * |
|
||
|
||
قال ذو النون: لقيت امرأة متعبدة فوعظتني فبكيت فقالت: لم تبكي? قلت لها:
|
||
أو العارف لا يبكي? قالت: إذا بكى استراح ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
|
||
|
||
| لا وحبيك لا أصافـح | | بالدمـع مـدمـعـا |
|
||
| من بكى شجوه استراح | | وإن كان مـوجـعـا |
|
||
| كبـدي فـي هـواك | | أهون من أن تقطعـا |
|
||
| لم تدع سورة الضنـى | | فيَّ للسقم موضـعـا |
|
||
|
||
المحبة نزالة وقوتها المهج. كانت أضلاع عمر بن عبد العزيز تعد، وكان جسد
|
||
سرى كالشن. وقف أبو يزيد في المحراب فكبر فتقعقعت عظامه.
|
||
|
||
| وإني لتعروني لذكراك روعة | | لها بين جلدي والعظام دبيب |
|
||
| فما هو إلا أن أراها فـجـأة | | فأبهت حتى لا أكاد أجـيب |
|
||
|
||
إذا رأيت محباً ولم تدر لمن? فضع يدك على نبضه. وسم كل من تظنه المحبوب،
|
||
فإن النبض لا ينزعج إلا عند ذكره "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت
|
||
قلوبهم".\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| ألا فتى يسأل قلبي مـالـه | | ينزو إذا برق الحمى بداله |
|
||
| فهب يرجو خبراً من الحمى | | يسنده عنه فمـا روى لـه |
|
||
| أراد نجداً معه فانتقـضـت | | إرادة هاجت له بلـبـالـه |
|
||
| وانتسم الريح الصبا ومن له | | بنفحة من الصبا طوبى له |
|
||
|
||
المحب في قلق لا سكون، والعجب أنه يتكلف الثبات.
|
||
|
||
| الوجد يحركه والليل يقلـقـه | | *والصبر يسكته والحب ينطقه * |
|
||
| ويستر الحال عمن ليس يعذره | | *وكيف يستره والدمع يسبقـه* |
|
||
|
||
المحب مبالغ في كتمان وجده، غير أن الدمع نمام.
|
||
|
||
| آفة السر من جفـو | | ن دوام دوامـــع |
|
||
| كيف يخفى من الدمو | | ع الهوامى الهوامع |
|
||
|
||
كان أكثر القوم، إذا جائه البكاء دافعه، اتقاء اللاحي له، فيغلبه فلا حيلة
|
||
له.\\
|
||
للمتنبي:
|
||
|
||
| حاشى الرقيب فخانته ضمـائره | | وغيَّض الدمع فأنهلت بـوادره |
|
||
| وكاتم الحب يوم البين مفتـضـح | | *وصاحب الوجد لا تخفى سرائره * |
|
||
|
||
إذا أقلقه الحب ضج، وإذا أرقه الشوق عج، وكلما حبس دمعه ثج، وإذا استوحش من
|
||
الخلق هج، فالهموم تنوبه من كل فج، حشيت قلوب القوم بالغموم، حشو الورد في
|
||
قوارير الزور، وكلما التهبت نار الحذر جرت عيون الدمع في جداول العيون فرشت
|
||
على الخدود ماء، ما ماء الورد عنده بطيب.\\
|
||
لأبي المعتز:
|
||
|
||
| أسر القلب فأمسى لـديه | | فهو يشكوه ويشكو إلـيه |
|
||
| عذب الأحباب بالهجر حيناً | | فهم يبـكـون بـين يديه |
|
||
|
||
واعجباً لضعف بدن العارف كم يحمل? وآسفا لقلب المحب كم يصبر.
|
||
|
||
| نعم تحمل الأشواق والعيس ظلع | | ويمشي الهوى والناقلات قعود |
|
||
|
||
ما أقوى جلد جلد القلب على نار الحب، كأنه قد ألبس ريش السمندل على أنه لا
|
||
بد من لذع يبين أثره في صعود الصعداء دلالة تدل على الحريق، اشتط اللهيب
|
||
فشاطت القلوب لولا أن القوم على شواطي بحر الدموع نزول.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| خذي حديثك في نفس من النـفـس | | وَجْدُ المَشوق المُعَنَّى غير ملتبـس |
|
||
| الماء في ناظري والنار في كبـدي | | *إن شئتِ فاغترفي أو شئت فاقتبسي * |
|
||
|
||
أشد ما على المحب من مقاساة الحب سماع اللوم، واعجباً من خلي يعذل ذا شجا
|
||
ويحك خل شأنه وشانه.
|
||
|
||
| فيا حبهم زدني جوى كل لـيلة | | *ويا سلوة الأيام موعدك الحشر * |
|
||
|
||
لما أسلم سعد بن أبي وقاص قالت له أمه: والله لا آكل ولا أشرب ولا يظللني
|
||
سقف بيت حتى تكفر بمحمد. فقال: اسمعي يا أماه، والله لو كان لك مائة نفس
|
||
فخرجت واحدة بعد واحدة لم أكفر بمحمد. ويحها ما خبرت خبر المحبة? متى وقع
|
||
السلو في حب صادق? للمتنبي:
|
||
|
||
| عذل العواذل حول قلبي التـائه | | وهوى الأحبة منه في سـودائه |
|
||
| القلب أعلـم يا عـذول بـدائه | | وأحق منك بجفنـه وبـمـائه |
|
||
| فومن أحب لأعصينك في الهوى | | قسماً به وبحسـنـه وبـهـائه |
|
||
| أأحبـه وأحـب فـيه مـلامة | | إن الملامة فيه مـن أعـدائه |
|
||
| لا تعذل المشتاق في أشـواقـه | | *حتى تكون حشاك في أحشـائه* |
|
||
|
||
واعجباً لعاذل في حب ما ذاقه، وآمر بهجر حبيب ما شاقه.
|
||
|
||
| وماذا على مفرد بالعـراق | | تذكر بالرمل عهداً فحنـا |
|
||
| وإني لكـل شـج عـاذر | | *إذا ناح من طرب أو تغنى * |
|
||
|
||
كانت أم الربيع بن خيثم إذا رأت قلقه بالليل. قالت: يا بني لعلك قتلت
|
||
قتيلاً فيقول يا أماه قتلت نفسي، قيل لعابد كان ينتحب: إنك تفسد على
|
||
المصلين صلاتهم بارتفاع صوتك. فقال: إن حزن القيامة أورثني دموعاً غزارا،
|
||
فأنا أستريح إلى ذرفها أحيانا.
|
||
|
||
| مهلاً عذول صليت نار جوانحـي | | وغرقت في تيار دمعي المسيل |
|
||
| هذي حشاي لديك فانظر هل ترى | | *قلباً فإن صادفت قلباً فـاعـذل* |
|
||
|
||
غاية العاذلين إيصال اللوم إلى الأسماع، فأما القلوب فلا سبيل إليها.
|
||
|
||
| سيان إن لاموا وإن عـذروا | | *ما لي عن الأحباب مصطبر * |
|
||
| لا غرو إن أغرى بحبـهـم | | *إذ ليس لي في غيرهم وطر * |
|
||
| لا بد لي منهم وإن تـركـوا | | قلبي بنار الهجر يستـعـر |
|
||
| وعلي أن أرضى بما صنعوا | | وأطيعهم في كل ما أمـروا |
|
||
|
||
لو رأيت المحب يهرب من العذل إلى فلوات الخلوات، فإذا ناوله الوجد كأس
|
||
الدموع اقترح عليه غناء الحمائم.
|
||
|
||
| ذكر الأحباب والـوطـنـا | | والصبا والألف والسكـنـا |
|
||
| فبكى شـجـواً وحـق لـه | | مدنف بالشوق حلف ضنى |
|
||
| أبعدت مرمى به رجـمـت | | من خراسان به الـيمـنـا |
|
||
| من لمشـتـاق تـمـيلـه | | ذات سجع ميلت فـنـنـا |
|
||
| لم تعرض في الحنين بمـن | | مسعـد إلا وقـلـت أنـا |
|
||
| لك يا ورقـاء أسـوة مـن | | لم تذيقي طرفه الوسـنـا |
|
||
| بك أنسي مثل أنسـك بـي | | فتعالى نبد مـا كـمـنـا |
|
||
| نتشـاكـى مـا نـجـن إذا | | *بحت شكوى صحت واحزنا * |
|
||
| أنا لا أنت البـعـيد هـوى | | أنا لا أنت الغريب هـنـا |
|
||
| أنا فـرد يا حـمـام وهـا | | أنت والألف القرين ثـنـا |
|
||
| اسرحا رأد النهـار مـعـاً | | واسكنا جنح الدجى غصنـا |
|
||
| وابكيا يا جـارتـي لـمـا | | لعبت أيدي الفـراق بـنـا |
|
||
| أين قلبي ما صنـعـت بـه | | ما أرى صدري له وطنـا |
|
||
| كان يوم النفر وهو مـعـي | | فأبى أن يصحب الـبـدنـا |
|
||
| أبه حادي الـرفـاق حـدا | | أم له داعي الفراق عنـى |
|
||
|
||
??الفصل التاسع والسبعون
|
||
|
||
يا هذا: قد سمعت أخبار المتقين فسر في سربهم، وقد عرفت جدهم فتناول من
|
||
شربهم، ثم سل من أعانهم يعنك، فما كان بهم.\\
|
||
لابن هندو:
|
||
|
||
| لا يؤيسنك من مجد تباعـدهُ | | فإن للمجد تدريجاً وترتيبـا |
|
||
| إن القناة التي شاهدت رفعتها | | *تنمي وتنبت أنبوباً فأنبـوبـا* |
|
||
|
||
استغنى القوم بطبيبهم عن مدح خطيبهم فاسلك طريقهم تكن رفيقهم.\\
|
||
لابن الرومي:
|
||
|
||
| وسائل عنهـم مـاذا يقـدمـهـم | | فقلت فضل به عن غيرهم بانـوا |
|
||
| صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا | | منهن في سبل العلياء ما صانـوا |
|
||
| المنعمون وما منوا عـلـى أحـد | | يوماً بنعمي ولو منوا لما مـانـوا |
|
||
| قوم يعزون إن كانت مـغـالـبة | | حتى إذا قدرت أيديهـم هـانـوا |
|
||
|
||
أطار خوف النار نومهم وأطال ذكر العطش الأكبر صومهم يحسبهم الناظر مرضى
|
||
الأبدان وإنما بهم سقام الأحزان.
|
||
|
||
| مكتئب ذو كـبـد حـرى | | تبكي عليه مقلة عبـرى |
|
||
| يرفع يمنـاه إلـى ربـه | | *يشكو وفوق الكبد اليسرى * |
|
||
| يبقى إذا حدثته بـاهـتـاً | | ونفسه مما به سـكـرى |
|
||
| تحسبه مستمعاً نـاصـتـاً | | وقلبه فـي أمة أخـرى |
|
||
|
||
إذا ذكروا العفو طاب العيش، وإذا تصوروا العذاب جاء الطيش.
|
||
|
||
| أمد بإحدى مقلـتـي إذا بـدت | | إليها وبالأخرى أراعي رقيبها |
|
||
| وقد غفل الواشي ولم يدر أنني | | *أخذت لعيني من حبيبي نصيبها * |
|
||
|
||
قال صالح المري: كان عطاء السلمي قد اجتهد حتى انقطع، فصنعت له شربة سويق
|
||
فلم يشرب. فقال: إني والله كلما هممت بشربها ذكرت قوله تعالى "وطعاماً ذا
|
||
غُصَّة" فلم أقدر، فقلت: أنا في واد وأنت في واد.
|
||
|
||
| أطلت وعذبـتـنـي يا عـذول | | بليت فدعني حـديثـي يطـول |
|
||
| أبيت أراقب نـجـم الـدجـى | | *إلى الصبح وجدي ودمعي يسيل * |
|
||
|
||
انبعثت غيوم الغموم من أودية القلوب، فاستتمت قبيل الصبح فهطلت، فلها مع
|
||
الشئون شئون فجرت الأرواح في موتى العيدان، فقدحت فحرقت، فارتقت ورق الشوق
|
||
منابر الشدو، فأطربت فصدحت بلابل المحبة بين منثور منثورها فبلبلت.
|
||
|
||
| يا نفحات الريح مري سحراً | | فبلبلي طرة أرض بابـل |
|
||
| صفي لأهل بابل بلا بلـى | | وبلغيهم في الهوى رسائلي |
|
||
| كم من دم طاح بغير ثـائر | | وكم قتيل كلف بالقـاتـل |
|
||
|
||
قلب المحب تحت فحمة الليل جمرة كلما هب النسيم التهبت.
|
||
|
||
| يمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغصنا | | ويصدع قلبي أن يهب هبـوبـهـا |
|
||
| قريبة عهد بالـحـبـيب وإنـمـا | | هوى كل نفس حيث حل حبيبهـا |
|
||
|
||
سهر القوم يقع ضرورة، لأن القلق مانع من النوم وليس لهم في تلك الشدائد
|
||
راحة سوى جريان الدموع.\\
|
||
للسري:
|
||
|
||
| بلاني الحب فيك بما بـلانـي | | *فشأني أن تفيض غروب شاني * |
|
||
| أبيت الليل مرتفقـاً أنـاجـي | | بصدق الوجد كاذبة الأمانـي |
|
||
| فتشهد لي على الأرق الثـريا | | ويعلم ما أجـن الـفـرقـدان |
|
||
| فيا ولع العواذل خـل عـنـي | | ويا كف الغرام خذي عنانـي |
|
||
|
||
من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار، شيمة المحبة لا تخفى وصحائف الوجوه يقرؤها
|
||
من لم يكتب، خذي حديثك في نفسي من النفس، قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم
|
||
تجد مس تعب، الطريق إلى المحبوب لا تطول.
|
||
|
||
| بدا لها من بعد مـا بـدا لـهـا | | *روض الحمى أن تشتكي كلالها * |
|
||
| فخلها تمرح فـي زمـامـهـا | | فإنها قد سمّـت عـقـالـهـا |
|
||
| اذكرها مر النـسـيم سـحـراً | | مراتعاً تـفـيات ظـلالـهـا |
|
||
| رنحها الشوق الممض والسرى | | فسحبت من وجدها جلالـهـا |
|
||
| تحسبها سكرى وما ذاك بـهـا | | وإنما شوق الحمى أمـالـهـا |
|
||
|
||
يا رب، قرب أرض كنعان من مصر فقد نفذ صبر يعقوب، كان أبو زيد يقول: إلهي
|
||
إلى متى تحبس أعضاء محبيك تحت التراب? أحشرهم واجعلني جسراً ليعبروا إليك
|
||
واويلاه أنا أشرب وأنا أطرب، يتركوني أسير وجدي أسير وحدي هلا سعت معي رجل
|
||
رجل، أو أعانني ساعد مساعد، أين شرطة الرفقة? أو ما العزاء للكل.
|
||
|
||
| لو عدلتن تساهمنا جـوى | | *مثل ما كنا اشتركنا نظرا * |
|
||
|
||
يا حاضرين عندنا بنية التنزه لستم معنا، عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن
|
||
وضرب، يا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب دعونا نخل بالوجد في صحراء نجد،
|
||
ستأتيكم أخبارنا عن قريب بعد فيد، وأنت أيها الحادي عرض المازمين والخيف
|
||
تعلمك الدموع كيف ترمي حصن الخذف.
|
||
|
||
| الأغنياني بالـديار فـإنـنـي | | أحب زروداً ما أقام ثـراهـا |
|
||
| وبين النقي والأنعمين مـحـلة | | حبيب لقلبي قاعها وربـاهـا |
|
||
| ونعمان يا سقياً لنعمان ما جرت | | عليه النعامى بعدنا وصباهـا |
|
||
| وللقلب عند المازمين وجمعهـا | | ديون ومقضى خيفها ومناهـا |
|
||
|
||
??الفصل الثمانون
|
||
|
||
يا مقيماً في دائرة دار الغير كم حضرت فيها محتضر، كم عاينت عينك قبراً
|
||
يحتفر. لقد ألانت مواعظها كل صلد حجر، عجباً لفرخها ما عيد حتى نحر.
|
||
|
||
| إن في نأي زمانـي عـظة | | تشغل العاقل عن نأي زنـام |
|
||
| ومدام الفكر فيمن قد مضـى | | *مسكر يغنيك عن شرب مدام * |
|
||
| عرس القوم وغربان الدجـى | | إنما صاحت بتقويض الخيام |
|
||
| وحمامات الضحى صـادحة | | نوحها ينذرها صرف الحمام |
|
||
| ومطايا الخيف قد زمت لكـم | | ودعوا يا قوم وامضوا بسلام |
|
||
| ودعوا عنكم أباطيل المـنـى | | ليست الدنيا لنا دار مـقـام |
|
||
| أقسم الساقي بكاسات الـردى | | ليدورن علـى كـل الأنـام |
|
||
|
||
يا من إذا عامل خان وظلم، يا من أمر بما ينفعه فلم، هذا القتير في الرأس
|
||
كالعلم، أبقي بعد نوره يا ظالم ظلم، ألم يقل لك ألم الضعف انتبه، ألم، أين
|
||
رفيقك? ادلج وقد عرفت المنهج والرحيل قد أزعج وهذا فرس مسرج والبضاعة كلها
|
||
بهرج.\\
|
||
ويحك تعاهد قلبك فإذا رأيته قد مال إلى الهوى، فاجعل في الجانب الآخر ذكر
|
||
العقاب ليستقيم، فإن غلبك الهوى فاستغث بصاحب القلب، وإن تأخرت الإجابة
|
||
فابعث رائد الانكسار خلفها "تجدني عند المنكسرة قلوبهم".\\
|
||
يا هذا، أما علمت أن اللطف مع الضعيف أكثر. لما كانت الدجاجة لا تحنو على
|
||
الولد أخرج كاسياً، ولما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم فبها تجد
|
||
ريح المطعوم من بعيد فتطلب، لما كان التمساح مختلف الأسنان صار كلما أكل
|
||
حصل بين أسنانه ما يؤذيه فيخرج إلى شاطئ البحر فاتحاً فاه، طالباً للراحة
|
||
فيأتي طائر فينقر ما بين أسنانه فيكون ذلك رزقاً للطائر وترويحاً عن
|
||
التمساح، هذه الخلد دويبة عمياء قد ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح
|
||
فاها فيسقط الذباب فيه فتناول منه، هذه الأطيار تترنم طول النهار، فيقال
|
||
للضفدع ما لك لا تنطقين? فتقول: مع صوت الهزار يستبشع صوتي، فيقال: هذا
|
||
الليل بحكمك "أنا عند المنكسرة قلوبهم" لما خلق الأخرس لا يقدر على الكلام
|
||
سلب السمع لئلا يسمع ما يكره، ولا يمكنه الجواب فكل أخرس أطروش، لما تولع
|
||
الجذام بأظفار أصحابه، صعب عليهم الحك فمنع منهم القمل فليس في ثياب
|
||
المجذومين قملة، سبحان من هذا لطفه، سبحان من لا يعطف عنا عطفه، ثكلت خواطر
|
||
أنست بغيرك عدمت قلباً يحب سواك:
|
||
|
||
| لا أذاق الله عيناً أبصـرت | | *غيركم ياقوت روحي وسنا * |
|
||
| لا ولا كانت قلوب سكنـت | | عند ذكراكم ولا نالت منى |
|
||
|
||
إلهي، ادلنا من نفوسنا التي هي أقرب أعدائنا منا وأعظمهم نكاية فينا، إلهي
|
||
تلاعبت خوادع آمالنا ببضائع أعمارنا فصرنا مفاليس، أغارت علينا خيول الهوى
|
||
فاستأسرتنا بأسرنا وأوثقتنا من أسرنا ورمتنا في مطامير طردنا، فيا مالك
|
||
الملك أنقذ حبيسنا وخلص أسيرنا وسير أوبتنا من بلاد غربتنا، كم عدنا
|
||
مريضاً? وما عدنا، كم رأينا الألحاد تبنى، وما تبنا، كم أبصرنا? وما أقصرنا
|
||
وانتهينا وما انتهينا يا ملاذ العارفين يا معاذ الخائفين، خذ بيد من قد زلت
|
||
قدم فطنته في مزلق فتنته أقم من قعد به سوء عمله:
|
||
|
||
| كم كم أشكو وأين نفع الشكوى | | قد قل تصبري وحل البلـوى |
|
||
| ما لي جلد على جفاهم يقـوى | | *أهوى قلقي إذا جفا من أهوى * |
|
||
|
||
يا من أصلح السحرة فجعلهم بررة، جاؤا يحاربون وخلع الصلح قد خبيت، وتيجان
|
||
الرضى قد رصعت، وشراب الوصال يروق، فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر
|
||
الهوى فإذا به قد استحال خلا، فأفطروا عليه.\\
|
||
واعجباً لسكارى من شراب الحب عربدت عليهم المحبة، فصلبوا في جذوع النخل
|
||
ارتقى سلطان عزمهم إلى سماوات قلوبهم "فأوحى في كل سماء أمرها" واعجباً
|
||
لعزم صلب ما هاله الصلب، لا تتعرض بنار المحبة إلا أن يكون لقلبك جلد
|
||
السمندل أو صبر الفراش.\\
|
||
يا هذا، الاحتراق على قدر الاشتياق لما اشتد شوق الفراش إلى النار، تعجل
|
||
احتراقه وهجم يبتغي الوصال فصال عليه المحبوب:
|
||
|
||
| لاذ بهم يشتكـي جـواه | | *فلم يجد في الهوى ملاذا * |
|
||
| ولم يزل ضارعاً إليهـم | | تهطل أجفـانـه رذاذا |
|
||
| فقـربـوه فـحـادثـوه | | وأتلفوه فـكـان مـاذا |
|
||
|
||
لما علم المحبون أن الصبر محبوب شمروا لحمل البلاء، ثم حلى لهم فعدوه نعمة.
|
||
|
||
| سقمي في الحب عافيتـي | | *ووجودي في الهوى عدمي * |
|
||
| وعذاب تـرتـضـون بـه | | في فمي أحلى من النعـم |
|
||
|
||
كان الربيع بن خيثم يقول في شدة مرضه، ما أحب أن الله نقصني منه قلامة ظفر.
|
||
|
||
| مرض الحب شفائي في الهوى | | كلما أكربـنـي طـربـنـي |
|
||
| فبقائي مـن فـنـائي فـيكـم | | وسروري منكم في حـزنـي |
|
||
| وشربتم بوصال مـهـجـتـي | | وأنا منـتـظـر لـلـثـمـن |
|
||
| كيف أرجو البرء من داء الهوى | | وطبيبي في الهوى أمرضنـي |
|
||
| وإذا البلوى أفـادت قـربـكـم | | *فمن النعمى دوام الـمـحـنِ* |
|
||
|
||
أخواني، لسنا من رجال البلاء فسلوا الله العافية، يضيق الخناق على المحب
|
||
ويمنع من التنفس، لئن قلت آه لأمحونك.
|
||
|
||
| الحب يقول لا تشع أسـراري | | والدمع يسيل هاتكاً أستـاري |
|
||
| فالشوق يزيدني على المقـدار | | *وأناري إذن من الهوى وأناري * |
|
||
|
||
?الفصل الحادي والثمانون
|
||
|
||
يا من أنفاسه عليه معدودة وأبواب التقى في وجهه مسدودة، وأعماله بالرياء
|
||
والنفاق مردودة، غير أن محبة التفريط معه مولودة:
|
||
|
||
| حياتك أنفاس تـعـد فـكـلـمـا | | *مضى نفس منها انتقصت به جزءا * |
|
||
| فتصبح في نقص وتمسي بمثـلـه | | أمالك معقول تـحـس بـه رزءا |
|
||
| يمينك ما يحييك فـي كـل سـاعة | | *ويحدوك حاد ما يريد بك الهـزءا* |
|
||
|
||
كم أسرعت فيما يؤذي دينك ودأبت? كم خرقت ثوب إيمانك وما رأبت? كم فرقت شعب
|
||
قلبك وما شعبت? كم فاتك من خير وما اكتأبت? يا كاسب الخطايا بئس ما كسبت،
|
||
جمعت جملة من حسناتك ثم اغتبت، وحصن دينك ثلمت لما ثلبت، وأنت الذي بددت ما
|
||
حلبت، إن لاح لك أخوك عبته وإن لاحى سببته.\\
|
||
يا عقرب الأذى كم لدغت? كم لسبت? تعلم أن مولاك يراك وما تأدبت? تؤثر ما
|
||
يفنى على ما يبقى ما أصبت، تصبح تائباً فإذا أمسيت كذبت، تمشي مع اليقين
|
||
فإذا قاربت انقلبت، تعمر ما لا يبقى وما يبقى خربت، تأنس بالدنيا وغرورها
|
||
وقد جربت كأنك بك في القبر تبكي ما كسبت، لقد حسبت حساباً كثيراً وهذا ما
|
||
حسبت.\\
|
||
يا وادي الشيح كيف يقال لو أعشبت? يا هذا أكثر الأنعام عليك، كف كف فضول
|
||
الدنيا عنك إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص، فاعلم أنه قد لطف بك لأن المنعم
|
||
لم يقلصه عليك بخلاً أن يتمزق لكن رفقاً بالماشي أن يتعثر، أحرم عن الحرام
|
||
بنزع مخيط الهوى لعل جذب القدر يقارن ضعف كسبك:
|
||
|
||
| إن المقادير إذا ساعدت | | *ألحقت العاجز بالحازم * |
|
||
|
||
يا تائهاً في فلات الغفلات، اعل بأقدام الذهن نشز الفكر تلح لك البلد، تركب
|
||
البحار في طلب الدنيا فإذا أمرت بخير، قلت إن وفقني، أصم الله سمع الهوى
|
||
فما يسمع إلا ما يريد.
