Files
memex/4_published/gharbeia.net/content/posts/خليل-كلفت/الازدواج في اللغة بين الفصحى و العامية/لويس عوض والبحث عن أصل اللغات - حول كتاب "مقدمة فى فقه اللغة العربية".md

23 KiB
Executable File

title, date, draft
title date draft
لويس عوض والبحث عن أصل اللغات (حول كتاب "مقدمة فى فقه اللغة العربية") 2003-12-31T00:00:00-00:00 true

حديث أُلْقِىَ فى مؤتمر المشروع الثقافى للدكتور لويس عوض، المجلس الأعلى للثقافة

لا يدهشنا أبدا-أو لا يدهشنا كثيرا- أن يمتد البحث العلمى الموسوعى للدكتور لويس عوض ليشمل اللغة بوجه عام، أو اللغة العربية بوجه خاص.

لا يدهشنا هذا رغم أن البحث العلمى اللغوى كان شيئا نادرا بين كبار الأدباء والمفكرين والعلماء فى جيل لويس عوض، وفى أجيال أخرى قبله وبعده.

وعلى سبيل المثال الصارخ فإن طه حسين، وهو المثل الأعلى للأدب العربى والفكر العربى، كان رغم إتقانه معرفة علوم ومسائل اللغة، ورغم رعايته وتشجيعه لجهود البحث العلمى الحر فى اللغة العربية وعلومها، ورغم إسهامه البارز؛ بل الاستثنائى مع الأجيال الأولى من الأدباء والمفكرين والعلماء فى القرن العشرين فى تطويع اللغة العربية للتعبير عن الثقافة العربية الحديثة؛ لم يكن له أى إسهام علمى مباشر فى مجال اللغة، كذلك فإن العقاد، رغم دوره الذى لا ينكر مع غيره فى تحديث اللغة العربية، لم يقدم أىّ إسهام علمى لغوى.

ورغم هذه القاعدة العامة هناك أفق واسع ولكنْ إسهام محدود ﻟ أمين الخولى فى مجال النحو العربى، ويبرز اسم إبراهيم مصطفى فى هذا المجال، وقد كان العقل النحوى المفكر وراء محاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة (عندما كان ما يزال رافعة من روافع تطوير علوم اللغة العربية) بالتعاون مع وزارة المعارف المصرية فى منتصف القرن العشرين لتطوير وتحرير النحو العربى، تلك المحاولة البالغة الأهمية لكن التى فشلت فى نهاية الأمر تحت الضربات المتلاحقة من جانب أعداء تطوير النحو العربى بالذات ولكنْ أيضا، بسبب نقاط ضعفها، ويسطع اسم إبراهيم أنيس كمثال نادر فى البحث اللغوى الذى توجته إنجازات علمية فذة فى عدد من علوم اللغة العربية.

أما جهود الأكاديميين فى مجال علوم اللغة فقد ظلت -كقاعدة عامة- داخل إطار قاس من الاجترار الكسول لنقاط ضعف تراثنا مع تفادى أو محاربة نقاط قوته، ومن العرض التعليمى للعلوم اللغوية قى الغرب، ووضع هذا وذاك فى علاقة تجاور جامدة، رغم استفادات شتى بشرط ألا تنال من أسطورة اللغة العربية المقدسة وألا تحاول أن تطبق عليها القوانين اللغوية التى تنطبق على اللغات "الأخرى" فلا تمس العربية!

مع كل هذا، لا يدهشنا كثيرا أن يشمل لويس عوض مجال اللغة أو اللغة العربية بإنتاجه الموسوعى، هذه طبيعة موسوعيته فى عصر أو قرن كان قد سار فيه البحث اللغوى محور محاور نظريات ومذاهب الفكر والفلسفة.

على أنه "يبدو" من المدهش حقا أن يكون نوع البحث اللغوى، الذى استطاع أن ينتزع لويس عوض من اهتماماته الفكرية والنقدية الكثيرة الأخرى، هو فقه اللغة، وبالأخص علاقة اللغة العربية بمسألة أصل مشترك للغات السامية والحامية واللغات الهندية الأوروﭙية وربما غيرها.

