Files
memex/inbox/notes/التقنية-و- الحرية-و-القانون-02-الحجب.org

38 lines
15 KiB
Org Mode

#+FILETAGS: @personal
---
title: "التقنية و الحرية و القانون: 2. الحجب"
date: 2018-07-09T08:57:02-04:00
draft: true
---
نشهد في مصر مؤخرا تحولا في السياسة التي تحكم وصول الناس في مصر إلى الإنترنت. فعلى مدى عشرين عاما، تميزت حكومة مصر عن جيرانها مثل سوريا و الإمارات و السعودية و تونس تحت حكم بن علي بأنها لا تمارس حجبا واسعا للإنترنت. اقتصر الحجب في مصر بالأساس على مواقع بعض التنظيمات الإسلامية مثل حزب العمل الإسلامي و جريدته الشعب، و على مواقع تقنية لا يزورها من داخل مصر إلا أقلية محدودة مثل موقع <a href="https://en.wikipedia.org/wiki/Chaos_Computer_Club">Chaos Computer Club</a>، و عندما حجبت الدولة أوائل الألفية الوصول إلى موقع الإخوان المسلمين، كان رد الجماعة بناء عشرات المواقع التي تنطق بلسان التنظيم في المحافظات، ما جعل المسؤولين عن الحجب في مصر يتراجعون في قرارهم بحجب مواقع الإخوان المسلمين مدركين، عن حق، أن الحجب غير مفيد على المدى الطويل. منذ عشر سنوات، <a href=@"https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/03064220701565393">تدخل المجتمع المدني المصري تضامنيا إلى جانب الحكومة</a> و دافعا معا أمام القضاء الإداري عن حق الناس في التعبير و أصدرت المحكمة الإدارية العليا وقتها حكما يرفض الحجب لأنه في غياب إطار قانوني ينظم الحجب، رأت المحكمة أن واجبها أن تنحاز للحرية و لو على حساب المسؤولية.
لا يعني هذا أن مصر كانت أفضل من جيرانها فيما يتعلق بحماية حرية التعبير على إنترنت، بل يعني أنها كانت الأشطر. ففي حين اضطرت حكومات عربية أخرى أن تواجه انتقادات لحجبها الواسع للإنترنت، اعتادت مصر على أن تترك المحتوى منشورا و "تحجب" من كتب المحتوى مستخدمة مجموعة كبيرة من مواد قانون العقوبات 1937 كفيلة بحبس الناس لأشياء مثل إهانة رأس الدولة أو مؤسسات الدولة و التحريض على قلب نظام الحكم و إزدراء الأديان و التحريض على الفسق و غيرها العديد. بدأ تهديد الناس بالحبس لكلامهم على إنترنت منذ أن نشر شهدي نجيب سرور قصيدة والده ال**ميات و اضطر بعدها أن يترك البلاد بعد أن قضت محكمة جنح السيدة زينب بحبسه سنة. و اليوم، تتوسع الدولة في استخدام هذه المواد و لا تمانع المحاكم في إنزال أقصى عقوبة في القانون، خصوصا بعد أن أصبح الكلام يصنف كثيرا ضمن جرائم الإرهاب التي تزيد عقوباتها على ما كان معتادا، حتى صار من الشاق جدا حصر المحبوسين في مصر و المطاردين لا لشيء إلا كلامهم.
[هنا بطاقة: لم يؤخذ الكلام إلى المحكمة]
يضاف إلى هذا أنه منذ ما يزيد على سنة، تخلت الدولة عن حكمتها النسبية السابقة و صارت تحجب مئات مواقع الوب و كثيرا من الخدمات التي تتيح تجاوز الحجب بل و حتى بروتوكولات إنترنت التي تسمح بتجاوز الحجب. تبذل مؤسسة حرية الفكر و التعبير مجهودا طيبا في رصد الحجب، و إن كنت في مصر و لديك بعض القدرات التقنية، يمكنك <a href="https://ooni.torproject.org/about/@">الاشتراك في هذا المجهود</a> (على مسؤوليتك!).
# هل حجب المواقع قانوني في مصر؟
لكن، إذا أصبحت مصر تمارس حجبا للإنترنت، فهل تغير الإطار القانوني منذ حكم المحكمة الإدارية العليا في 2009 حتى يسمح بالحجب؟ الإجابة نعم، و سأشرح في الفقرات القادمة كيف صار ذلك، ثم أوضح لماذا أظن أن الإجابة عن هذا السؤال و إن كانت مهمة، إلا أنها ليست كل شيء.