|
||
|
||
| يا ملولاً كـلـمـا | | ثقف بالعذل التوى |
|
||
| عنتا تطلـب فـي | | *فالوذج الهوى نوى * |
|
||
|
||
ما أحسن قولك، وما أقبح فعلك، كم يشكو حزيران? نطقك من كانون عزمك، ويحك،
|
||
بادر در الأرباح ما دام ينثر، فسينادي عن قليل "يا سماء أقلعي" أتحسب تحصيل
|
||
المعالي سهلاً? نيل سهيل أسهل من أدلج في ليل الصبر فات المكاس، يا من يتعب
|
||
في التعبد ولا يجد له لذة، أنت بعد في سواد البلد اخرج إلى البادية تجد
|
||
نسيم نجد، الاعتبار عندنا بالأعمال القلبية، غلبت حرارات الخوف قلب داود
|
||
فصار كفه كيراً "وألنَّا له الحديد" وقويت روحانية محمد فنبع الماء من بين
|
||
أصابعه:
|
||
|
||
| لولا مدامع عشاق ولوعتـهـم | | *لبان في الناس عز الماء والنار * |
|
||
| فكل نار فمن أنفاسهم قدحـت | | وكل ماء فمن طرف لهم جار |
|
||
|
||
أيها المصلي طهر سرك قبل الطهور، وفتش على قلبك الضائع قبل الشروع، حضور
|
||
القلب أول منزل فإذا نزلته انتقلت إلى بادية العمل، فإذا انتقلت عنها أنخت
|
||
بباب المناجى، وأول قرى ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب، وكيف يطمع في
|
||
دخول مكة منقطع قبل الكوفة، همك في الصلاة متشبث، وقلبك بمساكنة الهوى
|
||
متلوث، ومن كان متلطخاً بالأقذار لا يغلف، ادخل دار الخلوة لمن تناجي واحضر
|
||
قلبك لفهم ما تتلو ففي خلوات التلاوة تزف أبكار المعاني، إذا كانت مشاهدة
|
||
مخلوق يوم "اُخرُج عليهِنّ" استغرقت إحساس الناظرات "فقطَّعنَ أيديَهُنّ"
|
||
فكيف بالباب علقت? فعقلت على الباب?
|
||
|
||
| لها بوجهك نور تستـدل بـه | | ومن نوالك في أعقابها حـاد |
|
||
| لها أحاديث من ذكراك تشغلها | | *عن الشراب وتلهيها عن الزاد * |
|
||
|
||
لو أحببت المخدوم لحضر قلبك في الخدمة، ويحك، هذا الحديد يعشق المغناطيس
|
||
فكيف ما التفت التفت، إن كنت ما رأيت هذا الحجر فانظر إلى الحرابى تواجه
|
||
الشمس، فكيف مالت قابلتها.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| وإني إذا اصطكت رقاب مطيكم | | وثَوَّر حادٍ بالرفـاقِ عـجـول |
|
||
| أخالف بين الراحتين على الحشى | | *وأنظرُ أنّى مُـلـتـم فـأمـيل* |
|
||
|
||
قيل لعامر بن عبد قيس أما تسهو في صلاتك? قال: أو حديث أحب إلي من القرآن
|
||
حتى أشتغل به، هيهات! مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس. كان مسلم بن يسار لا
|
||
يلتفت في صلاته ولقد انهدمت ناحية من المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت.
|
||
وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علماً منهم
|
||
أن قلبه مشغول، وكان يقول في مناجاته: إلهي، متى ألقاك وأنت عني راضي?
|
||
|
||
| إذا اشتغل اللاهون عنك بشغلـهـم | | جعلت اشتغالي فيك يا منتهى شغلي |
|
||
| فمن لي بأن ألقاك في ساعة الرضا | | *ومن لي بان ألقاك والكل لي من لي * |
|
||
|
||
كان الفضيل يقول أفرح بالليل لمناجاة ربي وأكره النهار للقاء الخلق.
|
||
|
||
| الموت ولا فراق مـن أهـواه | | هذي كبدي تذوب من ذكـراه |
|
||
| ما أشوقني له متـى ألـقـاه | | *ما مقصودي من المنى إلا هو * |
|
||
|
||
كان أبو يزيد يقول: وددت أن الله تعالى جعل حساب الخلق علي، قيل لماذا?
|
||
قال: لعله يقول في خلال ذلك يا عبدي فأقول: لبيك، ثم ليصنع بي ما شاء.
|
||
|
||
| هل الطرف يعطي نظرة من حبيبه | | أم القلب يلقى روحة من وجيبـه |
|
||
| وهل لليالي عطفة بـعـد نـفـرة | | تعود فيلهى ناظر عن غـروبـه |
|
||
| أحنُّ إلى نور اللوى في بطـاحـه | | وأظمأ إلى ريا اللوى في هبوبـه |
|
||
| وذاك الحمى يغدو عليلاً نسـيمـه | | ويمسي صحيحاً ماؤه في قلـيبـه |
|
||
| هو الشوق مدلول على مقتل الفتى | | *إذا لم يعد قلباً بلـقـيا حـبـيبـه* |
|
||
|
||
يا واقفاً في صلاته بجسده والقلب غايب، ما يصلح ما بذلته من التعبد مهراً
|
||
للجنة فكيف ثمناً للجنة، رأت فأرة جملاً فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما
|
||
وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال: إما أن تتخذي داراً يليق بمحبوبك
|
||
أو محبوباً يليق بدارك، خذ من هذه إشارة إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك أو
|
||
تتخذ معبوداً يليق بصلاتك.
|
||
|
||
الفصل الثاني والثمانون
|
||
|
||
عجباً لمن رأى فعل الموت بصحبه ثم ينسى قرب نحبه، واستبداله ضيق المكان بعد
|
||
رحبه من لم ينتبه بوكزه فسينتبه بسحبه:
|
||
|
||
| ما لبني الدنـيا غـدوا | | أهل ضلال وغـمـه |
|
||
| بصيرهم من جهـلـه | | كأنه حلـف كـمـه |
|
||
| أنـت مـقـيم سـائر | | فلا تقل لـم ولـمـه |
|
||
| ولا تـكـلـم أحــدا | | في غير بر كلـمـه |
|
||
| فكل معطـى مـهـل | | أوقاته منـصـرمـه |
|
||
| ولا تدوم لـلـفـتـى | | شؤونه المنتـظـمـه |
|
||
| يأتي على الأرض مدى | | وما عليها نـسـمـه |
|
||
| ضاق رحب العمر عن | | حاجاتنا المزدحـمـه |
|
||
|
||
أين الأقران وأين سلكوا? تالله لقد فنوا وهلكوا ، اجتمع الأضداد في الألحاد
|
||
واشتركوا، وخانهم حبل الأمل بعدما امتسكوا، ونوقشوا على ما خلفوا وتركوا
|
||
وصار غاية الأماني أن لو تركوا، تالله لقد سعد من تدبر وسلم من الأذى من
|
||
تصبر، وهلك مؤثر الحرى وأدبر فكأنكم بالفراق يا ركاب المعبر، يا نائماً في
|
||
لهوه وما نام الحافظ لاحظ نور الهدى فلا حظ إلا للاحظ، ولا تغتر ببرد العيش
|
||
فزمان الحساب قائظ، يا مدبراً أمر دنياه ينسى أخراه فخفف النداء اللافظ،
|
||
وعجائب الدهر تغني عن وعظ كل واعظ، يا من رأينا يد التفريط قد ولعت به
|
||
فأتينا للومه ولعتبه أما مصير السلف نذير الخلف، أما مهد الطفل عنونا
|
||
اللحد. يا من لمع له سارب الأمل فبدد ماء الاحتياط أتراك ما علمت أن
|
||
الأماني قمار. مد نهر الهوى وقلبك على الشاطئ، فمر به صم مسح اليقظة فصممت
|
||
على الزلل أكل الزمان "وهم بها" أما تقع في يوم "واستعصم" الورع عن الذنوب،
|
||
يوجب قوة قلبية. قال بعض السلف: ارتكبت صغيرة فغضب علي قلبي فلم يرجع إلي
|
||
إلا بعد سنة، أخواني: إطلاق البصر سيف يقع في الضارب:
|
||
|
||
| يا للرجال لنظرة سـفـكـت دمـاً | | ولحادث لم ألفه مسـتـسـلـمـا |
|
||
| وأرى السهام تؤم من يرمي بـهـا | | *فعلام سهم اللحظ يصمي من رمى * |
|
||
|
||
المحرمات حرم ونظر المملوك إلى حرم المالك، من أقبح الخيانة، يا بني آدم
|
||
تلمحوا تأثير "وعصى" لقمة أثرت إن عثرت، فعرى المكتسي ونزل العالي وبكى
|
||
الضاحك، وقام المترفه يخدم نفسه فاشتد بكاؤه فنزل جبريل يسليه فزاد برؤيته
|
||
وجده. للشريف الرضي:
|
||
|
||
| رأى على الغور وميضاً فاشتاق | | ما أجلب البرق لمـاء الآمـاقْ |
|
||
| ما للوميض والفؤاد الـخـفَّـاقْ | | قد ذاق من بين الخليط مـا ذاقْ |
|
||
| داء غارمٍ ما لـه مـن إفـراقْ | | قد كَلَّ آسيهِ وقـد مـلَّ الـراقْ |
|
||
| قلبي وطرفي من جوى وإملاق | | في غرق ما ينقضي وإحـراقْ |
|
||
| يا ناقَ أداك الـمـؤدي يا نـاقْ | | ماذا المقام والفـؤاد قـد تـاقْ |
|
||
| *هل حاجة المأسور إلا الإطلاق * | | |
|
||
|
||
كان آدم كلما عاين الملائكة تصعد إلى السماء وجناحه قد قص زاد قلقه.
|
||
|
||
| وأصبحت كالبازي المنتـف ريشـه | | يرى حسرات كلمـا طـار طـائرا |
|
||
| يرى خارقات الجو يخرقن في الهوى | | فيذكر ريشاً من جنـاحـيه وافـرا |
|
||
| وقد كان دهراً في الرياض منعـمـاً | | على كل ما يهوى من الصيد قـادرا |
|
||
| إلى أن أصابته من الدهـر نـكـبة | | *فأصبح مقصوص الجناحين حاسـرا* |
|
||
|
||
أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون عند فراقهم الزمن:
|
||
|
||
| ولم يبق عندي للهوى غـير أنـنـي | | *إذا الركب مروا بي على الدار أشهق * |
|
||
|
||
كانت الملائكة إذا نزلت إليه، استنشق ريح الوصال من ثياب الواصلين وتعرف
|
||
أخبار الديار من نسمات القاصدين:
|
||
|
||
| خبراني عن العقيق خبيراً | | *أنتما بالعقيق أحدث عهدا * |
|
||
|
||
يا ناقضي العهود دوموا على البكاء فمن أشبه أباه فما ظلم.\\
|
||
كانت عابدة من أحسن النساء عيناً فأخذت في البكاء فقيل لها: تذهب عيناك،
|
||
فقالت: إن يكن لي عند الله خير فسيبدلني خيراً منهما وإن تكن الأخرى فوالله
|
||
لا أحزن عليهما.\\
|
||
للمتنبي:
|
||
|
||
| قد علّمَ البينُ منا البينَ أجفـانـا | | *تدمَى وألفَ في ذا القلب أحزانا * |
|
||
| قد أشفق من دمعي على بصري | | فاليوم كل عزيز بعدكم هـانـا |
|
||
| تُهدي البوارق أخلافَ المياه لكم | | *وللمحبِّ من التذكار نـيرانـا* |
|
||
|
||
من سعى إلى جناب العز بأقدام المسكنة، ووقف بباب الكرم على أخمص المسألة،
|
||
ووصف ندمه على الذنب بعبارة الذل لم يعد بالخيبة.
|
||
|
||
| ملكتم قلبـي فـمـا | | لي عنكم مصـرف |
|
||
| فودكم منـه مـكـا | | ن كبدي أو الطـف |
|
||
| فلا برى وجدي بكم | | ولا أفاق الشغـف |
|
||
| لست وإن اعرضتـم | | *أيأس من أن تعطفوا * |
|
||
| وصبر يعقوب معي | | حتى يعود يوسـف |
|
||
|
||
يا معاشر المذنبين اسمعوا وصيتي، إذا قمتم من المجلس فادخلوا دار الخلوة
|
||
وشاوروا نصيح الذكر وحاسبوا شريك الخيانة وتلمحوا تفريط التواني في بضاعة
|
||
العمر، ويكفي ما قد مضى فليحذر العور الحجر، إذا نفى خاطر المذكر من ذل
|
||
هوى، وصفى معين معنى كلامه من كدر طمع، انكشف الغشاء عن عينه فرأى بالفطنة
|
||
موضع قطنة مرهم العافية فربى حشائش الحكم وركب فيها معاجين الشفاء ففتحت
|
||
سدد الكسل واستفرغت أخلاط الشواغل، فأما مجتلب الدنيا بنطقه فإنه كلما حفر
|
||
قليب قلبه فأمعن، لاستنباط معنى، طم الطمع إذا صدر العلم من عامل به كان
|
||
كالعربية ينطق بها البدوي، وأحلى أبيات الشعر ما خرج عن أبيات الشعر جمعت
|
||
بين الكتاب والسنة ففتحا لي هذه المغاني فهي تنادي السامعين: ولدت من نكاح
|
||
لا من سفاح، ومن جمع بين الجهل والبدعة هذى الهذيان فكلامه في مرتبة ابن
|
||
زانية، إذا فتحت الوردة عينها رأت الشوك حولها فلتصبر على مجاورته قليلاً
|
||
فوحدها تجتني وتقبل، واعجباً لألفاظي وعملها بطل السحر عندها كل المذكرين
|
||
رجالة وأنا فارس أخرج إلى المعاني في كمين فأصيدها لا بأحبولة إذا حضرت
|
||
ملكت العيون، وإذا غبت استرهنت القلوب.\\
|
||
للمهيار
|
||
|
||
| طرفُ نجدية وظرفُ عراقي | | أي كاس يديرهـا أيّ سـاق |
|
||
| سنحت والقلوبْ مطلقةٌ ترعى | | وثابت وكلهـا فـي وثـاق |
|
||
| لم تزل تخدع العيونَ إلـى أن | | عَلَقَتْ دمعةً على كل مآق |
|
||
|
||
الفصل الثالث والثمانون
|
||
|
||
إخواني: أعجب العجائب أن النقاد يخافون دخول البهرج في أموالهم والمبهرج
|
||
آمن، هذا الصديق يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وهذا عمر،
|
||
يقول: يا حذيفة هل أنا منهم? والمخلط على بساط الأمن:
|
||
|
||
| الـنـاسـكـون يحـاذرو | | ن وما بـسـيِّئةٍ ألـمّـوا |
|
||
| كانوا إذا رامـوا كـلامـاً | | مطلقاً خطـمـوا وزمـوا |
|
||
| إن قيلت الـفـحـشـاء أو | | *ظهرت عموا عنها وصموا * |
|
||
| فمضوا وجاء مـعـاشـر | | بالمنكرات طموا وطمـوا |
|
||
| ففـم لـطـعـم فـاغـر | | ويدٌ علـى مـالٍ تـضـمُّ |
|
||
| عدلوا عن الحسن الجمـيل | | وللخنـا عـمـدوا وأمـوا |
|
||
| وإذا هـم أعـيتـهـــم | | شنعاؤهم كـذبـوا وأمـوا |
|
||
| فالصدر يغلـي بـالـهـوا | | جس مثل ما يغلي المحـم |
|
||
|
||
لله درّ أقوام شغلهم حب مولاهم عن لذات دنياهم، اسمع حديثهم إن كنت ما
|
||
تراهم، خوفهم قد أزعج وأقلق، وحذرهم قد أتلف وأحرق، وحادي جدهم مجد لا
|
||
يترفق، كلما رأى طول الطريق نص وأعنق، وكيف يحسن الفتور? وأوقات السلامة
|
||
تسرق دموعهم في أنهار الخدود تجري وتتدفق، يشتاقون إلى الحبيب إليهم أشوق،
|
||
يا حسنهم في الدجى ونورهم قد أشرق، والحياء فائض والرأس قد أطرق، والأسير
|
||
يتلظى ويترجى أن يعتق، إذا جاء الليل تغالب النوم والسهر، والخوف والشوق في
|
||
مقدم عسكر اليقظة والكسل والتاني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الصبر حمل على
|
||
القيام فانهزمت جنود الفتور، فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان، سفر
|
||
الليل، لا يطيقه إلا مضمر المجاعة، النحائب في الأول وحاملات الزاد في
|
||
الأخير، قام المتهجدون على أقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمان ضاع في
|
||
غير الوصال:
|
||
|
||
| سقوا بمياه أعينـهـم | | *هناك الضال والرندا * |
|
||
| يا نفاس كبرق فـي | | أنين يشبه الرعـدا |
|
||
|
||
إن ناموا توسدوا أذرع الهمم وإن قاموا فعلى أقدام القلق، لما امتلأت
|
||
أسماعهم بمعاتبة كذب من ادعى محبتي فإذا جن الليل نام عني، حلفت أجفانهم
|
||
على جفاء النوم.
|
||
|
||
| إن كان رضاكم في سهري | | فسلام الله على وسـنـي |
|
||
|
||
ما زالت مطايا السهر تذرع بيد الدجى، وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل،
|
||
وحادي العزم يقول في إنشاده: يا رجال الليل جدوا إلى أن نم النسيم بالفجر.
|
||
فقام الصارخ ينعي الظلام فلما هم الليل بالرحيل، تشبثوا بذيل السحر.
|
||
|
||
| فاستوقف العيس لي فإن علي | | خلب فؤادي تشد أرحلـهـا |
|
||
| إن دثرت دارها فما دثـرت | | منازل في القلوب تنزلـهـا |
|
||
|
||
قال علي بن بكار، منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في
|
||
السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين وجدت عليه أمة من
|
||
الناس يسقون:
|
||
|
||
| بانوا وخلفت أبكي في ديارهم | | *قل للديار سقاك الرائح الغادي * |
|
||
| وقل لأظعانهم حييت من ظعن | | وقل لواديهم حييت مـن واد |
|
||
|
||
يا بعيداً عنهم يا من ليس منهم أليس لك نية في لحاقهم? أسرج كميتك، واجرر
|
||
زمامك، يقف بك على المرعى، يا من يستهول أحال القوم تنقل في المراقي تعل.
|
||
قال أبو يزيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.
|
||
|
||
| *ما زلـــتُ أُضـــحـــكُ إبـــلـــي كـــلـــمــا نـــظــــرت* | | *إلـــى مـــن اخـــتـــضـــبــت أخـــفـــافـــهـــا بــدمــي* |
|
||
| *من اقـــتـــضـــى بـــســـوي الــهــنــدي حـــاجــتـــه* | | *أجـــاب كـــل ســـــؤال عـــــن هـــــــل بـــــلــم* |
|
||
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| ثورها ناشـطة عـقـالـهـا | | قد ملأت من بدنها جلالـهـا |
|
||
| فلم تزل أشواقه تسـوقـهـا | | *حتى رمت من الوجي رحالها * |
|
||
| ما ذا على الناقة من غـرامة | | لو أنه أنصف أو رثى لـهـا |
|
||
| أراد أن تشرب ماء حـاجـر | | أريها تطلـب أم كـلالـهـا |
|
||
| إن لها على الـقـلـوب ذمة | | لأنها قد عرفت بلـبـالـهـا |
|
||
|
||
|
||
|
||
| وما عليهم سـهـري | | ولا رُقـادي لـهـمُ |
|
||
| وهل سماتُ الحـبِّ | | إلاّ سهـرٌ وسـقـمُ |
|
||
| خذ أنت في شـأنـكَ | | *يا دمعي وخلي عنهم * |
|
||
|
||
كان بشر لا ينام الليل ويقول أخاف أن يأتي أمر وأنا نائم:
|
||
|
||
| رقد الُّـمّـارُ وأرّقـه | | همٌّ لـلـبـين يردده |
|
||
| فبكاه النجمُ ورقَّ لـه | | مما يرعاه ويرصـده |
|
||
| وغداً يقضي أو بعد غدٍ | | هل من نظرٍ يتزوّده |
|
||
| يهوى المشتاق لقاءكم | | *وصروف الدهر تقيده * |
|
||
|
||
بقي بشر خمسين سنة يشتهي شهوة، فما صفا له درهم، وبضائع أعماركم كلها منفقة
|
||
في الشهوات من الشبهات، أبشروا بطول المرض يا مخلطين:
|
||
|
||
| وا ويلاه من ضياع كل العـمـر | | قد مرَّ جميعه بمر الـهـجـر |
|
||
| ضاعت حيلي وضلَّ عني صبري | | يا قوم عجزت من تلافي أمري |
|
||
|
||
يا من فاتوه وتخلف بل ثراهم من دمع الأسف.
|
||
|
||
| دع شأنَ عينيكَ يا حزين وشأنَهـا | | *وضع اليدين على الحشا وتململ * |
|
||
| هذا وإن فراقهـم ولـقـل مـا | | يُغني وقوفك ساعة في المنزل |
|
||
|
||
جز بنادي المحبة وناد بالقوم تراهم كالفراش تحت النيران.\\
|
||
للشريف الرضيّ:
|
||
|
||
| يا دارُ من قتلَ الهوى بعدي | | *وجدوا ولا مثلَ الذي عندي * |
|
||
| لو حرّكتْ ذاكَ الرّمـادّ يدٌ | | *لرأت بقايا الجمر والوَقـدِ* |
|
||
|
||
تشتد عليهم نار الخوف فيشرفون على التلف، لولا نسيم بذكراهم يروحني،
|
||
ينبسطون انبساط المحب، ثم ينقبضون انقباض الخائف، هذا اللينوفر ينشر أجنحة
|
||
الطرب في الدجى، فإذا أحس بالفجر جمع نفسه واستحى من فارط فإذا طلعت الشمس
|
||
نكس رأسه في الماء خجلاً من انبساطه:
|
||
|
||
| أباسطه علـى جـزع | | كشرب الطائر الفزع |
|
||
| رأى ماءً فأطمـعـه | | *وخاف عواقب الطمع * |
|
||
| فصادف فرصة فدنـا | | ولم يلتذ بـالـجـرع |
|
||
|
||
كلما جاء كلامي صعد، كلما زادت الوقود فاحت ريح العود، أفيكم مستنشق? أو
|
||
كلّكم مزكوم? إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن، باح مجنون عامر بهواه.
|
||
|
||
| وما بحت حتى استنطق الشوق أدمعي | | *وأذكرني عهد الحمى المـتـقـادم* |
|
||
|
||
أتجدون يا إخواني ما أجد من ريح النسيم?
|
||
|
||
| ألا يا نسيم الريح مالك كلـمـا | | *تجاوزت ميلاً زاد نشرك طيبا * |
|
||
| أظن سليمى خبرت بسقامـنـا | | فأعطتك ريّاها فجئت طبيبـا |
|
||
|
||
الفصل الخامس والثمانون
|
||
|
||
يا من كل يوم يقدم إلى القبر فارط، لا تغتر بالسلامة فربما قبض الباسط،
|
||
انهض للنجاة بقلب حاضر وجأش رابط، قبل أن يلقيك على بساط العجز خابط، ونفس
|
||
النفس تخرج من سم إبرة خائط.
|
||
|
||
| قل للمؤمل إن المـوت فـي أثـرك | | وليس يخفى عليك الأمر من نظـرك |
|
||
| فيمن مضى لك إن فكرت معتـبـر | | ومن يمت كل يوم فهو مـن نـذرك |
|
||
| دارٌ تسافر عنها مـن غـدٍ سـفـراً | | فلا تؤب إذا سافرت مـن سـفـرك |
|
||
| تضحي غداً سمراً للذاكـرين كـمـا | | *صار الذين مضوا بالأمس من سمرك * |
|
||
|
||
إخل بنفسك في دار المعاتبة، واحضرها دستور المحاسبة وارفع عليها سوط
|
||
المعاقبة وإن لم تفعل خسرت في العاقبة:
|
||
|
||
| خلقت جسماً ثرياً ثم زرت ثـرى | | فصرت خطاً وطالت مدة فمحى |
|
||
| قف بالمنازل من عادٍ وغيرهـم | | فما ترى ثم من شخصٍ ولا شبح |
|
||
| كلٌّ مُجازى بما أسداهُ من حسـن | | *وسيء فاهجر السوء آت وانتزح * |
|
||
|
||
لقد وعظك أمس واليوم وأنت من سنة إلى نوم ، أين العشائر? أين القوم?
|
||
اشتراهم البلى بلا سوم، لا فطر عندهم ولا صوم، بلى بلابل العتاب واللوم هذا
|
||
رشاش الموج ينذر بالعوم ويخبر بالحادثات أشمامها والروم.
|
||
|
||
| اغتنم صفو الليالـي | | *إنما العيش اختلاس * |
|
||
| تلبس الدهر ولكـن | | متعة ذاك اللبـاس |
|
||
|
||
يا جامع الحطام ولا يدري ما جنى، كلما نقض الواعظ أصلاً من حرصك بنا، بادر
|
||
الفوت فإن الموت قد دنا، هذا يشير القبول: إياك عني النثار كثير فما هذا
|
||
الوقوف والونى? أمدد يد الصدق وقد نلت المنى، هذه الخيف وهاتيك منى، أما
|
||
تهزك هذه المواعظ? أيها المهزوز أما يوقظك الصريح? ولا المرموز أما كل وقت
|
||
عود الهلاك? مغموز أما كل ساعة غصن? مقطوع ومحزوز، أما تراهم بين مدفوع
|
||
وموكوز كل أفعالك إذا تأملت ما لا يجوز، أين أرباب القصور? أين أصحاب
|
||
الكنوز? هلك القوم وضاع المكنوز وحيز في حفرة البلى من كان للمال يحوز،
|
||
بينا تغرهم الإناءة وقعت النواة في الكوز أين كسرى أين قصير أين فيروز?