فكيف نفسر هذه العودة المباشرة إلى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلى التركيز على الفيلولوچيا، ومجموعات اللغات، وأصل اللغات، بعد أن كان العلم اللغوى فى الغرب قد تحرك مبتعدا وظل مبتعدا طوال القرن العشرين عن ذلك التركيز الفيلولوچى؟

وهناك بالطبع تفسير جاهز، إنه الكيد للإسلام والعربية! على اعتبار أن هذا النوع من البحث الفيلولوچى هو المجال الطبيعى لبحث مسألة أن تكون اللغة العربية، كغيرها من اللغات، جزءًا لا يتجزأ من تفاعل لغوى هائل قد يقتصر على مجموعات لغات بعينها أو يمتد ليشمل كل لغات الأرض.

على أن هناك مجالا لتفسير أكثر إنصافا وأكثر موضوعية، وإذا كان مذهب تقديس اللغة العربية وعلومها قد حكم على هذه العلوم بالجمود الأزلى بعيدا عن إنجازاتها الكبرى فى أزهى عهود الحضارة العربية الإسلامية، فقد تمثل الواجب الإلزامى فى أن يجدّ السعى بحثا عن أسباب لتطوير علومنا العربية التى تخلفت بصورة فادحة عن العلم الغربى، فى إطار اللحاق والتعويض وسدّ الفجوة، وكان من المنطقى أن يكون من هذه الأسباب -بين أشياء أخرى- ضرورة العودة إلى علم لغوى تفادينا وحاربنا تأثيره فى علومنا اللغوية طوال القرن العشرين، وهو علم اللغة التاريخى أو المقارن أى فقه اللغة، وهكذا جاءت محاولة لويس عوض لتطبيق نتائج هذا العلم على اللغة العربية، أو بالأحرى محاولته لاستكمال هذا التطبيق الذى بدأه وطوّره العلم اللغوى الأوروپى، فى وقتها، خاصة عندما بدا ("بدا" فقط للأسف!) أن ثقافتنا العربية الحديثة صارت أنضج نسبيا للدخول فى مثل هذا الحوار العلمى عبر اللغوى حول لغتنا لتطوير علومها بدلا من تقزيمها باسم التقديس والتكريم والحماية والصون!

وهناك مدخل آخر إلى العودة أو ما يشبه العودة إلى مسألة أصل اللغات، ويتمثل هذا المدخل فى أحدث إنجازات علم الآثار، فقد أعطت هذه الإنجازات دفعة جبارة للعودة إلى بحث أصول اللغات الهند-أوروﭙية من حيث الإطار الزمنى لهذه المسألة ومن حيث النماذج المتنوعة للانتشار، وينطبق الشيء نفسه على مسألة أصول كل مجموعة من مجموعات اللغات الأخرى مع تقدم أبحاث ونتائج وإنجازات علم الآثار فى مناطق هذه اللغات، غير أن هذه الإنجازات أعطت دفعة جبارة أيضا لمسألة الأصل الأول المشترك أو الأصول الأولى المشتركة لكل اللغات التى عرفتها البشرية، ذلك أن علم الآثار يتجه فى العقود الأخيرة إلى حسم فرضية ظهور الإنسان العاقل أو الأحدث homo sapiens sapiens (وليس الإنسان العاقل أو الحديث homo sapiens وهو السلف المباشر للإنسان الأحدث) منذ حوالى أربعين أو خمسين أو مائة ألف سنة، فى منطقة واحدة من العالم بلغة واحدة، ثم انتشار هذه اللغة مع انتشاره لإنشاء مواطن جديدة فى مختلف أنحاء العالم تقوم فيها مجتمعات الصيادين-جامعى الثمار ، وهى المواطن والمجتمعات التى انتشرت إليها فيما بعد مجموعات لغات مثل مجموعة اللغات الهند-أوروﭙية جنبا إلى جنب مع انتشار الحضارة الزراعية، يتجه علم الآثار فى العقود الأخيرة إلى حسم هذه الفرضية وإحلالها نهائيا محل فرضية ظهور هذا الإنسان (الأحدث) فى مناطق متعددة بلغات مختلفة.

وتتمثل الفكرة الجوهرية فى كتاب "مقدمة فى فقه اللغة العربية" فى فرضية أو نظرية الأصل الواحد المشترك للمجموعات اللغوية السامية والحامية والهندية الأوروﭙية والطورانية وربما غيرها - كما قال: إنها فكرة أن مجموعات اللغات هذه إنما هى الفروع الرئيسية لشجرة واحدة أسبق منها جميعا، ولم يقل الكتاب مطلقا إن العربية فرع من اللغات الهندية الأوروﭙية، كما جاء فى تقرير مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أو كما جاء فى نص الحكم القضائى بتأييد ضبط الكتاب ومنع توزيعه.