يمكنني اليوم بعد التشريعات التي مررها البرلمان الصيف الجاري و التي تؤثر على حرية التعبير و الصحافة بل و على نظام العدالة الجنائية نفسه تأثيرا خطيرا، أن أعد أربعة طرق قانونية لحجب المحتوى في مصر:
الأول ليس جديدا، فقد اعتاد مواطنون محافظون اجتماعيا و محامون على رفع دعاوى تطلب من المحاكم الإدارية إجبار الحكومة على حجب موقع ما أو ما يراه رافع الدعوى فئة كاملة من المواقع كالمواقع التي تقدم محتوى هداما للأخلاق مثلا، و قد اعتادت المحاكم الإدارية لسنوات طويلة على رفض هذا النوع من الدعاوى حتى قضت المحكمة الإدارية العليا مؤخرا، و هي إحدى المحاكم العليا الثلاثة في البلاد، بحجب موقع يوتيوب بأكمله لمدة شهر عقابا له على سماحه بنشر فيديو انتشر في 2012 و رآه الكثيرين حول العالم مهينا لمكانة نبي الإسلام محمد. لم يجر تنفيذ الحكم حتى اليوم على الرغم من مرور أسابيع عدة على إصداره، و أتوقع ان لا ينفذ مطلقا. للأسف، تصورت المحكمة أنها تعاقب شركة عملاقة مثل يوتيوب، و لكن الخيار الحقيقي هو بين أن تنفذ الحكومة الحكم فيخسر جهمور المشاهدين في مصر واحدا من أهم مصادر المعلومات و الترفيه على الإطلاق، و تخسر صناعات الإعلام و الإعلان و الترفيه المصرية مبالغ طائلة، و يضاف إلى سجل الحكومة تعديا إضافيا على الحق في حرية التعبير، أو أن لا تنفذ الحكومة الحكم فنخسر كلنا ما تبقى من سيادة القانون و احتراما للمحاكم.
الثاني هو الآخر ليس جديدا، فنحن نعيش في ظل حالة مستمرة من الطوارئ منذ عشرات السنين باستثناءات قصيرة. تحت حالة الطوارئ، يصبح بإمكان رئيس الجمهورية إصدار أوامر باعتباره الحاكم العسكري للبلاد (فيما كان يعرف سابقا باسم الأحكام العرفية، و هي الاسم القديم لحالة الطوارئ)، و من ضمن هذه القرارات ما يقيد الحريات الأساسية بقيود غير عادية، مثل اعتقال الأفراد أو تحديد حريتهم في الحركة أو تكليفهم بأعمال معينة أو تقييد حرية التعبير بمراقبة الصحف و المطبوعات و البث الإذاعي و المراسلات الخاصة، هو ما يمتد إلى مواقع الإنترنت باعتبار أن الإنترنت وسيط بديل لتلك الأشياء. و على الرغم من أن هذه القرارات ليست سرية و يفترض أن تنشر في الجريدة الرسمية، إلا أنها لا تنشر مثل كثير من القرارات الأخرى بل و حتى القوانين، و لكن هذا موضوع آخر. لا يوجد لدينا ما يؤكد أو ينفي أن حجب مئات المواقع المستمر حاليا نتيجة أمر من الحاكم العسكري أو من ينوب عنه.
ثالث الطرق التي يمكن أن تحجب بها مواقع الإنترنت في مصر استحدثها قانون مكافحة ما يعرف بجرائم تقنية المعلومات و الذي أصبح نافذا بعد نشره في الجريدة الرسمية يوم 14 أغسطس الماضي برقم 175 لسنة 2018. تسمح المادة رقم 7 من القانون لجهات التحقيق، أي النيابة العامة أو قاضي التحقيق، في أي جريمة "تشكل تهديدا للأمن القومي أو تعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر"، أن تأمر هي بحجب مواقع من تحقق معهم في واحدة من تلك الجرائم، و ذلك أثناء التحقيق و حتى إنتهاءه بعدم إحالة المتهمين للمحاكمة أو حتى تحكم المحكمة ببراءة المتهمين المترتبطين بذلك الموقع من التهم الموجهة إليهم. في هذا الطريق عيب خطير و هو أن المحاكم الجنائية، على عكس المحاكم الإدارية، لا تقبل تدخلا إلا من الادعاء أو المتهمين بالأساس، و بالتالي لا يصبح أمام القارئ المتضرر من قرار الحجب مسلكا قانونيا يمكنه من السعي نحو رفع الحجب. على حد علمنا، لم تحجب أية مواقع خلال الأسبوعين الماضيين بقوة هذا القانون. يغطي القانون موضوعات عديدة أخرى، و سنعود إليه بالتعليق في مقالات قادمة.