|
||
عروا عن الأكفان وما كانوا يرضون الخزوز، وأبرز الموت أوجهاً عز عليها
|
||
البروز، وساوى بين العرب والعجم والنبط والخوز، ونسخ بحسرات الرحيل لذات
|
||
النيروز، وكشف لهم نقاب الدنيا فإذا المعشوقة عجوز، ما رضيت إلا قتلهم وكم
|
||
تدللت بالنشوز، لقد أذاقتهم برد كانون الأول فأذاهم في تموز، وإنما قصدت
|
||
غرورهم لتقتلهم في كالوز.\\
|
||
واعجباً، بحر الوجود قد جمع الفنون: العلماء جوهره، والعباد عنبره، والتجار
|
||
حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على رأسه كالزبد، فيا من يجري به على هواه
|
||
وهو عليه كالقفيا قف يا قفيا، كم تحضر مجلساً وكم تتردد? وكم تخوف عقبى
|
||
الذنوب وكم تهدد? يا من لا يلين لواعظ وإن شدد، يا راحلاً عن قريب ما عليها
|
||
مخلد، تلمح قبرك لا قصرك المشيد وتعلم أن المطلق إذا شاء قيد، أترى تقع في
|
||
شركي? فإني جئت أتصيد، يا من يسأل عن مراتب الصالحين مالك ولها? تساوم في
|
||
راحلة وما تملك ثمن نعل تجمع من جوانب الحافات خبازى وتريد أن تطعم أخضر،
|
||
تطلب سهماً من الغنيمة وما رأيت الحرب بعينك.
|
||
|
||
| يحاول نيل المجد والسيف مغمد | | *ويأمل إدراك العلى وهو نائم* |
|
||
|
||
البلايا تظهر جواهر الرجال، وما أسرع ما يفتضح المدعي.
|
||
|
||
| تنام عيناك وتشكو الهوى | | *لو كنت صباً لم تكن نائما * |
|
||
|
||
رأى فقير في طريق مكة امرأة فتبعها فقالت: مالك? فقال: قد سلب حبك قلبي.
|
||
قالت: فلو رأيت أختي? فالتفت فلم ير أحداً. فقالت: أيها الكاذب في دعواه،
|
||
لو صدقت ما التفت:
|
||
|
||
| والله لو علمت روحي بمن علقـت | | *قامت على رأسها فضلاً عن القدم * |
|
||
|
||
إذا كنت تشتغل اليوم عنا بسوداء فكيف تذكرنا إذا أعطيناك الحور? يا مؤثراً
|
||
ما يفنى على ما يبقى هذا رأى طبعك هلا استشرت عقلك لتسمع أصح النصائح، من
|
||
كان دليله البوم كان مأواه الخراب، ويحك، اعزم على مجنون هواك بعزيمة فرب
|
||
شيطان هاب الذكر، تلمح غب الخطايا لعله يكف الكف، لا تحتقرن يسير الطاعات
|
||
فالذود إلى الذود إبل، وربما احتبج إلى عويد منبوذ، لا تحتقرن يسير الذنب
|
||
فإن العشب الضعيف يفتل منه الحبل القوي فيختنق به الجمل المغتلم أو ما نفذت
|
||
في سدسبا? حيلة جرد من عرف شرف الحياة اغتنمها، من علم أرباح الطاعات
|
||
لزمها، العمر ثوب ما كف، والأنفاس تستل الطاقات، كم قد غرقت في سيف سوف،
|
||
سفينة نفس.\\
|
||
يا هذا، أنت أجير وعليك عمل فإذا انقضى الشغل فالبس ثياب الراحة، قال رجل
|
||
لعامر بن عبد قيس: كلمني فقال: أمسك الشمس. دخلوا على الجنيد عند الموت وهو
|
||
يصلي فقيل له في هذا الوقت? فقال الآن تطوى صحيفتي:
|
||
|
||
| حثوا المطى فهذه نجـد | | *بلغ المدى وتجاوز الحد * |
|
||
| يا حبذا نجد وساكـنـه | | لو كان ينفع حبذا نجـد |
|
||
|
||
يا ديار الأحباب أين السكان? يا منازل العارفين أين القطان? يا أطلال الوجد
|
||
أين? أين البنيان?
|
||
|
||
| تعاهدتك العهاد يا طـلـل | | *خبر عن الظاعنين ما فعلوا * |
|
||
| فقال ألا اتبعـتـهـم أبـدا | | إن نزلوا منزلاً وإن رحلوا |
|
||
| تركت أيدي النوى تقودهـم | | وجئتني عن حديثهم تسـل |
|
||
|
||
رحل القوم يا متخلف وسبقوك بالعزائم يا مسوف، فقف على الآثار وقوف متلهف،
|
||
وصح بالدمع سر يا متوقف.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا قلب جدد كـمـدا | | فموعد البـين غـدا |
|
||
| لم أر فرقاً بعـدهـم | | بين الفراق والردى |
|
||
| يا زفرةً هـيجـهـا | | حاد من الغور حدا |
|
||
| أرعى الحُمول ناظراً | | أو أُلزم القلـبَ يدا |
|
||
| وأطرد الطرف على | | آثارهم ما انطـردا |
|
||
| مذ أوقدوا بأضلعـي | | حر الجوى ما بـردا |
|
||
| ومذ إذا أبوا ماء عيني | | للأسى ما جـمـدا |
|
||
| كنتُ أداوي كـبـدي | | لو تركوا لي كبـدا |
|
||
|
||
الفصل السادس والثمانون
|
||
|
||
أخواني: المفروح به من الدنيا هو المحزون عليه، وبقدر الالتذاذ يكون
|
||
التأسف، ومن فعل ما شاء لقي ما ساء.
|
||
|
||
| مال ما كان المنى ما آلمـا | | *صار ما أوصلته قد صارما * |
|
||
| بينما أضحك مسـروراً بـه | | *سال ماء العين إذا ما سالما* |
|
||
|
||
الدنيا فلاة فلا تأمن الفلاة، بل تيقن أنها مارستان بلا، ولا تسكن إليها
|
||
وإن أظهرت لك الولا، على أنها تخفض من علا، فلينظر الإنسان يمنة فهل يرى
|
||
إلاّ محنة? ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة? أما الربع العامر فقد درس وأما
|
||
أسد الممات ففرس وأما الراكب فكبت به الفرس وأما الفصيح فاستبدل الخرس وأما
|
||
الحكيم فما نفعه إن احترس، ساروا في ظلام ظلمهم ما عندهم قبس ووقفت سفينة
|
||
نجاتهم لأن البحر يبس، وانقلبت دول النفوس كلها في نفس وجاء منكر بآخر نبأ،
|
||
ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته? من طال ما جلس.\\
|
||
آه، لنفس رفلت من الغفلة في أثوابها فثوى بها الأمر إلى عدم ثوابها، آه
|
||
لعيون أغشاها الأمل فسرى بها إلى سرابها، آه، لقلوب قلبها الهوى عن القرآن
|
||
إلى أربابها فربا بها، آه لمرضى علم الطبيب قدر ما بها، وقد رمى بها، لأبي
|
||
العتاهية:
|
||
|
||
| يا نفس ما هو إلا صـبـر أيام | | كأن مدتها أضغـاث أحـلامِ |
|
||
| يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة | | وخل بها فإن العيش قدامـي |
|
||
|
||
يا مغرورين بحبة الفخ ناسين خنق الشرك، تذكروا فوات الملتقط مع حصول الذبح
|
||
"فلا تغرَّنَّكُم الحياة الدنيا" الحذر الحذر من صياد يسبق الطير إلى
|
||
مهابطه بفخاخ مختلفة الحيل، قدروا أنكم لا ترون خيط فخة، أما تشاهدون
|
||
ذبائحه? في خيط "كما أخرج أبَوَيْكُم من الجنة".\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| يا قلب كيف علقت في أشراكهم | | ولقد عهدتك تفلت الأشـراكـا |
|
||
| لا تشكون إلى وجدا بـعـدهـا | | *هذا الذي جرَّتْ علـيك يداكـا* |
|
||
|
||
ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج
|
||
أمنه. وفيه حبات:
|
||
|
||
| فإن حننت للحمى وطـيبـه | | *فبالغضا ماء وروضات أخر * |
|
||
|
||
واعجباً أن يكون حامل الكتاب من الطير أقوى عزيمة منك، لعل وضعك على غير
|
||
الاعتدال، الخلق يدل على الخلق، لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل
|
||
ولا الهمة الوافية إلا لنفس نفيسة، لا يصلح لحمل الرسائل إلا الطير الأخضر
|
||
أو الأنمر، لأنه إذا كان أبيض، كان كالغلام الصقلاني، والصقلاني فطير خام
|
||
لم ينضج في محل الحمل، وإذا كان الطائر أسود دل على مجاوزة حد النضج إلى
|
||
الاحتراق، فإن اعتدل اللون دل على نفاسة النفس وشرف الهمة، فحينئذٍ يعرف
|
||
الطائر سر الجناح فيقول بلسان الحال: عرفوني الطريق بتدريج ثم حمّلوني ما
|
||
شئتم، فإذا أدرج فعرف حمل فحمل فصابر الغربة. ولازم بطون الأودية وسار مع
|
||
الفرات أو دجلة فإن خفيت الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتراه مع شدة
|
||
جوعه يحذر الحب الملقى خوفاً من دفينة فخ، يوجب تعرقل الجناح وتضييع
|
||
المحمول فإذا بلغ الرسالة، أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج.\\
|
||
فيا حاملي كتب الأمانة إلى عبادان العبد أكثركم على غير الجادة وما يستدل
|
||
منكم من قد راقه حب حب فنزل ناسياً ما حمل فارتهن بفخ قد نفخ فذبح، ومنكم
|
||
من بان لتعرقل جناحه، وما قصده الذابح بعد فلا الحبة حصّلت ولا الرسالة
|
||
وصلت.
|
||
|
||
| قطاة غرها شرك فـبـاتـت | | تجاذبه وقد علق الـجـنـاح |
|
||
| فلا في أغيل نالت ما تمنـت | | *ولا في الصباح كان لها براح * |
|
||
|
||
لو صابرتم مشقة الطريق لانتهى السفر، فتوطنتم مستريحين في جنات عدن، فيا
|
||
مهملين النظر في العواقب سلفوا وقت الرخص فما يؤمن تغير السعر، سلسلوا سباع
|
||
الألسن فإن انحلت افترستكم، لا ترموا بأسهم العيون ففيكم تقع، رب راعي مقلة
|
||
أهملها فأغير على السرح، من رأى الحقائق رأى عين غض طرفه عن الدارين، لو
|
||
حضرتم حضرة القدس لعقبتم بنشر الأنس.
|
||
|
||
| اطلبوا لأنفسـكـم | | مثل ما وجدت أنا |
|
||
| قد وجدت لي سكنا | | *ليس في هواه عنا * |
|
||
| إن بعدت قربتـي | | أو قربت منه دنا |
|
||
|
||
يا هذا اعرف قدر لطفنا بك وحفظنا لك، إنما نهيناك عن المعاصي صيانة لك لا
|
||
لحاجتنا إلى امتناعك، لما عرفتنا بالعقل حرمنا الخمر لأنها تستره، ومثل
|
||
يوسف لا يخبأ، يا متناولاً للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين
|
||
خليطين، اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عنه، وشكرك لمن تعنيك نعمه، وطاعتك لمن
|
||
لا ترجو خيراً إلا منه، وبكائك على قدر ما فاتك منه، وارفع إليه يد الذل في
|
||
طلب حوائج القلب تأتي وما تشعر.\\
|
||
يا هذا عندك بضائع نفيسة دموع ودماء، وأنفاس وحركات وكلمات ونظرات فلا
|
||
تبذلها فيما لا قدر له، أيصلح أن تبكي لفقد ما لا يبقى? أو تتنفس أسفاً على
|
||
ما يفنى، أو تبذل مهجة لصورة عن قليل تمحى أو تتكلم في حصول ما يشين ويتوى،
|
||
واعجباً. من مجنون بلا ليلى ويحك دمعة فيك تطفي غضبنا، وقطرة من دم في
|
||
الشهادة تمحو زللك، ونفس أسف ينسف ما سلف وخطوات في رضانا تغسل الخطيّات،
|
||
وتسبيحة تغرس لك أشجار الخلد ونظرة بعبرة تثمر الزهد في الفاني ولكن تصحيح
|
||
النقد شرط في العقد سلع "وإني لغفار" لا تباع إلا بدينار "لمن تاب" إذا كان
|
||
خارجاً من سبيكة "وآمن" عن سكة "وعمل صالحاً" من دار ضرب "ثم اهتدى".\\
|
||
يا هذا: لو استشعرت زرمانقة الزهد تحت مطرف "رب أشعث أغبر" وسحت في بادية
|
||
"يدفعون" لأفضنا عليك خلع "إذا رأوا ذكر الله" يا هذا إن لم تقدر على كثرة
|
||
العمل فقف على باب الطلب تعرض بجذبة من جذبات الحق ففي لحظة أفلح السحرة.
|
||
|
||
| لا تجزعن من كل خطب عرا | | ولا ترى الأعداء ما تشمـت |
|
||
| يا قوم بالصبر ينال المـنـى | | *إذا لقيتم فـئة فـاثـبـتـوا* |
|
||
|
||
طريق الوصول صعبة وفي رجلك ضعف، ويحك دم على السلوك تصل، أول النخلة السحوق
|
||
فسيلة، بداية الآدمي الشريف مضغة، ثمن المعالي جد الطلب والفتور داء مزمن،
|
||
بلد الرياضة سحيق "لم تكونوا بالغيه إلا بشقِّ الأنفس" سحابة الصيف أثبت من
|
||
قولك والخط على الماء أبقى من عهدك.
|
||
|
||
| من السلوة في عين | | يك آيات وآثــار |
|
||
| أراها منك بالذهـن | | *وفي الألباب أبصار * |
|
||
| إذا ما برد القـلـب | | فما تسخنه الـنـار |
|
||
|
||
يا هذا، إذا حضر قلبك فنسيم الريح يذكرك، وإن غاب فمائة ألف نبي لا يوصلون
|
||
التذكرة إليك، تالله لقد ألمعنا المعنى وما ألزمنا الزمنى.
|
||
|
||
| ولي بألف باب قد عرفت سبيله | | ولكن بلا قلب إلى أين أذهب |
|
||
|
||
الفصل السابع والثمانون
|
||
|
||
يا من يرحل في كل لحظة عن الدنيا مرحلة، وكتابه قد حوى حتى قدر خردلة، كن
|
||
كيف شئت? فبين يديك الحساب والزللة، يا عجباً من غفلة مؤمن بالجزاء
|
||
والمسئلة أيقين بالنجاة? أم غرور وبله.
|
||
|
||
| تبنى وتـجـمـع والآثـار تـنـدرس | | وتأمل اللبث والأرواح تـخـتـلـسُ |
|
||
| ذا اللب فكر فما في الخلد من طمـع | | لا بد ما ينتهـي أمـر وينـعـكـسُ |
|
||
| أين الملوك وأبناء الـمـلـوك ومـن | | كانوا إذا الناس قاموا هيبة جلـسـوا |
|
||
| ومن سيوفهم فـي كـل مـعـتـرك | | تخشى ودونهم الحجـاب والـحـرس |
|
||
| أضحوا بمهلكة في وسط معركة موتى | | وماشى الورى من فوقـهـم يطـس |
|
||
| وعمهم حـدث وضـمـهـم جـدث | | باتوا وهم جثث في الرمس قد حبسوا |
|
||
| كأنهم قط ما كـانـوا ولا خـلـقـوا | | ومات ذكرهم بين الـورى ونـسـوا |
|
||
| والله لو نظرت عيناك ما صـنـعـتْ | | يد البلـى بـهـم والـدود يفـتـرس |
|
||
| من أوجه ناظرات حار نـاظـرهـا | | في رونق الحسن منها كيف تنطمـس |
|
||
| وأعظم بـالـيات مـا بـهـا رمـق | | وليس تبقى لهذا وهي تـنـتـهـس |
|
||
| والسـن نـاطـقـات زانـهـا أدب | | ما شانها شانهـا بـالآفة الـخـرس |
|
||
| ثلتهم الـسـن لـلـدهـر فـاغـرة | | فاها فاها لهم إذ بالـردى وكـسـوا |
|
||
| عروا عن الوشي لما ألبسـوا حـلـلاً | | من الرغام على أجسادهم وكـسـوا |
|
||
| حتام يا ذا النهي لا ترعوي سـفـهـاً | | ودمع عينك لا يهمـي وينـبـجـس |
|
||
|
||
أيها المطمئن إلى الدنيا وهي تطلبه بدخل، قد مرضت عين بصيرته فيها، فما
|
||
ينفع الكحل، يتبختر في رياضها وما يصبح إلا في الوحل، انتبه للرحيل. ثم
|
||
اشدد الرحل، واستبدل خصب المراب. عن قحل المحل، وتأمر على نفسك. فللنخلل
|
||
فحل.
|
||
|
||
| اترك الشر ولا تأمن بشـر | | وتواضع إنما أنت بـشـر |
|
||
| هذه الأجسام ترب هـامـد | | فمن الجهل افتخار وأشـر |
|
||
| جسد من أربع يلحظها سبعة | | من فوقها في إثني عشـر |
|
||
| في حياة كخـيال طـارق | | شغل الفكر وخلاك ومـر |
|
||
|
||
تالله لقد كشفت الغير ما انسدل، فلم يبق مراء ولا جدل، هذا حمام الحمام قد
|
||
هدل، فكم صرخ صوته وكم جدل، يا جائرين احذروا ممن إذا قضى عدل، واعلموا أن
|
||
الآخرة ليس منها بدل، هذا هو الصواب، لو أن المزاج اعتدل، يا من عمره كزمان
|
||
الورد، التقط واعتصر لا في زور، يا شمس العصر على القصر، قد بلغ مركبك ساحل
|
||
الأجل، ووقف بعيرك. على ثنية الوداع، وقاربت شمس عمرك الطفل، وبقي من ضوء
|
||
الأجل. شفق، فاستدرك باقي الشعاع. قبل غروب الشمس.
|
||
|
||
| أُيُنفَق العمرُ في الدنيا مجازفةً | | *والمال يُنفق فيها بالمـوازين* |
|
||
|
||
البدار البدار. قبل الفوت، الحذار الحذار. قبل الموت، ما في المقابر من
|
||
دفين. إلا وهو متألم من سوف.\\
|
||
يا هذا متى تبت بلسانك، وما حللت عقد الإصرار من قلبك، لم تصح التوبة، كما
|
||
لو سكنت الأمراض بغتة من غير استفراغ، فإن المرض على حاله.\\
|
||
يا هذا: إذا لم يتحقق قصدُ القلب. لم يؤثر النطق باللفظ، إن المكره على
|
||
اليمين. لا تنعقد يمينه. "إنما الأعمال بالنيّات" وقلبه كله مع الهوى، "إن
|
||
في البدن لمضغة. إذا صلحَتْ صلح البدن، وإذا فسدَتْ فسد البدن، ألا وهي
|
||
القلب" أكثر الأمراض. أمراض الهوى، وأكثر القتلى بسيفه، أرباب الهوى، أطفال
|
||
في حجور العادات وإن شابوا، انحدرت عزيمتك. في جريان نهر الهوى، فاصبر صبر
|
||
مداد. لعلك تردها.\\
|
||
ويحك. انتبه لإصلاح عيوبك، لعل المشتري يرضى، تالله. إن المشتري ما يحب بطء
|
||
زحل، اكفف ثوب الكلام بالصمت. وإلا تنسل، اطف حراق الهوى. وإلا عمل، ارفق
|
||
بزجاج العمر. فما ينشعب إذ انكسر.\\
|
||
واعجباً، الظاهر غير طاهر، والباطن باطل، الأمل بخار فاسد، الرعونة علة
|
||
صعبة، منام المنى أضغاث، رائد الآمال كذوب، مرعى المشتهي هشيم، العجز شريك
|
||
الحرمان، التفريط مضارب الكسل، ديجور الجهل معتم، سؤر الهوى مغرق، روض
|
||
اللهو وبى، غدير اللذات غدر.
|
||
|
||
| ظللتُ أكرُّ عليه الرقى | | وتأبى عريكته أن تلينا |
|
||
|
||
كم قد لمتك وما نفع، كم قد نصبت لك شركاً وما تقع، قفل قلبك رومي. ما يقع
|
||
عليه فش.\\
|
||
يا هذا: المجاهدة حرب. لا يصلح لها إلا بطل، متى تغير من جنود عزمك على
|
||
الإنابة قلب واحد، لم أمن قلب الهزيمة عليك.
|
||
|
||
| وإذا كان في الأنابيب خـلـفٌ | | *وقع الطيش في رؤس الصعاد * |
|
||
|
||
أيها المريد. تلطّف بنفسك في الرياضة تصل، مشي القطا بدبير، ومشي العصفور
|
||
نقزان، العنكبوت الفطن ينسج في زاوية، والمغفل ينسج على وجه الأرض، كن
|
||
قيماً على جوارحك، وفِّها الحظوظ، واستوف منها الحقوق، أما ترى حاضن البيض
|
||
يقلبه بمنقاره، لتأخذ كل بيضة حظها من الحضن، ثم أكثر ساعات الحضن على
|
||
الأنثى، لاشتغال الذكر بالكسب، فإذا صار البيض فراخاً كان أكثر الزق على
|
||
الأب، "فلا يُخرجَنَّكُما من الجنة فتشقى" ما لقيت حواء عشر ما لقي آدم،
|
||
لأنها وإن شاركته في العلم بفقد صورة النعيم، فهو منفرد عنها بملاحظة
|
||
المعنى، بعد عز "اسجدوا لآدم" يقبض جبريل على ناصيته للإخراج، والمدنف يقول
|
||
ارفق بي:
|
||
|
||
| يا سابق البكرات استبق فضلتهـا | | *على الغوير فظهر الفكر معقور * |
|
||
|
||
كان يتوقف في خروجه لو ترك، ويتشبث بذيل لو نفع، ولسان الأسى، يصيح بمن
|
||
أسا:
|
||
|
||
| تزود من الماء النقاخ فلن تـرى | | *بوادي الغضا ماءاً أنقاخاً ولا بردا * |
|
||
| ونل من نسيم البان والرند نفـحة | | فهيهات واد ينبت البان والرنـدا |
|
||
| وكر إلى نجد بـطـرفـك إنـه | | *متى تسر لا تنظر عقيقاً ولا نجدا* |
|
||
|
||
ما زال مذ نزل، يرفع قصص الغصص، على أيدي أنفاس الأسف، فتصعد بها صعداء
|
||
اللهف:
|
||
|
||
| ألا يا نسيم الريح من أرض بابل | | *تحمل إلى أهل الحجاز سلامي * |
|
||
| وإني لأهوى أن أكون بأرضهم | | *على أنني منها استفدت سقامي * |
|
||
|
||
واعجباً من فاق آدم، بلا معين على الحزن، هوام الأرض لا تفهم ما يقول،
|
||
وملائكة السماء عندها بقايا "أتجعل" فهو في كربة، وحيد بدار غربة:
|
||
|
||
| ألا راحم من آل ليلى فأشتكي | | غرامي حتى يكل لسـانـيا |
|
||
|
||
الفصل الثامن والثمانون
|
||
|
||
أخواني: أيام العافية غنيمة باردة، وأوقات السلامة لا تشبهها فائدة، فتناول
|
||
ما دامت لديك المائدة، فليست الساعات الذاهبات بعائدة.
|
||
|
||
| مضى أمسك الماضي شهيداً معدلا | | واتبعـه يوم عـلـيك شـهـيد |
|
||
| فإن تك بالأمس اقترفـت إسـاءة | | فبادر بإحسـان وأنـت حـمـيد |
|
||
| ولا تبق فعل الصالحات إلى غـد | | لعل غداً يأتـي وأنـت فـقـيد |
|
||
| إذا ما المنايا أخطأتك وصـادفـت | | *حميمك فاعلم أنهـا سـتـعـود* |
|
||
|
||
كأنكم بالقيامة قد قامت، وبالنفس الأمارة بالسوء، قد لامت، وانفتحت عيون.
|
||
طال ما نامت، وتحيرت قلوب العصاة وهامت.
|
||
|
||
| غداً توفى النفوس ما كسبـت | | *ويحصد الزارعون ما زرعوا * |
|
||
| إن أحسنوا أحسنوا لأنفسـهـم | | وإن أساءوا فبئس ما صنعوا |
|
||
|
||
شبكة الحساب ضيقة الأعين. لا يعبرها شيء، وكيل المطالبة خصم ألد، أينطق
|
||
بأقل عذرك بين يدي سحبان المناقشة، كلا أيقن بالسجن، يا هذا، إنك لم تزل في
|
||
حبس، فأول الحبوس صلب الأب، والثاني بطن الأم، والثالث القماط، والرابع
|
||
المكتب، والخامس الكد على العيال، والسادس الموت، والسابع القبر فإن وقعت
|
||
في الثامن. نسيت مرارة كل حبس.\\
|
||
يا هذا، ادخل حبس التقوى باختيارك أياماً. ليحصل لك الإطلاق في الأغراض على
|
||
الدوام، ولا تؤثرن إطلاق نفسك فيما تحب، فإنه يؤثر حبس الأبد في النار، إلى
|
||
متى تسجن عقلك في مطمورة هواك? أو يحبس طاوس في ناووس? ويحك. تفكر فيما بين
|
||
يديك، وقد هان الصبر عليك، لما خفيت العواقب على المتقين، فزعوا إلى القلق،
|
||
وأكثروا من البكاء، فعذلهم من يشفق عليهم، وما يدري العاذل، إن العذل على
|
||
حمل الحزن علاوة.\\
|
||
قيل لبعض العباد: لم تبكي? قال: إذا لم أبك فما أصنع?