ويقع هذا الكتاب الضخم فى قسمين: الأول - ويمثل رُبْع حجمه تقريبا - مخصص لعرض الفكرة الجوهرية السابقة بالإضافة إلى قضايا كثيرة اعتقد لويس عوض أنها ضرورية فى سياق عرض نظريته، أما أنا فأعتقد أن عشرات الصفحات فى هذا القسم الأول الذى يزيد قليلا على المائة صفحة، وهو القسم النظرى، تبددت حول موضوعات شتى لا تتصل مباشرة بموضوع الكتاب وكان بوسع لويس عوض أن يَفْصلها، مكرسا تلك الصفحات لمزيد من العرض السلس للمسألة التى كانت تحتاج إلى المزيد من القول حتى يكون العرض سلسا وناجحا ومنتجا، أما القسم الثانى، أى ثلاثة أرباع الكتاب، فإنه يعرض القوانين الفونولوچية للتغيرات الصوتية للألفاظ ذات الدلالة المشتركة فى مجموعات لغوية متعددة، ويطبق هذه القوانين على مادة فونولوچية غزيرة تشمل مجموعات اللغات المعنية بكثرة من لغاتها الحية والميتة.

وليس المقصود هنا تقييم أفكار واستنتاجات وفرضيات ونظريات وتطبيقات "مقدمة" لويس عوض، فهذه مهمة بعيدة عن اهتماماتى اللغوية المباشرة التى تنحصر فى النحو العربى تقريبا كما أنها فوق طاقتى، والحقيقة أن هذه المهمة تحتاج إلى كوكبة من العلماء المتخصصين فى علوم التاريخ والثقافة واللغة أو إلى عبقرية تضارع عبقرية لويس عوض.

المقصود هنا بالأحرى هو الإمساك بالفكرة الجوهرية التى قدمها الكتاب أى فكرة الأصل المشترك لمجموعات اللغات المعنية، فى سبيل استكشاف آفاق توسيع محتمل لنطاق تطبيق هذه الفكرة، ربما ليشمل كل اللغات على وجه الأرض.

وتتسلسل عناصر الفكرة الأساسية لمسار "توالُد" اللغات فى "المقدمة"، على أساس منجزات الفيلولوچيا الأوروپية وفرضياتها، على النحو التالى:

أولا: تتراكم المعطيات الفيلولوچية والفونولوچية فتكشف عن وجود معجم مشترك ضخم بين مجموعة كبيرة من اللغات، ومعجم آخر لمجموعة أخرى، إلخ وهكذا تكتشف الفيلولوچيا كثرة من مجموعات اللغات التى قد تشمل المجموعة الواحدة منها مئات اللغات الحية والميتة، ومن هذه المجموعات تلك المسماة بالسامية والحامية والهندية الأوروپية وهى المجموعات التى يركز عليها الكتاب.

ثانيا: مع المزيد من تراكم هذه المعطيات يتضح للفيلولوچيا أن الأمر لا يقتصر على المعجم الضخم المشترك بين لغات المجموعة الواحدة كالمجموعة الهندية الأوروپية، إذ تكتشف وجود معجم مشترك ضخم بدوره بين المجموعات المعنية هنا، أى أن المسألة لم تعد مسألة لغات أصلية تنحدر من كل منها مجموعة لغات بل صارت مسألة لغة أصلية تنحدر منها تلك اللغات "الأصلية".

ويتمثل دور "المقدمة" فى العمل على تحويل هذه الفرضية التى قدمها العلم الغربى إلى نظرية تقوم على القوانين اللغوية، وكذلك فى إدخال اللغة العربية فى قلب هذا التفاعل اللغوى التاريخى الهائل الذى يتجاوز مجموعات اللغات المعنية.