أما رابع الطرق التي تحجب بها المواقع في مصر فهي أيضا حديثة أسسها قانون تنظيم الصحافة و الإعلام رقم 180 لسنة 2018 الذي نشر في الجريدة الرسمية يوم 27 أغسطس الماضي، و الذي تسمح المادة رقم 4 منه للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحجب أية مطبوعات، و من ضمنها ما هو في صيغة إلكترونية و قابل للتداول، "للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي"، و قرارات هذا المجلس يمكن لكل ذي صفة الطعن عليها و محاولة عكسها في القضاء الإداري مثل ما هو في الطريق الأول.
"لأصدقائي كل شيء، و لأعدائي القانون".--دكتاتور البرازيل جيتوليو فارجيس
أنت الأن غالبا تقرأ هذا المقال من على موقع محجوب في مصر بالفعل، و هو من أوائل المواقع التي بدأ حجبها العام الماضي. باستثناء موقع يوتيوب الذي أمرت المحكمة بحجبه في حكم نهائي واجب النفاذ لم تنفذه الحكومة حتى الآن، فكل المواقع المحجوبة في مصر اليوم لم تحجب بأي من الطرق القانونية الأربعة أعلاه، و هذا هو أساس المشكلة في مصر: هناك العديد من الطرق القانونية--و إن كانت غير مشروعة و متجاوزة في رأي البعض--لتقييد الحريات و منها حرية التعبير، إلا أن التعدي الرئيسي على الحريات في مصر سببه التدهور المستمر في سيادة القانون، فالدولة هنا لا تلتزم بالطرق القانونية التي تشرعها لنفسها و لا تنفذ الأحكام القضائية التي تصدرها لنفسها. فعلى الرغم من أهمية القانون في تنظيم المجتمع و التغير السريع في الإطار القانوني مؤخرا، لا يجب علينا المبالغة في افتراض أن القانون موضوعي و يسري على الجميع بالتساوي. القانون في جميع الحالات يأتي ليُرَسِّم علاقات قائمة بالفعل في المجتمع نتيجة توازن القوى بين أطرافه. حال علاقات القوى بين الدولة و المواطنين، أو بين شركات الاتصالات و المستخدمين، لم تكن أبدا بالقدر من التوازن الذي يسمح بالحفاظ على حقوق المواطنين و المستخدمين، قبل الحجب أو بعده. فالقيود المفروضة على الاتصالات قبل البدء في حجب المواقع لم تأت خشية على حقوق المواطنين في المعرفة و التعبير، بل وعيا باختلال توازن القوى مع الدولة و بالتالي عدم أهمية الحجب (أو المواطنين أنفسهم). و بالمثل، فالقيود المفروض على الاتصالات بعد الحجب ليست بغرض الحفاظ على المصلحة العامة لأنها تأتي بطريق غير مشروع لأن المنوط بهم إنفاذ القانون لا يكترثون به أنفسهم.
# الحل تقني و في يدك أنت
كي تحجب شركة الاتصالات موقعا (بأمر من الدولة)، فإنها تراقب طوال الوقت كل ما يطلبه المستخدم و تمنع إيصال المحتوى إن كان على قائمة الحجب. بالتالي فقبل حجب المحتوى عن بعض القراء ينبغي أن تراقب شركات الاتصالات جميع المستخدمين طوال الوقت، و هذا هو التجاوز الأكبر و الأخطر. الحجب في أساسه تعدي على الحق في خصوصية جميع القراء، من يطلبون المحتوى المحجوب و من لا يطلبون، و هو أيضا عيب تقني في طريقة استخدامنا للإنترنت يمكن تجاوزه. تدفع الدولة القراء الذين يرغبون في تجاوز الحجب للجوء إلى وسائل--مثل الشبكات الخاصة الافتراضية VPN--التي تخفي عن شركات الاتصالات ما يقرأه المستخدمون و بالتالي تسمح هذه التقنيات بتصفح المواقع المحجوبة كنتيجة ثانوية لحفاظ المستخدمين على خصوصيتهم بأنفسهم. و لهذا السبب، فأنا سعيد بالحجب في الحالة المصرية، لأنه يذكر القراء أن ميزان القوى ليس في صالحهم، و أن تحقيق ذلك التوازن و الحفاظ على الحقوق و ممارستها مسؤوليتهم هم.
بالطبع، الأمر ليس بهذه البساطة، فاستخدام أدوات الحفاظ على الخصوصية هذه صعب في الحالة المصرية لأسباب متداخلة، بعضها اقتصادي، و الآخر تقني، و البعض الثالث يتعلق بقانوني الاتصالات و بما تسمى الجريمة الإلكترونية، فالحفاظ على خصوصيتك قد يكون جريمة أمن قومي في مصر، و لكن هذا مقام لمقال آخر.