|
||
|
||
| ما كان يقرأ واش سطر كتمانـي | | لو أن دمعي لم ينطقْ بـتـبـيانِ |
|
||
| ماء ولكنه ذوب النـفـوس وهـلْ | | ماء تـولّـده مـن حـر نـيرانِ |
|
||
| ليت النوى إذ سقتني سُمَّ أسودهـا | | *سدت سبيل امرئ في الحب يلحان * |
|
||
| قد قلتُ بالجزع لما أنكر واجزعي | | ما أبعد الصبر ممن شـوقـه دانِ |
|
||
| عجنا على الربع نستسقي له مطراً | | وفاض دمعي فأرواه وأظمانـي |
|
||
|
||
قوي حصر الخوف فاشتد كرب القوم، فكل ما هب نسيم من الرجاء ولوا وجوههم
|
||
شطره:
|
||
|
||
| يا طرباً لنـفـحةٍ نـجـديةٍ | | اعدل حرَّ القلب باستبرادها |
|
||
| وما الصبا ريحي لولا أنهـا | | *إذا جرتْ مرَّتْ على بدلاها * |
|
||
|
||
عبارة النسيم لا يفهمها إلا الأحباب. وحديث البروق. لا يروق إلا للمشتاق:
|
||
|
||
| ومرنح فَطَنَ النسـيمُ بـوجـده | | *غروى له خبر العذيب معرضا * |
|
||
|
||
العارف غائب عند ذكر الدنيا، وحاضر عند ذكر الأخرى وطائش عند ذكر الحبيب،
|
||
يحضر المجلس موثقاً بقيود الهم، فإذا ذكر الحبيب قطع الوجد السلاسل، إن
|
||
مداراة قيس تمكن، ولكن لا عند ذكر ليلى. للخفاجي:
|
||
|
||
| رمتْ بالحمى أبصارها مطمئنةً | | فلما بدتْ نجدٌ وهبت جنوبهـا |
|
||
| بخلنا عليها بالبرى فتقطـعـتْ | | وقل لنجد لو تفرت قلوبـهـا |
|
||
|
||
لو برزت ليلى ليلاً، لصار الظلام عند قيس، أوضح من ضحى:
|
||
|
||
| إذا ما ونت نادى بها الشوق فانبرت | | *تجد ومن نادى به الشوق أسرعـا* |
|
||
|
||
من سمع ذكر الحبيب. ولم يثر قلبه عن مستقره فهو مدع.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| إذا ذُكر المحبوب عند مُحبـه | | ترنّح نشوانٌ وجن طـروبُ |
|
||
| إذا قيل مي لما يسعى لذكرها | | *خباء ولم يحبس بكاي رقيبُ* |
|
||
|
||
كلامي صحيح المزاج، خفيف الروح، أنا صايغ صانع، بابلي لفظي يبلبل، أنا
|
||
ماشطة القوم، أنا لسان الوقت:
|
||
|
||
| فكأنَّ قِساً في عكاظ يخطـب | | وكأنَّ ليلى الأخيلية تـنـدب |
|
||
| وكثير عزة يوم بين يطـنـب | | وابن المقفع في اليتيمة يُسهِبُ |
|
||
|
||
أنا طبيب لبيب. أمزج التحذير بالتشويق للعاملين، وأجعل كأس التخويف. صرفاً
|
||
للغافلين، وأجتهد في التلطف. جهدي بالعارفين، الخام يعجب البدوي، وأما
|
||
الحضري فدق مصر، الأدوية الحادة. تؤذي الأبدان النحيفة، الزاهد ملاح الشط،
|
||
والعارف ناتاني المركب. الزاهد مقتب، والعارف في محمل، نفس الزاهد تسير به،
|
||
وقلب العارف يطير به، العارف حال في الرحمة، غريب في الوطن، خلوته بمعروفه
|
||
طوره، متى تقاضاه الشوق. حضر لا عن ميعاد، إذا وطى بساط الإنبساط. قال
|
||
"أرني" فإذا سمع صاعقة الهيبة. قال "تبت إليك"
|
||
|
||
| ويأبى الجور أن أسر الهوى | | *إذا امتلأ القلب فاض اللسان * |
|
||
|
||
إذا رأيتم ناطقاً بالحكمة قد طرب، فاعذروه، وإنه قد صدر ولم تردوا بعد،
|
||
العالم المحقق. قد اعتصر من كروم المعارف، خندر يس المعاني، فشرب منها حتى
|
||
غلب، فإذا عربد بالطرب. فلم يعذره الصاحي. أمر ساقي النطق. أن يدور بكأس
|
||
اللفظ. على أرباب الألباب فإذا القوم. نشاوى من الثمل، فيصبح حينئذٍ مواقف
|
||
"تراود فتاها" "فذلكُنَّ الذي لُمْتُنَّني فيه" عبرناكم يا منقطعين، وعلينا
|
||
أن نرد، لا بد للأمير أن يقف للساقة، عودوا إلى أوكار الكسل، فنحن على نية
|
||
دخول الفلاة، اسمعوا وصايانا. يا مودعين، إذا جن الليل، فسيروا في بوادي
|
||
الدجى، وأنيخوا بوادي الذل، واجلسوا في كسر الانكسار، فإذا فتح الباب
|
||
للواصلين، دونكم فاهجموا هجوم الكذابين وابسطوا كف :وتصدق علينا" لعل هاتف
|
||
القبول يقول "لا تثريب عليكم اليوم".
|
||
|
||
| وإذا جئتـم ثـنـيات الـلـوى | | *فلجوا ربع الحمى في خطري * |
|
||
| وصفوا شوقي إلى سـكـانـه | | واذكروا ما عندكم من خبري |
|
||
| واحنيني نحـو أيام مـضـت | | بالحمى لم أقض منكم وطري |
|
||
| كلما اشتقـت تـمـنـيتـكـم | | ضاع عمري بالمنى واعمري |
|
||
|
||
الفصل التاسع والثمانون
|
||
|
||
آه لنفس أقبلت على العدو وقبلت، وبادرت إلى ما يؤذيها من الخطايا وعجلت، من
|
||
لها إذا سئلت عن قبيحها? فخجلت، وسل عليها سيف العتاب. فقتلت.
|
||
|
||
| ما لنفسي عن معادي غفلـت | | أتراها نسيت ما فـعـلـتْ |
|
||
| أيها المغرور في لهو الهوى | | كل نفس سترى ما علمـتْ |
|
||
| أفٍ للدنيا فكم تـخـدعـنـا | | كم عزيز في هواها خذلتْ |
|
||
| رُبَّ ريح لأناس عصـفـت | | ثم ما إن لبثت أن سكـنـتْ |
|
||
| فكذاك الدهر في تصريفـه | | قدمٌ زلت وأخرى ثـبـتـت |
|
||
| أين من أصبح في غفلـتـه | | في سرور ومرادات خلـتْ |
|
||
| أصبحت آماله قـد خـيبـت | | وديار لهوه قـد خـربـتْ |
|
||
| جُز على الدار بقلبٍ حاضرٍ | | ثم قل يا دار ماذا فعـلـت |
|
||
| أوجه كانت بدوراً طـلـعـاً | | وشموساً طال ما قد أشرقت |
|
||
| قالت الدار تفانوا ومـضـوا | | وكذا كل مقـيم إن ثـبـت |
|
||
| عاينوا أفعالهم في تربـهـم | | *فسل الأجداث عما استودعت * |
|
||
| إنما الـدنـيا كـظـل زائل | | أو كأحلام منـام ذهـبـت |
|
||
|
||
يا من هو في هوة الهوى قد هوى، كم مسلوب بكف النوى عما نوى، أين المستقر
|
||
عيشه? أدركه التوى فالتوى، أين الجبار الذي إذا علق بالشوى شوى، أين شبعان
|
||
اللذات أدركه الطوى لما طوى ليته لما ذهب بالأصل، تيقظ للفرع، فارعوى، إلى
|
||
متى خلف ووعد الدنيا كله خلف.\\
|
||
يا متعباً نفسه بالحرص، والقدر ما يتغير، الراضي صرفه، كم غرقت سفينة مهجة
|
||
في لجة حرص، الطمع يخنق العصفور قبل الفخ، لما قنعت العنكبوت بزاوية البيت،
|
||
سيق لها الحريص وهو الذباب، فصار قوتاً لها، وصوت به لسان العبرة. رب ساع
|
||
لقاعد، ترسل قلبك مع كل مطلوب من الهوى، ثم تبعث وراه وقت الصلاة ولا يلقاه
|
||
الرسول، فتصلي بلا قلب.
|
||
|
||
| خلفتَ قلبكَ في الأظعـان إذ نـزلـت | | بالملزمين زمان النفـر بـالـنـفـرِ | |
|
||
| ورحتَ تطلب في أرض العراق ضحى | | ما ضاع عند منى فاعجب لذا الخبـر | |
|
||
| لما طرقنا النقي كان الفـؤاد مـعـي | | فضل عني بين الضـال والـسـمـرِ | |
|
||
| يا أرجل العيس تُهنيكِ الرمـال فـمـا | | أغدو بوجدي غـداً إلا عـلـى الأثـرِ | |
|
||
| إذا تذكرت زمانـاً مـضـى | | فويح أجفاني من أدمـعـي | |
|
||
| أراجع لي وصلهم بعـدهـا | | يا نفس إن لم يصلوا ودعي | |
|
||
| يا نفس كم أتلو حديث المنـى | | *ضاع زماني بالمنى فاقطعي * | |
|
||
| يا قلب لا تسكن على بعدهـم | | وأنت يا عين فلا تهجـعـي | |
|
||
|
||
الفصل التسعون
|
||
|
||
أخواني ألا ذو سمع وبصر يعلم أن الأعمار فيها قصر، إلا متلمح ما في الغير
|
||
من العبر إلا ذاكر بيت التراب والمدر.
|
||
|
||
| تنبه فإن الدهـر ذو فـجـعـات | | وشمل جميعٍ صائر لـشـتـاتِ |
|
||
| تخلف مأمـولاتـنـا وكـأنـنـا | | نسير إليها لا إلى الـغَـمَـراتِ |
|
||
| هل المرء في الدنيا الدنية ناظـرٌ | | سوى فقد حب أو لقاء مـمـاتِ |
|
||
| وما حركات الدهر في كل طرفةٍ | | بلاهيةٍ عن هذه الـحـركـاتِ |
|
||
| سيُسقى بنو الدنيا كؤوس حتوفهـم | | إلى أن يناموا لا منـام سـبـاتِ |
|
||
| وما فرحتْ نفسٌ ببلوى وقد رأت | | عظاتٍ من الأيامِ بعد عـظـاتِ |
|
||
| إذا بغتتْ أشياء قد كان مثـلـهـا | | قديماً فلا تعتـدهـا بَـغَـتـاتِ |
|
||
| واعقب من النوم التيقـظ راشـداً | | *فلا بد للنـوّام مـن يقـظـاتِ* |
|
||
|
||
يا من يجول في المعاصي، قلبه وهمه، يا معتقداً صحته، فيما هو سقمه، يا من
|
||
كلما طال عمره، زاد إثمه، أين لذة الهوى? رحل المطعوم وطعمه.\\
|
||
يا من سيجمعه اللحد عن قليل، ويضمه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه?
|
||
كيف يوقظ من قد نام قلبه لا عينه ولا جسمه? ويحك تدارك أمرك قبل الفوت،
|
||
أتنفع الاستغاثة? والسم قد وصل إلى القلب. إن الدرياق يصلح قبل اللسع،
|
||
ومذهب ابن سريح يستعمل قبل الطلاق.\\
|
||
لمن أُحدّث والقلب غائب، لمن أُعاتِب والفكر ذاهل، وآسفاً من ضرب الخراج،
|
||
على بلد الخراب، ويحك، أجمادٌ أنت أم حيوان? هذا الفهد على خساسة خلقه يصاد
|
||
بالصوت الحسن، ومتى وثب على الصيد ثلاث مرات ولم يدركه، غضب على نفسه، كم
|
||
قد وثبت على هواك مرة فلم تقدر عليه، فأين غضبك على التقصير، هيهات ليس عند
|
||
الطاوس إلا حسن الصورة، تفيق في المجلس لحظة ثم تذكر الشهوات فيغمى عليك،
|
||
إن الغراب إذا سكر بشراب الحرص تنفل بالجيف، فإذا صحا من خماره ندب على
|
||
الطلل، لما عزت نفس الببغاء زاحمت الآدمين في النطق، وهي تتناول بكفها من
|
||
جنس مطاعمهم.\\
|
||
واعجباً لبهيم يتشبه بالناس، ولإنسان يتشبه بالبهيم، كل هذا سببه الهمة، لا
|
||
يطمعن البطال في منازل الأبطال، إن لذة الراحة لا تتناول بالراحة، من زرع
|
||
حصد ومن جد وجد.
|
||
|
||
| وكيف يُنال المجد والجسم وادعٌ | | *وكيف يُحاز الحمد والوفر وافرُ * |
|
||
|
||
أي مطلوب ينال من غير مشقة? وأي مرغوب لم تبعد على مؤثره الشقة? المال لا
|
||
يحصل إلا بالتعب، والعلم لا يدرك إلا بالنصب، واسم الجواد لا يناله بخيل،
|
||
ولقب الشجاع بعد تعب طويل. للمتنبي:
|
||
|
||
| لا يدرك المجد إلا سيداٌ فطن | | *لما يشق على السادات فَعّال * |
|
||
| لولا المشقة سادَ الناسَ كلهم | | *الجود يُفقرُ والأقدام قَتّـال* |
|
||
|
||
يا أعجمي الفهم، متى تفهم? يا فرحاً بلذة عقباها جهنم، ستدري متى تبكي ومتى
|
||
تندم، إذا جثا الخليل، وتزلزل ابن مريم، يا عاشق الدنيا كم قتلت متيم? ما
|
||
للفلاح فيك علامة، والله أعلم، إن كان ثم عذر، فقل وتكلم، غاب الهدهد من
|
||
سليمان ساعة فتواعده، فيا غائباً عنا طول عمره، أما تحذر غضبنا? خالف موسى
|
||
الخضر، في طريق الصحبة ثلاث مرات، فحل عقدة الوصل بكف "هذا فراق بيني
|
||
وبينك" أما تخاف يا من لم يف لنا قط، أن نقول في بعض زلاتك "هذا فراق بيني
|
||
وبينك".\\
|
||
أعظم عذاب أهل النار جهلهم بالمعذب، لو صحت معرفتهم بالمالك، لما استغاثوا
|
||
يا مالك، وقع بينهم شخص، ليس من الجنس، كانت في باطنه ذرة من المعرفة،
|
||
فكلما حملت عليه النار، اتقاها بدرع يا حنان يا منان، كان موته في المعاصي
|
||
سكتة، فقبر في جهنم، فلما تحرك الروح في الباطن أخرج، رأى الأسباب بيد
|
||
المسبب، فتعلق بالأصل، أخواني، اليوم رجاؤنا للرحمة قوي، فكيف نصنع غداً?
|
||
إن ضعف.
|
||
|
||
| هذا جزعي وما خلا مغناكم | | ما أصنع بعد بعدكم حاشاكم |
|
||
| أقسمت بكم لكم وحسبي ذاكم | | لا أذكر غيركم ولا أنساكم |
|
||
|
||
على تفصيل الأمور والجمل، ما يرضى للقبر، بهذا العمل، يا من قد حمل
|
||
الخطايا، وبئس ما حمل، أفي سكر أنت أم في نمل? لو علمت أن مكاوي الحديد، قد
|
||
أحميت للسمل، لم تفرق من اللباس بين الجديد والسمل، يا ثقيل الطبع كالرمل،
|
||
فما يطربه الثقيل ولا الرمل، تعصي ثم تصر، فتضيف إلى صفين الجمل، يا من قد
|
||
فقد قلبه لا تيأس من عوده.
|
||
|
||
| فقد يجمع الله الشتيتين بعدما | | *يظنان كل الظن ألا تلاقيا* |
|
||
|
||
الهوى قاطن، والصواب خاطر، وقلع القاطن صعب، وإمساك الخاطر أصعب، الهوى
|
||
متدير، والمواعظ نزالة، ومع مداراة الجمل تصل، لما تزينت زخارف الدنيا،
|
||
تواثبت جهال الطبع لاتّباع الهوى فبعث العقل كافاً لهم، فأقام عندهم،
|
||
موكلاً بهم، وكلما زاد في قيودهم فكوا السلاسل، وكلما تلا عليهم النصائح،
|
||
أسمعوه القبائح.\\
|
||
فواعجباً لمعرف، بلى بمقاساة أنذال، ما يزال العقل يضرب الأمثال، ويشرح
|
||
العواقب، ولكن من يسمع? أحضر معه في خلوة، واستحضر صديق الفكر فإنه ثقة،
|
||
فإن خرجتم إلى المقابر قوي دليل النصح، مروا بقصور المذنبين، تجدوا أخبارهم
|
||
مراً، وجوزوا على قبور الصالحين، فقد جوزوا في العاجل ذكراً، إذا مات
|
||
المؤمن بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، أربعين صباحاً،
|
||
واعجباً للبقاع، تبكي عليهم، وتبكي منهم.
|
||
|
||
| أما الوقوف فقد وقفتُ بدارهم | | وسألتُها لو أنّ داراً تفـهـمُ |
|
||
| وإذا رأيتُ طلولهم أبصرتُهـا | | طرساً يخط به البلى وينمنـمُ |
|
||
| نحلت لبينهم ولم أكُ عـارفـاً | | أن الديار بهم تصح وتسقـمُ |
|
||
|
||
يا له من عذل، لو كان للمعاتب فهم، لحم منه والله لو كان فحم.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| والحر من حَذر الهوان | | يُزايل الأمر الجسيما |
|
||
| والعاجز الـمـأفـون | | *أقعدُ ما يكون إذا أقيما * |
|
||
|
||
العبارات حظ النفوس، والإشارات قوت القلوب، نزل بعض أرباب المعرفة، إلى
|
||
الشط فصاح: يا ملاح تحملني، فقال: إلى أين? قال إلى دار الملك، فقال: معي
|
||
ركاب إلى القطيعة، فصاح الفقير: لا بالله لا بالله، أنا منذ سبعين سنة. أفر
|
||
منها، دخل ذو فطنة إلى دار قوم، فرأى حباً. وإلى جانبه مركن. قد زرع فيه
|
||
صبر، فتواجد فقال حب إلى جانبه صبر.
|
||
|
||
| يا نازلين الحمى رفقاً بقلب فتـى | | *إن صاح بالبين داع باح مضمره * |
|
||
| وقد يميل إلى المغنـى يسـائلـه | | أخو الغرام ولكن من يخـبـره |
|
||
| وما ذكرتكم إلا وهمـت جـوى | | وآفة المبتلي فـيكـم تـذكـره |
|
||
| ولا عزمت على سلوان حبـكـم | | *إلا ويخذلني قلبـي وينـصـره* |
|
||
|
||
أين الذين كانوا نجوم الدنيا وأقمار الآخرة، قياماً كالأعلام. على جواد
|
||
الهوى، تقوى بأنفاسهم: نفوس أنفاس أهل التقوى، يصوتون بالمنقطع، ويرشدون
|
||
المتحير، ما بقي في الديار ديار.
|
||
|
||
| نسيم الصبا إن زرت أرض أحبتي | | فخصهم عـنـي بـكـل سـلام |
|
||
| وبلغهـم أنـي رهـين صـبـابة | | وأن غرامي فـوق كـل غـرام |
|
||
| وإني ليكفيني طروق خـيالـهـم | | لو أن جفوني متعـت بـمـنـام |
|
||
| ولست أبالي بالجنان وبالـلـظـى | | إذا كان في تلك الديار مقـامـي |
|
||
| وقد صممت عن لذات دهري كلها | | *ويوم لقاكم ذاك فطر صـيامـي* |
|
||
|
||
رحل القوم وتخلفنا، وبادروا أيامهم وسوفنا، وعرفنا طريقهم لكنا انقطعنا،
|
||
فسيروا بنا، فإن لحقنا وإلا تأسفنا.
|
||
|
||
| يا صاحبي إن كنت لي أو معي | | فعد إلى روض الحمى نرتعِ |
|
||
| حي كثيب الرمل رمل الحمى | | وقف وسلم لي على لعـلـعِ |
|
||
| وسل عن الـوادي وأربـابـه | | *وانشد فؤادي في ربى المجمعِ * |
|
||
| وابك فما في العين من فضله | | ونب فدتك النفس عن مدمعي |
|
||
| واسمع حديثاً قد روته الصبـا | | تسنـده عـن بـانة الأجـرع |
|
||
| وانزل على الشيح بـواديهـم | | واشمم عشيب البلد البلـقـع |
|
||
| بلغ تحياتي إلـى ربـعـهـم | | وقل ديار الظاعنين اسمعـي |
|
||
| رفقاً بنضو قد بـراه الأسـى | | يا عاذلي لو كان قلبي معـي |
|
||
| لهفي على طيب ليال خـلـت | | عودي تعودي مدنفاً قد نعـي |
|
||
|
||
أزعجتموني بتقلقلكم، يا تائبين، أخرجتموني عن الحد، يا خائفين.
|
||
|
||
| يا صبا نجد ويا بان الحمـى | | *ارفقا بي في التثني والهبوب * |
|
||
|
||
يتقومون بمقالي، ويقومون على حر المقالي، ويخرج عاطل البطالة وهو خالي،
|
||
وأنا أدري ما حالي "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله".
|
||
|
||
| يا غادياً نحو هضاب الحمى | | بلغ رسوم الدار ما عندي |
|
||
| كم لي بتلك الدار من وقفة | | أشكو من الهجران والصد |
|
||
|
||
يا ركب التوبة إن تزودتم فالتقوى وسرتم إلى الله فاحملوا معكم رسالة متلهف
|
||
يحتوي على حسرة محصر.
|
||
|
||
| يا حادي العيس ترفق واستمع | | مني وبلغ إن وصلت عنـي |
|
||
| وقف بأكناف الحجاز ناشـداً | | قلبي فقد ضاع الغداة منـي |
|
||
| وقل إذا وصلت نحو أرضهم | | ذاك الأسير موثق بالحـزن |
|
||
| عرض بذكرى عندهم عساهم | | إن سمعوك سائلوك عـنـي |
|
||
| قل ذلك للمحبوس عن قصدكم | | معذب القلـب بـكـل فـن |
|
||
| يقول أملـت بـأن أزوركـم | | في جملة الوفد فخاب ظني |
|
||
|
||
يا معاشر التائبين بحرمة الصحبة، لا تنسوني غداً بعتكم أغلى الملك فلا
|
||
تنسوا كرامة الدلال، أعوذ بك يا إلهي أن تجعل حظي لفظي وآأسفي أصف واصفي
|
||
ويشرب غيري.
|
||
|
||
| فعندي زفير ما ترقى إلى الحشى | | *وعندي دموع ما بلغن المـآقـيا* |
|
||
|
||
واحسرتا، أأكون كالقوس رفعت السهم فمر ولم تبرح? أأصبر كالإبرة تكسو غيرها
|
||
وهي عريانة? أأشبه حال الشمعة أضاءت غيرها باحتراق نفسها?.
|
||
|
||
| أترى يرجع لي دهر مضى | | أترى ينفعني قولي تـرى |
|
||
| ويك يا عين أعيني قلـقـي | | إن توانيت فلا ذقت الكرى |
|
||
|
||
إلهي أيقظتني في الصبا? وأقمتني أدل الخلق عليك ومزجت كأس نطقي بعذوبة
|
||
وجعلتني في أخباري معروفاً بالأمانة فركن إلي أهل المعاملة ولو عرفوا
|
||
إفلاسي ما عوملت، إلهي طال ما اجتذبت العصاة بعد أن تهافتوا في النار
|
||
أفيصدرون وارد? سيدي إن لم أصلح للرضا فالعفو العفو.
|
||
|
||
??الفصل الحادي والتسعون
|
||
|
||
أخواني: أما ينبه على استعداد الزاد? سلب الآباء وأخذ الأجداد أما يحرك إلى
|
||
التيقظ? ونفي الرقاد عكس المشتهى ورد المراد.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| لنا كل يوم رنةٌ خـلـف ذاهـبِ | | ومستَهلكٍ بين النوى والـنـوائبِ |
|
||
| ونأمل من وعد المُنى غيرَ صادق | | *ونأمن من وعد الردى غير كاذب * |
|
||
| نُراع إذا ما شيك أخمص بعضنـا | | وأقدامُنا ما بين شوكِ العقـاربِ |
|
||
| نعمْ إنما الدنيا سمـومٌ لـطـاعـمٍ | | وخوفٌ لمطلوبٍ وهمٌّ لطـالـبِ |
|
||
| وإنا لنهواها مع الغدر والقِـلـى | | *ونمدحها مع علمنا بالمـعـائبِ* |
|
||
|
||
أي مطمئن لم يزعج? أي قاطن لم يخرج? فرس الرحيل لنا سرج وما جرى على
|
||
الأقران أنموذج، يا مختالاً في ثوب الصبا معجباً بمرطه، شرط المقام الرحيل
|
||
وقد تقاضى بشرطه أما لك نبرة في رفع الزمان وحطه، أما ترى رقوم المنايا
|
||
مكتوبة بخطه، أما أعرب المسطور بشكل المرض ونقطه، هلا تصور العاصي ساعة
|
||
إنزاله القبر وحطه، أفلا يتذكر الغني أخذ ماله على رغمه ومن أصل قرطه.\\
|
||
يا من قد قاده الهوى بلا خزامة، لو قبلت مشورة العقل لم تتجرع مر لو وليت
|
||
قدر. إن الزلل يخفى على الخلق "ألا يعلم من خلق" صور إنه قد عفا عنك فأين
|
||
الحياء مما جنيته?.
|
||
|
||
| هب البعث لم تأتنا رسلـه | | وجاحمة النار لم تضـرم |
|
||
| أليس من الواجب المستحق | | حياء العباد من المنـعـم |
|
||
|
||
أقل نعمه أن أوسع عرصة الوجود لئلا يضيق نفس النفس بالحصر وأجرى مجرى
|
||
الهواء في جو الفضا يقتسم بمكاييل الخياشيم فيصل بالعدل إلى ذوات الذوات.