ثالثا: تتكشف أمام الفيلولوچيا آفاق أرحب تعود بنا إلى ظهور الإنسان العاقل، ويتحدث الكتاب عن مذهبيْن فى العلم الغربى: ظهوره فى مناطق متفرقة من العالم أو ظهوره فى منطقة واحدة. ولأن ظهور الإنسان العاقل إنما كان بلغته فإن العلم الغربى يشتمل على مذهبيْن بهذا الصدد: ظهور لغات متعددة فى مناطق متعددة أو ظهور لغة واحدة للإنسان العاقل فى المنطقة الواحدة التى ظهر فيها أولا. ويؤيد لويس عوض مذهب ظهور الإنسان فى منطقة واحدة ومذهب ظهور اللغة الواحدة فى تلك المنطقة، ويشير لويس عوض إلى أن مذهب المنطقة الواحدة واللغة الواحدة: "يقول بأن المجموعات اللغوية القديمة والحديثة، كأجناس البشر قديمها وحديثها، تنحدر فى نهاية الأمر من منبع واحد، وأن هناك شجرة واحدة للغات الأرض كل ما هناك من لغات هى فروع لها وأغصان". ومن الجلى أنه يؤيد هذا المذهب على اعتبار أنه "الخط العلمى” فى مواجهة خط علم الأجناس والأعراق والعنصرية.

ونعرف بطبيعة الحال أن مدار بحث لويس عوض فى "المقدمة" لا يتمثل فى فرضية الأصل الواحد لكل لغات الأرض (وهو يؤيدها دون توسع فى المناقشة) بل يتمثل فى فرضية أو نظرية الأصل المشترك للمجموعات المسماة بالسامية والحامية والهندية الأوروپية.

كما أن من الجلى أن حديثه هنا عن الإنسان العاقل أو الحديث Homo sapiens وليس عن الإنسان العاقل العاقل أو العارف العارف أو الأحدث Homo sapiens sapiens، فالإنسان الذى يتحدث عن ظهوره فى منطقة واحدة بلغة واحدة هو الإنسان النياندرتالى أى السلف المباشر للإنسان الأحدث وهو الإنسان الكرومانيونى. ولا جدال فى أن المعلم العاشر كان يقصد هذا الإنسان الأحدث بدليل أنه يتحدث عن الإنسان الحالى ويشير إلى أن أرسطو يسميه بالحيوان الناطق، ولو أن لويس عوض كان قد اطلع على مراجع ربما كانت حديثة جدا فى زمن تأليف "المقدمة" وتوجز إنجازات علم الآثار فى العقود الأخيرة من القرن العشرين لكان بوسعه أن يتحدث عن الإنسان الأحدث باسمه وعن لغته الأحدث أى اللغة كما نعرفها language-as-we-know-it وليس عن ظهور أو لغة الإنسان العاقل أو النياندرتالى.

وإذا كانت علوم الآثار والأنثروپولوچيا والثقافة قادرة على أن تعيد بناء صورة للإطار المكانى والزمانى لنشأة وتطور وانتشار الإنسان الأحدث فإنها تظل عاجزة عن أن تقول لنا أى شيء عن هوية تلك اللغة أو اللغات، وإن كان بمستطاعها أن تقول لنا الكثير عن الخصائص الجوهرية للغة المتطورة التى تتلاءم مع أنماط سلوك الإنسان الأحدث كما تكشف ثقافته المادية، وهى بالضرورة لغة مفاهيم رمزية معقدة وتفكير مركب متطور، بعيدا عن بساطة وبدائية لغة أسلافه بما فى ذلك سلفه المباشر، أى الإنسان العاقل أو النياندرتالى. أما علم اللغة التاريخى فإن بمستطاعه أن يشمل بدراساته الفيلولوچية والفونولوچية وإحصاءاته المعجمية مختلف المجموعات اللغوية على وجه الأرض من خلال البحث المباشر للغة التى تُعَدّ نموذجا لكل مجموعة منها، ويمكنه من ثم أن يكتشف ويحسم مسألة ما إذا كانت الإحصاءات المعجمية الشاملة تؤيد أو لا تؤيد فرضية الأصل الواحد لكل لغات الكوكب، غير أن هذا العلم لا يستطيع بالبداهة أن يضع معطياته الفيلولوچية فى إطار كرونولوچى صارم.

ورغم سوء التفاهم المنطقى القائم بين علوم موضوعها الثقافة المادية للإنسان وعلوم موضوعها اللغات المنطوقة أو المكتوبة على الحجر أو الطين أو الجلد أو الورق أو السيليكون فإن الفرضية العقلانية تتمثل فى أن اللغة أو اللغات التى ظهرت مع الإنسان الأحدث وانتشرت مع انتشاره واستقرت مع استقراره هى الأصول الأولى السحيقة القدم لكل اللغات التى عرفها العالم الحديث خلال الآلاف الأخيرة من السنين وإلى يومنا هذا.