|
||
واعجباً للغافلين عن هذا المنعم بماذا اشتغلوا? أجهلاً بوجوده? فهو أوضح من
|
||
ضحى أم ميلاً إلى الدنيا? فهي أغدر من تاء بتمتام إن سلمت فتنت وإن تلفت
|
||
قتلت، وقع نحل على لينوفر منتشر الورق فاحب ريحه فلما تقبض الورق وغاص، هلك
|
||
العاشق.
|
||
|
||
أخواني: إياكم والذنوب فإنها أذلت عزيز "اسجدوا" وأخرجت مقطع "اسكن" لولا
|
||
لطف "فتلقى" كان العجب، استراح آدم إلى بعض العناقيد، فإذا به في العناقيد،
|
||
جاءه جبريل فسلم عليه فبكى وبكى جبريل ثم قال يا آدم ما يبكيك? قال: كيف لا
|
||
أبكي وقد حولني من دار النعيم إلى دار البؤس، واعجباً بمجيء جبريل زاد
|
||
المريض ألماً.
|
||
|
||
| آه لبرق لـمـعـا | | ماذا بقلبي صنعـا |
|
||
| أيقظ مني للغـرام | | مستهاماً موجعـا |
|
||
| فبت من إيماضـه | | أسكب دمعي دفعا |
|
||
| يا برق أما ترينـي | | للصنيع موضعـا |
|
||
| فحيى عني أربعـا | | أكرم بهن أربعـا |
|
||
| يا ناظراً أقسم مـن | | *بعد النوى لا هجعا * |
|
||
| كبر مذ فارقـهـم | | على الرقاد أربعا |
|
||
| كم كبد قطعـهـا | | بين الحبيب قطعا |
|
||
| حمل وجدي جلدي | | أكثر مما وسعـا |
|
||
|
||
خرج آدم يوم الكعبة فلما وصل طاف أسبوعاً فما أتمه حتى خاض في دموعه.
|
||
|
||
| دموع عيني مذجـد بـين | | *مثل الدوالي وهي الدوالي * |
|
||
|
||
فشمت به إبليس حين نزل وما علم أن نزوله إلى دار التعبد صعود كنزول الغائص
|
||
خلف الدر صعود. رأى في بدايته طيناً قد صلصل وبذراً قد عفن ونسي أنه ستهتز
|
||
طاقاته في ربيع "فتلقى" ويلك يا إبليس ما جرى على آدم وهو المراد من وجوده،
|
||
"لو لم تذنبوا" قدح أريد كسره فسلم إلى مرتعش.
|
||
|
||
| فلولا غليل الشوق أو لوعة الأسى | | لما خلقت لي أعـين وجـفـون |
|
||
|
||
لا يهولنك قوله "اهبطوا منها" فلك خلقتها وإنما أخرجت إلى مزرعة المجاهدة
|
||
فإذا حصدت فعد إن قيل لك مرة "اهبط" ففي كل يوم تنادي ألف ألف مرة "والله
|
||
يدعو إلى دار السلام" إن تعذرت عن الحضرة مرة فزيارة الحبيب ما تنقطع "هل
|
||
من سائل" الكرة تلقى من صاحب الصولجان بالطرد ثم هو يطلبها.
|
||
|
||
| ترجو في المحب عتق من أنت له | | إن كان كذا الحب فما أعـدلـه |
|
||
| هيهات الحـب يعـتـريه ولـه | | من حكمه قضى عـلـيه ولـه |
|
||
|
||
يا آدم، قد ذقت حلاوة الذنب وتطعمت مرارة الندم، فهل وفت بتلك? أين لذاتك?
|
||
إذا نزل الموت كيف حسراتك? إذا وقع الفوت:
|
||
|
||
| ما أسرع ما انقضى زمان الوصل | | هل يرجع ما مضى برد الشمل |
|
||
| من لي بهم وهل مفيد مـن لـي | | *يكفي ما بي فلا تزد في عذلـي* |
|
||
|
||
يا صبيان التوبة اشكروا من نجاكم بالإنابة "وكنتم على شفا حفرة من النار"
|
||
تذكروا عظمة من عاهدتم "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لا تزدروا أثواب
|
||
الفقر فعليها أنوار المهابة "ولكم فيها جمال حين تُريحون وحين تسرحون" لا
|
||
يصعبن على الخيل تضميرها فستفرح به يوم السباق إن قال لك رفقاؤك: امش معنا
|
||
ساعة، فقل: أقعدني الخوف.
|
||
|
||
| يا نديمي صحا القلب صحـا | | *فاطردا عني الصبا والمرحا * |
|
||
| شمرا بردى للـنـسـك ولا | | تعجبا من فاسد إن صلحـا |
|
||
| زجر الحلم فؤاداً فارعـوى | | *ولحا الدهر امرءاً فيمن لحا* |
|
||
|
||
أيها التائب قل لقلبك الراعي في رياض الهدى، احذر من الفتنة إلى خضراء دمن
|
||
الهوى، فمرعاك أطيب، وشرابك أعذب "ولئن لم يفعل ما أمره ليُسْجَنَنَّ" نسيم
|
||
الريح يقوي الروح ما لم يختلط به بخار ردى كذلك كلام المذكرين إذا سلم من
|
||
بدعة كان قوتاً للنفس وإن مازجه هوى هوى بصاحبه إلى العلل.\\
|
||
كلامي نهر يأخذ من بحر الكتاب والسنة، صاف ما تغير قط، يسقي قلوبكم سيحاً
|
||
بلا كلف وقد قنع من الخراج بالدعا هل في مجلسي نقص? فيقال لو أنه أو عيب،
|
||
فيقال إلا أنه أو رأيتم مثله? فيقال كأنه، آه لو كان من أعجمي ولكنه أبلغ
|
||
بلفظي منزل المعنى وما طال سفر العبارة، المعاني واسعة الفيافي والألفاظ
|
||
ضيقة العراص وما يقدر على حشو العرصة فوق ما تسع إلا مهندس لآلئ هذه
|
||
المعاني لطاف. فأي سلك فهم دق انتظمت فيه وغنما ينظم اللؤلؤ في خيط لا في
|
||
حبل، كلامي ثوب فصل على قدر أسماعكم فهو لا يصلح إلا لكم، لا تنكروا مدحي
|
||
لأهل بغداد فهم فهم، ألهذا البلد بدل? إذا مرضت الأفهام السليمة من وباء
|
||
طعام العبارات الركيكة عمل لفظي في شفائها ولا رقي الهند كلم تداوى كل كلم
|
||
ظلم، قياسها بعذوبة الظلم.
|
||
|
||
| جواهر كلهـا يتـيم | | توجد مفقودة المثال |
|
||
| تجنب الغائصون عنـهـا | | *عجزاً وجاشت بحارها لي * |
|
||
|
||
الفصل الثاني والتسعون
|
||
|
||
يا ديار الأحباب أقوى جديدها، أين أسودها? أم أين غيدها? أين ظباء الهوى?
|
||
مرت ومن يصيدها، تساوى في القبور مواليها وعبيدها، قف يا حبيبي بالرسوم
|
||
وانظر نسخ النسيم بالسموم وتبديل الأفراح بالغموم، هيهات إن الدنيا لا تدوم
|
||
إنها على قتلك تحوم. إيثار مثل هذه لوم.\\
|
||
للخفاجي:
|
||
|
||
| سل بعمدان أين ساكـنـه أو | | قل لنعمان أين أين السـدير |
|
||
| أيها الظاعنون لا زال للغـيث | | رواح علـيكـم وبـكـور |
|
||
| قد رأينا دياركـم وعـلـيهـا | | أثر من عفائكم مـهـجـور |
|
||
| وسألنا أطلالكم فـأجـابـت | | ومن الصمت واعظ ونـذير |
|
||
| عجباً كيف لم نمت في مغانيها | | أسى ما القلوب إلا صخـور |
|
||
| يا ديار الأحباب غيرك الدهر | | وكانت بعد الأمـور أمـور |
|
||
|
||
أيها الباكي على أقاربه الأموات، ابك على نفسك فالماضي قد فات وتأهب لنزول
|
||
البلايا وحلول الآفات وتذكر قول من إذا ذكرك قال مات، كأنك بما أتى الماضين
|
||
قد أتاك، ولقد صاح بك نذيرهم، أنت غداً كذاك، وليخرسن الموت بسطوته فاك،
|
||
إذا وافاك إنما اليوم لهذا وغداً لذاك، قرئ على قبر
|
||
|
||
| أنا في القبـر وحـيد | | قد تبرا الأهل منـي |
|
||
| أسلموني بـذنـوبـي | | *خبت أن لم تعف عني * |
|
||
|
||
يا هذا: لاحت الغاية لعين الشيب فصح بخيل البدار مرحلة الشيب تحط على شفير
|
||
القبر، وقد أنجد من رأى حضناً، أتحمل مشاق السفر من وراء النهر وتخاطر
|
||
بالوقفة من نخلة.\\
|
||
يا هذا إذا ركبت مركب الهوى فاجعل باتاني المركب لمحاسبة النفس فإنه يشم كل
|
||
يوم ريح ثرى الأرض فيعلم هل هو على خطأ أو صواب? ومتى لم يعلم الطريق صدمه
|
||
حجر فغرق.\\
|
||
يا من يحدث وكأنه ما يسمع، متى لم ينصت سمع القلب ضاع الحديث، أترى ينطبع
|
||
في شمع سمعك من هذا حرف، تحضرون المجلس فرجة? وتجعلون رجاء النفع حجة ولا
|
||
تسلكون إلى العمل محجة "وما أُبرِّئ نفسي" واعجباً، تجتمع العزائم في
|
||
المجلس اجتماع الثريا فإذا خرجنا صارت كبنات نعش لو تأملتم عيب الدنيا لهان
|
||
طلاقها:
|
||
|
||
| سرور الدهر مقرون بحزن | | فكن منه على حذر شـديد |
|
||
| ففي يمناه تاج من نضـار | | وفي يسراه قيد من حـديد |
|
||
|
||
آه للدنيا ملكت القلب حين ملكت وأبقت الغم ثم أبقت.
|
||
|
||
| تزودن منا كل قلب ومهجة | | *وزودننا للوجد عض الأباهم * |
|
||
|
||
كم تألفت بحلو مذاقها ثم أتلفت بمر فراقها.
|
||
|
||
| فليت عهدك إذ لم يبق لي أبـداً | | *لم يبق عندي عقابيلاً من السقم * |
|
||
|
||
لما كان الصانع غائباً عن الإحساس سطرت قدرته في ألواح التكوين عجائب
|
||
الكائنات ثم وضعت الألواح في حجور العقول ليقرأها أذهان أطفال الطباع فإذا
|
||
أحذق الصبيان وحفظ المكتوب محا السطور "إذا الشمس كُوِّرتْ وإذا النجوم
|
||
انكدرتْ".\\
|
||
أخواني: عيون يقينكم رمدة والفكر تبريد، من أيقن بالموت كيف يفرح? من علم
|
||
قرب الحساب كيف يلهو? من عرف تقليب القلوب كيف يأمن?.\\
|
||
كان سفيان الثوري من شدة خوفه يبول الدم فحمل ماؤه إلى الطبيب فقال هذا ماء
|
||
رهبان هذا ماء رجل قد فتت الحزن كبده، وحمل ماء سري إلى الطبيب فلما نظر
|
||
إليه قال هذا بول عاشق قال حامله فسقطت ثم غشي علي ثم رجعت إلى سرى فأخبرته
|
||
فقال قاتله الله ما أبصره:
|
||
|
||
| إذا أنا واجهت الصبا عاد بردها | | ومن حر أنفاسي عليه لهـيب |
|
||
| وقد أكثرت في الأطباء قولهم | | ومالي إلا أن أراك طـبـيب |
|
||
|
||
قيل لبعض عقلاء المجانين لم سميت مجنوناً? قال لما طال حبسي عنه في الدنيا
|
||
سميت مجنوناً لخوف فراقه:
|
||
|
||
| قلبي بحبك مـا يفـيق | | وجفن عيني مـا ينـام |
|
||
| قد طال فيك الليل حتى | | ما يقال له انـصـرام |
|
||
| والنـجـم فـيه راكـد | | والفجر يمنعه الظـلام |
|
||
| ليل بـغـير نـهــاية | | ولكل مفتـاح خـتـام |
|
||
| في وصلك العيش الهني | | وهجرك الموت الزؤام |
|
||
|
||
إن لم تكن مع القوم في السفر تلمح آثار الحبيب عليهم وقت الضحى، ترى في
|
||
صحائف الوجوه سطور القبول بمداد الأنوار وجوه زهاها الحسن أن تتبرقعا.\\
|
||
قال بعض السلف: لقيت غلاماً في طريق مكة فقلت له: أما تستوحش? فقال إن
|
||
الأنس بالله قطع عني كل وحشة، قلت: فأين ألقاك? قال: أما الدنيا فلا تحدث
|
||
نفسك بلقائي وأما الآخرة فإنها مجمع المتقين. قلت: فأين أطلبك في الآخرة?
|
||
قال: اطلبني في جملة الناظرين إلى الله تعالى. قلت: وكيف علمت? قال: بغض
|
||
طرفي عن كل محرم واجتنابي فيه كل منكر ومأثم وقد سألته أن يجعل جنتي النظر
|
||
إليه ثم صاح وأقبل يسعى حتى غاب عن بصري.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| وما تَلَوَّم جسمي عن لقـائكـمُ | | إلا وقلبي إليكم شيقٌ عَـجِـلُ |
|
||
| وكيف يقعد مشتاقٌ يحـركـهُ | | إليكم الحافزان: الشوق والأملُ |
|
||
| فإن نهضت فمالي غيركم وطرٌ | | وإن قعدت فمالي غيركم شُغُلُ |
|
||
| وكم تعرض لي الأقوام بعدكـم | | *يستأذنون على قلبي فما وصلوا * |
|
||
|
||
الفصل الثالث والتسعون
|
||
|
||
سبحان من فاوت بين القلوب فمنها ما لا يصلح إلا لخدمة الدنيا ومنها ما لا
|
||
يصلح إلا للتعبد ومنها روحاني مشغول بمحبة الخالق. للمتنبي:
|
||
|
||
| أروح وقد خمنتُ علـى فـؤادي | | بحبـكَ أن يحـل بـه سـواكـا |
|
||
| فلو أني استطعت غضضت طرفي | | فلم أبصـر بـه حـتـى أراكـا |
|
||
| أحبكَ لا ببعضـي بـل بـكـلـي | | وإن لم يبق حبك لـي حـراكـا |
|
||
| ويقبح من سواك الفعـل عـنـدي | | فتفعله فيحـسـن مـنـك ذاكـا |
|
||
| وفي الأحباب مخـتـص بـوجـد | | وآخر يدعي معـه اشـتـراكـا |
|
||
| إذا اشتبكـت دمـوع فـي خـدود | | تبين من بكى ممـن تـبـاكـى |
|
||
| فأما من بكـى فـيذوب شـوقـاً | | *وينطق بالهوى من قد تـبـاكـى* |
|
||
|
||
النهار يزيد في كرب المحب والليل يروحه السحر روضة نجدية يجد فيها المحب
|
||
ضالة وجده، شراب المناجاة يروي ظمأ العشاق، لو رأيت المحب في الليل يتقلقل
|
||
ويناجي حبيبه ثم يتململ وكلما أزعجه الشوق تحير وتبلبل، وما ألذ ما يصف
|
||
حاله ويتعمل.
|
||
|
||
| أحباي أما جفن عينـي فـمـقـروح | | وأما فؤادي فهو بالشوق مـجـروح |
|
||
| يذكرني مر الـنـسـيم عـهـودكـم | | فأزداد شوقاً كـلـمـا هـب الـريح |
|
||
| أراني إذا ما الليل أظـلـم أشـرقـت | | بقلبي من نار الغـرام مـصـابـيح |
|
||
| أصلي بذكراكـم إذا كـنـت خـالـياً | | إلا أن تـذكـار الأحـبة تـسـبـيح |
|
||
| يشـح فـؤادي أن يخـامـر ســره | | *سواكم وبعض الشح في المرء ممدوح * |
|
||
|
||
لو لبس أحد المحبين حلة علم أنه من الزهاد، كيف يخفي الليل بدراً طالعاً،
|
||
كم بالغوا في كتم الحال? وستر المحب محال:
|
||
|
||
| أسائل عـمـن لا أريد وإنـمـا | | أريدكم من بينهـم بـسـؤالـي |
|
||
| فيعثر ما بين الكلام ورجـعـه | | لساني بكم حتى ينم بـحـالـي |
|
||
| وأطوي على ما تعلمون جوانحي | | وأظهر للـعـذال أنـي سـال |
|
||
|
||
كلما قوي حامل المحبة، زيد في حمله، "نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاءاً
|
||
ثم الأمثل فالأمثل" فوران قدر القلب من قدر شدة الإيقاد، كان يسمع لصدر
|
||
الخليل أزيز من بعيد خوفاً من الله تعالى وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم
|
||
يصلي ولخوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، كان الوحي إذا نزل عليه وهو على
|
||
ناقته أثر فيها فربما وتدت بيديها في الأرض وربما بركت لثقل الوحي.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| أحست بناري في ضلوعي فأصبحت | | يخب بها حر الـغـرام ويوضـع |
|
||
| تحنين إلا أن بـي لأبـك الـهـوى | | ولي لا لك الألف الخليط المـودع |
|
||
| وباتت تشكي رحـلـي ضـامـراً | | *كلانا إذن يا ناق نضو مـفـجـع* |
|
||
|
||
أماعت قلوبهم بالخوف فهاتبهم الجوامد فالحجر يسلم على الرسول صلى الله عليه
|
||
وسلم والسكين لا تعمل في الذبيح، مالك أيتها المدية وعادتك القطع? قالت
|
||
بلسان الحال: أخواتي تحز رقاب الكفار، وأنا قد ابتليت بقطع عنق إسماعيل فقد
|
||
وقفت مدهوشة بالبلوى فعندي شغل، قطع يد زليخا يجوز فأما يد يوسف فمشكل
|
||
أتراك تحلو لك عباراتي? أو تفهم إشاراتي، كم أجلو عليك عرائس المحبة? ولست
|
||
كفؤاً، وإنما يحل النظر لمن يعقد، أقل أحوال القوم رفض الهوى وهذا
|
||
كالمستحيل عندك، كانوا إذا ابتلوا صبروا ثم صاروا إذا ابتلوا شكروا، ثم
|
||
رأوا في البلى المبتلى، فسكروا أين الذين أصفهم? مروا وعبروا.
|
||
|
||
| ليس بالصب من يحرك بالشـكـوى | | لسـانـاً ويودع الـدمـع خـــدا |
|
||
| أيها الوامق الذي جعل الكـتـمـان | | بين الـوشـاة والـحـب ســـدا |
|
||
| صاح لولا صوني الغرام لأجـريت | | دموعاً توفى على الـبـحـر مـدا |
|
||
| قل لحي على اللوى والكثيب الفـرد | | جاد الحـيا الـكـثـيب الـفـردا |
|
||
| قد وقفنا من بعدكم نـسـأل الـبـان | | ضلالاً عنكم ونـشـكـو الـرنـدا |
|
||
| أين تبغي يا حادي الركـب أفـنـيت | | المـطـايا سـيراً ذمـيلاً ووخـدا |
|
||
| قف قليلاً في الربع وارفق فما أبقيت | | منـهـا إلا عـظـامـاً وجـلـدا |
|
||
| فلدار الهـوى عـلـينـا حـقـوق | | إن تـركـنـا أداءهـا كــان ادا |
|
||
| يا بني الورد والوفاء ومـا أسـمـع | | إلا قـــولاً وفـــــاءاً وودا |
|
||
| لم نقضتم من غير جـرم عـهـوداً | | *ما نقضنا منها على الرمل عـهـدا* |
|
||
|
||
كم أنشر بز المحبة ولا أرى إلا مفلساً، تنزهوا في السلع فسهل على طي
|
||
المنشور، ما أحلى ذكر الأحباب ما أطيب حديث أولي الألباب.\\
|
||
لصردر:
|
||
|
||
| إيه أحاديث نعمان وسـاكـنـه | | *إن الحديث عن الأحباب أسمارُ * |
|
||
| أفتش الريح عنكم كلما نفحـتْ | | *من نحو أرضكم نكباء معطارُ* |
|
||
|
||
تمكن الحب من حبات قلوبهم فأخرجهم إلى الوله فلو رأيتموهم لقلتم مجانين.
|
||
|
||
| قد لج بي الغرام حتى قـالـوا | | قد جن بهم وهكذا البـلـبـال |
|
||
| الموت إذا رضيتم سـلـسـال | | *في مثل هواك ترخص الآجال * |
|
||
|
||
كانت رابعة تقول: لقد طالت علي الأيام والليالي بالشوق إلى الله تعالى.
|
||
|
||
| أمرت عنك بصـبـر | | وليس لي عنك صبر |
|
||
| يا آمري بالتـسـلـي | | *ما لي مع الشوق أمر * |
|
||
|
||
قال الشبلي: رأيت جارية حبشية فقلت من أين? قالت من عند الحبيب، قلت: وإلى
|
||
أين? قالت: إلى الحبيب، قلت: ما تريدين من الحبيب? قالت: الحبيب.
|
||
|
||
| وجدي بكم وصفو ودي لـكـم | | والقلب فمذ نأيتـم عـنـدكـم |
|
||
| عيني عين لبعدكـم بـعـدكـم | | *لو شقوا قلبي لما رأوا غيركما * |
|
||
|
||
?الفصل الرابع والتسعون
|
||
|
||
يا هذا اشتغلت بفنون تعليلك عن ذكر تحويلك وستسلب من أخيك وخليلك وعلى
|
||
تخبيطك وتخييلك.
|
||
|
||
| كأنك بالمضي إلى سـبـيلـك | | وقد جد المجهز في رحيلـك |
|
||
| وجيء بغاسل فاستعـجـلـوه | | بقولهم له أفرغ من غسيلـك |
|
||
| ولم تحمل سوى كفن وقطـن | | إليهم من كثيرك أو قلـيلـك |
|
||
| وقد مد الرجال إليك نـعـشـاً | | فأنت عليه ممدود بطـولـك |
|
||
| وَصَلوا ثـم إنـهـم تـداعـوا | | لحملك في بكورك أو أصيلك |
|
||
| ولما أسلموك نزلت قـبـرك | | ومن لك بالسلامة في نزولك |
|
||
| أعانك يوم تـدخـلـه رحـيم | | رؤف بالعباد على دخـولـك |
|
||
| فسوف تجاور الموتى طـويلاً | | *فدعني من قصيرك أو طويلك * |
|
||
| أخي إني نصحتك فاستمع لـي | | وبالله استعنت على قبـولـك |
|
||
| ألست ترى المـنـايا كـل يوم | | *تصيبك في أخيك وفي خليلك* |
|
||
|
||
إخواني ما من الموت بدّ، باب البقاء في الدنيا قد سد كم قد في القبر قد قد?
|
||
كم خد في الأخدود خد? يا من ذنوبه لا تحصى إن شككت عد، يا من أتى باب
|
||
الإنابة كاذباً فرد لقد حملت على نفسك ما يثقلها، فحسبك ما قد مضى أتقتلها?
|
||
يا طول سفرة الموت أولها أين جزع النفس? أين تململها? كأنها بالمرض قد نزل
|
||
يزلزلها ويعث إليها رائد الأسف يستعجلها، الحذر الحذر فقد فوق السهام
|
||
مرسلها، الدروع الدروع فقد جلى السيوف صيقلها ما هذه الخصال المذمومة?
|
||
أتؤثر العقول لذة مسمومة? ما هذا الحرص? والأرزاق مقسومة، أنسيت يوم تنشر
|
||
الصحف المختومة? أما تعلم أنها ستظهر قبائح مكتومة? يا لها لوعظة بين
|
||
المواعظ كالأيام المعلومة أحسن من اللآلئ المنثورة وأعجب من العقود
|
||
المنظومة العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة.\\
|
||
أيها لمعلم تثبت على المبتدى "وقدِّر في السَّرْدِ" فللعالم رسوخ وللمتعلم
|
||
قلق، ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بينا هو تحت الأخمص صار
|
||
طهور للوجه، السهر مرقي إلى أطيب مرقد:
|
||
|
||
| الهون في طلب الهوينا كامـن | | *وجلالة الأخطار في الأخطار * |
|
||
|
||
قلب العالم بحر ما للجنة قرار، إذا نزل غواص الفكر ترقى إلى ساحل اللسان
|
||
قدر الإمكان، مياه المعاني مخزونة في صدر العالم تفتح لزرع قلبه. سيحاً بعد
|
||
سيح، ويدخر أصفاها قوتاً للروح، فإذا تكاثرت عليه صاح السيل العالم ينفخ في
|
||
صور فيه بعبارة التخويف فيموت هوى العاصي ثم ينفخ في صور التشويق فيحيي روح
|
||
المعرفة فيخرج التائب من قبر غفلته في كفن يقظته وقد بدلت الأرض غير الأرض
|
||
فيفتح له رضوان الرضا باب جنة الوصل.\\
|
||
لا تظنوا العالم شخصاً واحداً، العالم عالم تصانيف العالم أولاده المخلدون
|
||
دون أولاده، من خلق للعلم شف جوهره من الصغر فتراه ينفق في الجد بضاعة
|
||
الشبيبة ويسابق سائق العجز، يصل الكدود ليله بنهاره، كدود القز في زمان
|
||
الشدة فإذا امتلأ وعاء قلبه بما وعى نسج الفهم في زوايا الذهن من المعاني
|
||
المستنبطة نسج القز فإذا رأى عرياناً من العلم فأراد كسوته بعث الفكر فسل
|
||
من لطائف اللطف طاقات ثم أرسلها إلى صانع القوة فبالغ في تحسينها وتأنق في
|
||
تلوينها ثم ينسجها اللسان على منوال البلاغة فتظهر رقوم نقوشها عن شدود
|
||
عقدتها الفطن الباطنة فإذا الثوب نسيج وحده ومثل تلك المطارف الطرائف لا
|
||
تبتذل إلا في عيد مجلس الذكر، ليس كل من ربى دود القز سلالاً ولا كل قزاز
|
||
سقلا طونيا.\\
|
||
آه، من اشتراك الأسماء وتلقيب القصدير بالبيع، ليس كل معدن عرق الذهب، ولا
|
||
في بطن كل غزال مسك، ليس من عام في قرار البحر حتى وقع بالدر اليتيم كمن
|
||
قعد على الساحل يجمع الصدف، أمراء العبارات رعية لفصاحتي، ويك إنه كيل بلا
|
||
ثمن سقى فصاحتي سيح فقد تضاعفت علي زكاة الشكر، سافر لفظي ببضائع فكري من
|
||
أرض قلبي إلى بادية فمي فسلم سلع النطق إلى منادي لساني هيهات فواكه
|
||
الألفاظ اللذيذة في مذاق الأفهام السليمة ليس لها ثمن. فهو يعرضها في موسم
|
||
النصح على تجار الإرادة، فمن منكم يشتري حكمة بقبول? قد يرى علو مكاني
|
||
وينسى الدرج كم قد خضت بحراً ملحاً? حتى وقعت بعذب، كم قطعت مهمهاً وحدي?
|
||
حتى سميت بالدليل أنضيت مركب الجسم ورفضت شهوات الحس وواصلت الليل بالنهار
|
||
في الجد وأوقدت في دجى الهوى نار الصبر فإن وثقتم بأمانتي فهذا تخيير
|
||
الشراء:
|
||
|
||
| شربت لأغلالي، رحيقاً بسـلـسـال | | *من الشاهق العالي على غير تصريد * |
|
||
| فأصبحت نشواناً من الشرب سكرانـا | | وأطرب أحياناً بلا نغـمة الـعـود |
|
||
| وكم جبت من وادٍ وسرت بـلا حـاد | | *وبتُّ بلا زادٍ سوى ذكر معـبـودي* |
|
||
|
||
الفصل الخامس والتسعون
|
||
|
||
كم تنذر الدنيا وما تسمع! وكم تؤنس محبها من وصلها ويطمع! فالعجب من فطن
|
||
غره سراب يلمع.
|
||
|
||
| يأتي على الناس أصباحٌ وأمساء | | وكلنا لصروف الدهر نـسّـاء |
|
||
| خسست يا دار دنيانا وربـتـمـا | | يرضى الخسيسة أوباشٌ أخساء |
|
||
| إذا تعطّفت يوماً كنت قـاسـيةً | | وإن نظرت بعين فهي شوسـاء |
|
||
| وقد نطقت بأصناف العظات لنا | | وأنت فيما يراك الناس خرساء |
|
||
| أين الملوك وأبناء الملوك ومـن | | *كانت لهم عزة في الملك قعساء * |
|
||
| نالوا يسيراً من اللذات وارتحلوا | | *برغمهم فإذا النعمـاء بـأسـاء* |
|
||
|
||
الدنيا دار كدر بذلك جرى القدر فإن صفا عيش لحظة ندر، ثم عاد التخليط فيذر
|
||
الورود فيها كالصدر ودم قتيلها هدر.
|
||
|
||
| المرء من دنياه في كلف | | ومآله فيها إلى التلـف |
|
||
| ولكل شيء فائت خلف | | وحياتنا فوت بلا خلف |
|
||
|
||
يا لاحقاً بآبائه وأمهاته لا بد أن يصير الطلا إلى مهاته، يا من جل همته
|
||
شغل خياطة وطهاته يغلبه الهوى وهو غالب دهاته، إن كان لك عذر في تفريطك
|
||
فهاته.\\
|
||
إخواني: مر الزمان وعظ الألباب ويكفي في الإنذار موت الأصحاب، كم ترى في
|
||
التراب من أتراب? أغمدت تلك السيوف في شر قراب تناولتهم يد البلى من كف
|
||
استلاب، ويحك ضياء الدنيا ضباب، وشراب الهوى سراب، أترضى أن يقال قد خاب?
|
||
أما لهذا عندك جواب? كلما دخلنا من باب خرجت من باب.\\
|
||
للشريف الرضي:
|
||
|
||
| أذكر تصاب والمشيب نـقـاب | | *وغير الغواني للمشيب صحاب * |
|
||
| أومل ما لا يبلغ العمر بعضـه | | كان الذي بعد المشيب شبـاب |
|
||
| وطعم لبازي الموت لا شك مهجتي | | أسف على رأسي فطاف غـراب |
|
||
| وأثقل محمول على العين ماؤهـا | | *إذا بـان أحـبـاب وعـز إياب* |
|
||
|
||
لله درّ أقوامٍ علموا قرب الرحيل فهيئوا آلة السفر وهونوا بالدنيا فقنعوا
|
||
منها مما حضر واستوثقوا بقفل التقوى من أذى النطق والنظر? مالك خبر بحالهم
|
||
ولا عندك منهم خبر، قاموا في الجد وقعدت وسهروا في الدجى ورقدت، طالما
|
||
نصبوا في خدمة المالك، وناقشوا أنفسهم مناقشة مماحك، وآثروا بالزاد فزادوا
|
||
على البرامك، واختبروا بالبلى كالتبر عن السابك، هذه طريقهم فأين السالك?
|
||
أترضى بالتأخر عنهم? هذا برائك كأنك بهم وقد دخلت على الملأ الملائك، كل يا
|
||
من لم يأكل هذا بذلك لما أريدوا أفيدوا لما شكروا المنعم زيدوا، ولو فتروا
|
||
عن التعبد قيدوا، نام العلاء بن زياد ليلة عن ورده فجذب في نومه بناصيته
|
||
وقيل له قم إلى صلاتك فما زالت الأخبار قائمة في حياته "نحنُ جعلناها
|
||
تَذكِرَةً".\\
|
||
قال أبو سليمان: غلبتني عيني، فإذا أنا بالحوراء قد ركضتي برجلها وهي تقول:
|
||
أترقد عيناك? والملك يقظان? قال: ونمت ليلة أخرى، وإذا بها توقظني وتقول:
|
||
أتنام? وأنا أرتي لك في الخدور منذ خمسمائة عام.\\
|
||
للنابغة الذبياني:
|
||
|
||
| أقول والنجم قد مالـت أواخِـرُهُ | | إلى المغيب تبينُ نظـرةً حـارِ |
|
||
| ألمحةً من سنا برق رأى بصري | | آم وجهُ نُعمٍ بَدا لي أم سنا نـار |
|
||
| أُنبئت نُعماً على الهجران عاتـبةً | | *سَقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري * |
|
||
|
||
قلوب القوم في الدجى قلقة وأفئدتهم من الخوف محترقة والنفوس من هجر الحبيب
|
||
فرقة، وجفونهم من البكاء غرقة، وعروق المحبة في سويدائهم علقة، وشفاههم
|
||
بكأس المناجاة مصطحبة مغتبقة، والآمال إليه كل وقت منطلقة، وما عادت قط
|
||
إلاّ وهي بالرجاء عبقة.
|
||
|
||
| قل للمقيمين على وادي الـحـمـى | | عني إذا أتـيتـهـم مـسـلـمـا |
|
||
| قد صار طيب العيش مذ فارقتكـم | | على من بـعـدكـم مـحـرمـا |
|
||
| وكل شهد ذقتـه فـي وصـلـكـم | | قد عاد من بعد الفراق علـقـمـا |
|
||
| لا عيش لي إن غبتم عن نـاظـري | | وإن حضرتـم ربـمـا وربـمـا |
|
||
| إن سألوك عن سـقـام قـد رثـى | | *لي فيه أهل الأرض مع أهل السما * |
|
||
| فقل لهم ما يشتكـي مـن سـقـم | | *لأنه يذكر فـيه الـمـسـقـمـا* |
|
||
|
||
واحسرة من مضوا وخلفوه، لقد استبدل بالعسل الخل فوه، آه على عيش ولّى ولا
|
||
عودة، وعلى حادٍ سرى ولا وقفة، تالله لو ضارت العين عيناً ما وفت.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| يا لنسيم سَـحَـرٍ بـحـاجـز | | *ردت به عهد الصِّبا ريح الصبا * |
|
||
| سل من يدل الناشدين بالغضـا | | على الطريق ويردّ السـلـبـا |
|
||
| أراجعُ لي والمنى هـلـهـلةٌ | | وطالعٌ نجـمُ زمـانٍ غَـرَبـا |
|
||
| إذا اطمأنت أضلعي تـذكـرتْ | | *نواك فاهتزت جوىً لا طربـا* |
|
||
|
||
تالله ما تعشق الأماكن لذاتها، بل لسابق لذاتها، لك يا منازل في القلوب
|
||
منازل، للمعاهد عهد عند المعاهدة كلما تذكره الصبّ صبّ الدموع.\\
|
||
للمتنبي:
|
||
|
||
| وما شرَقي بالماء إلاّ تـذكّـرا | | لماءٍ به أهل الحبـيب نـزولُ |
|
||
| وما عشتُ من بعد الأحبةِ سلوةً | | ولكنني للنـائبـات حَـمـول |
|
||
| أما في النجوم السائرات وغيرها | | *لعيني على ضوء الصباح دليل* |
|
||
|
||
أعرف الناس بالطريق من قد سلك، إذا ذكرت منازل مكة حن الحاج.\\
|
||
للمهيار:
|
||
|
||
| وإذا هبَّ صَـبَـا أرضـكـم | | *حملتْ تُربَ الغضى باناً ورندا * |
|
||
| رُدَّ لي يوماً على وادي منـى | | إن قضى الله لأمر فـات ردّا |
|
||
| عجباً لي كيف أبقى بعـدهـم | | غير أن قد خلق الإنسان جَلدا |
|
||
|
||
الفصل السادس والتسعون
|
||
|
||
يا من قد ملكته نفسه وغلبه حسه وقد دنا حبسه وستكف خمسه ولقد أنذره جنسه،
|
||
عاتب نفسك لعلها ترعوي وسلمها إلى رائض العلم عساها تستوي، أحضر دستور
|
||
المحاسبة وحاسبها واندبها إلى الخير فإن أبت فاندبها.\\
|
||
للمصنف:
|
||
|
||
| يا ويح نفسٍ رضيت بالسقم | | *وفرطتْ في عمر منصرمِ * |
|
||
| تستر باللهو وتنس حتفهـا | | وتؤثر البعدَ على التـقـدُّمِ |
|
||
| وكلّما أصبحت أبكي فعـلـهـا | | أضحت عناداً لي في تبـسـمِ |
|
||
| تفرح بالفاني فما تطـلـب مـا | | يبقى لها فمن يكون حكـمـي |
|
||
| أقول يا نفس اتقي من لـم يزل | | معروفُهُ يفـوقُ وكـف الـديم |
|
||
| كم من ذنوب لك قد ستـرهـا | | وعاد بالفضل وبـالـتـكـرم |
|
||
| وكم له من نعـمة جـاد بـهـا | | وكم وكم أولاك طيب أنـعـم |
|
||
| كم واعظ في كـل يوم زاجـر | | وكـم نـذير زائر مـسـلـم |
|
||
| وكم ينـاديك لـسـان عـبـرةٍ | | وأنت عن قول الهدى في صمم |
|
||
| أين الذين شيّدوا واحـتـرسـوا | | وأين من كان كثير الـنـعـم |
|
||
| مضى الجميع هل ترى من أثرٍ | | لهم وصاروا في بيوت الظلـم |
|
||
| تبدلوا بالترب تربـاً كـلـهـم | | في قعر لحدٍ ضيِّقٍ مـنـهـدم |
|
||
| تفصلت عظامهم وحـصـلـت | | أعمالُهم وأصبحوا كـالـعـدم |
|
||
| وباشروا التراب بـعـد تـرفٍ | | وشـرف وحـجـب وخــدم |
|
||
| وســرر ودرى وطـــرف | | وتـحـف وصـولة وكــرم |
|
||
| ولـذة فـي شـهـوة لــذيذة | | وعزة فـي عـزمة وهـمـم |
|
||
| لو قيل قولوا ما مناكم طلـبـوا | | حياة يوم ليتـوبـوا فـاعـلـم |
|
||
| ويحـك يا نـفـسُ ألا تـيقـظ | | ينفع قبـل أن تـزلَّ قـدمـي |
|
||
| مضى الزمان في توان وهـوى | | فاستدركي ما قد بقي واغتنمي |
|
||
| انتظري الموت سيأتي بـغـتة | | وأنـت بـين أسـفٍ ونــدمِ |
|
||
| حرق وفـرق وحـســـرة | | وفيض دمع العين في تسجـم |
|
||
| وتـرحـلـين عـن ديار إلـفةٍ | | فانتبهي من رقـدات الـنـوَّمِ |
|
||
| من لي إذا نزلت لحداً مظلـمـاً | | هذا وكم من نازلٍ لـم يسـلـم |
|
||
| من لي إذا قرأت ما أمـلـيتـه | | أقبح مسطور جرى بالـقـلـم |
|
||
| من لي إذا أزعج قلبي حسـرة | | وهل ترى يشفي بفوزي ألمي |
|
||
| كيف الخلاص والكتاب قد حوى | | كلَّ فعالي وجميع كـلـمـي |
|
||
| يا نفس فاز الصالحون بالتقـى | | فأبصروا الرشد وقلبي قد عمي |
|
||
| يا حسنهم والليل قـد جـنَّـهـم | | ونورُهم يفوق نـورَ الأنـجـم |
|
||
| ترنَّموا في الذكر في لـيلـهـم | | فعيشهم قد طاب بـالـتـرنُّـم |
|
||
| قلوبهم للذكر قـد تـفـرَّغـتْ | | دموعهم كلؤلـؤ مـنـتـظـم |
|
||
| أسحارهم بهم لهم قد أشـرقـت | | وخلع الغفران خير الـقـسـم |
|
||
| سار وأوعدت عن طريق واضحٍ | | دلَّ على الرّشد دليل الـعـلـم |
|
||
| دعني أبكـي مـا حـييت أبـداً | | فحق لي أبكي فـلا لا تـلـم |
|
||
|
||
يا عجباً لك تتسمى باسم تاجر، وتخاصم على الدرهم وتشاجر، وتصابر لربح
|
||
القيراط الهواجر، وتغضب لأجل الجبة وتهاجر، وترضى بأفعالك باسم فاجر، أما
|
||
لك من عقلك ناه ولا زاجر? يا من نومه كثير وانتباهه نادر، إن دعيتَ إلى
|
||
التوبة سوَّفتَها، وإن قمتَ إلى الصلاة سففتها، وإن لاح وجهُ الدنيا
|
||
ترشفتها، أما هي دار بلغة لضيفها، تضيفتها أو ليس قد شبت وما عرفتها، كم
|
||
بادية في أرباح غير بادية تعسفتها? لقد استشعرت محبتها أي والله والتحفتها،
|
||
تالله لو علمت جناياتها لعفتها، أنسيت تلك الذنوب التي أسلفتها? آه، لبضائع
|
||
عمر بذرت فيها وأتلفتها، كم تعد بالإنابة? وكل الوعود أخلفتها، فما تلين
|
||
قناتك لغامز، ولا ترى ما تشتهي فتجاوز، ويحك، بين يديك أهوال وهزاهز، كم
|
||
تقوم ولا تستوي? من يغير الغرائز? إبك لما بك، واندب في شيبك على شبابك،
|
||
وتأهب لسيف المنون فقد علق الشبابك.
|
||
|
||
| قد كان عمرك ميلا | | *فأصبح الميل شبرا * |
|
||
| وأصبح الشبر عقدا | | فاحفر لنفسك قبرا |
|
||
|
||
عجباً للطرف كيف اغتمض? ولمكلف ما أدى المفترض، يا من كلما بنى على أن يلوذ
|
||
بنا نقض، يا من إذا أدى حقاً، فعلى مضض، يا من إذا لاح له صيد الفاني جد
|
||
وركض، يا من إذا قدر على جيفة الهوى جثم وربض، يا مشغولاً عن الجوهر بفاني
|
||
العرض إيثار ما يفنى على ما يبقى أشد المرض:
|
||
|
||
| ألا يا غافلاً تحصى عـلـيه | | *من العمل الصغيرة والكبيرة * |
|
||
| يُصاح بـه ويُنـذَرُ كـل يوم | | وقد أنسته غفلته مـصـيره |
|
||
| تأهب للرحيل فقـد تـدانـى | | وأنذرك الرحيل أخ وجـيره |
|
||
| وكم ذنب أتيت على بصـيره | | وعينك بالذي تأتـي قـريره |
|
||
| تحاذر أن تراك هناك عـين | | وإن عليك للعين البصـيره |
|
||
| وكم من مدخل لومـت فـيه | | لكنت به نكالاً في العشـيره |
|
||
| وقيت السوء والمكروه منـه | | ورحت بنعمة فيه سـتـيره |
|
||
|
||
هذا حادي الممات قد أسرع، هذه سيوف الملمات تلمع، هذه قصور الأقران بلقع،
|
||
إن وصلت الدنيا فعلى نية أن تقطع، وإن بذلت فعلى عزم أن تمنع، أفيها حيلة
|
||
أم في وصلها مطمع? يا معرقاً في البلى قل لي لمن تجمع? إذا خلوت وتخليت
|
||
فكيف تصنع? أترى أنت عندنا? أو ما تسمع? يا محبوساً في سجن هواه متى تتخلص?
|
||
لو عرفتنا ألفتنا لنا أحباب لهم ألباب هم اللباب شغلهم على الدوام المحراب
|
||
حاضرون معكم بالأبدان وبالقلوب غياب:
|
||
|
||
| وشغلت عن فهم الحديث سوى | | ما كان منك فإنه شـغـلـي |
|
||
| وأديم نحو محدثي نـظـري | | إني قد فهمت وعندكم عقلي |
|
||
|
||
ما نال الصالحون ما نالوا إلا بترك ما نطلبه وما نالوا، كانت هممهم في طلب
|
||
الفضائل تغلي في القلوب غليان ما في القدور، تخايل القوم لذة الثواب فسهلت
|
||
عليهم مرارات الصبر وتصوروا خلود الأبدان فهان عليهم بذل النفوس، جدوا في
|
||
الجد فما سكنوا حتى سكنوا الجنة، وراحة المؤمن في الدنيا صفر من راحة، فلو
|
||
رأيتهم في الجنان يسرحون منطلقين في أغراضهم يمرحون لا يدرون بأي مطلوب
|
||
يفرحون، أبالنجاة من النيران? أم بالخلود في الجنان? أم بالخيرات الحسان?
|
||
أم برضى المليك الديان? لقد نالوا بالمراد، ما لم يكن في الحسبان، من تلمح
|
||
جولان مضمر الصبر في لذيذ العافية، وفرحة المفطر بعد إنصاب الصوم وتناول
|
||
العذب بعد عذاب الظما، وسلامة الغريق بعد الإغراق في أذى الأذى، وخلاص
|
||
التجر من مصر ماصر المكس وتلاقي الأحباب على باب الطول بعد طول الفراق رأى
|
||
من قوة قرة العين ما لا يدخل تحت قياس بعد أن حدق ياس، وقد وصفنا ما حصل
|
||
للقوم وجملة المبذول من الثمن "بما صَبَرْتُمْ".
|
||
|
||
| قف بالمحصب واسأل أيها الرجل | | *تلك الرسوم عن الأحباب ما فعلوا * |
|
||
| فما أسائل عـن آثـارهـم أحـدا | | *إلا أجاب غراب البين قد رحلـوا* |
|
||
|
||
الفصل السابع والتسعون
|
||
|
||
من ركب الهوى هوى به والنفس إذا استعملت التقوى تقوى به،
|
||
|
||
| إن كنت يا صاح لبيباً حازماً | | *فكن لأسباب الهوى مُراغما * |
|
||
| لا تهو دنياك فإن حـبَّـهـا | | رأس الخطايا تكسب المآتما |
|
||
| غرارة فكل من حلـت لـه | | لا بدَّ أن تذيقه العلاقـمـا |
|
||
| وإنما تخدم من آهـاتـهـا | | كما تهين من أتاها خادمـا |
|
||
| فكن بها مثل غريب مصلح | | أزواده على الرحيل عازما |
|
||
| وبادر الأيام قبل فـوتـهـا | | مخاصماً للنفس أو مسالمـا |
|
||
| فإنما عمر الفتى سوق لـه | | *يروح عنها خاسرأ أو غانما * |
|
||
|
||
يا من يخطي على نفسه ويقترف متى تندم وتعترف? يا من بحب العاجل قد كلف،
|
||
ستعلم غداً جفن من يكف، يا محبوساً في سجن الهوى لو ارعوى أنف، يا متردداً
|
||
في التوبة سارع ولا تقف إلى متى أعمالك كلها قباح? إلى كم فساد? متى يكون
|
||
الصلاح? ستفارق هذه الأجساد الأرواح، إما في غدو وإما في رواح ، سيفنى هذا
|
||
المساء والصباح، وسيخلو البلى بالوجوه الصباح، أفي هذا شك? والأمر صراح،
|
||
أين شارب الراح? راح إلى قبر تسفي عليه الرياح، خلى للبلى والدود مباح،
|
||
لهما اغتباق به ثم اصطباح، عليه نطاق من التراب ووشاح، عنوانه لا يزال
|
||
مفهومه لا براح، مشغول عمن بكى عليه وناح، أما هذا لنا عن قليل? إنا لوقاح،
|
||
كأنك بملك الموت قد صوت بالروح وراح، فتأهب للنقلة على غفلة:
|
||
|
||
| لم أدر بالبين حتى أزمعوا ظعناً | | *كل الجمال قبيل الصبح مزموم * |
|
||
|
||
هذا حادي الرحيل قد استعجلكم فالبدار البدار خلوا كسلكم ودعوا التواني
|
||
فالتواني قد قتلكم، وا أسفي قد سبق الصالحون فماذا شغلكم "فستذكرونَ ما
|
||
أَقولُ لكُمْ":
|
||
|
||
| ما على حادي المطايا لو ترفق | | ريثما أسكب دمعي ثم أعنـق |
|
||
| يا فؤاداً كلما قـلـت خـبـت | | ناره ألهبه الوجد فـأحـرق |
|
||
| ذلك العيش الـذي فـات بـه | | سائق الدهر فولّى أين يلحـق |
|
||
| زال إلا خطـرة مـن ذكـره | | كاد إنساني لها بالدمع يشرق |
|
||
| يلذع القلب إذا غنـى عـلـى | | فنن أو ناح قمري مـطـوق |
|
||
|
||
يا معدوداً مع الشيب في الصبيان، يا محبوساً مع البصراء في العميان، يا
|
||
واقفاً في الماء وهو ظمآن، يا عارفاً بالطريق وهو حيران، أما وعظت بآي
|
||
القرآن? أما زُجرت بناي الأقران? أما تعتبر بصروف الزمان? أتعمر المنزل
|
||
وعلى الرحيل السكان? أما يكفي وعظ? "كلُّ مَنْ عليها فان"، تسافر ببضائع
|
||
الأمانة وما تنزل إلا في خان من خان، أفعالك كلها مكتوبة فيا ليت ما كان ما
|
||
كان، تدفن الميت ولا وعظ كالعيان، ثم تعود غافلاً يا قرب ذا النسيان، ويحك
|
||
أما تدري أن الهوى هوان "ألَمْ أَعْهَدْ إليكمْ يا بني آدمَ أنْ لا تعبدوا
|
||
الشيطان".
|
||
|
||
| نراع إذا الجنائز قابلتـنـا | | *ونسكن حين تخفى ذاهبات * |
|
||
| كروعة ثلة لظهـور ذئب | | فلما غاب عادت راتعات |
|
||
|
||
يا مستأنساً بظل متقلص، يا حريصاً على الهوى والموت عليه يحرص، يا من إذا
|
||
كال فمطفف وإن وزن فمتلصص، ما تتخلص من معامل وهو عند الله متخلص، تفكر
|
||
فيمن أصبح مسروراً فأمسى وهو متنغص، ومتى ازددت لذة فاذكر قبلها المنغص،
|
||
حاسب نفسك وخذ على يديها، لا ترخص حائط الباطن خراب فلماذا تجصص?.\\
|
||
يا ابن آدم أنت بين ذنب لا تدري أغفر? وحسنة لا تدري أقبلت? فأين الانزعاج?
|
||
لما سترت عن الصالحين العواقب استراحوا إلى الأحزان وفزعوا إلى البكاء،
|
||
كانوا يتزاورون فلا تجري في خلوة الزيارة إلا دموع الحذر. كان أشعث الحراني
|
||
يزور حبيب العجمي فيبكيان طول النهار.
|
||
|
||
| باحت بسرّي في الهوى أدمعي | | ودلَّت الواشي على موضعـي |
|
||
| يا قوم إن كنتم على مذهـبـي | | *في الوجد والحزنِ فنوحوا معي * |
|
||
| يحق لي أبكي علـى زلـتـي | | *فلا تلوموني علـى أدمـعـي* |
|
||
|
||
أخواني: أتدرون ما أقلق هذا التائب? أعلمتم ما أقدم هذا الغائب?.
|
||
|
||
| سرى نسيم الصبا من حاجر فصبا | | فبات يشكو إلى أنفاسه الوصبـا |
|
||
| ما يبرح البارق والنجديّ يذكـره | | *نجداً ويلهبه وجداً إذا التـهـبـا* |
|
||
|
||
يحق لمن رأى الراحلين إلى الحبيب وهو قاعد أن يبكي ولمن سمع بأخبار
|
||
الواصلين وهو متباعد أن يقلق.
|
||
|
||
| أبصر الركب على الجزع ضحى | | فتوالى دمعـه مـنـسـفـحـا |
|
||
| يا خليلي بجرعـاء الـحـمـى | | سائلاً من حل ذاك الأبـطـحـا |
|
||
| وخذا عني أحـاديث الـغـضـا | | بخل الراوي بها أو سـمـحـا |
|
||
| واستملاها بدمعـي واكـتـبـا | | عن أخي الشوق إذا ما شرحـا |
|
||
| وإذا هب الـصـبـا قـولا لـه | | عد فقد هيَّجت قلباً ما صـحـا |
|
||
| يا أهل الحـيّ مـن كـاظـمةٍ | | عاد مستور الهوى مفتضـحـا |
|
||
|
||
إذا رأيتم قلقاً فارحموه، وإذا شاهدتم باكياً فوافقوه، وإذا عاينتم واجداً
|
||
فاتركوه.