ومادمنا إزاء اتجاه علم الآثار إلى حسم نشأة هذا الإنسان فى منطقة واحدة من العالم ثم انتشاره منها وإلى رسم مسار هذا الانتشار بصورة كرونولوچية، ويفترض هذا - بطبيعة الحال - اللغة الواحدة للبشر، يكون بوسعنا أن نفترض انطلاقا من علم الآثار وحده (إذا صحت أحدث إنجازاته واكتملت وعود إنجازاته اللاحقة) أن كل اللغات طوال تاريخ الإنسان الأحدث، منذ ظهوره إلى الآن، إنما هى - مهما كانت الحلقات الوسيطة المحتملة ومهما كانت تشكلات المجموعات واللغات واللهجات - استمرار محوَّر بصورة تاريخية بالغة التعقيد، من خلال تواصل التمايزات والاندماجات والتفاعلات اللغوية، من خلال نماذج شتى بالغة التعقيد بدورها، ذلك أنه لا مجال لافتراض أن الإنسان، فى زمان ما، فى مكان ما، نسى لغته تماما، وابتكر لغة جديدة تماما لا صلة لها باللغة التى ترجع إلى زمن نشأته كإنسان.

ومادام الإنسان الأحدث، بلغته الأحدث، حديثا إلى هذا الحد، مجرد عشرات الآلاف من السنين [50 أو 100 أو 150 ألف سنة]، فإن تجربة استمرار لغات ما تزال حية منذ آلاف السنين أو لغات أخرى عاشت آلافا من السنين قبل موتها، تلقى الضوء على حقيقة بسيطة وهى أن استمرار اللغات عشرات الآلاف من السنين أى منذ نشأة الإنسان الأحدث أمر يسهل تصوره، رغم أن الاستمرار يتحقق عبر التغيرات المتواصلة، ورغم أن موت لغة، كاللغة المصرية القديمة، لا يعنى انقطاع صلة اللغة اللاحقة باللغة الميتة ولا باللغات التى كانت هذه اللغة قد حلت محلها فى الماضى، فالموت والحياة ليسا هنا سوى التغير، ليسا سوى التغير اللغوى.

ومهما يكن من شيء، مهما تكن هذه الفرضيات صحيحة أو خاطئة، فإن ما ينبغى أن نضعه نصب أعيننا هو إخضاع كل الظواهر (ومنها اللغة العربية بحقائقها وأساطيرها) للبحث العلمى الحر. وبدلا من تقديس اللغة العربية، وهو تقديس تمثلت ثماره المرة دائما فى الإضرار الفادح بها وبعلومها، انطلاقا من أيديولوچيا سياسية دينية لغوية بعينها تسيطر على مجتمعنا ودولتنا، وكذلك على من يتمردون عليهما تحت هذه الراية نفسها، ينبغى رفع مختلف القيود التى تكبل تطور اللغة العربية كلغة وكعلوم لغوية.

وهناك حقيقة بسيطة لم يحسب حسابها أحد؛ لا مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ولا مباحث أمن الدولة، ولا نيابة أمن الدولة، ولا محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، ولا القانون المصرى ولا الدستور المصرى (بنصوصهما المقيدة لأبسط الحريات)، ولا رشاد رشدى، ولا السادات، ولا كل من تآمروا ضد كتاب "مقدمة فى فقه اللغة العربية"... هذه الحقيقة البسيطة هى أن إجراءات ضبط أو منع توزيع أو مصادرة كتاب هى قبلة الموت لهذه الإجراءات ذاتها وللقوانين التى تستند إليها، إذ أنها الضمانة الأولى لإشعال الطلب على الكتاب، ومضاعفة قرائه، ونشر أفكاره، وتجنيد أنصار جدد لتحرير البحث العلمى الحر من كل القيود التى تخنقه فى بلادنا، ومع ذلك، مع اعترافى بالفوائد السبع لضبط ومصادرة الكتب، أضم صوتى إلى أصوات كل المطالبين بالإفراج عن "مقدمة فى فقه اللغة العربية"، وعن الحرية.