|
||
|
||
| خلني من العـذل | | *ما الفؤاد من قبلي * |
|
||
| لا تسل ففي كبدي | | شعلة من الشعل |
|
||
|
||
يا أطفال الهوى أين أنتم والرجال?.
|
||
|
||
| كم من حث وما أرى غـير بـطـا | | *لو حركت العزم نحونا فضل خطى * |
|
||
| تعصي قصداً وتدّعـيه غـلـطـاً | | *تصمي عمداً وتزعم القتل خـطـا* |
|
||
|
||
يا هذا إذا هممت بخير فبادر لئلا تغلب، وإذا هممت بشر فسوف هواك لعلك تغلب،
|
||
ثقف نفسك بالآداب قبل صحبة الملوك فإن سياسة الأخلاق مراقي المعالي.\\
|
||
قال بزرجمهر: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب والهر والغراب، قيل
|
||
ما أخذت من الكلب? قال: ذبه عن حريمه وإلفه لأهله، قيل فما أخذت من الهر?
|
||
قال: رفقها عند المسألة ولين صياحها، قيل: ومن الغراب? قال: شدة حذره.
|
||
|
||
لولا سخط نفس أبي بكر عليه لمفارقة هواها ما نال مرتبة: أنا عنك راض، لولا
|
||
عري أويس ما لبس حلة، يشفع مثل ربيعة ومضر، يا كثير الذنوب متى تقضي? يا
|
||
مقيماً وهو في المعنى يمضي، أترك الهوى محموداً قبل أن يتركك مذموماً، إن
|
||
فاتتك قصبات السبق في الزهد فلا تفوتنك ساعات الندم في التوبة، يا من كلما
|
||
حرك إلى الجد الجد سوف، يا من شدد عليه الوعيد وما تخوّف، يا مريض الهوى بل
|
||
يا مدنف إن كنت لا تعرف الدواء فالطبيب قد عرف، هذا ممكن النصائح ثم أنت
|
||
بنفسك أعرف.
|
||
|
||
الفصل الثامن والتسعون
|
||
|
||
إخواني: من عرف ما بين يديه لم يؤثر الهوى ولم يلتفت إليه، ومن تفكر في
|
||
رحيل من كان لديه صار النهوض للتزود متعيناً عليه.
|
||
|
||
| رحل الأحبة عـن ديارهـم | | أهون بما أخذوا وما تركـوا |
|
||
| وعلمت أين مضى الخليط فما | | أنا بالمبالـي أية سـلـكـوا |
|
||
| ونفوسنا كحـمـائم وقـفـت | | للصائدين ودونها الـشـبـك |
|
||
| متضربات في حـبـائلـهـا | | وهي جناح ضمه الشـرك |
|
||
| أن الملوك إذا هم احتضـروا | | ودوا هنالك أنهم نـسـكـوا |
|
||
|
||
كم فرح بشهر وإهلاله متهلل لرؤية هلاله اختطفه الموت في خلاله، كم مائل إلى
|
||
جمع ماله تركه تركة ومرّ بأثقاله، هل رحم الموت مريضاً لضعف أوصاله? هل ترك
|
||
كاسباً لأجل أطفاله? هل أمهل ذا عيال من جرا عياله? كم راع قصراً? وما راعى
|
||
عن أبطاله، كم أشرف على شريف فلم ينظر في خلاله? كم خرق درعاً نبيلاً بوقع
|
||
نباله? كم أيتم طفلاً صغيراً ولم يباله? كم شد نفساً في سعة نعاماه وشماله?
|
||
كم بعث عليلاً إلى البلى? بعد التراقي إلى إبلاله فرقى روحه إلى التراقي
|
||
ولم ينظر في حاله.
|
||
|
||
| أليس إلى الآجال نهوي وخلفنـا | | من الموت حادٍ لا يغب عجول |
|
||
| دع الفكر في حب البقاء وطوله | | فهمك لا العمر القصير يطول |
|
||
| ومن نظر الدنيا بعين حـقـيقة | | تيقن أن العيش سـوف يزول |
|
||
| ومـا هـذه الأيام إلا فـوارس | | *تطاردنا والنـائبـات خـيول* |
|
||
|
||
بينا محب الدنيا في اختيال ومرح، وكلما جاء باباً من أبوابها فتح، وكلما
|
||
عانى أمراً من أرها صلح، فبينا هو في لذاته يدير القدح، قدح زناد العمر في
|
||
حراق القدح فمن يستدرك ما فات? ومن يداوي ما جرح?.
|
||
|
||
| بينما المرء غافـل إذا أتـاه | | من يد الموت سالب لا يصد |
|
||
| فتأهب لمالـه كـل نـفـس | | *عرضة الأسر إنما الأمر جد * |
|
||
|
||
إلى كم تعصي وتتمرد? وأقبح من قبحك أنك تتعمد، يا رديّ العزم يا سيّء
|
||
المقصد يا نقي الثوب والقلب أسود، ما هذا الأمل ولست بمخلد? يا مستوراً على
|
||
القبيح أم تجحد أما الطريق طويلة? فمتى تتزود? تخلص من أسر الهوى فإنك
|
||
مقيد، أتشتري لذة ساعة بعذاب سرمد?
|
||
|
||
| سبيلك في الدنيا سبيل مسافـر | | ولا بد من زاد لكل مسـافـر |
|
||
| ولا بد للإنسان من حمل عـدة | | *ولا سيما إن خيف صولة قاهر * |
|
||
|
||
يا مدمن الذنوب منذ كان غلاماً، علام عوّلت قل لي علاما? أتأمن مأتى من أتى
|
||
حراما? قد ترى ما حلّ بهم، إليك قد ترامى أين المجتمعون على خمورهم
|
||
والندامى? كل القوم في قبورهم ندامى، أما ما جرى على العصاة يكفي إماما?
|
||
لقد ضيّعنا حديثا طويلاً وكلاماً ما أرى إلاّ داءً عقاما:
|
||
|
||
| يا ليت شعري ما ادخـرتَ | | ليوم بؤسك وافتـقـارك |
|
||
| فلتـنـزلـن بـمـنـزل | | تحتاج فيه إلى ادّخـارك |
|
||
| أفنيتَ عمرك باغتـرارك | | ومناك فيه بانـتـظـارك |
|
||
| ونسيتَ مـا لابـدَّ مـنـه | | وكان أولـى بـادّكـارك |
|
||
| ولو اعتبرت بـمـا تـرى | | لكفاك علماً باعتـبـارك |
|
||
| لك سـاعة تـأتـيك مـن | | ساعات ليلك أو نهـارك |
|
||
| فتصير محتضـراً بـهـا | | فتهي من قبل احتضارك |
|
||
| من قبل أن تقلي وتقصـي | | ثم تـخـرج مـن ديارك |
|
||
| من قـبـل أن يتـثـاقـل | | الزوّار عنك وعن مزارك |
|
||
|
||
متى تفيق من هذا المرض المراض? متى تستدرك هذه الأوقات الطوال العراض? يا
|
||
عرض المنون كيف تبقي الأعراض? أما الأعمار في كل يوم في انقراض? لقد نبت
|
||
قبل شكة السهم صكة المعراض، أما ترى الراحلين ماضياً خلف ماض? كم بنيان ما
|
||
تم حتى تم مأتم? وهذا قد استفاض، إن الموت إليك كما كان لأبويك في ارتكاض،
|
||
إن لم تقدر على مشارع الصالحين فرد باقي الحياض، إن لم يكن لك ابن لبون
|
||
فلتكن بنت مخاض، إلى متى? وحتى متى? أتعبت الرواض، كلما بنينا نقضت ولا
|
||
بناء مع نقاض، يا من قد باع نفسه بلذة ساعة بيعاً عن تراض، لبئس ما لبست
|
||
أتدري ما تعتاض? يا علة لا كالعلل و يا مرضاً لا كالأمراض.
|
||
|
||
| لقد أخبرتك الحادثات نزولـهـا | | ونادتك إلا أن سمعك ذو وقـر |
|
||
| تنوح وتبكي للأحبة إن مضـوا | | *ونفسك لا تبكي وأنت على الإثر * |
|
||
|
||
يا مخالفاً من نهاه وأمره، يا مضيّعاً في البطالة عمره، الزمان صولجان
|
||
والعمر كرة الدنيا بحر، والساحل المقبرة احذر نوائبها فإن مشاربها كدرة،
|
||
على أنها مزرعة يحصد كل ما بذره فلا تحتقر معصية فربما أحرقت شررة، أما
|
||
عرفت سر "ولا تقْرَبا هذهِ الشَّجَرَة"، لو اقتنع اكتفى ولكن المحنة
|
||
الشرة.\\
|
||
أخواني: كل مقاتل ليس معه سلاح عزم مغلوب، إذا برز شجاع اليقظة بسلاح الجد
|
||
هشم وجه الأمل وهزم جيوش الزلل، إذا استشعرت النفس زرمانقة الزهد ودخلت
|
||
مترهبنة دير العزوف وجدت أنيس، أنا جليس من ذكرني، الخلوة شرك لصيد
|
||
الموانسة فأخفى الصيادين شخصاً ، وأقلهم حركة أكثرهم التقاطاً للصيد ما صاد
|
||
هر صاح، وحل المخالطة يلزم المتهذب المتمذهب رفع أذيال قميص الدين.\\
|
||
قيل للحسن ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوها? قال لأنهم: خلوا
|
||
بالرحمن فألبسهم من نوره:
|
||
|
||
| أبداً نفوس الطالبـين | | إلى طلولكم تـحـن |
|
||
| وكذا القلوب بذكركـم | | بعد المخافة تطمـئن |
|
||
| جنت بحبكـم ومـن | | يهوى يجنُّ ولا يجن |
|
||
| بحياتكـم يا سـادتـي | | *جودوا بوصلكم ومنوا * |
|
||
|
||
رحم الله أعظماً طالما نصبت وانتصبت، جنَّ عليها الليل فلما تمكن وثبت،
|
||
وثبت إن ذكرت عدله رهبت وهربت، وإن تصورت فضله فرحت وطربت، عرفت أذنبت عن
|
||
خدمته إنها قد أذنبت، هبت على قلوبهم عقيم الحذر فاقشعرّت وندبت، فبكت
|
||
عليها سحاب الرجاء فاهتزت وربت، حسبك إن قوماً موتى تحيى بذكرهم النفوس وإن
|
||
قوماً أحياء تقسو برؤيتهم القلوب، سلام الله على تلك القبور ورضوان الله
|
||
حشو تلك اللحود:
|
||
|
||
| طلول إذا دمعي شكا لبـين بـينـهـا | | *شكى غير ذي نطق إلى غير ذي فهم * |
|
||
|
||
أماكن تعبدهم باكية ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر
|
||
وذهب ليل النصب وطلع الفجر، جاء في الحديث: تحت شجرة طوبى مستراح العابدين،
|
||
إنما يطيب مكان الاستراحة بإجراء حديث التعب وإنما يلذ الظل البارد لمن
|
||
تأذّى بحرِّ الهجير.\\
|
||
إخواني: مثلوا الاستراحة تحت شجرة طوبى يهون عليكم السفر، ادأبوا في السير،
|
||
فقد لاح العلم:
|
||
|
||
| لمـا وردنـا الـقـادسـية | | حيث مجتمـع الـرفـاق |
|
||
| وشممت من أرض الحجاز | | نسيمَ أنـفـاس الـعـراق |
|
||
| أيقنت لي ولـمـن أحـب | | بجمع شـمـلٍ واتـفـاقِ |
|
||
| وضحكت من طيب الوصال | | كما بكيت مـن الـفـراق |
|
||
| ما بـينـنـا إلاّ تـصـرّم | | هذه السبـع الـبـواقـي |
|
||
| حتـى يطـول حـديثـنـا | | بصنوف ما كنا نـلاقـي |
|
||
|
||
الفصل التاسع والتسعون
|
||
|
||
يا هذا هون بأمر الدنيا تهن، وقدّر أنها قط لم تكن، واحفظ دينك من مكرها
|
||
وصن، فمتى وفت ومتى لم تخن? للمتنبي:
|
||
|
||
| لا تلق دهركَ إلاّ غيرَ مكـتـرث | | ما دام يصحبُ فيه روحكَ البـدنُ |
|
||
| فما يديم سروراً ما سـررت بـه | | ولا يُرَدُّ عليك الفـائتُ الـحـزنُ |
|
||
| فما أضرَّ بأهل العـشـق أنـهـمُ | | هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا |
|
||
| تفنى عيونهم دمعاً وأنـفـسـهـم | | في أثرِ كلِّ قبيحٍ وجهه حَـسَـنُ |
|
||
| تحملوا حملتـكـم كـل نـاحـية | | فكل بين على الـيوم مـؤتـمـن |
|
||
| ما في هوادجكم من مهجتي عوضٌ | | إن متُّ شوقاً ولا فيها لها ثـمـنُ |
|
||
| سهرتُ بعدَ رحيلي وحشةً لـكـمُ | | *ثم استمرَّ مريري وارعوى الوَسَنُ * |
|
||
|
||
إنما الدنيا حلم نائم، وقائلة راقد، ومعبَر مُعتبِرْ وضحكة مستعبِرْ، تالله
|
||
ما أعجب بمالها من نظر في مالها، ولا بنى قصورها من عرف غرورها، ولا مد باع
|
||
الأمل فباع وشرى بها من تذكر مر شرابها، إنها إذا طغت على الطعام تطغى،
|
||
وإذا بغى نكاحها على العفاف تبغى، وكأنها تقصد هلاك محبها وتبغى، وكم عذلت
|
||
في فتكها بالفتى الفتى? وتلغى، أما دردرها فغرت? فلما فرغت فغرت فاها فرغت
|
||
للظعن، أما سحبت قرون قارون مع أقرانه إلى القرار في قرن، أما كفكفت بكفها
|
||
كف مكفوف حبها فأرتك فن ما يكون فيك في كفن، تالله لقد لقي الغبي غب غباوته
|
||
فلما انجلى غيهب عيبته رأى الغبن والغبن.\\
|
||
يا أرباب اللمم الشماط، الموت بكم قد أحاط، هذا العدو منازل فالزموا
|
||
الرباط، ما هذه الفتور? ومهر الحور الجد والنشاط، إياكم والزلل فكم من دم
|
||
أشاط? أما سمعتم منادي "وتلكَ القُرى أَهلكْناهُمْ"، أما ينذركم أعلام
|
||
"وكذلكَ أَخْذُ رَبِّكَ"، أما يفصم عرى عزائمكم "وكم قَصَمْنا منْ قريةٍ"،
|
||
أما يقصر من قصوركم "وبئرٍ معطَّلةٍ وقصرٍ مَشيد"، أما سمعتم هاتف العبر
|
||
ينادي "فكُلاًّ أخذنا بذنبِهِ"، إذا رأيتم المبارزين بالخطأ قد اتسع لهم
|
||
مجال الإمهال فلا تستعجل لهم "إنما نُملي لهُمْ"، بينا القوم على غرور
|
||
سرورهم "أَخذْناهُمْ بَغْتَةً"، يا سالكي سبيلهم انحرفوا عن هذه الجادة.\\
|
||
يا هذا: ظلمك لنفسك غاية في القبيح، إلا أن ظلمك لغيرك أقبح، ويحك إن لم
|
||
تنفع أخاك فلا تؤذه، وإن لم تعطه فلا تأخذ منه، لا تشابهن الحية فإنها تأتي
|
||
إلى الموضع الذي قد حفره غيرها فتسكنه، ولا تتمثلنَّ بالعقاب فإنه يتكاسل
|
||
عن طلب الرزق ويصعد على مرقب عال، فأيّ طيرٍ صاد صيداً اتبعه، فلا تكون له
|
||
همة إلا القاء صيده والنجاة بنفسه، في الحيوانات أخيار وأشرار كبني آدم
|
||
فالتقط خير الخلال. وخلِّ خسيسها، ولا تكن العصافير أحسن منك مروة، إذا
|
||
أوذي أحدهما صاح فاجتمعن لنصرته، وإذا وقع فرخها طرن حوله يعلمنه
|
||
الطيران.\\
|
||
يا هذا: تخلَّق بإعانة الإخوان بخلق النملة فإنها قد تجد جرادة لا تطيق
|
||
حملها فتعود مستغيثة بأخواتها فترى خلفها كالخيط الأسود قد جئن لإعانتها،
|
||
فإذا وصلن بالمحمول إلى بيتها رفهنه عليها، هيهات إن الطبع الردي لا يليق
|
||
به الخير، هذه الخنفساء إذا دفنت في الورد لم تتحرك فإذا أعيدت إلى الروث
|
||
رتعت، وما يكفي الحية أن تشرب اللبن حتى تمج سمها فيه وكلٌّ إلى طبعه عائد،
|
||
إلاّ أن الرياضة قد تزيل الشر جملة وقد تخفف، كما أن غسل الأثر إن لم يزله
|
||
خفف، إن دمتَ على سلوك الجادة رجونا لك الوصول وإن طال السرى.\\
|
||
يا هذا: الفيل والجمل يسْبحان ولكن الفيل مليح السباحة، والجمل يسبح على
|
||
جنب فيفتضح عند سباحة الفيل، ثم كلاهما يعبر، إذا لم تطق منازلة الحرب فكن
|
||
من حراس الخيم إذا رأيت الباب مسدوداً في وجهك فارض بالوقوف خارج الدار مع
|
||
السؤال، إذا لم تظفرك الحروب فسالم، أترى يصلح هذا القلب بعد الفساد? أترى
|
||
يتبدل بالبياض هذا السواد? كم أقول عسى أصلح? ولعل وكلما استوى قدمي زل، كم
|
||
تتغير الأحوال? وما أتغير، كم تصح لي الطريق وأتحوّل:
|
||
|
||
| لله أمـر مـن الأيام أطـلـبـه | | *هيهات أطلب شيئاً غير مطلوب * |
|
||
| وحاجة أتقاضاها وتمطـلـنـي | | كأنها حاجة في نفس يعقـوب |
|
||
|
||
إلى كم تقول سأتوب? ألم يخجل اللسان الكذوب:
|
||
|
||
| كلما أملت يوماً صـالـحـاً | | *عرض المقدور لي في أملي * |
|
||
| اقطع الدهر بظـنٍ حـسـن | | واجلي غمرة ما تنـجـلـي |
|
||
| وأرى الأيام لا تدنـي الـذي | | أرتجي منك وتدني اجـلـي |
|
||
|
||
إذا كانت كرة القلب بحكم صولجان التقليب بطلت الحيل. لما قرب جبريل
|
||
وميكائيل اهتزت الملائكة فخراً بقرب جنسها من جناب العزة، فقطع من بين
|
||
أغصانها شجرة هاروت وكسر فنن ماروت، وأخذ من لبها كرة "وإنَّ عليكَ لعنتي"
|
||
فتزودت الملائكة في سفر العبودية بزاد الحذر، وقادت في سبل معروفها بخت
|
||
التطوع للمنقطعين "ويستغفرون لمن في الأرض" نودي من نادى الأفضال "من جاء
|
||
بالحسنة فله عشر أمثالها" فسارت الأعمال إلى باب الجزاء فصيح بالدليل
|
||
"ولولا أن ثبَّتناك" فقال "ما منكم من ينجيه عمله".
|
||
|
||
فيا لسان القلق تكلم بعبارة الدمع لعله يقع في سمع القبول، فمراد الممرض
|
||
أنين المبتلي. النظر في هذه الأمور قلقل قلوب العارفين، فكانوا يبكون
|
||
الدماء، اجتمعت أخوان القوم على القلوب فأوقدت نار الحذر، فكان الدمع صاحب
|
||
الخبر فتم، أقلقهم الخوف والفرق أطافت بقلوبهم الحرق، لباسهم ملفقات الخرق
|
||
طعامهم ما حضر واتفق، يا نورهم إذا جن الغسق يا حسن دمعهم محدقاً بالحدق
|
||
انقطع السلك. فسالت على نسق، فكتبت عذرها في الخد لا في الورق، ذابت
|
||
أجسامهم فلم يبق إلا رمق، فلاحظهم العفو لطفاً بهم ورفق، لو رأيتهم يتشبثون
|
||
بذيل الظلام ويأنسون بنوح الحمام ويهربون إلى الفلوات وغاية لذاتهم
|
||
الخلوات.\\
|
||
نواح الحمام مسخر للمشتاق لا يريد منه أجرة بينهما أنس ممزوج بمنافرة:
|
||
|
||
| إن كنت تنوح يا حمام البان | | للبين فأين شاهد الأحزان |
|
||
| أجفانك للدموع أم أجفانـي | | لا يقبل مدع بلا برهـان |
|
||
|
||
??الفصل المائة
|
||
|
||
يا من أنفاسه محفوظة وأعماله ملحوظة، أينفق العمر النفيس في نيل الهوى
|
||
الخسيس?
|
||
|
||
| جدَّ الزمان وأنت تلـعـب | | *والعمر لا في شيء يذهب * |
|
||
| كم كم تقول غـداً أتـوب | | غداً غداً والموت أقـرب |
|
||
|
||
أما عمرك كل يوم ينتهب? أما المعظم منه قد ذهب? في أي شيء، في جمع الذهب?
|
||
تبخل بالمال والعمر تهب، يا من إذا خلا تفكر وحسب، فأما نزول الموت فما
|
||
حسب، لك نوبة لا تشبه النوب، بين يديك كربة لا كالكرب، تطلب النجاة ولكن لا
|
||
من باب الطلب، تقف في الصلاة إن صلاتك عجب، الجسم حاضر والقلب في شعب،
|
||
الجسد بالعراق والقلب في حلب، الفهم أعجمي واللفظ لفظ العرب، أنا أعلم بك
|
||
منك حب الهوى قد غلب، ومتى أسر الهوى قلباً لم يفلح وكتب.
|
||
|
||
| يا آدمي أتدري ما مـنـيتَ بـه | | أم دون ذهنك سترٌ ليس ينجابُ |
|
||
| يوم ويوم ويفنى العمر منطـوياً | | عام جديب وعام فيه إخصـابُ |
|
||
| فلا تغرنك الدنيا بزخـرفـهـا | | فأريها أن بلاها عاقل صـاب |
|
||
| والحزم يجني أموراً كلها شرف | | *والخرق يجني أموراً كلها عاب * |
|
||
|
||
كأنكم بالدنيا التي تولت قد تولت، وبالنفوس الكريمة قد هانت وذلت، وبكؤوس
|
||
الأسى قد انهلت وعلت، وبحمول الظاعنين على الأسف قد استقلت، متى يقال لهذه
|
||
الغمرة التي جلت قد تجلت? واعجباً لنفس ما تتنبه وقد زلت، كلما عقدنا عقدة
|
||
تنفعها حلت، كم مستيقظ وقد فات الوقت ينظر إلى نفسه بعين المقت، ويصيح
|
||
بنصيحة لقد صدقت، وينادي الكسل أنت الذي عوقت فيجيبه أنت من سكرك ما أفقت،
|
||
كم قدم إلى القبور قادم? كلهم على فراش الندم نادم.
|
||
|
||
| أطاعوا ذا الخداع وصدقـوه | | وكم نصح النصيح فكذبـوه |
|
||
| ولم يرضوا بما سكنوا مشيداً | | إلى أن فضضوه وأذهبـوه |
|
||
| ألظوا بالقبـيح وتـابـعـوه | | ولو أمروا به لتجـنـبـوه |
|
||
| نهاهم عن طلاب المال زهد | | *ونادى الحرص ويلكم اطلبوه * |
|
||
| فألقاها إلى أسماع غـشـر | | إذا عرفوا الطريق تنكبـوه |
|
||
| وحبل العيش منتكث ضعيف | | ونعم الرأي أن لا تجـذبـوه |
|
||
| حسبتم يا بنـي حـواء شـيئاً | | فجائكم الذي لم تحـسـبـوه |
|
||
| أديل الشر منكم فـاحـذروه | | ومات الخير فيكم فانـدبـوه |
|
||
|
||
إلى كم بالهوى تغري وتلهج? أنسيت أنك عن محبوبك تزعج? تفكر في حلة من البلى
|
||
لك تُنسج، يا من بضاعته كلها بهرج، ضيقت على نفسك. فلا مخرج، انتبه سريعاً
|
||
فالخيول تسرج:
|
||
|
||
| ولم يبق من أيام جمع إلى منى | | *إلى موقف التجمير غير أماني * |
|
||
|
||
يا عبيد فلسه يا عدو نفسه تعانق الدنيا بيد الحرص عناق اللام للألف، وتنزل
|
||
الدرهم من القلب منزلة البرء من الدنف، ترش ماء العيش حول الحانوت وتنظر
|
||
إلى الدرهم لا فيه، وتنصب ميزان البخس ومكيال التطفيف "والغدر ثالثة
|
||
الأثافي" ويحك أتبحث عن حتفك بظلفك? وتجدع بسيفك مارن أنفك، ما أكرم نفسه
|
||
قط من لم يهنها، فاحذرها فكل ما يجري عليك منها، حاسبها قبل يوم الحساب
|
||
وزِنْها، وخف شين شينها إن شئت عزها وزنها، واحفر لها زبية العزلة وإن أبت
|
||
فادفنها، واحضرها على الرغم في رغام مسكها ومسكنها، دنها بما التذت آلاتها
|
||
لا تهادنها.
|
||
|
||
هذه قصص النجاة، قد أمليتُها فعنونها، هذه جوار شنات المواعظ قد جمعتها
|
||
فاعجنها، يا موثق الأقدام بقيد العوائق، أجود ما للعصفور قطع السباق، لو
|
||
تفكر الطائر في الذبح ما حام حول الفخ، من طلب المعالي سهر الليالي، لولا
|
||
صبر المضمر على قلة العلف ما قيل سباق:
|
||
|
||
| هوّن في الليل عليها الـغـررا | | إن العلى مقيدات بـالـسـرى |
|
||
| فركبتْ بسوقـهـا رؤوسـهـا | | حتى تخيلنا الحجول الـغـررا |
|
||
| علمها النوم علـى ربـاطـهـا | | ذليلة أن تستطيب الـسـهـرا |
|
||
| قد تركت مطعمها لشـوقـهـا | | *تقول كل الصيد في جوف الفرا * |
|
||
|
||
سينقشع غيم التعب عن فجر الأجر، كم صبر بشر عن شهوة حلوة، حتى سمع كلمة
|
||
خلوة، كل يا من لم يأكل ما مد سجاف نعم العبد على قبة "ووهبنا له" حتى جرب
|
||
في أمانة "إنا وجدناه صابراً" من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة
|
||
إليه.\\
|
||
كان بعض النجارين يبيع الخشب وكان عنده قطعة آبنوس ملقاة تحت الخشب فاشتريت
|
||
منه فدخل دار الملك بعد مدة فإذا بها قد جعلت سريراً للملك فوقف متعجباً
|
||
وقال: لقد كنت لا أعبأ بهذه فكيف وصلت إلى هذا المقام? فهتف به لسان المفهم
|
||
نائباً عنها: كم صبرت على ضرب الفوس ونشر المناشير? حتى بلغت هذا المقام:
|
||
|
||
| جئت أشكو فاستوقفتني إلى أن | | كلمتني من قبل أن كلمتنـي |
|
||
| وفدتني من السقـام ولـكـن | | *أنفدتني هماً إلى أن فدتنـي* |
|
||
|
||
لمن أصفى واصف? أفي عزمك اتباعي فأقف? الليل يضج من طول نومك والنهار
|
||
يستغيث من قبح فعلك:
|
||
|
||
| يا أيها الراقد كـم تـرقـد | | قم يا حبيبي قد دنا الموعد |
|
||
| وخذ من الليل وساعـاتـه | | حظاً إذا ما هجع الرقـد |
|
||
| من نام حتى ينقضي ليلـه | | لم يبلغ المنزل أو يجهـد |
|
||
| قل لذوي الألباب أهل التقى | | قنطرة الأرض لكم موعد |
|
||
|
||
آخر الفصول المائة قال المنشئ: ولما أتممت المائة التي ضمنتها رأيت الثلاثة
|
||
الأول كالخارج عن الوعظيات لمشابهتها القصص، فغرمت ها هنا ثلاثة عوضها
|
||
لتخلص مائة وعظية والله الموفق.
|
||
|
||
الفصل الأول
|
||
|
||
أخواني: الموت مقاتل يقصد المقاتل، فما ينفعك أن تقاتل.\\
|
||
للمتنبي:
|
||
|
||
| نعد المشرفية والعـوالـي | | وتقتلنا المنون بلا قـتـال |
|
||
| ونرتبط السوابق مقـربـات | | وما ينجين من خبب الليالي |
|
||
| ومن لم يعشق الدنيا قديمـاً | | ولكن لا سبيل إلى الوصال |
|
||
| نصيبك في حياتك من حبيب | | *نصيبك في منامك من خيال * |
|
||
| يدفن بعضنا بعضاً وتمشـي | | أواخرنا على هام الأوالـي |
|
||
| وكم عين مقبلة النـواحـي | | كحيل بالجنادل والـرمـال |
|
||
|
||
لقد وعظ الزمان وما قصّر وتكلم الصامت وما أقصر، ولاح الهدى فإنما الشأن
|
||
فيمن أبصر، ونطقت المواعظ بزجرٍ لا يُحصر، هلكت ثموداً بصيحة وعاد بريح
|
||
صرصر، وكسر كسرى وقصر قيصر، تالله ما يبالي ميزان الجزاء أَرْبَح أم
|
||
أَخْسَر? ولا حاكم العدل من أفلس وأعسر هذا أمر مجمل، وفي غد يفسر.\\
|
||
أيها المتحرك في الدنيا، لا بد من سكون، لا يغرنك سهلها فبعد السهل حزون،
|
||
كم سلبتك من حبيب? وبعض القبح يهون، ما فرحها مستقيم ولا تَرَحُها مأمون،
|
||
إنها لدار الغرور ودائر الهون كم تلون? ولكن أين العقل من مجنون، فهلا
|
||
أضعنا الحديث قلب هذا مفتون:
|
||
|
||
| أيها السكران بالآمال | | قد حان الـرحـيل |
|
||
| ومشيب الرأس والفو | | دين للمـوت دلـيل |
|
||
| فانتبه من رقدة الغف | | لة والعمر قـلـيل |
|
||
| واطرح سوف وحتى | | فمهـا داء دخـيل |
|
||
|
||
كأنك بما يزعج ويروع وقد قلع الأصول وقطع الفروع، يا نائماً في انتباهه كم
|
||
هذا الهجوع? أينفعك حين الموت جري الدموع? إذا رشق سهم التلف فطاحت الدروع
|
||
وأتى حاصد الزرع وأين الزروع? وخلت المنازل وفرغت الربوع، وناب غراب البين
|
||
عن الورقا السجوع.
|
||
|
||
| قرن مضى ثم نـمـى غـيره | | كأنه في كـل عـام نـبـات |
|
||
| أقل من في الأرض مستيقـظ | | وإنما أكثرهم فـي سـبـات |
|
||
| حول خصيب أثـره مـجـدب | | *فاذخر من المخصب للمجدبات * |
|
||
|
||
أما علمت أن الدنيا غدا إمارة? أما برد لذاتها ينقلب حرارة? أما ربحها على
|
||
التحقيق خسارة? أما ينقص الدين كلما زادت عمارة? أما قتلت أحبابها وإليك
|
||
الإشارة? إذا قال محبها هي لي ومعي أهلكته وقالت: اسمعي يا جارة.
|
||
|
||
| إنما الدنـيا بـلاء | | ليس لدينا ثبـوتُ |
|
||
| إنما الدنيا كـبـيتٍ | | نسجته العنكبوتُ |
|
||
| إنما يكفيك منهـا | | *أيها الراغب قوتُ * |
|
||
|
||
يا من عاهدنا على الطاعة في الإعلان والإسرار، كيف استحل حل عقد التوبة
|
||
وعقد الإصرار? متى يخرج العاصي من هذه الدار? شيب وعيب ونهاية الإدبار،
|
||
ضدان بعيدان ثلج ونار، كم بينكم وبين المتقين الأبرار? ملكتم الدنيا
|
||
وملكوها فالقوم أحرار، كانت لهم إنفة فاحتموا من العار، وعرفوا قدر الزمان
|
||
فانتهبوا الأعمار، فلو مددتم أبواعكم ما كنت منهم كأشبار، لو اطلعتم عليهم
|
||
في أوقات الأسحار لرأيتم نجوم الهدى لا بل هي أقمار، قاموا جميع الدجى على
|
||
قدم الاعتذار ثم تساندوا إلى رواحل البكاء والاستغفار، وقوي كربهم فهبت لهم
|
||
نكباء لطف معطار، رفعوا رسائل الجوى فعاد جواب الأبرار:
|
||
|
||
| لا توقدوا في القلب نار الجحيم | | كفى سقامي لفؤادي غـريم |
|
||
| ما زلت عن حبكـم لـحـظة | | وحقكم إني عـلـيه مـقـيم |
|
||
| وكلما هبت نسـيم الـصَّـبـا | | *من نحوكم عشت بذاك النسيم* |
|
||
|
||
واأسفي، متى رحلوا? ليت شعري، أين نزلوا?
|
||
|
||
| أنجدت الدار بهـم | | *واتهم الوجد معي * |
|
||
|
||
مالت بالقوم ريح السحر ميل الشجرة بالأغصان، فهز منهم الخوف أفنان القلوب،
|
||
فانتثرت الأفنان. فاللسان يتضرع، والعين تدمع، والوقت بستان، خلوتهم
|
||
بالحبيب تشغلهم عن نعم ونعمان، سورهم أساورهم، والخشوع تيجان، خضوعهم حلاهم
|
||
فما در ومرجان? أخذوا قدر البلاغ وقالوا نحن ضيفان، باعوا الحرص بالقناعة
|
||
فما ملك أنو شروان? رفضوا حتى زمام المبيع وما باعوا بثنيان، طالت عليهم
|
||
أيام الحياة والمحب ظمآن، اطلع من خوخة التيقظ بعين التأمل تر البرهان، أين
|
||
أنت منهم? ما نائم كيقظان، كم بينك وبينهم? أين الشجاع من جبان? ما للمواعظ
|
||
فيك موضع القلب بالهوى ملان.\\
|
||
يا هذا: قف على باب النجاح ولكن وقوف لهفان، واركب سفين الصلاح فهذا الموت
|
||
طوفان، أيكون بعد هذا إيضاح? أو مثل هذا تبيان? يا لها من موعظة سحبت ذيل
|
||
الفصاحة فحار سحبان، بغدادية أمامية مستفتية لا تعرف ضرب خراسان.
|
||
|
||
الفصل الثاني
|
||
|
||
أخواني: أين الذين سلبوا? سلبوا طال ما غلبوا فغُلبوا، عمَّروا ديارهم فلما
|
||
تمت خربوا، وديفت لهم كؤوس المنايا فأكرهوا وشربوا:
|
||
|
||
| سير الليالي إلى أعمارنا خَـبَـب | | فما تبين ولا يعتاقـهـا تـعـبُ |
|
||
| وهل يؤملُ نيلُ الشمل ملتـئمـاً | | سفر لهم كل يوم رحلة عجـب |
|
||
| وما إقامتنا في منزلٍ هـتـفـتْ | | فيه بنا قد سكنا ربعه الـنـوب |
|
||
| وآذنتنا وقد تمـت عـمـارتـه | | بأنه عن قـلـيل داثـرٌ خَـرِبُ |
|
||
| ليست سهام قسى الموت طـائشة | | وهل تطيش سهام كلها صـيب |
|
||
| ونحن أغراض أنواع البلاء بهـا | | قبل الممات فمرميٌّ ومرتَقِـبُ |
|
||
| أين الذين تناهوا في ابتـنـائهـم | | *صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا * |
|
||
|
||
أين أرباب الأماني والأمل? أخذوا بين سكر الهوى والثمل.\\
|
||
والذي علا على علي العلا نزل، وكأنه في الدنيا لم يكن وفي القبر لم يزل.
|
||
|
||
| كل حي فقـصـاراه الأجـل | | ليس للخلق بذا الموت قـبـل |
|
||
| نوب أبدت لـعـادٍ قـبـلـنـا | | إن من ذات العماد المرتحـل |
|
||
| فانثنوا عن ذلك الشرب الـذي | | صار علا لسواهـم ونـهـل |
|
||
| ألبستْ قوماً سواهم حـلـيَهـم | | ثم بزته فعادوا بـالـعـطـل |
|
||
| فاسئل الإيوان عـن أربـابـه | | كيف جدت بهم تلك الـرحـل |
|
||
| نقلتهم عـن فـضـاء واسـع | | يمرح الطرف به حتى يمـل |
|
||
| نحن أغراض خطوب إن رمتْ | | عادتْ الأدرع لينا كالحـلـل |
|
||
| وإذا ما أخلفت أسـهـمـهـا | | فأصابت بطل القـوم بـطـل |
|
||
|
||
جز على القبور بقلب حاضر، وسلها ما فعل الوجه الناضر? ثم افتح ناظر ناظر،
|
||
وخاصم نفسك على التواني وناظر.
|
||
|
||
| ومسندون تعاقروا كـأس الـردى | | ودعا بسيرهم الحمام فأسـرعـوا |
|
||
| خرسٌ إذا نـاديت إلا أنـهـــم | | *وعظوا بما يرضي اللبيب فأسمعوا * |
|
||
| والدهر يفتك بالنفوس حـمـامـه | | فلمن تعد كـريمة أو تـجـمـع |
|
||
| عجباً لمن تبقـى ذخـائر مـالـه | | ويظل يحفظهن وهـو مـضـيع |
|
||
| ولعـاقـل ويرى بـكـل ثـنـية | | يلقى له بطن الصفائح مضـجـع |
|
||
| أتُراه يحسب أنـهـم مـا اسـأروا | | من كأسهم أضعاف ما يتـجـرع |
|
||
|
||
كم صاح بك واعظ? وما تسمع وكم حصلت ما يكفي? وما تقنع، لقد استقرضك مولاك
|
||
مالك فمالك تجمع? وضمن أن نبت الحبة سبع مائة وما تزرع? تشتغل عن القرآن
|
||
المنزل وتستمع من مغن يتغزل? تمشي إلى نجاتك مشي أقزل وتخرج إلى الحرب وأنت
|
||
أعزل? ويحك إن والي الحياة عن قليلٍ يعزل كأنك بالسماء تمور وبالأرض تزلزل،
|
||
تنصب ولا تدري أي الكفتين أنزل.\\
|
||
أخواني: غرقت السفينة ونحن نيام، أبوكم لم يسامح في لقمته وداود عوتب على
|
||
نظره.
|
||
|
||
| يا مظهرين ضد ما | | به الكتـاب وارد |
|
||
| إلى متى تبهرجـو | | ن والبصير ناقـد |
|
||
| كيف يكون حالكـم | | وهو عليكم شاهد |
|
||
| عجبت من مستيقظ | | والقلب منه راقد |
|
||
| مضـيع لـدينـه | | وللـذنـوب رائد |
|
||
| كأنه علـى مـدا | | ه مهمل وخـالـد |
|
||
| فحسنوا أعمالكـم | | فهي لكـم قـلائد |
|
||
| ولا تضيعوا واجباً | | *واجتهدوا وجاهدوا * |
|
||
|
||
إخواني: أفيكم عازم على الصلح? أمنكم محب يضج من الهجر? أفيكم ذو وجد قلق
|
||
من البين? الوقت يقتضيك يا عاص، منادي القبول على منازل الوصول يقول
|
||
"وسارعوا".
|
||
|
||
| الغـيم رطـب ينـادي | | يا غافلين الصـبـوح |
|
||
| فقلت أهلاً وسـهـلاً | | *ما دام في الجسم روح * |
|
||
|
||
قد قيَّد الطرد قدميك وغل الأبعاد يديك، أفما لك عين تبكي عليك?
|
||
|
||
| وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة | | *إذا كان ممنوعاً سبيل الـمـوارد* |
|
||
|
||
على نوحٍ نَحْتُ السفينة، وأن يصيح اركبوا، فما ذنبه إن تخلف كنعان? إذا
|
||
وقعت عزيمة العاصي على فراق دار المعاصي، هيأ مركب القصد وزّود سفر العزم
|
||
وقام على أقدام الجد، وسعى على طريق الرجاء خائفاً من عارض رد، فيصيح به
|
||
حينئذٍ هاتف القبول:
|
||
|
||
| لئن قدمت من سفرة الهجر عيسكم | | *تلقيتُها بالوصل من كل جـانـب* |
|
||
|
||
إخواني: ما قعودكم وقد سار الركب? الحقوهم في المنزل، النجاء النجاء من شر
|
||
الخلاف، ألوحا ألوحا قبل لحاق الأسلاف، الحذر الحذر من خطوات الخطايا،
|
||
الهرب الهرب قبل بث الأماني بالمنايا، قبل أن تنزلوا الكفات وتلحقوا
|
||
الرفات، وبين ماذا حل من آفات افات إلا أن تعاينوا الوفاة وفات.
|
||
|
||
?الفصل الثالث
|
||
|
||
عباد الله إنما الأيام طرق الجد، والساعات ركائب المجد، وأيام العافية
|
||
أوقات تستدرك، وأحيان السلامة تنادي: من جد أدرك.
|
||
|
||
| كم للمنـية مـن ضـروب | | بين الحوادث والخطـوب |
|
||
| تدع الحبيب بـلا مـحـب | | والمحـب بـلا حـبـيب |
|
||
| لا والـذي هـو قــاذف | | بالحق عـلام الـغـيوب |
|
||
| وبحكمـه يمـلـي لـمـن | | يملي القبيح على الرقـيب |
|
||
| ما للنفوس مع الـمـنـية | | في السلامة من نـصـيب |
|
||
| هيهـات أين يفـوتـهــا | | لا بد من سهم مـصـيب |
|
||
| من دب فوق الأرض أصبح | | دارجـاً بـعـد الـدبـيب |
|
||
| فإذا تـغـيب تـحـتـهـا | | فكفاه بعداً بـالـمـغـيب |
|
||
| ولكم طويل العمـر لـيس | | لعيشه بالمـسـتـطـيب |
|
||
| ولربما انتزع الـقـصـير | | العمر من سـعة وطـيب |
|
||
| لا تيأسـن مـن الـبـعـيد | | وخف مباعـدة الـقـريب |
|
||
| فلكم حملت مع المـريض | | إلى الثرى نعش الطبـيب |
|
||
|
||
إخواني: احذروا دنياكم فإنها خادعة، وانتظروا حتوفها فهي لا ريب واقعة،
|
||
أيها العبد إلى متى تشتغل بها عن مولاك وهو غيور? وكيف تغتر بغرير هوى يغري
|
||
ويغور? وكم عدلتَ عن العدل وحاظرت المحظور? أتظن البقاء وقلائد الفراق
|
||
كالأطواق في النحور? أما تعتبر بأقران قرنوا بقرائن أعمالهم في القبور? أما
|
||
مواضعهم تضعك على وضع الوضائع والفتور? أما حلوا اللحود? فحالت حلى تلك
|
||
البدور أما منازلهم إذ نازلهم مُنازلهم زال عنهم السرور? أبالى بفخرهم
|
||
الموت? لا بل بلبل تلك القصور أين هم الآن قل لي? خلا خاليهم بالثبور، مال
|
||
بهم عن المال ما لا يرد وصرفهم صرف الدهور، جرى بهم وما جار كما جارى
|
||
الجار، جارى المقدور، أصبحت وجوههم الصبيحة مصطحبة شراب الدثور، مبانيهم
|
||
أبينت فلو أُبينت لم تبن الأناث من الذكور، انفصمت عرى الأوصال وحلوا
|
||
بالخصال فذو الوصال منهم مهجور، سكنوا بعد الودود مع الدود في اللحود
|
||
كمأسور تكدر صافيهم فمصافيهم يجافيهم وما فيهم معذور، علا أعلاهم، علاء
|
||
تراب كثير موقور، وسكن المكين في كمين إمكانه فاستكان في مكان محفور، بينا
|
||
مترفهم قد اطمأن "وظنَّ أن لنْ يحور" إذا الأذى كالحذا، وكذا كل محتذ
|
||
الغرور، وكم قال واعتذر فلما لم يذر قيل هذا الهذر زور صب الصاب في من صبا،
|
||
فالصبا تسفي على منصبه والدبور، وسيأتيك يا فتى ما أتى من عتا حتى في
|
||
الرواح أو في البكور، فانتبه فإن الموت يدور على ساكني الدور، ويلتقط أرباب
|
||
القصور بلا فتور ولا قصور، وكأنك بالأمر قد فصل "وحُصِّل ما في الصدور" فمن
|
||
جار قنطرة الهوى آب بتجارة لن تبور "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من
|
||
نور".
|
||
|
||
| أين أهل الديار من قوم نـوح | | ثم عاد من بعدهـم وثـمـود |
|
||
| بينما القوم في النمارق والديباج | | أفضتْ إلى التراب الـخـدود |
|
||
| وأطباء بعدهم لـحـقـوهـم | | ضل عنهم سعوطهم واللـذوذ |
|
||
| وصحيحٌ أضحى يعود مريضاً | | وهو أدنى للموت ممن يعـود |
|
||
|
||
يا قليل البضاعة بل يا مفلس ترجو النجاة بالمعاصي? لقد وسوس، أتلبس ثوب
|
||
الشيب? ثم تلبس، جاء الصباح فنسخ حكم الحندس، وأطرق النيلوفر لما حدق
|
||
النرجس، يا من يقوم من المجلس كما يجلس، كن كيف شئت فإنما تجني ما تغرس،
|
||
ألك عذر قل لي? الباطل يخرس:
|
||
|
||
| كيف الرحيل بلا زاب إلى وطن | | ما ينفع المرء فيه غير تقـواه |
|
||
| من لم يكن زاده التقوى فليس له | | *يوم القيامة عذر عنـد مـولاه* |
|
||
|
||
يا رب إليك منا نتظلم أحوالنا تنطق عنا وما نتكلم وقلوبنا من ذنوبنا تبكي
|
||
وتتألم، وأنت العالم الذي تعلم، أتتركنا للجهل? وأبونا منك تعلم يا من أخّر
|
||
ما شاء كما شاء وقدم، لا تجعلنا ممن إذا رحل تندّم، يا من نبه الفضيل وابن
|
||
أدهم، قد تركتنا الذنوب لا نشترى بدرهم:
|
||
|
||
| يا عمادي في شدتـي ورجـائي | | *عند فقري وكوكبي في المعامي * |
|
||
| ساعتـي إن نـأيت يوم ويومـي | | مثل شهر والشهر مثل الـعـام |
|
||
|
||
يا صاحب الخطايا لست معنا، يا مقبلاً على الهوى ما أنت عندنا، ضاعت حيلي في
|
||
تحصيل قلبك، اشتدت حيرتي في تلافي أمرك، واعجباً، أخوِّفُك عواقب الأمور
|
||
وما تتوب، وأشرح لك أحوال الصالحين وما تؤب، ومتى سقطت شهوة العليل دنا
|
||
الموت، قد أوقدتُ نار المواعظ إلى جانب كسلِك ونفسُ عزيمتك شديد البرودة،
|
||
وقد اتفق الأطباء على أن النفس البارد في المرض الحاد دليل الهلاك:
|
||
|
||
| الموت في كل حين ينشر الكفنا | | ونحن في غفلة عما يراد بنـا |
|
||
| كان ما قد رأينا في أحبـتـنـا | | *من الرحيل ونادى الدار ليس لنا * |
|
||
|
||
والله ما فاز سوى الزاهدين، ولا نال الربح غير العابدين، ونهاية الكمال
|
||
للمحبين كان همُّ القوم طلب النجاة، وكانت لذتهم في المناجاة، فارتفع لهم
|
||
القدر وعلا الجاه، لو رأيتهم في الأسحار وقد حار الخائف بين اعتذار
|
||
واستغفار ولطائف، يتخلل ذلك دمع غزير ذارف، يرمز إلى شوق شديد متكاثف، كانت
|
||
عابدة تقوم من أول الليل وتقول تشاغل الناس بلذاتهم وقد جئت، إليك يا
|
||
محبوب:
|
||
|
||
| سروري من الدهر لقياكم | | ودار سلامي مغنـاكـم |
|
||
| وأنتم مدى أملي ما حييت | | وما طاب عيشي لولاكم |
|
||
| جنابكم الرحب مرعى الكرام | | فلا صوح الدهر مرعـاكـم |
|
||
| حشا البين يوم رحلتم حشـايَ | | بنار الهمـوم وحـاشـاكـم |
|
||
| فيا ليت شعري ومن لي بـأنْ | | أعيشَ إلـى يوم ألـقـاكـم |
|
||
| إذا ازدحمت في فؤادي الهمومُ | | أعلل قلـبـي بـذكـراكـم |
|
||
| وأستنشق الريح من أرضكـم | | لعلـي أحـظـى بـرياكـم |
|
||
| فلا تنسوا العهد فيما مضـى | | *فلسنا مدى الدهر ننسـاكـم* |
|
||
|
||
*تالله لقد حصل للقوم فوز الدارين، ورضيتم أنتم بالبين من البين، تنبهوا يا
|
||
نيام كم ضيعتم من عام? الدنيا كلها منام، وأحلى ما فيها أحلام، غير أن عقل
|
||
الشيخ بالهوى غلام، علام قتل النفوس علام? هل هو إلا ثوب وطعام? ثم يتساوى
|
||
خز وخام، ولذات طيبات ووخام، إنما يعرف الفطناء لا الطغام، آه للغافل إلى
|
||
كم يلام? أما توقظك الليالي والأيام? أين سكان القصور والخيام? دارت على
|
||
الكل كأس الحمام "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" إلى متى مزاحمة
|
||
الأنعام? ردوا هذه الأنفس بزمام ازجروا هذه القلوب عن الآثام اقرؤا صحائف
|
||
العبر بألسنة الأفهام، موت الجيران شكل وأخذ الأقران إعجام، يا من أجَلَه
|
||
خلفه وأمله قدام، رب يوم له مفتاح، ما له ختام، يا مقتحماً على الحرام أي
|
||
اقتحام، ستعلم من يبكي في العقبى? عقبى الإجرام، ويشارك الندامى على
|
||
الندامى والمدام، يا طويل المرض متى يبرى السقام، يا من إن قعد فللدنيا
|
||
وكذا إن قام أول الدنيا هم وآخرها موت زؤام، حل لها الفراق وحرم عليها
|
||
الدوام، سحابها لا يمطر وسماؤها قنام، كلها عيب في عيب وذام في ذام،
|
||
أتعيبها عند محبها? متى يسمع العذل مستهام? خلِّها واخرج عنها بسلام إلى
|
||
دار السلام فالجنة رخيصة ثم ما تغلو على مستهام، خذها إليك نصيحة من طب
|
||
يداوي الأسقام، يضع الهناء موضع النقب ويعرف أصل الآلام ويركب المرهم عن
|
||
خبر ويدبر كيف شاء الكلام، ما بعدها نصيحة تكفي والسلام.\\
|
||
*
|
||
|
||
*آخر كتاب المدهش.\\
|
||
قد بلغ التمام والنهاية.\\
|
||
وفرغ منه منشيه عبد الرحمن بن علي بن الجوزي يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى
|
||
الآخرة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة حامداً لله سبحانه ومصلياً على محمد وآله
|
||
وصحبه ومسلماً، آمين.*
|